إسلام ويب

حقيقة التطرفللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحتوي هذه المادة على المعنى اللغوي والاصطلاحي للغلو، وكيف سخرته دول الغرب في هدم الدين، ثم بين حقيقة التطرف، والأسباب التي تمنع المسلمين من الغلو.

    1.   

    قصيدة في مدح الشيخ: سلمان

    قصيدة في مدح الشيخ سلمان:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

    يا قائد الركب لي في ركبكم أمل     أنـزل بربك من في القلب قد نـزلوا

    انـزل بربك من في القلب مسكنهم     وبالفؤاد لهم في ساحه نـزل

    أنـزل بربك من دموا مدامعنا     شوقاً إليهمفما جفّت لنا مقل

    أنـزل بربك من أبقوا لنا طللاً     نشكو إليه النوى حتى اشتكى الطلل

    أنخ بربك ركباً كنت آمله     عودي علينا فديت النفس يا إبل

    رحماك يا ركب بي فإنني رجل     لم يشجه قط ذكر الدار والغزل

    ولست صباً يذيب الهجر أضلعه     أو أنني من كئوس الوصل أنثمل

    وما سبتني دنيا لا بقاء لها     أو دل غانية أو أعين نجل

    كلا! فديتك إن القلب يسكنه     أهل الفضيلة إن قالوا وإن فعلوا

    فمنهم شيخنا سلمان من فخرت     به الشباب وخافت رأيه الدول

    ومن أقر له بالفضل معترفاً     رجال أمته شاب ومكتمل

    قد أنحلت جسمه بالهمّ أمته     فعاد كالسيف يحدو عزمه الأمل<
    في أن يعيد إلى الإسلام عزته ما زاره كلل أو شابه ملل

    تبدو على وجهه آثار فكرته     هم على ظهره من فوقه ثقل

    فلم ير الشيخ ضحاكاً ولا هزلاً     كيف السرور وقلب الشيخ يشتعل

    وهمه الدين والإسلام دعوته     عدوه الكفر والخذلان والكسل

    بيضٌ فعائله جدٌ عزائمه     كثرٌ فضائله لم تحصها جمل

    أخلاقه كرم أفعاله ورع     حياته عمل في إثره عمل

    نهاره دعوة وعظ وتبصرة     وليله دمعة لله تنهمل

    إنا رجالك يا سلمان فامض بنا     أنى أردت فأنت القدوة المثل

    إنا رجالك مهما قال حاسدكم     إنا رجالك لو سبوا ولو عذلوا

    إنا رجالك لو قالوا زبانية     أو ذاك منحرف أو ذاك معتدل

    هذي مجالسهم غرقى بخمرهم     هذي سجونهم قد عمها الوجل

    هذي صحائفهم ملأى بوحلهم     هذي منابرهم فليعتل السفل

    إنا لنا خطنا نمشي عليه كما     للكافرين صنوف الزيغ والسبل

    متطرفون نعم لله خالقنا     وكذا أصولية بالله تتصل

    إنا اهتدينا بنور الله خالقنا     فكيف يصرفنا عن نوره هبل

    عذراً فديتك إني قد مدحتكم     حقاً وصدقاً وإني منكم خجل

    فخذ بفضلك ترباً واحث في وجهي     فالترب من يدكم يا شيخنا حلل

    1.   

    سبب اختيار موضوع حقيقة التطرف

    إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أيها الإخوة..مضى ذلك اليوم يوم عاشوراء, المبارك الذي كان يوماً من أيام الله تعالى, حيث نجى الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر:75] ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن صامه وتقبل منه صيامه, إنه على كل شيء قدير.

    في هذه الليلة -ليلة الحادي عشر من شهر الله المحرم من سنة (1413هـ)- ينعقد هذا المجلس المبارك في هذا المسجد في حي الإسكان بمدينة جدة, وقد طلب إليّ المقدم -غفر الله له- بعدما قرأ قصيدته أن أحثو في وجهه التراب, من قبِلَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، ولكن عذري أنه لا يوجد هاهنا تراب, والواجب يسقط مع العجز, ولكنني أحثو في وجهه وفي وجوهكم دعوات أسأل الله تعالى ألا يحجبها.

    فأقول: اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأعنا ولا تعن علينا، وانصرنا على من ناوءنا, ووفقنا لما يرضيك عنا, اللهم أصلح سرنا وعلانيتنا, وظاهرنا وباطننا, اللهم تولَّ أمرنا, اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور, اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً وعلماً نافعاً, وعملاً صالحاً متقبلاً, ورزقاً حلالاً واسعاً.

