إسلام ويب

كتب عليكم الصيامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن شهر رمضان هو أفضل الشهور على الإطلاق، ذلك لأن الله تعالى اختصه بفضائل كثيرة، منها أنه أنزل فيه القرآن وأنه شهر الصيام، إلى غير ذلك من الفضائل، فحري بشهر هذه فضائله أن يُعتنى فيه بطاعة الله تعالى وعبادته، من الصلا ة والصيام والعبادة والذكر وقراءة القرآن وغيرها . لذلك نجد أن الشيخ حفظه الله في هذا الدرس قد بين أهمية رمضان والحكمة من فرض الصيام فيه، ثم حث على تقوى الله تعالى وعبادته، وعلى الإنفاق في سبيل الله في رمضان وخاصة وأن هناك إخواناً لنا فقراء لا يجدون ما يسدون به رمقهم، وأن هذا هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان.

    1.   

    قوله عز وجل: ( كتب عليكم الصيام )

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، هو مستحقُّ الحمدِ وأهلُه، وهو أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة، فالحمد لله الذي بارك لنا في رجب وشعبان، وبلَّغَنَا رمضان، والصلاة والسلام على رسوله وخليله ومجتباه محمد صلى الله عليه وسلم سيدِ ولد عدنان، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا مصابيح الدجى، ونجوم الهدى، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فها نحن قد تجاوزنا في هذه الليلة وخلفنا وراء ظهورنا اليوم الأول من شهر رمضان من هذا العام، عام 1413 للهجرة.

    أيها الأحبة: يقول الله عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أياماً معدودات [البقرة:183-184] إن لنا مع هذه الآية الكريمة -التي هي الأصل في وجوب الصيام على المسلمين جميعاً- وقفات:

    أولاها: قوله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ[البقرة:183] فإنه دليل على وجوبه على المسلم البالغ العاقل القادر في هذا الشهر الكريم، فإن الكتابة تعني: الإيجاب، والفرض، والإلزام، والذي كَتَب علينا الصيام بهذه الآية الكريمة، هو الذي كَتَب علينا الصلاة، وهو الذي كتب علينا الحج وهو الذي كَتَب علينا الزكاة، وهو الذي كَتَب علينا الجهاد، وهو الذي كَتَب علينا سائر الأحكام، فحقٌ بمن امتثل أمر الله تعالى في الصيام أن يمتثل أمر الله تعالى في غيره، وألاَّ يفرق بين ما جمع الله تعالى، ولا يجمع بين ما فرَّق الله عزَّ وجلَّ.

    تعريف الصيام

    والصيام: هو الإمساك، كما قال الشاعر:

    خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ     تحت العجاج وأخرى تعلكُ اللجما

    وقال الله تعالى في قصة مريم عليها السلام: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً [مريم:26] كان صومها عن الكلام قال تعالى: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26]

    والصيام في شريعة المسلمين هو: الإمساك عن المُفَطِّرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد لله عزَّ وجلَّ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي عن الصائم: {يَدَع شهوته، وطعامه، وشرابه مِن أجلي} فالمقصود بالشهوة: الجماع، أو ما يماثله في تخلص الإنسان من الشهوة، فهذا كله محرم في نهار رمضان، وهو من المفطرات، ومثله أيضاً: كل الأشياء التي يُخرِج الإنسانُ بها شهوتَه، ولهذا قال الله تعالى: {يدع شهوته، وطعامه، وشرابه} وكذلك الطعام فهو من المفطرات والمحرمات في نهار رمضان، ومثله: الشراب.

    المفطرات

    فهذه أصول المفطرات الثلاثة: الجماع، والطعام، والشراب، ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة:187] أي: النساء في ليل رمضان وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ [البقرة:187] الصيام عن المباشرة، وعن الأكل، وعن الشرب إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] فهذه أصولُ المفطرات المُجْمَعُ عليها عند فقهاء الإسلام، فهذا المقصود بالصيام في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] وهو إحدى الشعائر العظيمة، وأحد أركان الإسلام التي بني عليها، كما في الحديث المتفَق عليه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامٍ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضانِ، والحجِّ} وفي رواية: {والحجِّ، وصومِ رمضان} فهو أحد أركان الإسلام ومَبانِيْهِ العِظام التي أجمع المسلمون على وجوبها وفرضيتها، حتى إن من جحد فرضية الصيام فإنه يكفر، ولو صام أمسك؛ لأنه جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ومُجْمَعاً على وجوبه عند علماء المسلمين.

    1.   

    قوله تعالى: ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )

    فإن الله تعالى بين أن الصيام قد كُتِبَ وأُوجِبَ على من كان قبلنا من الأمم السابقة، من بني إسرائيل وغيرهم من أتباع الأنبياء والمرسلين، وليس بحتم أن يكون الصوم عندهم كالصوم عندنا بكل حال، وأن تكون الأحكام له هناك كما هي الأحكام له هنا، ولكن أصل الصوم مشروع في حق الأمم السابقة، كما هو مشروع في حق هذه الأمة، ومفروض عليهم كما هو مفروض علينا، وفي ذلك تعزيةٌ وتسليةٌ للمسلمين، وتصبير لهم على ما يَجِدونه من مشقة الصيام، وألم الجوع والعطش، وقد يصوم الإنسان في يوم شديد الحر، طويل ما بين الطرفين، فيصبر ويصابر ويكابد ألم الجوع والعطش صابراً لله تعالى، فيقال له: اصبر، فلستَ أنتَ أول مَن سلكَ هذا السبيل، ولا أول مَن صام، بل أنتَ من الأمة المختارة المصطفاة المجتباة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم والتي هي أفضل الأمم، وآخر الأمم وجوداً، وأول الأمم دخولاًَ الجنة، فحقيقٌ بك أن تصبر، وأن تلتزم، وأن تطيع الله تعالى، وأن تنفذ أمره، كما نفَّذ الذين من قبلك من الأمم الذين كانوا أقل منك شأناً، وأبعد منك رتبة، ولكنهم فعلوا ما أمرهم الله تعالى به.

    ولهذا لما أمر الله تعالى يحي بن زكريا -كما في: السنن، وهو حديث صحيح أمره أن يأمر بني إسرائيل كلمات، فتأخر فيها، فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام: {إن الله تعالى أمرك أن تأمر بني إسرائيل بهذه الكلمات، فإما أن تقوم بها أنتَ، وإما أن أقوم بها أنا فقال له يحي: إنكَ إن قمتَ بها دوني خشيتُ أن يصيبني من الله تعالى عذاب، فقام يحي، فنادى في بني إسرائيل، فجمعهم في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد بهم، ووقفوا على الشرفات، فقال: إن الله تعالى يأمركم بكلمات ثم ذكرها، وكان منها: إن الله تعالى يأمركم بالصيام، وإنما مَثَل الصائم كمَثَلِ قوم معهم صرة فيها مسك، وإن خلوفَ فمِ الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك} فهو أمر وُجِبَ على من كان قبلنا، وأُوْجِبَ علينا في شريعة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وحقيقٌ بنا أن نكون أقوى امتثالاً، وأصبر وأصدق في امتثال أمر الله -عزَّ وجلَّ- لأننا من هذه الأمة المختارة.

