إسلام ويب

حديث الهجرةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ عن قصة الهجرة (الحدث الكبير) مبتدئاً بهجرته عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر الصديق، وتحول دار الهجرة إلى المدينة بدلاً عن الحبشة، وترك الرسول صلى الله عليه وسلم لأرضه ووطنه مكرها، ثم تعرض لانتصار الدعوة وطول عمرها وقوتها على مر الزمن، وأن الإسلام يصلح للناس كافة وله مستقبل زاهر، ثم تكلم عن قصة ذات النطاقين، والزواج بعائشة، وحرص الصديق على بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم حياً، وامتلاك الدعاة للعمال، ودور المرأة في الدعوة، ثم تحدث عن الدين والأرض وأن الوطنية تكون للأرض التي يسود فيها الإسلام، وتعرض لأهمية السياحة للدعوة، ثم تطرق إلى دليل الهجرة وأهمية اختيار الأقل عداوة عند الضرورة، وتعليم المسلمين حتى يكون منهم خبراء في كل المجالات، ثم تكلم عن الجنة وازدراء كل شيء من أجلها، ثم نبه على أهمية النية الصالحة، وتوجيه الدعوة إلى كل الناس، وشمولية الإسلام . وختم بذكر التاريخ الهجري.

    1.   

    الشوق إلى التذاكر

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أيها الأحبة الكرام: هذه الكلمة، تنعقد في الجامع الكبير بـينبع في هذه الليلة -ليلة الثلاثاء- الثالث والعشرين من شهر الله المحرم من سنة 1414هـ وهي بعنوان حديث الهجرة.

    أيها الإخوة: جئت إليكم تحفزني الأشواق إلى اللقاء بكم واللقاء بأهل هذا البلد الكريم شيوخاً، وشباباً، والتمتع برؤيتهم، ومجالستهم، ومؤانستهم، والحديث إليهم، لم آتكم متحدثاً أيها الأحبة، ولا لأقول لكم كلاماً تسمعونه لأول مرة، فإن ما عندي بضاعة مزجاة، ولكنني أتيت معبراً عن أطيب المشاعر تجاهكم.

    إنها ليلة من الأنس فاضت     بمعاني الإخاء بين القلوب

    والتقت أعين على غير ميعاد     كلقيا الحبيب وجه الحبيب

    فلكم أجمل التحية مني     وسلام لكل عبد منيب

    ينبع المجد من عيون تروي     ظمأ الأرض بالندى والطيوب

    إن حديثي إليكم ينتظم عدة موضوعات.

    1.   

    جلالة الهجرة النبوية

    ثانياً: الحدث الكبير: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].

    هذا الموكب المتواضع، الذي لا يزيد على ثلاثة أفراد، أحدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والثاني صاحبه في الغار، الذي خلد الله ذكره، ورفع قدره، فأشار إليه في القرآن إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ [التوبة:40].

    والثالث: دليلهم عبد الله بن أريقط، هذا الموكب المتواضع، قد وقف التاريخ كله مشدوهاً، متجهاً، قبالة هذا الموكب، يرقبه، وينظره، ويسجل أحداثه لحظة فلحظة، وساعة فساعة، إنه موكب كبير مهيب، لقد نسي الناس كل الأحداث الكبرى، والمعاصرة لذلك الحدث، فنسوا المعارك الطاحنة، ونسوا الدول الكبيرة، ونسوا التغيرات الجذرية التي طرأت على أمم الأرض، وحضارتها، ليرقبوا ويدوّنوا ويسجّلوا في ذاكرتهم هذا الحدث، وهذا الخبر، خبر ذلك الشريد الطريد الذي غادر مكة فغير التاريخ بإذن الله العزيز الحكيم.

    يا طريداً ملأ الدنيا اسمه               وغدا لحناً على كل الشفاه

    وغدت سيرته أنشودة               يتلقاها رواة عن رواه

    ليت شعري هل درى من طاردوا          عابدو اللات وأتباع مناه

    هل درت من طاردته أنها أمة               معبودها شاهت وشاه

    طاردت في الغار من بوأها               سؤدداً لا يبلغ النجم مداه

    طاردت في البيد من شاد لها          دينه في الأرض جاهاً أي جاه

    سؤدد عالي الذرا ما ساده               قيصر يوماً ولا كسرى بناه

    إن حديث القرآن عن الهجرة، جاء على لب القصة وأصلها، واستوعب أحداثها بهذه الكلمات اليسيرة، وهذه الآية التي ذكرت خبره صلى الله عليه وسلم منذ أن آذن الله تعالى بنصره، فأخرجه الذين كفروا، نعم أخرجوه لينصره الله عز وجل إلى أن أوى إلى الذين آووه ونصروه، فقالوا: تعال يا رسول الله إلى حيث العزة والمنعة.

    رواية الإمام البخاري لحادث الهجرة

    وكل روايات السيرة النبوية، وأحداثها، وقصصها، لا تعدو أن تكون تفصيلاً لما أجمل في القرآن الكريم، ولهذا فلا حرج علي وأنا أحدثكم اليوم خبر ذلك الموكب الكريم العظيم، لنقف ملياً عند دروسه، وعبره، وأحداثه، فلنستمع إلى رواية واحدة فقط -رواية الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه لهذا الحدث: {عن عائشة رضي الله عنها قالت أم المؤمنين: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة، وعشياً فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد، فلقيه ابن الدغنة، وهو سيد القارة، فقال له: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في أرض الله، وأعبد ربي عز وجل، قال له ابن الدغنة: يا أبا بكر إن مثلك لا يَخرُج ولا يُخرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق -رجل بهذه الصفات لا يخرج من بلده، ولا ينبغي أن يخرج، وأمة تلفظ أمثال هؤلاء الكبراء، الفضلاء، أهل التقوى، والعلم، والمجد، والإيثار، أمة قد تودِّع منها، ولهذا أدرك هذا الجاهلي بحسه أن مثل ذلك غلط، لا يجوز أن يكون، فمثلك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج- ارجع واعبد ربك ببلدك، وأنا لك جار، أحميك ممن أراد بك سوءاً، فرجع أبو بكر رضي الله عنه وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف في أشراف قريش وفي نواديهم يقول لهم: إن أبا بكر لا يخرج! أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! أنا له جار، فلم تكذب قريش بجواره، وقالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره -فليصل في بيته- ويقرأ ما شاء من القرآن، ولكن لا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخاف أن يفتن نساءنا وأبناءنا}.

    لقد رجعت قريش خطوة واحدة إلى الوراء، وقالوا: نقبل الآن مضطرين أن يسلم أبو بكر، وأن يظل مقيماً في قريش، ولكننا لا نريده أن يدعو إلى دينه، ولا أن يستعلن به، والخوف ما هو؟ الفتنة (نخشى أن يفتن نساءنا، وأبناءنا) فقال ذلك ابن الدغنة لـأبي بكر رضى الله عنه {فلبث أبو بكر مستخفياً يعبد ربه عز وجل في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير بيته، ثم بدا لـأبي بكر فابتنى مسجداً في فناء الدار بالساحة المحيطة بمنـزله، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن ويجهر به، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رضي الله عنه رجلاً بكاءً لا يملك عينه إذا قرأ القرآن} كأنما كانت قريش تقرأ الذي سيقع ويحدث فعلاً، كان الناس ينقذفون إلى أبي بكر، لأن لهذا القرآن سلطاناً على القلوب، ولأن لدعوة الحق سلطاناً على النفوس، والفطرة تستجيب لها، وتتجاوب معها، فحصل ما خافوا وخشوا، ولذلك أفزعهم هذا: {فذهبوا إلى ابن الدغنة، وقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد تجاوز ذلك، وابتنى مسجداً بفناء داره، فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا على نسائنا وأبنائنا فانهه عن ذلك، فإن أحب أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فاسأله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لـأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: لقد علمت الذي عاقدت لك عليه -أنت تعرف يا أبا بكر ما هو العقد والعهد الذي بيني وبينك- فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فقال له: أبو بكر -رضى الله عنه-: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار ربي عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ كان مقيماً بـمكة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام يوماً لأصحابه: إني رأيت دار هجرتكم -وقد يكون رآها في المنام، عليه الصلاة والسلام، أو في غير ذلك -هي أرض ذات نخل بين لا بتين } أي: حرتين وهي الحجارة السود التي تحيط بـالمدينة فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة الصحابة الذين كانوا هاجروا إلى الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- للرحيل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {على رسلك -انتظر- فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فحبس أبو بكر نفسه على ذلك، حتى يصحب النبي صلى الله عليه وسلم وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر -وهو الخبط- وهو علف معروف للمواشي، أربعة أشهر وهو يعلفها}.

    قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: {فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لـأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، -إذاً في الأمر جديد- فقال أبو بكر: فداك أبي وأمي يا رسول الله! ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ -أي: ما جاء بك إلا أمر- قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر: أخرج مَن عندك -مَن عنده من زوجته وبناته وأولاده- فقال له: إنما هم أهلك يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، قال: فإني قد أذن لي بالهجرة، قال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله -أتأذن لي أن أصحبك، وأرافقك في هذا المسير قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم}.

