إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - نبذة عن سيرة الإمام ابن خزيمة

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - نبذة عن سيرة الإمام ابن خزيمةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، كان بحراً من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث والعلم، فكتب الكثير، وصنف وجمع، وهو من المجتهدين في دين الإسلام، جاهد أهل البدع بلسانه وبنانه، وبين بطلان عقائدهم الزائفة، وفصل عقائد السلف وبينها وأظهرها بدلائل القرآن والسنن والآثار.

    1.   

    فضل العلماء وطلب العلم

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فأشرف الناس على الإطلاق هم العلماء الذين هم واسطة بين الخالق وبين المخلوق، قال ابن عيينة: أفضل البشر على الإطلاق هم الواسطة بين رب البشر وبين البشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    العلم العلم، والطلب الطلب، فإن شمس البدعة قد بزغت، ولا تخمد نار الفتنة إلا بالطلب، ولما ظهرت البدع في القرون الخيرية في القرن الثالث انبرى لها أساطين العلم، ومن أفاضل الأمة على الإطلاق هذا الإمام العظيم إمام الأئمة ابن خزيمة .

    وعلم التوحيد هو أشرف العلوم على الإطلاق، إذ شرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا، بل قال ابن القيم: لن ترسخ معرفة أحد ولا قدم أحد في الإيمان ولن يستقيم إيمان أحد حتى يتعرف على رب البرية جل وعلا في صفاته وأسمائه جل وعلا.

    والعلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله ونهيه، والعلم بالله هو الأصل، والعلم بأمر الله ونهيه هو علم الفروع كالفقه وغيره، فعلم الأصول هو العلم بالله جل وعلا وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتوحيد ربوبيته، وتوحيد الإلهية.

    وأشرف الناس هم العلماء، وطلبة العلم الذين يسيرون على درب العلماء، ولن يستقيم إيمان عبد إلا بالعلم، قال الله تعالى في مطلع الوحي: اقْرَأْ ، ما قال الله: بلغ، ولا قال: تعبد، ولا قال: وحد، بل قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وفي التوحيد قال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، لأنك لن توحد الله حتى تعلم. وطلب العلم هو أشرف العبادات، كما قال الإمام أحمد: لا أرى عبادة مثل طلب العلم لمن خلصت نيته.

    1.   

    أهمية كتاب التوحيد لابن خزيمة

    سندرس بإذن الله في هذا الكتاب العظيم: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل لـابن خزيمة ، وهذا كتاب جليل مهم جداً, فوائده جليلة وقيمة، تناول مؤلفه فيه صفات الله جل وعلا وأسمائه الحسنى، وتناول الكلام عن الإيمان بالغيبيات والقبر ومنازل الآخرة، وتناول أيضاً الكلام عن القدر.

    وقد ألفه مؤلفه رداً على أهل البدعة والضلالة، إذ في عصره بزغت شمس البدعة من الخوارج والشيعة والجبرية والقدرية والمعتزلة والجهمية، فقام هذا العالم الجليل يرد على أهل الأهواء وأهل البدع، ومن ضمن المصنفات التي كانت نوراً في سماء العلم هذا الكتاب العظيم الخاص بالتوحيد، كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل.

    1.   

    التعريف بابن خزيمة

    مؤلف هذا الكتاب هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ الحجة الفقيه، جمع الله له العلمين، فكان فارساً في ميدان الحديث أستاذاً في علم النقد والجرح والتعديل، وأيضاً كان فقيهاً مستنبطاً، ولا عجب أن يكون كذلك وقد أخذ العلم عن أكابر علماء الشافعية عن المزني والربيع ، وكان يروي عنهما كتب الشافعي ، وكان حافظاً حجة فقيهاً، وكان على فقه الإمام الشافعي ، ولقب بإمام الأئمة صاحب التصانيف.

    مولده ونشأته

    ولد إمام الأئمة في شهر صفر من عام 223 في نيسابور، ونشأ بها وطلب الحديث منذ حداثة سنه، فسمع من عالم خراسان ومحدثها الإمام إسحاق بن راهويه .