    ثم قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] هو: ترسيخ لقلب الإنسان، وتدعيم له وتثبيت، وإشعار له بمعنى التعبد لله تعالى، ولهذا جاء في حديث رواه ابن أبي الدنيا، وهو حديث حسن، عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان مع قومه في سرية، فسمع هاتفاً يهتف: من صام لله تعالى في يوم شديد الحر، كان حقاً على الله -عزَّ وجلَّ- أن يُرويَه يوم القيامة، قال أبو بُردة: [[فكان أبو موسى -رضي الله عنه وأرضاه- يتحرى اليوم الشديد الحر، الذي يكاد ينسلخ فيه الإنسان من الحر، فيصومه لله تعالى]] {صوموا يوماً شديد الحر لحر يوم النشور} والجزاء من جنس العمل.

    هذه الأمة في موكب الأمم السابقة

    كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] إذاً أنتم أمة من ضمن أمم كثيرة تعبدها الله تعالى، فسمعت وأطاعت وذلت وخضعت لأمره، كلهم كانوا مسلمين، وكانوا مؤمنين، وكانوا مطيعين، وكانوا من أتباع الأنبياء، وهذه الآية الكريمة تربطك بهم، فلا تظن أنك فرد وحيد معزول في زمن الغربة واستحكام العزلة على أهل الإسلام، وفي زمن انتشار المنكرات، وقلة الطاعات، وكثرة المخالف، وقلة الموافق، لا. فأنتَ فرد من أمة طويلة عريضة، لها أول وليس لها آخر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أمة في قادتها: آدم -عليه الصلاة والسلام- الذي كان نبياً مكلماً، وفي قادتها: نوح -عليه الصلاة والسلام- الذي بسبب دعوته جعل الله تعالى السماء تنـزل الماء والأرض تتفجر به، حتى التقى الماء على أمر قد قُدر، وغرق أهل الأرض، ونجا نوحٌ ومن معه وفي قادتها: موسى -عليه الصلاة والسلام- الذي جعل الله تعالى البحرَ له يَبَساً، لا يخاف دَرَكاً ولا يخشى، وفي قادتها: إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الذي قال الله: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] وفي قادتها: محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي يقول الخُزَّانُ في الجنة: {بكَ أُمِرْتُ أن لا أفتح لأحد قبلك}.

    فهي أمة ممتدة في شعاب الزمان، ضاربة في جذور التاريخ، وهي أمة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ففي الصحيح:{لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا مَن خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس} أمةٌ قاتل أولُها مع نوح، ومع موسى، ومع سائر الأنبياء، ويقاتل آخرُها المسيحَ الدجال مع عيسى -عليه الصلاة والسلام- ومع المهدي محمد بن عبد الله رضي الله عنه الذي يبعثه الله تعالى قائداً ومعلماً للمسلمين، فهي أمة عريقة عميقة، كثيرة العدد، عظيمة الوجود، ممتدةٌ في شعاب التاريخ.

    فأنت إذاً تنتسب إلى هذه الأمة، وهذه أعظم نسبة، وأوثق رباط، إنه رباط المحبة في الله، ورباط الأخوة، ورباط الدين.

    وهذه الآية تذكرك كلما هلَّ هلال رمضان، وكلما سمعتَ صوتَ المنادي، وكلما وقفتَ بين يدَي الله، أنك تسلك طريقاً لستَ فيه بالأول، ولستَ بالوحيد، وإن كنتَ غريباً في بيتك، أو في بلدك، أو غريباً في وطنك، أو حتى غريباً في عالمك، فأنتَ لستَ غريباً على الوجود، فإن الوجود يعْرِفُكَ.

    فهذه الشمس التي تشرق عليك وتغرب، ألم تعلم أنها أُمِرَت بالوقوف عن الجريان من أجل يوشع بن نون -عليه الصلاة والسلام- لما غزا قوماً فأدركتهم، فقال للشمس: {أنتِ مأمورة، وأنا مأمور...-لئلا تغيب- اللهم احبسها عليَّ شيئاً، فحبست الشمس، حتى فتح الله له } .

    قفي يا أخت يوشع خبرينا     أحاديث القرون الأولينا

    يعرفكَ هذا البحر الذي تجمد لموسى عليه الصلاة والسلام، تعرفكَ هذه الأرض التي تشهد بما عُمِل عليها من خير أو شر، كما ذكر الله تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:1-5].

    الإسلام رباط يربط الماضين باللاحقين

    أنتَ لستَ غريباً، هؤلاء هم سلفك، ومن يأتون من الأجيال القادمة هم خلفُك، والإسلام رباط يربط الماضين باللاحقين، ويربط الغابرين بالآتين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه مالك وغيره، أنه عليه الصلاة والسلام قال: {وَددْنا أنَّا رأينا إخواننا قالوا: أوَلَسْنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم أصحابي، وإخواني هم الذين يأتون بعدُ} فالمسلمون الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالغيب، ما اكتحلت عيونهم برؤيته، ولا تلذذت آذانهم بسماع لذيذ كلامه، ولا تنعموا بالصلاة خلفه، هؤلاء المسلمون الذين آمنوا به -عليه الصلاة والسلام- واتبعوا النور الذي أنزل معه، وتمنى أحدهم أن يكون رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماله ونفسه، هؤلاء المؤمنون الذين جلُّ همِّ أحدِهم أن يحشره الله تعالى مع محمد صلى الله عليه وسلم وأن يُوْرِدَه الله تعالى حوضه، وأن يجعله يوم القيامة معه في الجنة، حتى يتمنوا رؤيته -عليه الصلاة والسلام- بما ملكت أيديهم، وربما تحقق لهم ذلك، فأراهم الله تعالى شخصَه الكريم في المنام، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: {من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي} أي: مَن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخصه وصفته التي نقلها عنه المؤرخون، فإنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل برسول الله عليه الصلاة والسلام.

    فهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وَددْنا أنَّا رأينا إخواننا} ويحق لنا أن نتطلع إلى رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تتشوق قلوبنا للقائه، والاجتماع معه، وسماع كلامه، كيف لا، وهو صلى الله عليه وسلم تمنى أن يرانا، ويلقانا -عليه الصلاة والسلام-، فهؤلاء هم السابقون، يتمنون أن يروا اللاحقين، أما اللاحقون فهم يدعون الله تعالى للسابقين قال الله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] فيَدْعُون لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، ويدعون الله تعالى لهم بالمغفرة، فهذه رابطة الإيمان، ورابطة التقوى.

    كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] إنها شريعة واحدة، وشعيرة واحدة، يأخذها اللاحق عن السابق، وتتوارثها الأمم والأجيال، جيلاً فجيلاً، ورعيلاً فرعيلاً.

    1.   