    وهنا يقول ابن إسحاق: قالت عائشة رضي الله عنها: {فوالله ما علمت أن أحداً كان يبكي من غلبة الفرح إلا يومئذٍ} فإن أبا بكر رضي الله عنه بكى من غلبة الفرح عليه بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح لأنه سوف يصحبه في رحلة المخاطر حيث العالم كله يحاربهم، ويرميهم عن قوس واحدة، وحيث تضع قريش جائزة ضخمة لمن يأتي برءوسهم، أو يأتي بهم أحياءً أو أمواتاً.

    {الصحبة يا رسول الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله! هذه إحدى راحلتي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. آخذها بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن جهاز، وصنعنا لهم سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت بـذات النطاقين، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكانوا فيه ثلاثة أيام يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف -أي: ذكي حاذق فطن- فيدلج من عندهما بالليل في السحر آخر الليل، فيصبح مع قريش بـمكة، كما لو كان قد بات بـمكة ليلته كلها، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا رجع وأخبرهما به، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر غنمهما، ثم يريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل -وهو اللبن- ويخبرهما عبد الله بن أبي بكر بالخبر، وتمشي الغنم على جرته فتمحوها، ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة من الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، رجلاً من بني الديل وهو عبد الله بن أريقط وكان هادياً، خريتاً -أي: بصيراً بالطريق- وقد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وكان على دين كفار قريش، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قد أمناه، ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فلما أصبحوا الليلة الثالثة، انطلق معهما عامر هو والدليل فأخذ بهم طريق الساحل} حتى وصلوا إلى المدينة.

    1.   

    النقلة البعيدة

    لقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة البلد التي نشأ فيها، وأحبها، وعرف فضلها، ولذلك خرج عليه الصلاة والسلام وقلبه يلتفت إلى تلك البقاع الطيبة الطاهرة، فلما غادرها وقف بـالحزورة، وهو مكان قريب من البيت العتيق، ثم التفت إلى مكة، وقال: {والله إنك لخير بلاد الله، وأحب البلاد إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت} والحديث رواه الترمذي والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث صحيح.

    يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فيطيب الرب عز وجل قلبه، ويدله على أنه خرج من مكة اليوم شريداً طريداً، وسوف يعود إليها غداً فاتحاً منصوراً مظفراً: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] قال المفسرون: في هذه الآية بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سوف يعود إلى مكة قاهراً لأعدائه، منتصراً عليهم، وهذا قول الأكثرين كما قال القرطبي: وهو مذهب جابر، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وغيرهم من المفسرين إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] أي: مرجعك إلى مكة مرة أخرى، كما خرجت منها، وقيل المعنى: لرادك إلى الجنة، وقيل المعنى: لمتوفيك بعدما تستوفي عمرك في هذه الدنيا.

    خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مكرهاً، بسبب الحصار على دعوته، وبسبب المضايقة لأصحابه، وعاد إليها بعد ثمان سنوات فحسب، عاد إليها في كتيبة خضراء من المهاجرين والأنصار، لا يرى منهم إلا حدق العيون، يُفَدُّون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم، وآبائهم، وأمهاتهم:

    كذبتم وبيت الله نُبزى محمداً     ولما نقاتل دونه ونناضل

    ونسلمه حتى نصرع دونه     ونذهل عن أبنائنا والحلائل

    نعم جاء نصر الله والفتح، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، كما وعد ربه عز وجل... وفي هذا وقفة:

    صمود الإسلام أمام المحن

    إن دعوة الإسلام دعوة تاريخية، عمرها طويل، ولم يكن انتصارها ذلك الانتصار الموقوت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل انتصار الأبد وانتصار الدهر، وعلى رغم مضي ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة على دعوة الإسلام، على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أنها تظل طيلة هذه السنين قائمة، قوية، تصارع العوادي، وتقاوم الأحداث.

    وهاهو الإسلام اليوم في قلب أوروبا، يقض مضاجع الغربيين، فيتواطئون ضد حفنة من أبناء الإسلام في أرض البوسنة، ويسلمونهم إلى عدوهم بلا سلاح، على رغم أن وسائل الإعلام الغربية كلها: مسموعها، ومرئيها، تعرض صباح مساء، لتلك الجرائم البشعة، وهذه المآسي المفجعة، وهذه الوجوه التي قد أمضتها الجراح والآلام، مآسي الكبار، مآسي العجزة، والشيوخ، والنساء، والأطفال، مآسي الجوع، والفقر، والمرض، ومع ذلك كله يتواطأ هؤلاء ضد حفنة من أبناء الإسلام، وأوليائه، لماذ1؟!

    إنهم لا يتآمرون ويتحالفون إلا على الأقوياء، أما الضعاف فيمكن هزيمتهم بأقل من ذلك، نعم يكفي قوة للإسلام أن بلداً نائياً كذلك البلد، لم يكن جمهور الناس يعرفون أن فيها مسلمين أصلاً، ولا يدرون أن فيها مساجد تاريخية أعمارها أحياناً تزيد على ستمائة أو سبعمائة سنة، وأن فيها ملايين من أهل لا إله إلا الله، وإن كان حيل بينهم وبين معرفة حقيقتها في كثير من الوقت.

    يكفي في قوة الإسلام أن قوماً كهؤلاء عزلاً من كل سلاح، يظلون على ما يزيد على عشرين شهراً يقاومون رابع جيش في العالم، مدججاً بأقوى الأسلحة، وهم يواجهون الرصاص بصدور عارية، ويصبرون على رغم اللأواء التي لم يكن أحد يتوقع أن يصبروا عليها شهراً، أو بضعة أسابيع.

    الإسلام في الجمهوريات السوفيتية

    وها هو الإسلام في جمهوريات آسيا الوسطى اليوم ينبعث من وسط الركام، بعد أن ظن الظانون أنه قد انطمس وانتهى، وإذا المسلمون في طاجكستان، أو أوزبكستان، أو سمرقند، أو بخارا، أو وادي أفرغانة، وفي تلك المدن التي عرفها التاريخ، وخرجت أكابر العلماء، في الحديث والتفسير، والفقه، واللغة، والبلاغة، وغيرها، إذا بتلك البلاد التي تحن من جديد إلى دينها، وترجع إلى أصولها، وإذا بالمآذن ترتفع في سمائها، وإذا بصوت التكبير يعلو في أجوائها، وإذا بالحجرات السرية تستطيع بضعفها أن تقاوم كيد الشيوعية الذي استمر أكثر من سبعين سنة.

    نعم. لقد حفظت تلك الحجرات للشباب إيمانهم، وعقيدتهم، بل ولغتهم، والبارحة كان معي أحد الشباب من مدينة سمرقند، فإذا به يتكلم العربية بطلاقة، وهو حديث عهد بهذه البلاد، فسألته كيف عرفت اللغة العربية؟ قال: تعرفتها وتعلمتها من شيخي الذي كان يدرسني في الحجرات، وكم لبثت في الحجرات؟ قال: أكثر من ثلاث سنوات.

    نعم. لقد درس العقيدة الصحيحة، من كتب السلف، ودرس الفقه، ودرس اللغة العربية، ودرس أصول الإسلام، في الحجرات، التي ربما يظل الطالب فيها ثلاث سنوات، دون انقطاع وسط ركام من المخاوف، من أجهزة المخابرات الـ k.g.b التي تملك أكثر من ثلاثة ملايين عنصر من أولئك الرجال، الذين دربوا على أنه لا كرامة لأحد، وأنهم مستعدون أن يبطشوا بأقرب قريب، ومع ذلك ظل الإسلام يتأبى على محاولات الصهر والإزالة والسحق، فإذا أتيحت له أية فرصة ظهر من جديد أقوى ما كان.

    عمر الدعوات الباطلة

    إن أعمار الحركات الأيدلوجية البشرية الأرضية، أو الدعوات العلمانية، التي يختلقها الناس، مهما طالت فهي قصيرة، فـالشيوعية -مثلاً- لم تزد في عمرها على سبعين سنة، ولم يشفع لها أن تكون تملك ما يزيد على ثلاثمائة ألف رأس نووي، أو ثلاثة ملايين عنصر أمني، أو أكثر من هذا العدد من رجال الجيش، أو تملك الأجهزة المتطورة في مجال التسليح وغيره، لم يشفع لها ذلك كله، لأنها، كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار.

    أما الرأسمالية وريثة الشيوعية، والتي أخذت تركتها من بعدها، والتي تهيمن على العالم الغربي، فهي تعاني اليوم من الأزمات والأعراض نفسها، أزمات الاقتصاد التي سقطت بسببها الشيوعية، تنتقل اليوم إلى الغرب، في أمريكا، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، والصين، واليابان، وغيرها، فهي تعاني من أعراض الكساد، والتضخم، والبطالة، وغير ذلك من الأمراض التي تفتك بها، وتوشك أن تكشف عوارها.

    فكل الدعوات البشرية العلمانية، والشيوعية، والرأسمالية، والقومية، والاشتراكية، كلها دعوات بشرية لا تملك أنبياء، ولا تملك أولياء، ولا تملك عمراً، تقاتل عشر سنوات، أو عشرين، أو أقل من مائة سنة، ولكنها بعد ذلك تنتهي، وتنمحي، وتنقل إلى مزبلة التاريخ.