    ثم أقول: كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: [[اللهم اجعلني خيراًَ مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون]] فإنني لا أقر ما ذكره المقدم ولا أوافق عليه, وقد طلبت منه وهمست إليه حذف بعض الأبيات على الأقل, لكنه اعتذر وأصر، فإنه مسئول عما قال, وأقول: هذا وإن كنت أعلم أن مدحه ومدح غيره لا ينفعني شيئاً ولا يضرني شيئاً أيضاً, فأما إنه لا ينفعني فإنما الإنسان بعمله, وأما إنه لا يضرني -إن شاء الله- فإنني أعلم في نفسي من الجهل والنقص والظلم ما جعلني لا ألتفت إلى ما يقوله عني الآخرون, -ولله الحمد- فلا أخشى على نفسي من شيء، وأنا أعلم أن فيها من المعايب ما لا تعلمون وما لا يعلمون, ويكفيني أني أعلم أن الذي مدحني لو علم من نفسي ما أعلم منها لما قال الذي قال, ولكنه قال ما قال أخذاً بالظاهر, والله تعالى يغفر لي وله.

    أما بعــد:

    فعنوان هذه المحاضرة هو: حقيقة التطرف، ولقد عولج هذا الموضوع كثيراً بأسماء شتى، سواء في محاضرات أم دروس, أم في كتب قديمة أو جديدة, ولعلي أذكر من الكتب القديمة التي عالجت جانباً من هذا الموضوع, كتاب الإمام الشيخ ابن تيمية رحمه الله: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فقد عالج فصولاً من ذلك في غلو اليهود والنصارى وغلو هذه الأمة.

    أما من المعاصرين فإنني أشيد بكتاب ضخم صدر أخيراً بعنوان: الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، للأستاذ عبد الرحمن اللويحق, وهذا الكتاب هو بحق من أنفس وأحسن وأجمع ما كتب في موضوع الغلو, وسأتحدث في هذا الموضوع في نحو ست نقاط.

    لماذا نناقش هذا الموضوع؟ وما مناسبة طرحه في هذه الظروف بالذات؟

    الغلو واقع لا شك فيه

    فأقول: أولاً: لأن الغلو أو ما يسمونه بالتطرف أحياناً هو واقع لا شك فيه, ولا يمكن تجاهله، وليس يجوز أن يكون انـزعاجنا هو من الحديث عن الأخطاء أو المشاكل بل يجب أن يكون انـزعاجنا من وجود الأخطاء, أو من وجود المشاكل في المجتمع المسلم, ولهذا لست أرى حرجاً قط في نقد مظاهر الانحراف في المجتمع الإسلامي, بل وفي نقدها علانية وأمام المسلمين خاصتهم وعامتهم, وفي الحديث الذي رواه مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {الدين النصيحة} والنصيحة تقتضي أن يصارح بعضنا بعضاً بأخطائنا وعيوبنا, سواء كانت أخطاء الخاصة أم أخطاء العامة, اللهم إلا أن تكون تلك الأخطاء أخطاء شخصية فحينئذٍ ينبغي أن تكون النصيحة فيها بينك ويبن الشخص الذي صدر منه الخطأ.

    الخوض فيه بغير علم

    ثانياً: هذا الموضوع تناوله الكثير, تحدث عنه الغرب الكافر، وأطلق مصطلح: الأصولية، وتحدث عنه العلمانيون عبر أجهزة الإعلام من صحافة وغيرها, وأطلقوا مصطلح: التطرف, وتحدث عنه غير المتخصصين سواء كانوا في المراكز العلمية أم في أجهزة الإعلام أم في غيرها, فوجب على حملة العلم الشرعي أن يتناولوا هذا الموضوع أيضاً.

    ولعلي أذكر لكم نموذجاً واحداً فقط ممن يتحدثون في مثل هذه الأمور, قبل يومين قرأت في جريدة الحياة, مقابلة مع إحدى المغنيات الشهيرات وهي في فرنسا, تتجول في مسارحها ونواديها للتحكيم في بعض المسابقات الفنية, فسألوها أخيراً عن أنه هناك بعض الفنانات والممثلات يعتزلن الغناء والتمثيل والفن باعتقاد أنه محرم؟ فقالت هي: أبداً الفن ليس بحرام، وعمره ما كان حراماً! فهذه فتوى نشرت بالخط العريض، تدل على أنه تكلم في مثل هذه الأمور كل واحد, وحق على أهل الإسلام وحملة الدعوة أن يتكلموا عنه.