    قوله تعالى: ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

    لماذا نؤمر بالصوم؟

    ولماذا نؤمر بالصدقة؟

    ولماذا نؤمر بالصلاة؟

    ولماذا نؤمر بسائر العبادات؟

    غنى الله عن عباده

    إن الله تعالى غني عنا، كما قال -عزَّ وجلَّ-: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] وقال سبحانه: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ [فاطر:15] وقال: أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15] إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم:19] وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:20] فالله تعالى هو الغني.

    وفي الحديث القدسي: {يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، يا عبادي لو أن أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نَقَص ذلك من مُلكي شيئاً} فالله تعالى لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي.

    ما للعباد عليه حق واجب     كلا ولا سعي لديه ضائع

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا     فبفضله وهو الكريم الواسع

    فالله تعالى بيده مقاليد السماوات والأرض قال الله تعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة:255].. إِنما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    وهو الغني، فأنتَ إن عصيت الله، لا تضره، والملائكة في السماوات -كما في: الصحيح: {أَطَّتِ السماء، وحق لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلاَّ وفيها ملَكٌ واضع جبهته لله -عزَّ وجلَّ- أو راكع، أو ساجد} { أهل السماء الدنيا يقولون: سبحان ذي المُلْك والملكوت، وأهل السماء الثانية يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت} كم عدد الملائكة في السماء؟

    إذا كان البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف مَلَك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة، فكم يدخله في الأسبوع؟

    وفي الشهر؟

    وفي السنة؟

    وفي مائة سنة؟

    وفي ألف سنة؟

    وفي ما يعلم الله عزَّ وجلَّ كل هؤلاء لا هَمَّ لهم إلاَّ عبادة الله عزَّ وجلَّ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28] فالله تعالى عنده من يعبده، وإنما خلقَكَ ليبتليَك، ولهذا قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] وفي الحديث في: الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {مَن لَمْ يَدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةً في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه} والمعنى -والله أعلم-: إن الله تعالى ليس به حاجةٌ لهذا ولا لغيره، فالله غني عن كل العباد، وإنما شُرِع الصيام؛ لأن يمنع الإنسانَ عن قول الزور وشهادة الزور وعن الإثم، والمعصية، والجرائم، فإذ ا لم يمتنع الإنسانُ بالصيام عن ذلك كله، فماذا فعل الصيام فيه إذاً؟

    ولماذا صام إذاً؟

    هل صام لله تعالى؟!

    هل صام من أجل الله؟!

    هل صام لينفع الله؟!

    الله تعالى ليس به حاجةٌ إليه، ولا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي.

    إنما الصيام لك؛ ليحقق التقوى فيك، ولهذا قال -عزَّ وجلَّ-: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    الصائم متلبس بالعبادة طوال نهاره

    إنكَ وأنتَ صائم في نهار رمضان تشعر بأنك متلبس بعبادة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنتَ نائم فأنت في عبادة، وحين تنشغل فأنت في عبادة، وحين تبيع فأنت في عبادة، وهذا من أسرارِ الصيام وخواصِّه، فالمصلي -مثلاً- هو في عبادة أثناء الصلاة، لا يشتغل بغيرها، ثم يُقْبل على ما سواها، أما الصائم فهو في عبادة في كل أحواله، يتقلب على فراشه وهو صائم، يشتغل بدنياه وهو صائم، يدرِّس وهو صائم، يعمل في وظيفته وهو صائم، يعمل في حقله وهو صائم، يكتب وهو صائم، يقرأ وهو صائم، فعبادة الصيام لا تنفك عنه ولا ينفك عنها، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    أفَيَجْدُر بشخص متلبس بعبادة أن يعصي الله -عزَّ وجلَّ- وهو في حال العبادة، فيقولَ زوراً، أو يَشهدَ زوراً، أو يَكذب، أو يَغِش، أو يَحلفَ يميناً كاذبة، أو يَحقد، أو يَحسد، أو يَظلم، أو يفتري، أو يترك ما أوجب الله، أو يفعل ما حرَّم الله، إن ذلك لَعَيْبٌ، وإذا فعل هذا وهو صائم فأولى به أن يفعله في حال الفطر، ولذلك كان الصيام فرصة لتصحيح الأحوال، والتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، وذلك لأنه يغير حياة الإنسان، ويقلب الروتين المألوف عنده، فهو فرصة لإعادة ترتيب الأوضاع، والتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه ابن خزيمة، وابن حبان في: صحيحهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: {أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، فقال: آمين آمين آمين، قالوا: يا رسول الله، قلت: آمين ثلاثاً، قال: نعم، إن جبريل أتاني آنفاً فقال: مَن أدْرَكَ رمضان، فلم يُغْفَر له؛ فأبعده الله، قل: آمين. قلتُ: آمين. قال: مَن أدْرَك أبَوَيه أو أحدهما عند الكِبَر، فلم يَدْخَل الجنة؛ فأبعده الله. قل: آمين. قلت: آمين. قال: مَن ذُكِرتَ عنده، فلم يصلِّ عليك؛ فأبعده الله، قل: آمين، قلتُ: آمين } ما بالك بدعوة، إمام الدعوة فيها جبريل، والمؤَمِّن محمد -عليه الصلاة والسلام- أفَيَسُرُّك أن تكون ممن دعا عليهم جبريل، وأمَّن عليهم محمد صلى الله عليه وسلم، بأن يبعدك الله تعالى؟

    من أبعده الله، فمن ذا يقربه؟

    لا ينفعه أن يقربه المخلوقون، أو يرفعوا شأنه، أو يقيموا له وزناً، إذا أبعده الله عزَّ وجلَّ، من وجد اللهَ تعالى فماذا فقَد؟

    ومن أبعده الله فلا ينفعه أن يقربه العالمَون كلهم.

    الصيام فرصة لتحقيق التقوى

    إن الصيام فرصة لتحقيق التقوى، وللتوبة إلى الله عزَّ وجلَّ، وللإقلاع عن سائر الذنوب والمعاصي، ومن لم يفلح في تغيير عاداته السيئة في رمضان، فهو في غير رمضان أولى بالبُعد.

    هذا على نطاق الفرد، خاصة وأنه يجد المجتمعَ كلَّه يساعده، فأنت إذا ذهبت للمدرسة وجدت الناسَ صائمين، وفي السوق صائمين، وفي الشارع أيضاً تجدهم صائمين، فالمجتمع كله يقوي عزيمتك، ويشد أزرك، ولهذا لا يجد الصائم في رمضان ألم الصيام، ولكنه حين يصوم النفل يجد تعباً ومشقة في ذلك الصيام؛ لأنه يصوم والناس مفطرون، وكذلك لو أفطر الإنسان في رمضان لعذر، أو لمعصية، لم يجد للطعام في حلقه طعماً، ولم يجد للماء مساغاً؛ -هذا إن كان مؤمناً - لأن نفسه وروحه تكره ذلك، وتمقته وتبغضه، فيتحول الحلوُ إلى مُرٍّ علقمٍ.