    عمر الإسلام

    أما هذا الدين فقد مضى عليه اليوم ألف وأربعمائة سنة، وعدد المتحمسين لهذا الدين في ازدياد، انظر إلى عدد رواد المساجد، تجد أن العدد يزداد يوماً بعد يوم، بل انظر إلى عدد الذين يدخلون في الدين، تجد قبائل بأكملها من الوثنيين، أو النصارى، في أفريقيا، وإندونيسيا، أو غيرها من بلاد الله تدخل في دين الله عز وجل ليس فقط أولئك الذين لا يملكون العلم هم الذين يدخلون في الدين، بل حتى في أرقى مراكز العلم، في أوروبا، وفي أمريكا، أطباء، وعلماء، وخبراء، وساسة، على أعلى المستويات، يعلنون دخولهم في الدين.

    وسفير ألمانيا في بلاد المغرب، خير مثال على ذلك (هوفمان) الذي أخرج كتابه الجديد الشهير: الإسلام هو البديل، والذي تكلم فيه عن انهيار الحضارة الغربية، وقدم فيها النموذج الإسلامي، كبديل عن تلك الحضارة الزائلة الآيلة للانهيار.

    ومثله عدد من سفراء الدول الغربية، وعدد من رجالتها، وساستها، وعلمائها، وخبرائها، يعلنون دخولهم في هذا الدين، إذ أن هذا الدين هو دين الله عز وجل وهذا سر المعجزة، فهو يصلح للأعرابي في صحرائه، كما يصلح للطبيب في مختبره أو عيادته، كما يصلح للسياسي في أروقته، كما يصلح للرجل في معمله، كما يصلح للمرأة في عقر دارها، إنه الدين الذي يلائم عقول الجميع ونظراتهم، ويلبي كل مطالبهم الفطرية الجبلية.

    إن أولئك الفتية الذين تخرجوا على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وخرجوا من صحرائهم لأول مرة، لا يزالون معلماً تتخرج على ضوئه الأجيال بعد الأجيال، لقد جعل منهم الوحي رجالاً خير من عرف الناس، ومشى الدين فيهم مشي العافية في المريض المضنى المقعد، وفي لمحة بصر تحولوا من رعاة الشاء والغنم، إلى قادة العصور وسادة الأمم، تحولوا إلى فرسان النهار رهبان الليل، تسمع بالليل بكاءهم بالقرآن كدوي النحل، وتسمع بالنهار صليل سيوفهم، كما قال الشاعر:

    مشى الوحي فيهم مشية البرء في الضنى     فأي فتى من سحره غير طافح

    فطاروا إلى الدنيا بدين محمد     وقد فتحوا الدنيا كلمحة لامح

    كأن الرياح الذاريات مطيهم     يلفون وجه الأرض لف الوشائح

    تجوز بهم رمضاء كل تنوفة     سوابح خيل تهتدي بسوابح

    ففي كل بر منهم زحفُ زاحفِ     وفي كل يمٍّ منهم سبحُ سابح

    كأن دوي النحل مثل دويهم     إذا ارتفعت أصواتهم بالفواتح

    يجول بهم إسلامهم كل جولة     ويلقي بهم إيمانهم في الطوائح

    فما الموت في الإيمان مرٌ مذاقه ولا     الحتف في الإسلام صعب الجوائح

    فقادوا على أرماحهم كل مصعب     وراضوا على أسيافهم كل جامح

    فلا قيصر يزهو على الشام تاجه     ولا تاج كسرى كالنجوم اللوامح

    تناثرت التيجان تحت خيولهم     وأهوى على أقدامهم كل طامع

    فأين عيون الحق تشهد أمة     تئن أنين الطير من كل ذابح

    تعالت فطاحت فاستكانت فأصبحت     لإذلالها يلهو بها كل مازح

    فلا ملكها في الأرض مشتبك العرى     ولا عيشها في الناس عيش الصحائح

    على مثلها من ذلة بعد عزة     تفيض جفون بالدموع السوافح

    فهل صيحة في العرب تبعث ملكهم     ألا ربما هبوا لصيحة صائح

    إن هذه المسافة التاريخية الهائلة التي قطعها الإسلام وهو يكتسب في كل يوم مواقع جديدة، وانتصارات جديدة، على رغم الضعف الذي ألم بأهله، وحملته، إن ذلك كفيل بأن يطمئن القلوب، ويهدئ النفوس، ويقطع للناس جميعاً أن المستقبل لهذا الدين اليوم، كما كان له المستقبل بالأمس، وأن كلمة الله تعالى ماضية على الناس في هذا الزمان، كما هي ماضية في كل زمان، وأن الله تعالى قال في محكم التنـزيل: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور:55].

    قصة سراقة بن مالك في الهجرة ودلالتها

    إن مما يجدر ذكره ما رواه سفيان عن أبي موسى عن الحسن، وهو حديث مرسل، وقد ذكره الحافظ ابن عبد البر، وابن حجر وغيرهما من أهل السير: {أن النبي صلى الله عليه وسلم لما لحقه سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، يبحث عن أعطية قريش وهديتها لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فساخت قوائم فرسه في الأرض، فبعد ذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد طلب كتاب الأمان: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟! فقال سراقة: كسرى بن هرمز؟! قال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم كسرى بن هرمز -وحدث هذا فعلاً- فجاءت التيجان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أين سراقة؟ فجيء به، فأخذ التاج بيده، وألبسه سراقة، وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى بن هرمز، وألبسها أعرابياً من بني مدلج} إنها أحلام الأمس، ولكنها حقائق اليوم.. وقد جاءت القصة في الأصل في صحيح البخاري: {أن سراقة طلب من النبي صلى الله عليه وسلم كتاب أمان فكتبه له}.

    إنها الثقة بالله عز وجل ووعده بمستقبل هذا الدين في غمرة الأحداث، وفي أشد الأوقات، وأعظم الأزمات، فقد كان الناس يعتقدون أنه ربما يقبض على هذا النبي الكريم في أي مكان، وينتهي تاريخ الدين، ولكن الأمر عند الله تعالى كان على غير ذلك.

    بشائر النصر تبرق يوم الأحزاب

    ومثل هذا تماماً ما حدث يوم الأحزاب، حين جاءت الأحزاب من كل مكان، وتحالفت كل القوى العظمى في ذلك الوقت على المسلمين. والمسلمون كانوا قلة في المدينة، وحوصروا حصاراً اقتصادياً وعسكرياً، وظن الناس بالله الظنون، وارتاب المنافقون، حتى قال قائلهم: الواحد منا لا يستطيع أن يذهب في قضاء حاجته، ومحمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر.

    وهنا تأتي البشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الصخرة، وبرقت قال: أضيئت لي قصور بصرى، وقصور صنعاء، فأخبر أصحابه أن آية النصر تتجلى في هذا الموقف الذي تحالف الناس فيه ضد الدعوة، إنهم لم يتحالفوا ضدها إلا لأنها تملك القوة، وتملك التهديد، وتملك المستقبل، ثم جاء الوعد من الرب عز وجل: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22].

    إن الحاجة ماسة في أوقات الضعف -ضعف المسلمين- وتكالب أعدائهم عليهم، ووجود ألوان مما يظنه الناس هزائم تعانيها الأمة الإسلامية في أكثر من موقع، إنهم أحوج ما يكونون إلى تأكيد ثقتهم بوعد ربهم، ويكفي أن تتلى عليهم آيات الله عز وجل: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40-41] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    1.   

    دور الصدِّّيق وأهل بيته في الهجرة

    بيت الصديق: إنه بيت أبي بكر رضي الله عنه فهو، وزوجه، وولده، ذكورهم وإناثهم، كلهم مجاهدون في الدعوة، مستميتون في حماية النبي عليه صلوات الله تعالى وتسليمه.

    روى أحمد والحاكم وابن إسحاق بسند جيد عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: {لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله، وكان ماله ستة آلاف دينار، فأخذه أبو بكر رضي الله عنه كله، فدخل عليهم أبو قحافة والد أبي بكر رضي الله عنه وكان شيخاً كبيراً فقد بصره من العمى فدخل عليهم، وقال لهم: والله إني لأرى أبا بكر قد فجعكم بماله، كما فجعكم بنفسه -فذهب بنفسه وذهب بما يملك من المال، وهو يتوجع ويتألم من هذه الحال- فقالت له أسماء: كلا يا أبت! لقد ترك لنا أبو بكر خيراً كثيراً، فقال: أريني، فأخذت أحجاراً ووضعتها في الكوة، ووضعت عليها ثوباً، وأمسكت بيده وقالت: انظر، فلما لمس هذه الحجارة ظنها ذهباً وفضة قد تركها أبو بكر لأولاده، فقال: لئن كان ترك لكم ذلك فقد ترك لكم خيراً كثيراً} نعم هذه الروح التضامنية من أسماء رضي الله عنها تريد أن تطيب خاطر جدها، وتقنعه بأن والدها ترك خيراً كثيراً، فتلجأ إلى هذه الحيلة، وهذه التورية، التي ظن بها أنه قد ترك لهم ذهباً وفضة وإنما ترك لهم الله ورسوله.