    كان تقياً زاهداً عابداً، وثمرة العلم تظهر عند التطبيق، فالعلم وسيلة لا غاية، والغاية من العلم هي التطبيق، وكان كثير من طلبة العلم لا يأخذون عن أحد العلم حتى ينظروا في صلاته وفي ذكره وفي تعبده، وينظروا في تقواه وفي ورعه، فكان هذا الإمام ممن تعلم ليعمل، فكان تقياً زاهداً ورعاً قواماً صواماً، وكان كريماً سخياً شجاعاً رضي الله عنه وأرضاه، ورضي عن السلف أجمعين الذين حملوا لنا هذا العلم العظيم.

    سلك الإمام ابن خزيمة طريقة طلاب العلم في عصره وهي تلقي العلم أولاً عن شيوخ بلده ثم الرحلة في الطلب، والرحلة هذه كأنها سنة أميتت، وهي لم تمت بحمد لله، لكن الله جل وعلا عوضنا بكسلنا وبقلة همتنا وضعف الوازع عندنا بأن العلماء وإن كانوا في مشارق الأرض ومغاربها يصل إلينا علمهم عن طريق الاسطوانات أو عن طريق شرائط الكاسيت.

    سمع في صغره كما أسلفنا من علماء نيسابور مثل ابن راهويه ومحمد بن حميد ، وكان يرغب في الذهاب إلى قتيبة فاستأذن أباه فأجابه: اقرأ القرآن أولاً، وأنا أهيب بكل طالب علم أنه لا بد أولاً أن يصبر نفسه في الحفظ، أنا جلست مع بعض مشايخي وسألته عن الجد في الطلب فقال: لا تسأل عن شيء حتى تحفظ القرآن، أصل العلم في القرآن، والشيخ محمد بن إسماعيل دائماً يقول: احفظ القرآن ثم بعد ذلك تكلم عن الطلب، وهذا تأصيل أصله الشيخ أسامة العظيم من مشايخ القاهرة، لو قلنا: إنه حلية زهاد هذا العصر فهو كذلك، فهو دكتور في الأزهر متخصص في أصول الفقه، وقد درس وأخذ بكالوريوس هندسة، ثم بكالوريوس شريعة، ثم ماجستير، ثم دكتوراه في أصول الفقه، رجل عابد يقيم الليل، نسأل الله جل وعلا أن يرفعه في عليين مع الصحابة الكرام مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قام الليل بالإخوة في رمضان لا ينتهي إلا قرب الفجر، الذين يصلون خلفه يريدون السحور وهو ما يفكر إلا بالعبادة.

    رأيته في الحج وقد اسودت الوجوه من شدة حر الشمس، فرأيته ورب السماوات والأرض وكأن وجهه يشع نوراً!

    فالرجل متعبد جداً وزاهد، وهو شافعي المذهب، فـالشافعي كان يقول: تفقهوا قبل أن تسودوا، وكان هو يبين هذا ويقول: لا يتزوج أحد حتى يطلب العلم؛ حتى تكون امرأته تحته، فمن كان ذا علم سيستطيع أن يسير امرأته خلفه، فكان يقول: ما يتزوج أحد حتى يحفظ القرآن.

    وكان السلف لهم منهج في طلب العلم، يقول العالم لمن أراد العلم: احفظ القرآن، فإذا حفظ القرآن وجاء إلى مجلس التحديث، قالوا: لا تجلس مجلس التحديث حتى تتعلم الفرائض، لأن هذا أول علم يندثر، فيتعلم علم المواريث ثم بعد ذلك يبدأ بطلب الحديث.

    هنا الأب فعل ذلك مع الابن فقال له: لن تذهب إلى قتيبة لتسمع عنه وتروي عنه حتى تحفظ القرآن، والآن في عصرنا هذا لا تستطيع أن تقول لرجل كبر سنه: لا تطلب العلم حتى تحفظ القرآن؛ فتضيعه، الآن نحن نقول لمن كبر سنه وما استطاع أن يستدرك هذه المسألة: اطلب علم التوحيد، فعلم التوحيد هو أهم العلوم، وإن لم يستطع أن يجمع بين حفظ القرآن وعلم التوحيد فعلم التوحيد يقدم؛ لأنك لن تصل إلى ربك إلا بتوحيد خالص، ولن تخلد في الجنة وتنجو من نار جهنم إلا بتوحيد خالص.