    ثم تقوى المجتمعات كلها، لعلكم تتقون في مجتمعاتكم أيضاً، ولهذا كان رمضان شهراً ذا شخصية مميزة في واقع المسلمين كلهم، فالغريب إذا دخل مجتمعات المسلمين في شهر رمضان، يشعر أن هناك أمراً غير عادي، حتى أهلُ المعاصي والفجور، يغلقون حاناتهم ومواخيرهم، وأماكن فجورهم وفسادهم، ويتجهون إلى المساجد طاعة لله عزَّ وجلَّ، وهذا مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: { إذا دخل رمضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنة، وغُلِّقَتْ أبوابُ النار، وصُفِّدَتِ الشياطينُ} وفي رواية: {وسُلْسِلَتِ الشياطينُ} أي: وُضِعَتْ في السلاسل والأصفاد؛ فلا يَخْلُصون إلى ما كانوا يَخْلُصون إليه قَبْل من الوسوسة للناس، وإغرائهم بالمعصية، ودعوتهم إلى الفجور.

    1.   

    عظمة التشريع الإسلامي في الشعائر الظاهرة

    إنكَ تقف مندهشاً أمام عَظَمَة التشريع الإسلامي، في هذه الشعائر الظاهرة المعلَنة.

    الصلاة

    فالصلاة -مثلاً- تجد المسلمين وهم في تجارتهم وبيعهم وشرائهم، منهمكين في دنياهم، فإذا طرق آذانَهم صوتُ المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، ترك الواحد منهم الذي في يده، حتى ربما كان يزن بالميزان، فترك الكفة، واتجه إلى القبلة يصلي.

    نحن الذين إذا دُعوا لِصلاتِهِم     والحربُ تَسقي الأرضَ جامَاً أحْمَرا

    جعلوا الوجوهَ إلى الحجاز وكبَّروا     في مسمَعِ الرُّوح الأمين فكَبَّرا

    محمودُ مثل إياس قام كلاهما     لكَ في الوجود مُصَلياً مستغفِرا

    العبدُ والمولى على قَدَم التقى     سَجَدا لوجهكَ خاشعَين على الثرى

    إن انطلاق ملايين الأصوات في مشارق الأرض ومغاربها، في كل يوم خمس مرات: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، إنه إعلانٌ بانتصار محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فقد رفع الله تعالى له ذكرَه كما وعد: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4] وأخْمَل ذِكْرَ أعدائه وحاسِدِيه، وشانِئيه: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر:3] فلا يذكرهم الناس إلا باللعنة، أما هو صلى الله عليه وسلم فملايين الحناجر والأصوات في مشارق والأرض ومغاربها، تعلن الشهادة له بالرسالة والنبوة، في كل يوم خمس مرات.

    وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمِهِ     إذا قال في الخمس المؤذنُ: أشهدُ

    وشـقَّ لـه من اسـمه كي يـُجِلَّهُ     فذو العرش محمودٌ، وهذا محمدُ

    هذا في شأن الأذان ولذلك: {أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغزاة من أصحابه إذا أرادوا أن يغيروا على قرية أن ينتظروا، فإن سمعوا صوت المؤذن كفوا وإلا أغاروا} لأن هذا فيصل بين الإيمان والفجور.

    ومثله أيضاً أمر الصلاة، فإن الصلاة من الشعائر الظاهرة التي تفصل بين الإسلام والكفر، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: {بين الرجل وبين الكفر والشرك: تَرْكُ الصلاة} {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كَفَر} ولما ذكر صلى الله عليه وسلم أئمة الجَور قال: {الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قالوا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم، ونخرج عليهم، ونقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة} ولما استأذنه رجلٌ من أصحابه في أن يقتل الرجل الذي احتج على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: اعدل يا محمد، هذه قسمة ما أُرِيْدَ بها وجهُ الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لعله أن يكون يُصَلِّي} فبالصلاة حقن المسلمُ دمَه، وبالصلاة انتمى إلى هذه الأمة العظيمة الكريمة، والصلاة شعيرة ظاهرة، لا يُقْبَل أن يَسْتَتِر بها الإنسان، وهو يستطيع أن يعلنها، ولهذا كانت صلاة الجماعة واجبة على الصحيح من أقوال أهل العلم، حتى هدَّد النبي صلى الله عليه وسلم مَن يتركها بأن يحرق عليه بيتَه بالنار.

    شعيرة الصيام

    ومثله أيضاً: الصيام فإنه شعيرة ظاهرة عامة، يشترك فيها المسلمون جـميعاً، وتظهر بصماتـها على مجتمعاتهم، لكنني أقول: نعم كل المسلمين يستعدون لرمضان، فمِنهم: مَن يستعد لرمضان بإخلاص القلب، وتصحيح النية، والإقبال على العبادة، وتجريد القصد لله تعالى، والعزم على التوبة. مِن الناس مَن يستعد لرمضان بألوان الأطعمة والأشربة والمأكولات، كما يفعله كثيرٌ من الناس.

    ومِنهم مَن يستعد لرمضان ببرنامج خاص -كما يفعل الإعلاميون- يحتوي على المواد المعينة، الذي يُخاطَب به الناسُ، ويُوَجَّهون توجيهاً معيناً، وإذا كان يُقَدَّم للناس في غير رمضان المسرحية المنحرفة التي يمثلها فلان وفلان، وتدرِّب على المعاني الرديئة، فإنه في رمضان قد تُقَدَّم لهم المسرحيات التي يظهر فيها ذلك الممثلُ نفسُه وعينُه، يؤدي دور خالد بن الوليد، أو صلاح الدين الأيوبي، أو غيرهما من أبطال الإسلام وعظماء التاريخ، حتى يظن الناس أن أولئك كانوا كهؤلاء، ويلتبس الأمر عليه، وتتحول الحقيقة إلى خيال، ويتحول الجد إلى هزْل.

    ومِن الناس مَن يستعد لرمضان باللهو واللعب، كما نجده في كثير من البلاد، في ألوان المباريات الكروية، والدورات الرياضية، ومع الأسف الشديد أن يعْلَنَ في هذا العام، في شهر رمضان، عن ما يزيد على خمس عشرة مباراة رياضية، تستغرق جُلَّ الليل، وسوف يتكوم أعداد كبيرة من الشباب في ملاعب الكرة لمشاهدتها، أما الذين لا يستطيعون ذلك فهم سيتابعونها من خلال الشاشة، وسوف تأخذ جزءاً كبيراً من الليل، على مدى خمس عشرة ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم، فإذا سهر الإنسانُ الليلَ كله يشاهد الكرة، فماذا تُراه سيصنع في نهاره؟

    هل سيدرس؟

    هل سيتعلم؟

    هل سيقرأ القرآن؟

    هل سيتعبد الله تعالى؟

    بل -أحياناً- أقول: هل سوف يصلي الصلوات الخمس مع المسلمين؟

    الله المستعان!