    أسماء نفسها كانت تسمى ذات النطاقين، وقد عُير بها عبد الله بن الزبير فقال:

    وعيرني الواشون أني أحبها     وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

    كيف تعير بأنك ابن ذات النطاقين؟ أتدري لم سميت بهذا الاسم؟ لأنها لم تجد شيئاً تشد به سفرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نطاقها التي تتحزم به، فشقته إلى نصفين، تمنطقت بأحدهما وشدت السفرة بالآخر فسميت بهذا الاسم.

    رابطة الصحبة في طريق الدعوة

    إنها دلالة كبيرة على أهمية العاطفة القلبية في الدعوة إلى الله عز وجل؛ فالدعوة، والعلاقة بين الدعاة والمدعوين، بل بين الدعاة بعضهم بعضاً، ليست علاقة رسمية وظيفية، بل هي علاقة ود وحب متبادل، علاقة قلوب يهفو بعضها إلى بعض، ويحن بعضها إلى بعض، ويرتبط بعضها ببعض، بأوثق الروابط، وأعظم العلائق، إنها علاقة الحب في الله عز وجل ورابطة الصحبة في طريق الدعوة إليه، ولهذا بكى أبو بكر رضي الله عنه في مواقع عدة، منها بكاؤه لما علم أنه سيظفر بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق الخطر.

    وظل أبو بكر طيلة عمره وفياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له، حتى أحبه أكثر من نفسه، وأهله، وولده، ووالده، والناس أجمعين، ولقد جاء أبو بكر بعدما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصيب أعظم مصابه، فرفع الثوب عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قبله بين عينيه وبكى، وقال: (طبت حياً وميتاً بأبي أنت وأمي يا رسول الله) صلى الله عليه وسلم.

    لقد تحدث القرآن الكريم عن شعور أبي بكر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] إذاً ما هو الشعور الذي كان يصاحب أبا بكر، ويُحتاج إلى دفعه؟ إنه ليس شعوراً بالخوف على نفسه، أو أن يقع في أيدي الطلب، كلا! إنما هو شعور الحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدعوة التي يحملها، ولهذا طمأنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) فدين الله تعالى منصور، ودعوته قائمة، والمستقبل بإذنه تعالى مضمون، ولهذا يا أبا بكر، ويا كل داعية إلى دين الله عز وجل بصدق! لا تحزن، فالدين دين الله عز وجل والدعوة دعوته، وهو المتكفل بها سبحانه، وما علي وعليك إلا أن نبذل من جهدنا، وعرقنا، ووقتنا، وسهرنا، وما لنا، وكل ما نملك لهذا الدين، حتى نكون من جند الله المخلصين.

    ولقد توج أبو بكر رضي الله عنه هذه العلاقة العاطفية الحميمة العميقة، توجها بتزويج عائشة رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لقد خطبها إليه النبي صلى الله عليه وسلم فتعجب أبو بكر وقال: إنما أنا أخوك} كما في صحيح البخاري، وكأني بـأبي بكر رضي الله عنه يرى أن علاقة الود، والمحبة، وعمق الصلة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى من كل روابط الدنيا، ومن كل العلاقات التي يعرفها الناس من القرابة، أو النسب، أو الزواج، أو الصهر، أو نحو ذلك، فيقول له: {إنما أنا أخوك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت أخي في دين الله تعالى وكتابه، وهي لي حلال، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم}... هذه واحدة.

    أهمية تأمين الداعية لبيته

    إن ذلك دليل على أهمية تأمين البيت في الدعوة، بالقيام على الأهل، والأقارب، كما أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] إن هذا القيام حتى على الوالد، على الزوج، على الأخ، على الأخت، على الابن، على القريب، على كل ذي نسب، أو سبب، أو قرب، أو جوار، هذا القيام ليس بممارسة التسلط بغير حق، كلا! بل بالصبر عليهم، والجهد لهم، وأداء الحقوق الشرعية الواجبة لهم، من بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الزوج، والعطف على الصغير، والرحمة له، والإحسان إلى الكبير، والعناية بالأولاد، بتربيتهم ورعايتهم وتوجيههم، وبذل المعروف لهم، وبذلك يستطيع الإنسان أن يقوم بواجبه لدعوتهم.

    أما أن يكون علقم مع أقاربه فهو لا يصبر على والديه، بل يتذمر منهما، ويرفع صوته عليهما، أو لا يصبر على زوجته، بل قد يثور عليها لسبب أو لغير سبب، ويزمجر، وقد يغضب عليها، أو يهجرها، وربما ألقى عليها يمين الطلاق بمثل تلك الأسباب، وربما اعتدى على أولاده، فهو يعاملهم بقسوة ويغلظ لهم في القول والفعل، ولا يصبر على أي خطأ يبدر منهم، لا شك أن هؤلاء ليسوا من الأخيار، لأن الأقربين أولى بالمعروف، وإذا كنت تملك خلقاً جميلاً مع البعيد، فأولى أن تتحلى بهذا الخلق مع القريب، وليست القضية قضية مجاملة، أو تزين وتصنع للناس، بقدر ما هو أدب شرعي ربانا الله تعالى عليه، وأوجب علينا أن نحرص على أداء الحق لكل ذي حق، ولا شك أن حق القريب أباً، أو أخاً، أو زوجةً، أو أختاً، أو ابناً، أنه أعظم وأشمل من حق البعيد.

    أهمية المال للدعوة

    ثالثاً: دليل على أهمية جمع المال، وتثميره، وإنفاقه أو إنفاق بعضه في سبيل الله عز وجل إنه ليس ضربة لازب أن يكون أولياء الدعوة وأهل الخير والصلاح ورواد المساجد وعمار حلق الذكر، أن يكونوا دائماً من الفقراء المحاويج، ولو أن المسلمين في أي مكان من الأرض، الذين يجاهدون في إقامة دينهم، وإحياء شريعة ربهم، ومنازلة عدوهم، لو أنهم كانوا يمسكون بأزمة الاقتصاد، أو يملكون الشركات الكبرى، أو حتى بعضها، أو يستحوذون على رؤوس الأموال، لما استطاع أحد أن يقف في طريقهم، لأنه لا أحد يقبل أن يهاجر التجار، أو تهاجر رؤوس الأموال، أو تقوض الشركات التي منها يأكل الناس، ومنها يلبسون، ومنها يركبون، وهي قوام حياتهم وعيشهم، إذاً لو أن المسلمين أمسكوا بأزمة الاقتصاد في بلادهم، لما استطاع أحد أياً كان، أن يقف في وجوههم، فهل نعي ذلك جيداً؟!

    إن ذلك يبدو من الموقف الذي وقفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقد كان غنياً، ثرياً، تاجراً شهيراً في قريش، كما يبدو من وجه آخر من تلك الأعطية القرشية الجزلة التي وضعتها قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    لقد أدركوا فعلاً أهمية المال أيضاً في شراء الضمائر، وتغيير العقول والقلوب، ومحاولة صد الناس عن الإسلام.

    وقد قال المنافقون: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7].

    إن المنافق فاسد الطبع، خرب الضمير، ضيق الأفق، فهو ينظر إلى الدنيا كلها بل إلى الحياة من منظار المادة والدرهم والدينار، فيظن أن الشح على المؤمنين، أو أن ترك الإنفاق عليهم، أو أن حرمانهم من الطعام والشراب والكساء، يعني أن ينفضوا عن دعوتهم، أو يتخلوا عنها، لأن المنافق ينظر إلى الحياة بعين طبعه، فالمال عنده كل شيء، وهو سر الوجود، وسر العظمة، وسر القوة، وهو يعتقد أن الناس يجتمعون على الريال، وينصرفون من أجله.

    دور المرأة في الدعوة

    رابعاً: دليل على عظم دور المرأة في الدعوة، إن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ذات النطاقين، هي نموذج للفتاة الملتزمة، التي تسارع إلى الإيمان، حتى يستقر الإيمان في قلبها، ثم لا ترضى أن تقعد في بيتها بعيداً عن المشاركة في الدعوة، والقيام بالتكاليف الشرعية التي يقتضيها الجهاد في سبيل الله، ويقتضيها العمل لهذا الدين، بل تنطلق لتقوم بتلك المهمة التي لا يستطيع أن يقوم بها الرجال، إما لأنها مهمة نسائية، وإما لأن المرأة أقدر على القيام بها، وإما لغير ذلك من الأسباب، وكم قامت امرأة بأعمال جليلة لا يطيقها أشداء الرجال!

    إننا اليوم -أيها الإخوة وأيتها الأخوات- أمام أعداد متزايدة من الفتيات المتدينات الصالحات، تسمع بأخبارهن المشجعة المفرحة في المدارس، أو تسمع بها في البيوت، أو تسمع بها في الوظائف، أو تسمع بها في قطاع من القطاعات الاجتماعية، وأنت تجد على هذه الفتاه سيما الالتزام، فهي محجبة أفضل ما يكون الحجاب، بعيدة عن مزاحمة الرجال ومخالطتهم، تغض بصرها، وتخفض صوتها، وتبتعد عن الخضوع بالقول، أو عما حرم الله عز وجل وتجانب السوء.

    ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بجد، وينبغي أن تطرحه الأخوات على أنفسهن: هو إلى أي مدى تقوم هذه الفتاة بدورها المنشود في نشر الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ في التعاطي مع قضايا الجهاد في سبيل الله؟ ومع قضايا العلم الشرعي؟ ومع قضايا المعرفة الدينية؟ ومع النشاط الإسلامي بكل صوره وأشكاله؟ إلى أي مدى استطاعت الفتاة أن تصل إلى مجتمعها، وتحدث بنات جنسها بهمومها الشرعية؟ إلى أي مدى استطاعت أن تساهم بمالها، وهي التي تملك المال، والمرتب الذي لا تطالب شرعاً بإنفاق أي قدر منه مهما قل؟ إلى أي حد استطاعت أن تساهم بجهدها، أو كلمتها، أو حتى بقلمها، في الكتابة، والتعليم، والمراسلة، والنصح على أي مستوى كان، أو بعلمها، وعقلها، وخبرتها، وما تملك، أو بمالها في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل؟ إن ذلك جزء من التكليف الشرعي الذي لابد للأخوات المؤمنات أن يقمن به، لأن هذا الدين يقوم على أكتاف الجميع.

    ولقد خلق الله تعالى الناس من ذكر وأنثى، وكانت الدعوة تقوم على الرجل والمرأة، فإذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أحد قط أن ينسى دور خديجة وهي أول بشر يلقاه بعدما نـزل عليه الوحي، فتثبت قلبه وتقول: [[كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق]] ثم تذهب به إلى ورقة بن نوفل.

    ولا أحد يذكر الهجرة إلا ويذكر أسماء بنت أبي بكر، ولا أحد يتحدث عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخه، وسيرته، إلا ويذكر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي ارتبطت برسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الارتباط، وصحبته في حله وترحاله.

    إنها دعوة إلى فتيات الإسلام والمسلمين، دعوة إلى المتدينات، دعوة إلى الصالحات، أن يقمن بالدور المنشود المنتظر في نشر الدعوة إلى الله تعالى، وفي إحياء العلم الشرعي بين النساء، وفي المشاركة في قضايا الجهاد بكافة المستويات، الجهاد باللسان، الجهاد بالقلم، الجهاد بالكلمة، الجهاد بالمال، الجهاد حتى بالنفس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أنس وهو صحيح: {جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم}.

    تعلق الداعية بدينه وأرضه

    خامساً: الدين والأرض:

    إن الهجرة هي مهاجرة الأرض التي أقام فيها الإنسان، ونشأ فيها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة: {إنك لخير البلاد وأحب البلاد إلى الله} فإن من طبيعة الإنسان أن يحب بلده ووطنه ويرتبط به، فذكريات الطفولة، والصبا، والأقارب، والعلاقات، والتاريخ، كله في هذا البلد الذي عاش فيه الإنسان، ولذلك هو نقطة ضعف يأتي منها الشيطان إلى الإنسان، وطالما تحدث أولئك الأدباء والشعراء عن ارتباطهم بوطنهم ارتباطاً قد يصل أحياناً إلى درجة العبودية:

    وحبب أوطان الشباب إليهم     مآرب قضاها الشباب هنالكا

    إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ     عهود الصبا فيها فحنو لذلكا

    بل يقول شاعر مسلم:

    ويا وطني لقيتك بعد يأس     كأني قد لقيت بك الشبابا

    أدير إليك قبل البيت وجهي     إذا فهت الشهادة والمتابا

    نعم هذا الشاعر اسمه أحمد، وهو يعلن محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمتدح المسلمين، ولكن يصل به التقليد الجاهلي إلى حد أن يخاطب وطنه أنه يدير وجهه إليه قبل أن يديره إلى البيت العتيق، نعم إن محبة الوطن نقطة ضعف أحياناً يستغلها الشيطان، فهو يأتي إلى الإنسان بعدما أسلم وهم بالهجرة، كما في حديث صبرة بن الفاكة، وهو عند النسائي وأحمد وسنده صحيح: {يأتيه الشيطان فهو يقول له: تهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس تقيده بالحبل} يقول: المهاجر مأسور لا أقارب له، ولا علاقات، ولا صداقات، ولا مبني ولا سكن، ولا وظيفة، ولا مرتب، ولا تاريخ، فهو منبت الجذور منقطع، لا علاقة بذلك البلد الذي هاجر إليه، فكيف تهاجر لتكون مثل الفرس المربوط بحبل لا يستطيع أن ينفلت منه؟! {أما المؤمن فيعصي الشيطان ويهاجر إلى الله عز وجل، فإذا هاجر ومات في الطريق، كان حقاً على الله عز وجل أن يرضيه} قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج:58-59].

    لقد أراد رجلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر، فمنعه أهله، وحبسوه، فمرض واشتد به المرض، فأشفق عليه أهله، وقالوا له: ماذا تريد؟ تريد طعاماً، شراباً، طبيباً؟ ولكنه لا يستطيع الكلام ولكنه يشير بيده صوب المدينة وهو بـمكة، أو يشير برأسه صوب المدينة، يقول: لا أريد شيئاً، كل مطلبي أن تأذنوا لي أن أخرج للوجه الذي أردت، فقد اختصرت الهموم عنده كلها في هم واحد، وهو الدعوة إلى الله وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله تعالى، فأشفق عليه أهله فأخرجوه من مكة، فلما كان بعد مكة على مسافة بضعة أمتار، قبضت روحه، فأنـزل الله عز وجل هذه الآية الكريمة.

    نعم إن النعرة الجاهلية قد تسمي التعلق بالوطن وطنية، وهو شعار خادع طالما رفعه كثير من العلمانيين ليخدعوا به الناس، ويصوروا لهم أنهم هم أولياء الوطن، وهم المدافعون عن حقوق الوطن، وهم الحريصون على مستقبل الوطن، وهم الذين يعملون على وحدة الصف، واستقرار الاقتصاد، وعلى حفظ كل مكتسبات بلادهم، يصورون هذا الأمر خلال قصائدهم، وكتبهم، وشعاراتهم البراقـة التي يرفعونها بمناسبة وبغير مناسبة.

    أما المفهوم الشرعي الصحيح للوطنية، فهو أن الإنسان لا يلام على محبة بلده، فهذه أمور فطرية طبيعية، لا تحمد ولا تذم بذاتها، وحديث: "حب الوطن من الإيمان" الذي يردده البعض هو ليس بحديث في الحقيقة، وإنما يظنه البعض حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والواقع أنه لا أصل له، أما الوطن فيحبه الإنسان لهذا الاعتبار، ولكن وطن المسلم الحقيقي هو الذي يهيمن عليه الإسلام، ولو حالت الحدود الجغرافية، أو السياسية، أو الطبيعية، إذ لا يعتبر الإنسان وطنه الذي ولد فيه، أو عاش فيه، وإن كان محارباً للدين، أو بعيداً عن الشريعة، ولهذا يهاجر المسلمون حتى من مكة نفسها إلى الحبشة، إلى الطائف، إلى المدينة، إلى كل بلد في الدنيا، يهاجرون ويبحثون عن النصرة والإيواء، ويبحثون عن مكسب لهذه الدعوة ولهذا الدين.

    الجهاد الذي يرفع، ليس ذوداً عن تراب الوطن، فإن تراب الوطن لا يجوز أن يتخذ وثناً يتعبد ويمسح كما قال قائلهم:

    وطني لو صوروه لي وثناً          لهممت ألثم ذلك الوثنا

    كلا! إنه قد يكون الوطن وثناً يعبد من دون الله عز وجل أحياناً، حينما يختصر الإنسان أهدافه بالدنيا في هذا الوطن، لا يهمه أن تكون راية هذا الوطن علمانية، أو قومية، أو اشتراكية، أو بعثية، المهم عنده هو التراب، ماذا صنع الذين يقاتلون من أجل زيتون يافا، وماذا صنع أولئك الذين يقاتلون من أجل تراب صحرائهم؟! وماذا صنع أولئك الذين يمتدحون بتاريخ جاهلي في عهد الإغريق، أو الآشوريين، أو الفينيقيين، أو الرومان، أو غيرهم؟! إنهم لم يصنعوا لأوطانهم أي مكسب حقيقي، الجهاد إنما يكون في سبيل الله عز وجل، والوطن الذي يقاتل دونه المسلم ويحرص عليه هو الوطن الذي تقام فيه شريعة الله، ويرفع فيه نداء الأذان، وتقام فيه المساجد، ويتواصى الناس فيه بالحق، وبالصبر، وتقوم فيه الدعوة إلى الله عز وجل، وتقوم العلاقة بين أفراده على أساس الدين الذي وحد أهله وجمع كلمتهم.

    إن الارتباط بالأرض والتعلق بها، لا يبيح للإنسان أبداً أن يترك السياحة في سبيل الله، السياحة للجهاد: {سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله} السياحة للدعوة.