    أحرام على بلابله الدوح     حلال للطير من كل جنس<

    تجدد حدوثه

    ثالثاً: أن هذا الموضوع يتجدد عرضه مع كل حدث, فمثلاً عند مقتل الرئيس المصري السابق طرحت قضية ما يسمى بالتطرف على أوسع نطاق, ثم سكتت قليلاً, ثم في أحداث أفغانستان طرحت, في سقوط الاتحاد السوفيتي طرحت, في أحداث الخليج طرحت, في قيام الانقلاب لثورة الانقاذ في السودان طرحت, في أحداث الجزائر وهكذا أصبحت تطرح بكل مناسبة, ويتسامع الناس بهذا, وربما يكون الكثير من عامة الناس يأخذون معلوماتهم عن هذا الموضوع من خلال أجهزة الإعلام.

    1.   

    الحديث عن مصطلح التطرف

    مصطلح, التطرف: كلمة وردت في العنوان, وهذا في الواقع مصطلح صحفي, وإن كان صحيحاً من حيث اللغة, وهو يعني أخذ الشيء بالطرف, لكنه ليس من الألفاظ الشرعية, فهو لم يرد في القرآن ولا في السنة النبوية, وإنما هو مصطلح صحفي، أكثر من يستخدمه العلمانيون غالباً, دون أن يلتزموا بالموضوعية في هذا المصطلح, فهم لم يحددوا أولاً ما هو التطرف؟ وما معنى التطرف؟! بل ولا يريدون أن يحددوا له معنىً, ويريدون أن يبقى لفظ التطرف لفظاً غامضاً سيالاً فضفاضاً، يحاولون إلصاقه في خصومهم، سواء كانت خصومة سياسية، أو فكرية، أو شرعية، أو دينية، أو حتى خصومة شخصية أحياناً, وهم أيضاً لا يريدون أن يكون لهذا المصطلح معنىً خاص حتى يسهل عليهم تقليبه كيف شاءوا.

    فهم اليوم يَصِفُون به هذه الجهة, وغداً يَصِفُون به تلك الجهة, واليوم يصفون هؤلاء بالتطرف وغداً يبعدونه عنهم ويصفونهم بالاعتدال, لماذا؟! لأن لفظ التطرف لفظ غامض فضفاض في استخدامه.

    توظيف مصطلح التطرف

    ففي نظر هؤلاء -مثلاً- يمكن يوظف مصطلح التطرف أحياناً في مواجهة المواقف السياسية, فالذين ينتقدون الصلح مع إسرائيل هم متطرفون, ولذلك وجدنا مجلة الوطن العربي تنبز منظمة حماس الإسلامية الفلسطينية، تنبزها بأنها منظمة متطرفة, لماذا؟! لأن موقفها من قضية السلام موقف واضح وصريح، فهي ترفضه وتعتبر أن المشاركة في مؤتمر السلام خيانة لقضية الأمة الإسلامية.

    وبالأمس القريب كانت منظمة حماس عند هؤلاء وغيرهم رمزاً من رموز المقاومة الوطنية الناضجة, التي تقاوم الاحتلال الصهيوني الغاشم, هكذا كانت عباراتهم, فبين عشية وضحاها تحولت من منظمة وطنية ومنظمة مقاومة تحولت إلى منظمة متطرفة.

    وهكذا يبرز جانب التحالف الجديد بين العلمانيين الذين كانوا بالأمس في موقف المعارضة في الغالب فتحولوا اليوم أمام خطر ما يسمونه هم وغيرهم بالتطرف الديني, تحولوا إلى موقف التحالف مع القوى الأخرى, مع السلطات ومع الغرب ومع غيرهم, وسأزيد هذه النقطة وضوحاً في النقطة التي بعدها.

    ً فقد يوظف التطرف أحياناً أو ما يسمى بذلك في مواجهة بعض المواقف السياسية.