    يقول ابن خزيمة: فاستظهرت القرآن، يعني: حفظته عن ظهر قلب، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة، ففعلت، فلما عيدنا أذن لي، فخرجت إلى مرو وسمعت بمرو من محمد بن هشام وغيره.

    ثم واصل رحلاته في طلب العلم ورحل إلى بلدان كثيرة، رحل إلى بغداد، والري، والشام، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، ومصر، وواسط، وفي هذه المدن سمع من علماء أعلام في السنة والفقه وغيرها من العلوم.

    شيوخه

    كان ابن خزيمة من قرناء البخاري ومسلم ، وأعظم الشيوخ الذين سمع منهم: محمد بن يحيى الذهلي شيخ البخاري ، وأيضاً إسحاق بن راهويه .

    أما مكانته العلمية فكانت مرموقة جداً بين أهل العلم، وكفاه فخراً أن لقب بإمام الأئمة.

    كان يجمع بين علم الحديث والفقه، وقد قلنا: من طلب الحديث دون الفقه زل في المسائل الفقهية وضعف، ومن طلب الفقه دون الحديث احتج بالضعيف ولم يستطع أن يتقوى، ولا بد من الجمع بين الحديث والفقه، وأنا أسأل ربي أن ييسر علي إتمام بحث معين سميته فقهاء المحدثين، فهؤلاء هم أفاضل الناس، هؤلاء الشموس هم العلماء بحق الذين يحتذى حذوهم، قال الإمام أحمد: كنا نسمي أهل الحديث صيادلة، وكنا نسمي أهل الفقه أطباء، فخرج علينا الشافعي ، فكان طبيباً صيدلانياً جمع بين الفقه وبين الحديث.

    والعلماء يعيبون جداً على يحيى بن معين الناقد الجهبذ الذي كانت ترتعد فرائص أي عالم من علماء الحديث إذا وجد يحيى بن معين ؛ لأنه كان نقاداً في علم الجرح والتعديل، ومع هذا كانوا يعيبون عليه عدم علمه بفقه الحديث، جاءته امرأة تسأله: هل لي أن أغسل زوجي الذي مات وأنا حائض؟ وكان قد وصى أن تغسله، فوقف يحيى بن معين حائراً يضرب أخماساً في أسداس كما يقولون، ثم مر أبو ثور الكلبي صاحب الشافعي ، فقال يحيى: اسألي هذا الرجل، فقال أبو ثور: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج رأسه لـعائشة فترجله وهي حائض، وهذا قياس الأولى، فلما أبيح للحائض أن تفعل ذلك، والمعتكف يمكنه ذلك، فالذي هو أحوج إلى التغسيل والتنظيف فالحائض يحل لها أن تغسله.

    فقال يحيى بن معين: نعم هذا الحديث جاءنا من طريق فلان عن فلان عن فلان، وطريق فلان وفلان، وأتى بكل الطرق، فقالت المرأة: ولماذا لم تجبني لما سألت؟! وأين فلان وفلان التي تتحدث عنهم عندما سألتك؟! فعابوا عليه ذلك.

    والإمام أحمد بن حنبل اشتد على يحيى بن معين ؛ لأنه كان يتكلم في الشافعي ، والشافعي جبل لا يؤثر فيه كلام أحد، حتى وإن كان يحيى بن معين ، فـالشافعي إمام كالشمس، فكان يتكلم فيه يحيى بن معين فعابوا عليه ذلك، واشتكوا إلى أحمد بن حنبل ذلك وقالوا: أما تسمع صاحبك يتكلم في الشافعي ؟! فقال أحمد بن حنبل: أما إن يحيى بن معين يجهل ما يقوله الشافعي ، ومن جهل شيئاً عاداه.

    أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية كان يجلس مع مناظريه وهم مقلدة، يحفظون الفروع من الفقه فقط، ولا يعرفون فقه الأدلة، بينما شيخ الإسلام ابن تيمية أعطاه الله قوة في العلم وبسط له، فكان يقف يناظرهم، فيقولون: هذا رجل ما يفقه شيئاً! نسأله عن الشمال فيتكلم عن الجنوب والشرق والغرب ويبعد عن المسألة، قال ابن القيم: هذا من سعة علمه وفقهه وغوصه في الأدلة، ومن شدة جهلهم وضيق أفقهم، فأي إنسان يجهل ما يقال يعادي صاحب المقولة.

    ثناء العلماء على ابن خزيمة

    ابن خزيمة شهد له فحول العلماء بالحفظ والفقه، والقدرة على الاستنباط والفهم، وقد جاء هذا الاعتراف والثناء من تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم، ومن شيوخه الذين تلقى عنهم، مثل أبي حاتم الرازي الذي قيل: إنه أحفظ من البخاري ، ومثل أبي زرعة الذي كان أيضاً أحفظ من البخاري ، لكن البخاري كان أتقن منهما في العلل وغير ذلك، سئل أبو حاتم عن محمد بن خزيمة فقال: ويحكم! هو يسأل عنا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به، وهذا كما سئل يحيى بن معين عن أحمد بن حنبل فقال: أو أحمد يسأل عنه؟! هو يسأل عنا، أحمد إمام الدنيا.

    والربيع صاحب الشافعي حامل فقهه، هو أحد من تفقه عليه ابن خزيمة ، قال لبعض تلاميذه: هل تعرفون ابن خزيمة ؟ قلنا: نعم، قال: استفدنا منه أكثر مما استفاد هو منا.

    قال الدارقطني: كان ابن خزيمة إماماً عديم النظير.

    قال الذهبي: كان هذا الإمام جهبذاً عالماً بالحديث، بصيراً بالرجال.

    وقال أيضاً: ابن خزيمة الإمام الحافظ الحجة الفقيه.

    وقال ابن حبان : ما رأيت من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا ابن خزيمة .

    قال ابن كثير عنه: كان بحراً من بحور العلم، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث وطلب العلم، فكتب الكثير وصنف وجمع، وهو من المجتهدين في دين الإسلام.

    قال أبو علي : لم أر مثل محمد بن إسحاق كان يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة، وهذا معناه أنه كان يذكر الحديث وأيضاً يفقه متن هذا الحديث.

    فقد كان محدثاً وفقيهاً مثل البخاري جبل الحفظ، فكتاب البخاري يدلك على فهم دقيق واستنباط بديع من الأحاديث، كان يقطع الأحاديث ويبوبها على أبواب، فتراجم أبواب البخاري تثبت لك أنه كان فقيهاً؛ ولذلك تنازعه الحنابلة والشافعية فكل ينسبه إلى مذهبه، فالشافعية كتبوا: البخاري شافعي المذهب، وفي تراجمه كثيراً ما يرجح مذهب الشافعي ، وقال الحنابلة: حدث عن شيخه الإمام أحمد بن حنبل في الصحيح، والراجح أنه إمام مجتهد مطلق.

    قال الذهبي : كان لـابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه، ولاتباعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    عقيدة ابن خزيمة

    كان ابن خزيمة سلفي العقيدة على طريقة أهل الحديث، يقول بما قاله الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعون وتابعوهم، ومما يبين هذا قوله في هذا الكتاب: فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله جل وعلا ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونطبق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا عن أن نشبهه بالمخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز أن يكون عدماً كما قاله المبطلون.

    والفرق بين التشبيه والتمثيل أن التشبيه هو المطابقة في أغلب الصفات، والتمثيل: في كل الصفات، قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَي [الشورى:11].

    فكل معطل مشبه باللزوم؛ لأنه شبه أولاً فخشي من إثبات التشبيه فقال: يد الله كيد البشر، عين الله كعين البشر، لا، ليس له يد ولا عين؛ فعطل خوفاً من التشبيه.