    أيها الأحبة: نعلم جميعاً أن هناك من يجلس في بلد غربي، كـأمريكا، أو بريطانيا -مثلاً- أكثر من اثنى عشرة سنة، حتى يحصل على شهادة الماجستير، ثم الدكتوراه، في أي تخصص، وهذا قد يكون حاجة للمسلمين في بلادهم في أي بلد كان، وقد يكون ضرورة لا مخلص منها بسبب تفريط المسلمين في تحصيل العلوم، وإقامة المراكز العلمية، والجامعات التي تستقبل المواهب والطلاب وتخرجهم، ونعلم أنه قد يوجد في تلك البلاد وغيرها من استقر استقراراً أبدياً بقصد التجارة؛ لأن فرص التجارة أعظم وأوسع من فرص التجارة في بلاده الأصلية، ونعلم أن هناك من يجثو عشر سنوات أو أكثر في تلك البلاد لأنه يقتعد وظيفةً تقتضي بقاءه هناك، كل هذا يُفعل، فهل تعلمون أن هناك من جلس مثل هذه السنوات أو أقل منها أو أكثر في بلد حتى ولو كان بلداً إسلامياً، ولكن غير البلد الذي نشأ فيه، وقامت فيه علاقاته وارتباطاته هل تعلمون من جلس مثل هذه المدة بهدف الدعوة إلى الله عز وجل؟!

    بل أقول أهون من ذلك: كم عدد الذين يبدون استعدادهم لقضاء عشرة أيام فقط في الإجازة في أي بلد إسلامي من أجل الدعوة إلى الله؟ أو من أجل التطبيب والعلاج؟ أو من أجل الإغاثة الإنسانية؟ أو من أجل لون من ألوان المساعدة المادية أو المعنوية للمسلمين المنكوبين في أي بلد كان فوق أي أرض وتحت أي سماء؟

    بل أتنازل أكثر من ذلك وأسأل: كم عدد الذين يبدون استعدادهم لقضاء عشرة أيام في جولة وعظية داخل بلدهم؟ يخرجون فيها عن حدود إقليمهم، أو منطقتهم، ليقوموا بالدعوة ويزوروا طلبة العلم، ويجلسوا إلى القضاة، ويرتادوا المساجد والمراكز، وحلق العلم، ويجلسوا إلى أهل الخير، وينشروا الكتاب، ويوزعوا الشريط، ويقولوا كلمة الحق، ويأمروا الناس بالمعروف وينهوا الناس عن المنكر؟ كم عدد المستعدين لأن يقوموا بجهد كهذا عشرة أيام فقط خلال إجازة طويلة؟

    إننا نستقبل اليوم هذه الإجازة، وأنا أقرأ اليوم وأتصفح الجرائد، فإذا بنا نقرأ إعلانات كثيرة عن فرص تعلنها مدن ترفيهية، أو شركات، أو وكالات سفر، أو غيرها تعلنها لإتاحة الفرصة لسفر الصغار، والكبار، والأطفال، والأسر والعوائل، إلى مركز الترفيه في فرنسا، أو غيرها من بلاد الغرب، أو حتى من بلاد العرب والمسلمين، وأن هناك كافة التسهيلات لمثل هذا العمل، حتى إنه يوجد فنادق في بريطانيا وغيرها مخصصة لاستقبال الأطفال، حتى يتمكن أهلهم من وضعهم في تلك الفنادق، ثم ينطلقون على راحتهم حيث شاءوا بعيداً عن صخب الأطفال وضجيجهم، ثم يستقبل هؤلاء الأطفال منصرون يعلمونهم اللغة، ويربونهم على غير دين الإسلام.

    نعلم أن هناك تسهيلات كثيرة لمثل هذا العمل، ونعلم يقيناً أن هناك من أبناء المسلمين من ينخدع بهذه الدعايات، أو يستجيبون لها فهل يستجيب الخيرون والصلحاء للدعوات إلى القيام بجهد مقابل هدفه الدعوة إلى الله، هدفه الإصلاح، هدفه محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أبناء المجتمع؟!

    تأهيل الخبرات الإسلامية والاستعانة بالكفار بشروط

    سادساً: من هو الدليل؟ نعم: إن دليل الهجرة هو عبد الله بن أريقط كما أسلفت، وكان على دين أهل الجاهلية، ولا أشك أنه لو كان ثمة مسلم عارف بالطريق، بصيرٌ به، ملائم للمهمة، لاختاره النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما اختاره لأنه كما ذكرت الرواية (خريت) بصيرٌ بالطريق، ومع ذلك كان رجلاً مأموناً أمنه الرسول صلى الله عليه وسلم عن خبرة ودراية وممارسة، وعرف أنه لا يفشي سراً، ولا يخضع للترهيب والترغيب، ولا يستجيب لتلك الأعطيات التي وضعتها قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك دلالات لابد من مراعاتها:

    أولها: أن الكفار وإن كانوا في الجملة أعداء لنا كما ذكر الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89].. وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217].. وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] إلا أنهم مع ذلك يتفاوتون في حجم عداوتهم، وقد يوجد من بينهم أفراد، أو جماعات قليلة، أو جمعيات، أو فئات خاصة، لا تحمل في ذاتها حقداً معيناً على الإسلام والمسلمين، بل قد تكون متعاطفة مع الإسلام، أو مستعدة لسماع الدعوة أو قبول كلمة الحق، ومن هؤلاء من يسلم بعد حين كما نعرفه في أعداد غفيرة ممن أسلموا ونشرت قصصهم في كتب عدة منها كتاب: رجال ونساء أسلموا، وكتاب: لماذا أسلمنا، وكتاب لماذا أسلم هؤلاء؟ ومنها مجموعة من الرسائل المختلفة في هذا الجانب.

    نعم يوجد من الكفار من لا يحمل حقداً على الإسلام، ومن يكون لديه استعداد لقبول الدعوة، ولهذا يجب أن نختار عند الضرورة من بين الكفار، فنختار إذا اضطررنا للتعامل معهم، أخفهم عداوة، وأقلهم شراً، وأبعدهم عن التعصب لدينه أو الحقد والعداوة على الإسلام والمسلمين.

    إنني أعلم أن من بين المسلمين من رؤساء الشركات وغيرها، من يأتون بهندوس متعصبين معروفين في البلاد التي جاءوا منها بالحقد على المسلمين، أو إقامة المعابد والكنائس لأهل دينهم، أو جمع التبرعات أو تنظيم صفوف الهندوس، ومع ذلك يؤتى بهم إلى بلاد المسلمين، ويمكنون من أموال المسلمين، وقد يوضع تحت أحدهم عدد كبير من العاملين يكونون تحت سيطرته وتصرفه.

    إنه لابد عند الضرورة القصوى، حينما نجد أننا أمام أحوال لابد منها، في حاجة إلى خبرات غير المسلمين، أن نختار الأقل عداوة، وأن نعمل أيضاً في المقابل على أن نستغل التناقضات الموجودة بين الكفار، وأن نضرب بعضهم ببعض، وأن نقيم سوق المنافسة فيما بينهم على أسواقنا، ومصانعنا، وبضائعنا، وفرصنا، سواء كانت فرصاً اقتصادية، أم خبرات، أم غير ذلك من ألوان الأعمال والمجالات التي نقول أحياناً: إننا محتاجون فيها إلى هؤلاء.

    ثم إنه لا بأس أن نستفيد من بعضهم في هذه الحدود فيما لا يمكن أن نجده عند غيرهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر: فإن هذا يؤكد على أهمية تحصيل الخبرة عند المسلمين، فما الذي أحوجنا إلى الخبير الكافر أياً كانت خبراته، زراعية.. اقتصادية.. سياسية.. إدارية.. اجتماعية.. علمية... في أي مجال من المجالات؟

    إن الذي أحوجنا إلى خبرته هو فقد الخبرة عند المسلمين، ولذلك لابد من بناء الخبرة الإسلامية، لابد من العمل على إيجاد تصنيع إسلامي يخرج من بلاد المسلمين، ينبت في بلاد المسلمين، لا يحتاجون فيه إلى أعدائهم، ومن الخطورة بمكان، أن ننقل الخبراء فنظل جهالاً محتاجين إليهم، بل أخطر من ذلك، أن ننقل المصانع بأكملها، وبعمالها، وموظفيها، وخبرائها، وإداريها، فلا نكون إلا كأننا استأجرناها لتكون فقط في بلاد المسلمين، فلابد من بناء التصنيع المسلم، ولابد أن يحمل أهل الخبرة على عواتقهم السعي إلى كسب هذه العلوم، ونقلها إلى بلاد المسلمين وتطويرها، ومثل ذلك يقال في كل مجالات الحياة.

    وهذا يتطلب أمرين:

    الأول: الدراسة لو احتجنا إلى دراستها في بعض مراكز علمهم أو جامعاتهم.

    الأمر الثاني: هو الخبرة العملية، فإن هناك ألواناً من أمور الحياة لا يمكن أن تنفع فيها الخبرة النظرية، بل لابد من الخبرة العملية، وكيف يمكن تحصيل هذه الخبرة؟ لا يمكن تحصيلها إلا من خلال التجارب الواقعية.

    فالمسلمون محتاجون يقيناً إلى أن ينـزلوا للميدان، فيتعلموا فن الإدارة عملياً، وفن الاقتصاد عملياً، والتصنيع عملياً، وفن إدارة الأفراد عملياً، ويتعلموا طريقة كل عمل من الأعمال التي يحتاجها الناس بصورة عملية.

    إننا كثيراً ما نطرح أن الإسلام هو الحل، وهذا صحيح، فالإسلام هو الحل، لكننا نعلم أن هذا الإسلام هو حل بواسطة أوليائه الذين يقدمونه للناس، ولو شاء الله تعالى لأنـزل ملائكة، ولكنه أراد بحكمته عز وجل أن يقوم البشر بهذه المهمة.