    ومِن الشباب مَن يستغلون ليل رمضان في تنظيم دوريات خاصة بهم، في عدد من الأحياء والأماكن والملاعب، تستغرق جُلَّ الليل، وربما كان أجمل ما يذكرهم برمضان هي: تلك الأنوار الكاشفة، والملاعب الليلية، والدوريات، وما أشبهها، وحقيقٌ وجدير بشباب الإسلام، أن يدرك حجم المؤامرة التي يدبرها له أعداء الإسلام وأعداء الدين من اليهود وغيرهم، وألا يقبل أن يكون لقمة سائغة لهم.

    مؤامرة تدور على الشباب     ليعرض عن معانقة الحراب

    مؤامرة تدور بكل بيتٍ     لتجعله ركماً من تراب

    إنه جديرٌ بالمسلم أن يحقق معنى الصيام: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فإذا لم يَدَعِ الإنسانُ قولَ الزور والعملَ به، وشهادةَ الزور، واللَّغْوَ والرَّفَثَ، فأيُّ سبب يدعوه إلى الصيام إذن؟!

    إن الله تعالى ليس بحاجة إلى أن يَدَعَ هذا الإنسانُ طعامَه وشرابَه.

    اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقاً، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراءَ مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه، اللهم ارزقنا فيه النية الصالحة. والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الجود في رمضان

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة: إنكم اليوم تستقبلون هذا الشهر الكريم، وقد انتهيتم الآن من أداء فريضة من فرائض الله عزَّ وجلَّ، ألا وهي صلاة العشاء، ثم أداء هذه السنة، التي نُقِلَت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التراويح، وقد صلاها صلى الله عليه وسلم ثلاث ليالٍ أو أربع، ثم ترك أداءها في الجماعة، خشية أن تُفْرَضَ على أمته، فحافظ عليها أصحابُه من بعده.

    أيها الأحبة: نبيكم -عليه الصلاة والسلام- كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيُدارسه القرآن، حتى إنه صلى الله عليه وسلم ما سُئل شيئاً قطُّ فقال: لا. وربما طَلَبَ منه أحدٌ الثوبَ الذي يلبسُه فدخل بيته، فخلعه وبعث به إليه.

    كأنَّكَ في الكتاب وَجَدْتَ لاءًَ     مُحَرَّمةً عليكَ فلا تَحِلُّ

    فما تدري إذا أعطيتَ مالاً          أيَكْثُرُ في سَماحِكَ أم يَقِلُّ؟

    إذا حَضَر الشتاءُ فأنتَ شَمْسٌ     وإنْ حَضَر المصِيْفُ فأنتَ ظِلُّ

    حتى إنه صلى الله عليه وسلم يفرح بما يُعطِي أكثر من فرح الآخِذِ بما يأخذ.

    تَراهُ إذا ما جئتَه مُتهللاً     كأنَّك تُعطيِهِ الذي أنْتَ سائله

    ولو لم يكن في كفِّه غيرُ روحِه     لَجَاد بِها فلْيَتَّقِ اللهَ سائله

    هكذا كان قدوتُكم وأسوتكم، على رغم شظف العيش، وقلة ذات اليد، وأنه كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: [[يمر في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، ما أوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ قال: فما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء]] وكان عليه الصلاة والسلام {ينام على حصير، فيؤثر جنبه، حتى يراه عمر، فيقول: يا رسول الله! كسرى وقيصر يدوسون على الحرير والديباج، وأنت هكذا فيقول: أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا}

    أيها الأحبة: أنتم، وقد أنعم الله عليكم، وأعطاكم، وأوسع عليكم، وأنتم في هذا الشهر الكريم، وفي هذه الساعات المباركة، تسمعون يقيناً أحوال الكثيرين من إخوانكم في بلادٍ شتى من بلاد الله تعالى، يعانون من المصائب، والفقر والجوع والمرض ما لا قِبَل لهم به، ويجدون من أعداء الدين من اليهود والنصارى مِن ألوان الدعم والتأييد والمساندة والمساعدة الشيء الكثير، وهم يستصرخونكم ويستنجدون بكم.

    وكل قضايا المسلمين بلا استثناء تحتاج إلى المال، ولو وجد المسلمون المال الكافي؛ لعرفوا كيف يدعون إلى الله، كيف ينشرون العلم، ولعرفوا كيف يحاربون الفقر والجوع، كيف يحاربون عدوهم، ولعرفوا كيف ينتصرون عليهم، ولحرروا بلادهم بإذن الله تعالى.

    الإنفاق في مجالات لا تنفع المسلمين

    لا أدري لماذا تجد السخاء والإنفاق في المجالات التي إن كانت عبارة عن مشاريع خيرية في الظاهر، وهي في الحقيقة بخلاف ذلك، لا تضر ولا تنفع، فتجد الكثيرين يسارعون إلى الإنفاق، إما مجاملة لفلان وفلان، وإما عادة برزوا عليها، وإما ليُسْكِتوا أفواه الناس، وإما من أجل أن يُذكَروا بذلك، فإذا جاء مجال الإنفاق في سبيل الله، وفي أعمال الخير، وفي وجوه البر؛ وجدتَ قبض اليد، ألم تعلم كيف شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك البخيل الذي يُمْسك يدَه عن الإنفاق، إنه كمِثْل رجل عليه جُـبَّة، كلما أراد أن يُوَسِّعَها تضامَّت عليه وضاقت، أما ذلك المنفق فهو الرجل الذي عليه جُـبَّة، وكلما وسعها اتسعت حتى تُعْفِيَ أثََره، وتقفوَ بنانه.

    ما لكم إذا قيل لكم أنفقوا في سبيل الله قبَضتُمْ أيديَكم؟

    وإِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38] يدعوكم الداعي إلى الإنفاق، فلا تسرعون، ولا تندفعون، وأكثرُنا ينفق وفي قلبه ونفسه شيء، وعنده شيء من الإعراض، وهو يرى أنه قد أخرج شيئاً وَدَّ ألاَّ يُخرج غيره.

    فيا عبد الله، إنك إنما تنفق على نفسك، وتتصدق لنفسك، والنفقة هذه أنت في ظلها يوم القيامة، ومن أعطى فإنما يعطي لنفسه، ومن تصدق فإنما يتصدق لنفسه، ومالُكَ ما قدَّمتَ، ومالُ وارثك ما أخرتَ.

    فأنا أدعوكم الآن -عاجلاً غير آجل- إلى أن تتقوا الله تعالى في أنفسكم، وتتقوا الله تعالى في ذراريكم، الذين يُحفظون -بإذن الله تعالى- بصدقكم وإخلاصكم وتقواكم، وتتقوا الله في هذه الأمة، التي أنتم منها، جزءٌ من جسدها، ولعلكم أنتم يدَها الباذلة، وكفَّها المنفقة، فأنفقوا وتصدقوا، لا أقول: مِن مالكم بل من مال الله الذي آتاكم، ومما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير.

    دعوة إلى الإنفاق على الفقراء المسلمين

    أيها الأحبة: وفي هذه الليلة بالذات، أذكركم بإخوان لكم في القارة السوداء، إفريقيا التي يكتسحها التنصير، ويحاربها ويعمل على تحويلها إلى النصرانية.