    والتعطيل تعطيلان: تعطيل كلي وجزئي، تعطيل بنفي الاسم والصفة، وهو تعطيل غلاة الجهمية، يقولون: لا عليم ولا علم، ولا كريم ولا كرم، ولا عزيز ولا عزة، أعوذ بالله من هذا الضلال المبين والكفر الفاحش، فغلاة الجهمية ينفون عن الله الاسم والصفة، هذا هو التعطيل الكلي، نفي الاسم والصفة.

    والتعطيل الجزئي: نفي الصفة دون الاسم، يثبتون الاسم فيقولون: الله من أسمائه الحسنى العليم، لكن لا يثبتون العلم، ولذلك كثير من القدرية يقولون: الله لا يعلم أفعال العباد حتى يعملوها، فهؤلاء عطلوا الصفة دون الاسم.

    وهم في تعطيل الصفة متفاوتون، فمنهم من يعطل جميع الصفات، ومنهم من يعطل أغلب الصفات وهم الأشاعرة الذين أثبتوا السبع الصفات التي يدل عليها العقل كما زعموا.

    وقال ابن خزيمة أيضاً: نحن نقول: إن الله سميع بصير كما أعلمنا خالقنا وبارئنا، ونقول: من له سمع وبصر من بني آدم فهو سميع وبصير، ولا نقول: إن هذا تشبيه المخلوق بالخالق، ونقول: إن لله عز وجل يدين يمينين لا شمال فيهما، ونقول: إن من كان في بني آدم سليم الجوارح والأعضاء فله يدان يمين وشمال، ولا نقول: إن يد المخلوق كيد الخالق عز ربنا عن أن تكون يده كيد خلقه.

    ومعنى كلامه أن الأسماء والصفات توقيفية، يعني: لا بد من وجود نص من كتاب أو من سنة حتى نقول: هذا اسم لله أو هذه صفة من صفات الله جل وعلا.

    والله جل وعلا اسمه السميع البصير، ويوصف المرء بالسمع والبصر، فيقال: إنه سميع بصير، فاتفقا في التسمية لكن يختلفان في الكيفية، قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وأسماء الله تتضمن صفات كمال، لكن الإنسان قد يسمى باسم لا يتضمن الصفة، فمثلاً: يسمى كريماً وهو أبخل البشر، أو شجاعاً وهو أجبن الناس.

    وهنا قال ابن خزيمة: إن لله جل وعلا يدين لا شمال فيهما، والدليل على أن لله يدين اثنتين قول الله جل وعلا: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] فهو من باب التعظيم، والعظمة كلها لله، فحق لله أن يعظم نفسه، أما ترى أن الملك مثلاً يقول لأتباعه: إن الملك يأمر بكذا، وما يقول: أنا، يعظم نفسه.

    أما قوله: لا شمال فيهما فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

    القول الأول: لله يد يمين ويد شمال؛ بدليل الحديث الذي في صحيح مسلم قال: (ثم يأخذ السماوات بشماله) فصرح بالشمال.

    القول الثاني: قالوا: في الحديث: (كلتا يدي ربي يمين)، فلا نثبت لله يد شمال.

    ونحن نقول: إذا ثبت أن لله شمالاً سمعنا وأطعنا، وأثبتنا ما أثبته الله لنفسه، وأثبتنا ما أثبته له رسوله، لكن الزيادة في هذا الحديث ضعيفة، إذ إن الثقة خالف الثقات وذكر لفظة (الشمال)، فلا شمال لله جل وعلا؛ لضعف هذا الحديث، ولو ثبت لأثبتا الشمال لله.

    قال ابن خزيمة : ونحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، وما بينهما من صغير وكبير لا يخفى على خالقنا خافية في السماوات السبع والأرضين السبع، ولا ما بينهما ولا فوقهن ولا أسفل منهن، لا يغيب عن بصره من ذلك شيء، يرى ما في جوف البحار كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه، وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنهم إنما يرون ما قرب من أبصارهم، مما لا حجاب ولا ستر بين المرء وبين أبصارهم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.