    إذاً فالإسلام هو الحل من خلال الخبرة العملية وإنني لأعجب أشد العجب من مسلمين يحولون بين من يريد أن يكسب الخبرة وبين مواقعه العملية التي من خلالها يكتسب الخبرة، ولو ظل الإنسان مائة سنة يدرب على طرق الإدارة نظرياً فقط ما استطاع أن ينجح فيها عملياً، فلابد أن ينـزل لميدان العمل حتى يكسب الخبرة.

    ومع الأسف أقول: يوجد في بعض بلاد الإسلام، حفنة قليلة من البعثيين، ومع ذلك يستطيعون أن يديروا دولة بأكملها لو أتيحت لهم الفرصة، فإذا دخلوا ميدان الانتخابات كما يقال، فازوا بأربعة مقاعد أو خمسة، وبالمقابل قد يوجد أعداد غفيرة من المسلمين والمتعاطفين مع الإسلام يعدون بالملايين؛ وإذا خاضوا الانتخابات ربما ظفروا بمقاعد كثيرة، وأنتم تعلمون سلفاً أن جبهة كـجبهة الإنقاذ فازت بأكثر من ثمانين بالمائة من الأصوات، ومع ذلك يأتي السؤال إلى أي مدى يملك أولياء الإسلام الخبرة العملية التي تضمن بإذن الله تعالى نجاحهم في محك الاختبار؟!

    إنه من الخطورة بمكان أن يجرب الناس أولياء الإسلام في ميدان من الميادين، فيدركوا أنهم فشلوا، فشلوا في إنعاش الاقتصاد مثلاً، أو فشلوا في القضاء على البطالة، أو فشلوا في تطوير التعليم، أو فشلوا في أي جانب من الجوانب التي تتعلق بواقع الناس وحياتهم، وحينئذٍ ستكون فرصة لأعداء هذا الدين ليقولوا للناس: إن هؤلاء القوم لا يملكون إلا الشعارات والألفاظ، أما الواقع العملي فليسوا منه في شيء.

    سلعة الله غالية

    سابعاً سلعة الله غالية: لقد عرضت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم الملك: إن كنت تريد ملكا ملكناك، ولكنه صلى الله عليه وسلم رفض؛ لأنه لم يكن طالب ملك، وإلا لقبل عرض قريش، واستطاع بحنكته، وحكمته، وأخلاقه عليه الصلاة والسلام توجيه قبائل العرب، وتوحيدها تحت لوائه، لكنه لم يكن مصلحاً قومياً، ولا زعيماً دنيوياً، ولا حاكماً وطنياً، وإنما كان رسول رب العالمين.

    إن أصحاب العقائد، وأهل المثل، ورجال القيم، ورجال الدعوة، يزدرون حطام الدنيا، ومتاعها، وينظرون نظرة شفقة ورثاء، لأولئك الذين يلهثون ورائها، نعم هم جبلوا كغيرهم على ما زين للناس: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14] ولكنهم يأسرهم هذا بهذا الحب، بل آثروا الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، وهذا واحد منهم يهم بالجهاد فتمسك به زوجه: إلى من تتركنا؟ أين تذهب وتدعنا؟ فيقول:

    يا بنت عمي كتاب الله أخرجني      كرهاً وهل أمنعن الله ما فعلا

    فإن رجعت فرب الكون يرجعني     وإن لحقت بربي فابتغي بدلا

    ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني     أو ضارعاً من ضنى لم يستطع حولاً

    أنا لست بأعرج ولا أعمى ولا مريض حتى أعذر بل أنا قادر، فلابد أن أخرج، فإن ذهبت فابتغي بدلاً عني، وإن بقيت فهذا من الله عز وجل، نعم! إن أهل الدين وأهل الدعوة لا ينظرون إلى الدنيا إلا كما ينظرون إلى الفراش الذي يجلسون عليه أو كما ينظرون إلى الدآبة التي يركبونها، فهم يستخدمونها ولا يخدمونها، أصغر ما يكون في عيونهم المال، والجاه، والشهرة، والسلطة، والمنصب، والكرسي، كلها لا تعد بالنظر إليهم شيئاً.

    وقف الإمام ابن تيمية -رحمه الله- أمام حاكم من الحكام، وشي به إليه وقيل له: إن ابن تيمية ينافسك على الملك، وإنه يخطط لقلب نظام الحكم، فقال له ابن تيمية: أنا أريد ملكك، والله إن ملكك وملك التتر لا يساوي عندي فلساً، أنا رجل ملة ولست رجل دولة! نعم! العالم والداعية متوج بتاج لا يقبل العزل أبداً، ولايته ربانية لا تقبل العزل، فهو مبلغ وموقع عن رب العالمين، كما ذكر الإمام ابن القيم، ومترجم عن الله تعالى كما ذكر القرافي وغيره، ومفتٍ يتكلم بالكتاب والسنة، والناس يطيعونه من هذا المنطلق، فولايته ولاية شرعية لا تقبل العزل، ولا الإقصاء، ولا الإبعاد، ولا التغيير، ولا التبديل، وهو يرضى بهذا، فلا ينظر إلى متاع الدنيا إلا نظرة ازدراء واحتقار.

    أما مرضى القلوب الذين تعلقوا بالدنيا، واتخذوا من الدين أو من الدعوة، أو من التمسح بالإسلام، ذريعة إلى مثل هذا، فهم لا شك فئة لا يخلو منها زمان ولا مكان، ولكن الحق أبلج، والباطل لجلج، ودولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، وأمر الله تعالى غالب، فإن الله تعالى لا يكتب البقاء والاستمرار والفضل، إلا لمن يعلم أنهم لذلك أهل، أما الذين يريدون الدنيا فقد يعطيهم الله تعالى بعض ما يريدون في الدنيا، ثم يكون مصيرهم النار: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء:18-19].

    لقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وحيداً شريداً، لأنه يعرض عقيدة التوحيد: {يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا} لم يكن بينه وبينهم إلا هذا الأمر، ما قال لهم يوماً من الأيام: إني أريد دنياكم، أو أريد أموالكم، أو أريد شيئاً من هذا، إنما دعاهم إلى كلمة واحدة، وإنما هم لفوا وداروا وأجرموا، وقالوا: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] محمد يقول شيئاً ويريد غيره، يريد السلطة، ويريد الملك: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6] وكما قال فرعون من قبل عن موسى وهارون: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:78] إنما رفع النبي صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة، كلمة التوحيد، وكان يبحث عمن يقبلها، وحتى أولئك الذين عرضها عليهم ما عرضها ملفوفة بطابع الدنيا، ما قال لهم: اقبلوا الدين وسوف تنصرون وتصبحون سادة وملوكاًً وأعزة! لا، وإنما قال لهم: اقبلوا الدين ولكم الجنة، بايعهم على هذا فقالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل.

    وإنما جاء الوعد وعداً عاماً لا يخص أولئك الأفراد الذين بايعوا، ولا يخص تلك الطائفة بعينها وذاتها، وقد مات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من مات، ولم يأخذ من أجره شيئاً كما مات مصعب بن عمير لم يأخذ من أجره شيئاً، حتى إنهم لم يجدوا ما يكفنونه، إلا قميصاً إذا وضعوه على رأسه ظهرت رجلاه، وإذا وضعوه على رجليه ظهر رأسه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطوا رأسه وأن يضعوا على رجليه من الإذخر..!

    إخلاص النية

    ثامناً: الهجرة والنية: ربطت السنة النبوية بين النية والهجرة: {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله....الخ} وهو متفق عليه من حديث عمر، وكذلك الحديث الآخر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية} ذهبت الهجرة، وبقيت النية، وبقى الجهاد، وهذا دليل على أهمية النية فيما يعمل وفيما يترك.

    أما فيما يعمل فإن الإنسان بحاجة إلى أن يصحح نيته وقصده في عبادته، وفي دعوته، وفي جهاده، وفي هجرته، وفي كل عمل، فإنما الأعمال بالنيات، ومن هاجر للدنيا، أو للمرأة، أو للمغنم، أو للوظيفة، أو للشهرة، فليس له من ذلك كله إلا ما نال من حطام الدنيا وعاجلها.

    أهمية النية فيما عجز عنه الإنسان، فإذا عجزت عن شيء فليعلم الله تعالى من قبلك أنك تنوي القيام به متى قدرت على ذلك، وأنك تشتاق إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من لم يغز أو يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق} إذا لم تستطع أن تجاهد، فليمر الجهاد على قلبك أو خاطرك وضميرك، ولتشتق إلى الجهاد، وتتطلع إليه، ولتنوِ أن تقوم به يوماً من الدهر إذا تيسرت الأسباب وفتحت الأبواب:

    يا راحلين إلى البيت العتيق لقد     سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا

    إنا أقمنا على عذر نكابده     ومن أقام على عذر كمن راحا

    إن العبد قد يبلغ بنيته وقصده وسلامة قلبه درجة الصائم القائم، والهجرة أيضاً باقية إلى قيام الساعة، وإنما الهجرة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مضت، هي تلك الهجرة الفاضلة التي يسمي بها أصحابها فيقال: المهاجرون والأنصار، أما الهجرة فإنها لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو، ما دام العدو يقاتل، ما قوتل الكفار، كما جاء في أحاديث عدة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    المدينة تستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم

    تاسعاً: مشهد من المدينة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وفرح الناس به رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، وطفقوا يتحدثون في البيوت وفي الشوارع: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أضاء من فالمدينة كل شيء، ولما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أظلم من المدينة كل شيء.