    وفي هذا اليوم بالذات قرأت خبراً يقول: النصارى في الصومال يشترون الفتيات المسلمات، من سن اثنَي عشر إلى ستة عشر سنة، يشتروهُنَّ، ويُزَيِّنُوهُنَّ، ويُجَمِّلوهُنَّ، ولك أن تعرف ماذا يريدون بِهِنَّ، ليس التنصير فقط، بل تحويلهن إلى راهبات، وليس الفساد فقط، بل تحويلهن -لو استطاعوا، وأرجو أن لا يفلحوا- إلى بائعات للهوى والفساد.

    فأين أنتَ يا غيور، هذه من محارمك، وكل مسلمة يجب أن تشعر أن انتهاك عرضها يسيء إليكَ، وأن العار الذي يلحق بها يلحق بك، ذُلُّهُ وحُوبُهُ وبَوارُه، فأنتَ مطالَبٌ اليوم بإنقاذ هذه المسلمة.

    وذلك الطفل: الذي يتلوى جوعاً، مَن له إلاَّ الله ثم أنت، والفقراء، أكثر من سبعمائة ألف مسلم إرتيْرِي في السودان، لا يجدون الكفاف، ويبيتون في بيوت من القَش، لا تواري من حرٍ ولا برد ولا شمس، وأعداد غفيرة من المسلمين يفترشون هذه القارة المترامية الأطراف، يجدون حولهم النصراني، يدعوهم إلى النصرانية، فإن تنصروا سهل لهم المهمات كلها، وجعل الدنيا لهم ورقاً بلا شوك كما يقال.

    أما المسلم، فيستصرخونه وينادونه، وهو كأنه لا يسمع، بل إنه لا يسمع فعلاً، فها أنا قد بلغتكم صوت إخوانكم، ووالله لتسألون عنهم، والله لتسألون عنهم، والله لتسألون عنهم، وإذا فَرَّطْتُم اليوم، فالدور عليكم غداً، إنهم أمانةٌ في أعناقكم، كبارهم وصغارهم، شيوخهم وشبابهم، رجالهم ونساؤهم، فقراؤهم وخائفوهم وجُهَّالُهم.

    فواجب علينا أن نعلمَهم بنشر الدعوة، ونغنيَهم -بإذن الله تعالى- بالمال، والعطاء، واللباس، والكساء، والطعام، والدواء.

    وواجب علينا أن نحميَهم من شر أعداء الإسلام، وأنا أدعوكم اليوم، رجالَكم ونساءَكم، أغنياءَكم ومتوسطيكم، شيوخَكم وشبابَكم، أدعوكم إلى أن تتقوا الله في أنفسكم، كما أدعوكم إلى أن تتقوا الله في إخوانكم هؤلاء، وإلى أن تنفقوا لإخوانكم في القارة السوداء، في إفريقيا، مما تجود به أنفسكم، من الزكاة، أو الصدقة، أو غير ذلك قال تعالى: ((وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [البقرة:272] وإنما هو لكم فأكثروا أو أقِلُّوا.

    1.   

    الأسئلة

    ما يجري في أفغانستان

    السؤال: حبذا لو أعطيتنا نبذة عما يجري في أفغانستان؟

    الجواب: هو خلافٌ بين الجمعية الإسلامية بقيادة رباني والحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، وهي فتنة -نسأل الله تعالى أن يَقِيَ المسلمين شرها- وهناك هدنة قائمة في هذه الأيام، ونرجو أن تكون بدايةً لأن تضَعَ الحربُ بينهم أوزارَها.

    ما أخبار الجهاد في الصومال والبوسنة

    السؤال يقول: لا يخفى عليكم حال الإعلام وصنيعُه لنا، نرجو أن تحدثونا عن أخبار الجهاد في: يوغسلافيا، والصومال؟

    الجواب: أما في الصومال، فالحمد لله، كانت كل الأحداث الماضية، على رغم أنه أريد بها شر، إلا أن المسلمين استفادوا منها، وقد بدأت التقارير الغربية تتكلم عن تنامي الوجود الإسلامي في الصومال، وأن أهل الخير والدعوة في الصومال، هم الذين بقوا الآن أعزاء أقوياء، وأنهم انتشروا في أوساط القبائل انتشاراً كبيراً، وقاموا بنشاط كبير في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، وهذا أيضاً يبشر بخير، ومهما كادوا ومكروا فالله من ورائهم محيط: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيْدُ كَيْدَاً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17].

    أما في البوسنة: فلا زالت الحرب سِجالاً بين المسلمين وأعدائهم، وقد دخل مع أعداء المسلمين مجموعات من الشباب من القوميين الروس، الذين تطوعوا للقتال إلى جانب إخوانهم من أهل الكتاب، من النصارى الصرب، أما المسلمون فلا زالوا يصيحون بكم، وعندي رسالة لعلِّي أقرؤها عليكم غداً، جاءتني من بعض الأخوات المسلمات البوسنيات تتفطر لها القلوب ألماً وحسرة.

    حكم مسح الوجه بعد الدعاء

    السؤال: ما حكم مسح الوجه بعد الدعاء؟

    الجواب: مسألة مسح الوجه بعد الدعاء، فيها خلاف بين أهل العلم، والأظهر والأرجح: أنه لا يثبت فيها حديث، ولكن مَن فَعلها فلا شيء عليه؛ لأنه قد جاء في هذا حديثان، صححهما بعض أهل العلم، كالإمام الترمذي وغيره.

    كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: حبذا لو ذكرتَ: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقرأ؟

    وكيف كان يرتل؟

    ويقف على المعنى، إلى غير ذلك؟

    الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم كان جبريل يعارضه بالقرآن، في كل سنة مرة، وفي العام الذي قُبِضَ فيه، عارضه بالقرآن مرتين؛ إيذاناً بدنو أجله، وهذا أصل في مشروعية ختم القرآن الكريم في شهر رمضان، وكان صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن ترتيلاً كما أمره الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] [[ وكان يقف على رءوس الآي ]] أي: على نهايات الآيات -كما قالت أم سلمة: {وكانت قراءتُه مداً، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:1-3] يقف على رأس كل آية، ويمدها مداً} ولم يكن هو صلى الله عليه وسلم، ولا أحدٌ من أصحابه، يَهُذُّ القرآنَ هَذَّاً كهَذِّ الشِّعر، ولا ينثره كنثر الدقل، كما نهى عن ذلك الإمام المقرئ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهو من قراء الصحابة، ولا يكون هَمُّ الواحد منا نهاية السورة، أو نهاية الوجه، أو نهاية الجزء، أو نهاية المصحف؛ لأن القرآن إنما أُنْزِل ليُعتَبر به، ولتُتَدَبَّر آياتُه، وليُوقَف عند معانيه، ولتُحَرَّك به القلوب، ولأن يختم الإنسانُ القرآنَ مرة واحدة في رمضان بترتيل وتمعن، ويقف عند المعاني، ويسأل عما أشكل، ويعرض قلبه على القرآن الكريم، ويحاول أن يخشِّع قلبه وصوته بالقرآن أفضل من أن يهُذَّ القرآن، ويختم مرات ومرات، دون أن يخرج من ذلك بطائل.