    نعم قدم النبي صلى الله عليه وسلم فتسامع الناس به، وخرج عبد الله بن سلام وكان يهودياً فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضمن الناس فقال: {فلما استثبت في وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فسمعته يقول: يا أيها الناس! أطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام}.

    هاهنا عبر، أولاً: (عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب) ما أحوجنا إلى الداعية الذي يتفق ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ويصدق الله تعالى في قوله وفعله، فإذا رآه الناس أشاروا بأيديهم، وعرفوا وقرءوا بعيونهم أن وجه هذا الإنسان ليس بوجه كذاب، ليس من أهل الدنيا، وليس من أهل العاجل، وليس من المزورين وليس من الممثلين، وإنما هو صاحب كلمة وصاحب دعوة يتحرك بها قلبه فيفيض بها لسانه، وها هنا تكون الاستجابة ويكون القبول.

    ثانياً: الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس كلهم، المدينة فيها اليهود ثلاث قبائل، ولابد من دعوتهم، فيدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم ويستجيب منهم من يستجيب ويرفض أكثرهم، ولكن كان عبد الله بن سلام ممن أسلم، وذكره الله تعالى في كتابه أنه الرجل من بني إسرائيل الذي آمن وشهد على مثله، كما في بعض الروايات وأقوال كثيرٍ من المفسرين، وأسلم غيره من اليهود أيضاً، وكفر أكثرهم، لكن منهم من أسلم.

    فنأخذ من ذلك أن المجموعات التي توجد في أوساط المسلمين، يجب توجيه الدعوة إليهم، يوجد النصارى، ويوجد الهندوس، ويوجد اليهود، ويوجد أصناف الكفار، هذا من جهة؛ كما أنه يوجد من بين المسلمين أنفسهم أهل البدع، يوجد الشيعة الرافضة، ويوجد الإسماعيلية، ويوجد الصوفية، وتوجد طوائف كثيرة، ومن المؤسف جداً أنه يشيع في بعض الأوساط أنه لا فائدة في هؤلاء، لا يسلمون فيدخلوا في الدين، وكذلك أهل البدع لا يعودون إلى السنة.

    وهذه في الواقع إشاعة خطيرة، لأنها تخدم أولئك القوم أكثر مما تخدم مذهب الحق، بل يجب أن يكون عند صاحب مذهب الحق ثقة بما يحمل، وما يدعو إليه، وأنه لا أحد يجوز أن تحجب عنه الدعوة، بل يجب أن يدعى كل أحد بقدر المستطاع، فإن استجاب فالحمد لله، وإن لم يستجب فقد قامت الحجة عليه.

    يجب أن تدعوا هؤلاء جميعاً خاصة أولئك الذين يملكون اللغة، ويستطيعون أن يخاطبوهم، وخاصة أيضاً أولئك الذين يعايشونهم في أعمالهم، ومقار وظائفهم، وصناعتهم، وأسواقهم، وغير ذلك، وأيضاً تلك المراكز والمكاتب التي تحمل على عاتقها دعوة الجاليات إلى الإسلام.

    أما أهل البدع بين المسلمين، فيجب أيضاً توجيه الدعوة إليهم، ويجب أن تكون دعوة بصبر، وسعة بال، وطول نفس، وهدوء في الكلمة، وصبر عليهم، لأن هؤلاء القوم قد يكونون تشبعوا من معلومات خاطئة عن الإسلام والمسلمين، وامتلأت عقولهم بمفاهيم مضللة، وسلطت عليهم أجهزة إعلامية كثيرة، فأنت بحاجة إلى أن تنقض هذا شيئاً فشيئاً، ولو أنك اتخذت موقفاً صارماً من البداية، لكنت بذلك تصدق ما قاله عنك الأعداء، وتؤكد لهؤلاء أن من الضروري أن يبتعدوا عن الإسلام، وألا يقبلوه بحال، إذاً فليكن تسللك إلى قلوبهم بصبر ولطف، وأدب، وتواضع، وطول نفس، ومالا يتم اليوم يمكن أن يتم غداً، وإذا لم تستطع أن تنقلهم من دينهم إلى الإسلام، فلا أقل من أن تشككهم في دينهم، وقد يأتي يومٌ لداعية آخر فيحقق ما عجزت عنه أنت، وإذا لم يكن هذا فلا أقل من أن تقلل حماسهم فيضعف ويفتر، ويتحولوا من دعاة متحمسين إلى أفراد عاديين، وهذا أيضاً هو مكسب نسبي ينبغي أن تراعيه.

    إنه ليس هناك خدمة لأهل تلك الأديان أعظم من أن يشيع بين المسلمين وطلبة العلم والدعاة أن هذه الفئة من الكفار، أو أن هذه الفئة من المبتدعة، لا يقبلون الحق، ولا يذعنون له، إذاً لا أمل في دعوتهم.

    وقفة ثالثة مع حديث عبد الله بن سلام، وهي أن مبادئ الإسلام العظيمة هي مبادئ شمولية، وكما هي شمولية في المدعويين هي أيضاً شمولية في حقيقة الدعوة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هاجر ليقيم دولة، وهاجر ليرفع راية الجهاد في سبيل الله عز وجل، وهاجر ليجمع كلمة المسلمين على الحق، وجعل المدينة منطلقاً وعاصمة للإسلام، وفي الوقت نفسه هذا لم يلهه أو ينسه صلى الله عليه وسلم وحاشاه في أول كلمة أو خطبة عن أن يأمر الناس بإطعام الطعام، والإحسان إلى الآخرين، وصلة الأرحام، والقيام بحقوق الأقارب والجيران، وغيرهم والصلاة بالليل والناس نيام؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله جل وتعالى.

    فينبغي أن نقدم للناس دعوة الإسلام بشمولها، بكمالها، ومن الخطورة بمكان أن نقدم للناس جزءاً من الدين على أنه هو الدين كله، فنقدم لهم مثلاً برنامجاً سياسياً وإسلامياً على أن هذا هو الإسلام كله، وهذا خطأ، أو نقدم لهم برنامجاً أخلاقياً فنحدثهم عن صلة الرحم، أو حقوق الجار، أو بر الوالدين، ونصور لهم أن هذا هو الدين كله، ونسلخ من الإسلام تلك المعاني العظيمة الكلية الشمولية، لسبب أو لآخر.

    إن دين الله عز وجل كل لا يتجزأ، ولا يقوم به إلا من أحاطه من جميع جوانبه، فينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يقدموا الدين للناس كاملاً غير منقوص، وهذا لا يمنع بحال أن تتخصص فئة منهم في شيء، ويتخصص غيرهم في غيره.

    1.   

    مسألة التاريخ الهجري

    وهي قضية ضاق عنها الوقت، نعم اتفق المسلمون على التاريخ اعتباراً من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد جدال بينهم، وكان إجماع الرأي عليه طيلة عصور التاريخ، فما عرف المسلمون إلا التاريخ الهجري، الذي يبدأ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد هاجر عليه الصلاة والسلام في اليوم الأول من ربيع الأول، ووصل المدينة في اليوم الثاني عشر كما هو معروف عند جمهور أهل السير، ولكن المسلمين بدءوا العام من شهر المحرم لأنه أول السنة.

    واليوم نجد أن هناك محاولات كثيرة لتقويض هذا الاتفاق والإجماع، وتحويل المسلمين في معظم بلادهم إلى التاريخ الميلادي، حتى أصبح بعضهم لا يعرفون الشهور الهجرية القمرية، ولا يعرفون التاريخ الهجري، وهذا خطر عظيم، لأنه يفصل المسلمين عن تاريخهم وأحداثهم، ويحول بينهم وبين معرفة الأحكام الشرعية المبنية على هذا التاريخ الإسلامي العريق.

    إنه تاريخ له جذوره، يربط المسلمين بحدث عظيم مهم، واستبداله بذلك التاريخ الميلادي هو اتباع لآثار أهل الكتاب من النصارى، مع أنه من المستحيل أن يستطيعوا أن يثبتوا ذلك التاريخ الميلادي، ونحن نعلم أن النصارى يحتفلون بميلادهم، ويقيمون له الأعياد في كل مكان، واعتماد المسلمين لهذا التاريخ قد يقتضي أن يدخلوا جحر الضب وراء النصارى، ويحتفلوا بعيد الميلاد كما احتفل أولئك، ويتقمصوا آثارهم.

    ولا شك أن هذه القضية قد تبدو في نظر البعض قضية شكلية أو مظهرية، ولكن هذه الأشياء المظهرية تؤثر حتى في القلب، فالملابس التي يلبسها الإنسان، والزي الذي يعتمده، والشكل الذي يكون عليه، واللغة التي يتكلمها، لا شك تؤثر في عقله، ووجدانه، وضميره، وهذه قضية معروفة نفسياً، واجتماعياً والحمد لله رب العالمين.