    فكم قارئ للقرآن ما وقف عند حدوده، ولا ائتمر بأوامره، ولا انتهى عن زواجره، وهذا لا يكاد يستفيد من قراءته عملياً، وإن كان لا شك أن قراءة القرآن خير، وتحريك اللسان بذكر الله تعالى خير، وهو مأجور على كل حال، ولأن يقرأ القرآن ولو بغير تأمل، أفضل من أن يسكت، ولأن يسكت أفضل من أن يتكلم بكلام الفحش والسوء.

    زكاة الأرض إذا كانت للتجارة

    السؤال يقول: هل على مَن يملك قطعة أرض زكاةٌ، إذا كانت معدة للتجارة؟

    الجواب: إذا كانت الأرض معدة للتجارة ففيها الزكاة، أما إذا كانت الأرض اشتراها ووضع فيها ماله، وفي نيته أن يبني عليها بيتاً في المستقبل، أو في نيته أن يزرعها، أو ما أشبه ذلك، ولم يعدَّها للتجارة، فلا زكاة فيها.

    حكم مسابقة الإمام

    السؤال يقول: لقد كبَّرت مع الإمام تكبيرة الإحرام، وبعد الركعة الأولى سهوت، ثم سبقت الإمام بركعة من ركوعها وسجودها، ثم أستدركتُ وتابعتُ الإمام، وسجدتُ للسهو، وقد أعدتُ صلاتي، هل ما فعلتُه صحيحاً؟

    الجواب: لا يجوز للإنسان أن يسابق الإمام، فإذا سابق الإمام متعمداً بطلت صلاته، وفي مثل هذه الحالة إذا كان سابقه بركعة وهو ساهٍ، فإنه كان من حقه أن لا يعتد بتلك الركعة، ويأتي بها بعد سلام الإمام، وما دام أعاد الصلاة فلا شيء عليه إن شاء الله تعالى.

    حكم إيذاء المصلين في المسجد

    السؤال: بعض المصلين -هداهم الله- يأتي متأخراً إلى المسجد، ثم يضايق إخوانه ممن أتوا إلى المسجد مبكرين، أرجو توجيه كلمة لهم؟

    الجواب: على الإنسان إذا جاء إلى المسجد أن يجلس حيث انتهى به المقام، ولا يضايق الناس، أو يؤذيهم، أو يتخطى صفوفهم أو رقابهم؛ لأن في ذلك أذية للمسلمين الذين جاءوا مبكرين إلى هذا المسجد.

    أما من أراد الخير، فعليه بالتهجير والتبكير إلى المسجد، وكما قال صلى الله عليه وسلم: {ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه} فبكر وبادر، والفرق بينك وبين من بادروا ربما عشر دقائق، أو ربع ساعة، وما بين هذا وذاك كبير فرق.

    حكم الأمر بالمعروف مع عدم أمر النفس

    السؤال: إنني مدرس -بحمد الله- أحث الطلاب على الالتزام والعمل الصالح، مع أنني مقصر في ذلك، فهل هذا من الخطأ؟

    الجواب: لا. أما تقصيرك، فهو من الخطأ، فعليك أن تستدركه.

    وأما حثك للطلاب على العمل الصالح، فهو حق، ولو كنتَ مقصراً فيه، فالله سبحانه وتعالى أمرنا جميعاً أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ولو كنا مقصرين، ولو كنا مفرطين.

    ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب     فمن يعظ العاصين بعد محمد<

    سجود التلاوة

    السؤال يقول: إذا كان شخص يقرأ سورة فيها سجدة، وهو غير مستقبل القبلة، فهل يسجد نحو القبلة أو أي جهة، وخاصة إذا كان جالساً على كرسي ونحوه؟

    الجواب: ينـزل عن الكرسي، ويستقبل القبلة، ويسجد لله تعالى، هذا هو المشروع في حقه إذا مرَّ بآية سجدة.

    قدر العلم الذي يكفي الداعية إلى الله

    السؤال: في الدعوة إلى الله تعالى لا يوجد دعوة بدون علم، فكيف يعرف الإنسان أنه اكتفى بالعلم الذي يهديه للدعوة إلى الله تعالى؟

    الجواب: الدعوة إلى الله لا بد أن تكون على علم، لكن ليس من شرط الداعي أن يكون مكتملاً في العلم، فلو كان هذا الشرط شرطاً شرعياً ما دعا أحدٌ، لأنه لا أحد إلا وفيه نقص من البشر، حاشا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    إذاً فعليك أن تدعو إلى الله تعالى بما تعلم، حتى لو كان ما تعلمه قليلاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، -كما في الصحيح: {بلِّغوا عني ولو آية} فمن علم سورة الفاتحة، فحق عليه أن يُعَلِّمَها مَن يَجْهلها، ومن علم قصار السور فليُعَلِّمْها من لا يَعْلَمُها، وهكذا، وليس من شرط الداعية أن يكون كبيراً في العلم، ولا عالماً يُشار إليه بالبنان، ولا مفتياً، ولا فقيهاً، لكن الشرط: ألا يدعو إلا إلى ما يعلم، أما ما لا يعلم فيقول فيه: الله تعالى أعلم.

    زكاة الحلي

    السؤال يقول: أريد أن أعرف: هل في الذهب المستعمل زكاة، علماً أنه لا يوجد مالٌ لاستخراج زكاة إلا عن طريق بيع شيء منه؟

    الجواب: هذه المسألة فيها خلاف، فإن جمهور العلماء، الأئمة الثلاثة وابن تيمية -رحمه الله- وابن القيم، وجمع كبير من الصحابة والتابعين قبلهم، يرون أن الذهب المستعمل للمرأة ليس فيه زكاة، وبعضهم يقول: زكاته إعارته، واستدلوا لذلك بأدلة وقياسات كثيرة ليس هذا مجال عرضها.

    وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن في الذهب المستعمل زكاة، وهذا اختيار جماعة من أهل العلم، منهم من المعاصرين: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، وجمع من أهل العلم، فإذا أخرجت المرأة زكاة الذهب احتياطاً؛ فهذا أفضل وأحوط وأبرأ للذمة، وإن لم تخرج فالأظهر -إن شاء الله تعالى - أنه ليس عليها شيءٌ.

    حكم دفع الزكاة للأخ الفقير

    السؤال: لي أخ فقير، وأنا -بحمد الله- أملك بعض المال، فهل يجوز أن أخرج الزكاة إلى أخي؟

    الجواب: إذا كان هذا الأخ فقيراً، أو محتاجاً، أو غارماً، فإنه يجوز أن تدفع إليه زكاة مالك، إنما لا تُدفع الزكاة للأصول ولا للفروع عند عامة الفقهاء، فلا تدفع للأب أو الجد، ولا للابن أو ابن الابن، كما لا تُدفع إلى من تجب عليك نفقتهم؛ لأنك إن أعطيتهم الزكاة كنت تحمي بها مالك.

    من دعي إلى طعام وهو صائم

    السؤال يقول: بالنسبة لصيام النفل: إذا دعيتُ إلى وجبة وأنا صائم فبماذا أرد؟ وكذلك إذا أردتُ إخبار أحد بأني صائم؟

    الجواب: أما إذا دُعيتَ: فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليصلِّ} أي: يدعو لأهل الوليمة، فيدعو الله لهم بأن يكثر الله تعالى في رزقهم، ويوسع في مالهم، ويجزيهم خيراً، وما أشبه ذلك من الدعوات.

    أما إذا أوذي الإنسان، أو تعرض له أحد بسب أو شتم أو ما أشبه ذلك، فليقل كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم: {فإن امرؤٌ شاتمه أو سابَّه فليقل: إني صائم، إني صائم} قال بعض الفقهاء: يقول ذلك بكل حال، وقال بعضهم: يقول هذا إذا كان الصوم فرضاً، أما إن كان نفلاً فيقوله سراً، لئلا يكون ذلك من الرياء، والأقرب: أنه إن أمن الرياء، قال ذلك في فرض أو نفل، فإن خاف على نفسه الرياء في صوم النفل، فإنه يقول ذلك سراً، ويُعرض عنه.

    المشاركة في مشروع الشيخ سفر الحوالي

    السؤال يقول: ما رأيكم في مشروع الشيخ سفر الحوالي حفظه الله، وما رأيكم في الجمع له؟

    الجواب: نعم، الجمع لمشروع الشيخ سفر الحوالي، والمشاركة في هذا المشروع العظيم من أعمال الخير والدعوة، وتكلفة هذا المشروع تقارب ستين مليوناً، ولن يمكن تسديدها إلا عن طريق المحسنين والأخيار والراغبين في الخير، ولكن هذا المشروع مما لا تصلح فيه الزكاة، ومن أحب أن يدفع لهذا المشروع شيئاً، فأنا على استعداد لإيصاله إلى فضيلة الشيخ سفر الحوالي حفظه الله.

    العمرة عن الميت

    السؤال: ما حكم العمرة عن الرجل المتوفي إذا كان والداً، أو أُمَّا، أو ما أشبه ذلك؟ وهل يصل الأجر إليهما؟

    الجواب: جاء في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة السلام: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له}.

    وكذلك جاء الحال بالنسبة للحج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ للمرأة أن تحج عن أبيها، وكذلك العمرة.

    فإذا حج الإنسان أو اعتمر عن أبيه أو أمه الميتين، فإن الأجر يصل إليهم إن شاء الله تعالى وله بذلك أجر أيضاً.

    ومثل ذلك: إذا تصَدَّقَ عليهما، كما قال بعض السلف: ليس في الصدقة اختلاف، وقال في الحديث أيضاً: {أو ولدٍ صالحٍ يدعو له} فالدعاء من أعظم الأعمال التي ينبغي للناس أن يكثروا منها لآبائهم وأقاربهم، ومن أحسنوا إليهم من الأحياء والأموات.

    التقبيل في نهار رمضان

    السؤال يقول: ما حكم تقبيل الزوجة في نهار رمضان؟

    الجواب: إذا كان التقبيل يترتب عليه، أو يخشى الإنسان أن يجره إلى الوقوع في بعض المفطرات، فإنه يجب عليه أن يتجنبه، من باب سد الذريعة، كما إذا كان شاباً قوي الشهوة، شديد الشَّبَق، ويخشى أن لا يملك نفسه، فعليه حينئذٍ أن يبتعد عن ذلك؛ لأنه يجره إلى الوقوع في الحرام.

    أما إذا أمن على نفسه فلا حرج، كما قالت عائشة رضي الله عنها: {أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم، وكان أملككم لإربه} أي: لحاجته.

    حكم ختم السحور بماء أو لبن

    السؤال: بعض الناس، وبخاصة العامة، إذا أرادوا أن يمسكوا عن الأكل والشرب، يجعلون حولهم ماءً أو لبناً، معتقدين أنه من الضروري ختم السحور بشربة ماءٍ أو لبن، ويسمونه بالعامية: استعقاد، فمن شرب فإنه لا يمكن أن يأكل أو يشرب بعد هذه الشربة، فما حكم ذلك؟

    الجواب: هذا ليس له أصل، بل إن الإنسان يُشرع له أن يتسحر بما تيسر له من طعام أو شراب، ثم إن له أن يأكل إلى طلوع الفجر، أما كون بعضهم يعتقد أنه إذا نوى الصيام قبل الفجر بـنصف ساعة، أو ثلث ساعة، أو أقل، فإنه لا يجوز أن يعود ويأكل أو يشرب فهذا خطأ، بل له أن يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، كما قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187].

    كما أن ختم السحور بشربة ماء، هذا أيضاً ليس له أصل، فإن أراد بشربة الماء أن يتمضمض لإخراج بقايا الطعام من فمه، فلا حرج في ذلك، أما إن اعتقد أن هذا شيءٌ يُتَعَبَّدُ به، فليس في ذلك أصل.

    حكم الصلاة والصيام من غير غسل للجنابة

    السؤال: أنا بلغت مبلغ النساء، إلا أنني لم أعلم عن غسل الجنابة إلا بعد زواجي، فماذا يجب عليَّ فيما مضى من صيام وصلاة؟

    الجواب: الأصل: أن عليها إعادة كل صلاة صلَّتها دون غسل جنابة، أما بالنسبة للصيام فصيامها صحيح، لكن إن كانت الأيام طويلة جداً، أي: إن كانت سنوات طويلة، سبع سنوات، أو ثمان سنوات وهي على ذلك لا تغتسل من الحيض، وتصلي وهي على ذلك دون غسل جهلاً منها، فإن طول هذه الأيام ربما يجعل لها سعة في أن تكثر من النوافل، وتستغفر الله تعالى، وقد أفتى بعض أهل العلم: بمَن طالت عليها مثل هذه الأيام -أفتى لها بأنه لا يلزمها إعادة الصلاة، لعظم المشقة، في إعادة صلاة سبع، أو ثمان سنوات، وإلا فالأصل وجوب قضاء كل صلاة صلاها الإنسان على غير طهارة.

    ثم إني أتساءل: لماذا تجهل مثل هذه المرأة أو هذه الفتاة حكماً من أظهر أحكام الإسلام؟ وهي في مدينة من مدن الإسلام، بل في عاصمة وحاضرة من حواضر العلم والدين، إن هذه مسئولية كبيرة على الآباء والأمهات، في تعليم أولادهم وبناتهم، وعلى العلماء وعلى الأئمة أيضاً، في تفقيه الناس وتثقيفهم، خاصة في رمضان، وهي مسئولية على البنات بشكل خاص، أن عليها أن تتعلم أمور دينها، ولا تنتظر أباها أو أمها حتى يعلمها، فوسائل العلم اليوم كثيرة، وأصبح من الممكن أن تقرأ كتاباً، أو تسمع شريطاً، أو تسأل عما أشكل عليها من أمور دينها.