    وأحياناً يوظف في مواجهة بعض المواقف السلوكية, ففي نظر العلمانيين مثلاً من الصحفيين وغيرهم, الذي يلتزم بالسنة في صلاته وفي لباسه، في تجنبه للمحرمات وفي حجاب زوجته، في سواكه، في تجنبه للربا، في تجنبه للفحش، في تجنبه للغناء هذا يعتبر عندهم محسوباً على المتطرفين, وكثيراً ما ترسم الكاركاتيرات في الصحف السافرة عن أصحاب اللحى الطويلة وأصحاب الثياب القصيرة, فكأن هذا عندهم هو رمز التطرف, فمثلاً في جريدة صوت الكويت, لا حياها الله, رسمت في أحد أعدادها رجلاً له لحية كبيرة، وكأنها كيس كبير يحمله, وهذه اللحية مرسومة على شكل مسدسات, إشارة إلى أنه إنسان إرهابي, وفي يده جريدة تعلن اغتيال رئيس المجلس الأعلى في الجزائر بوضياف، وهذا الرجل يقول: اللهم احمنا من الإرهاب، فهذه سخرية؛ وفي عدد آخر من الجريدة نفسها صورت إنساناً كثيف الحاجبين جداً, وشاربه محلوق, ولحيته ضخمة طويلة تصل إلى نصف الساق تقريباً, وثوبه قصير, وفي يده مسبحة, وهذه المسبحة عبارة عن عقود من القنابل, تصوّر! فترتسم في ذهن السذج والبسطاء والمغفلين هذه الصورة بالإرهاب والتطرف والعنف وبرفض الحوار, دون أن يتحدثوا، ودون أن يستخدموا أسلوب النقاش الهادئ العلمي الموضوعي الذي يتحدثون عنه, لكن من خلال صورة بذيئة, غير مؤدبة، وهذا غريب!

    وبطبيعة الحال فإن الموسومين بما يسمونه بالتطرف لا شك أن منهم من يلتزم بالمظاهر الإسلامية, فيعفي لحيته أو يقصر ثوبه لكننا نعرف الخلفية التي يستخدمها أولئك الصحفيون وهم يتحدثون أو يرسمون, ونحن لا نعرفها من باب الرجم بالغيب فالغيب لله, ولكن نعرفها من مواقف أخرى واتجاهات ومناهج يحاولون أن يجروا كل دعاة الإسلام لتصنيفهم تحت عنوان التطرف!

    ومن ثم يحذرون المجتمعات من خطورتهم, فمثلاً جريدة الشرق الأوسط ومع الأسف أنها محسوبة على هذه البلاد, تعتبر الجبهة الإسلامية في الجزائر أصوليين متطرفين, وأهل السودان أصوليين متطرفين, وأهل اليمن أصوليين متطرفين, وأهل الأردن أصوليين متطرفين, بل وكثيراً من أهل هذا البلد أصوليين متطرفين, وحزب النهضة في تونس أصوليين متطرفين, في نظر جريدة الشرق الأوسط, ولهذا قال أحد الكاتبين في جريدة المدينة: إن الشرق الأوسط صورت ما يسمى بالجماعات الإسلامية كلها, وكأننا نعيش في غابة من الوحوش! لا هم لها إلا القتل والتفجير والحرب والتدمير وغير ذلك.

    وأقول: هذا الوصف الذي أطلقته خضراء الدمن على الجماعات الإسلامية وعلى دعاة الإسلام لم تظفر به كل المجتمعات البشرية, حتى اليهود لم تصف مجتمعاتهم بذلك, بل وصفت مجتمعات اليهود بأن فيها صقوراً وحمائم, وأن فيها معتدلين, وأن فيها منادين للسلام, ولم تصف الصرب الذين دمروا المسلمين في البوسنة والهرسك، لم تصفهم بهذا الوصف قط, ولم تصف الصليبيين في العالم بذلك, ولا الشيعة ولا حزب البعث ولا غيرها.

    وقد حشرت في هذا تناقضات تمتد ما بين النواب الأردنيين الذين دخلوا البرلمان الحكومي, والجبهة القومية في السودان, التي يقول "مورفي" وهو مراسل إحدى الصحف الأمريكية في الشرق الأوسط عن أحد زعماء الجبهة في السودان: إنه منظر إسلامي فذ, لكنه أصولي يعرف جيداً كيف يستغل الظروف ويستخدمها لصالحه، وهو قادر على التأقلم مع الواقع, ويرضى بمهادنة الأنظمة بدون أن يتخلى عن مطالبه، ولاحظوا الألفاظ, ثم يقول: إن الترابي -وهو المقصود بالحديث السابق- بدأ يعلم تلاميذه شكلاً آخر من أصولية الإسلام, يمكنهم من التعايش مع الآخرين والتأقلم مع المتغيرات, والتطورات, ويجنبهم العزلة في الوقت الذي يلتزمون بالخطوط العريضة في أفكارهم.

    أولاً: لا أحد يستطيع أن يمدح الترابي ولا غيره بأفضل من هذا الكلام, بأنه محافظ على أصوله ومبادئه، ومع ذلك عنده قدرة على التأقلم مع الظروف والمتغيرات ومع الآخرين, وأسلوب الحوار والنقاش الهادف, هذا أولاً.

    ثانياً: هذه شهادة من رجل نصراني غربي يحمل في الغالب عداوة النصارى للمسلمين, ومع ذلك وصف الرجل أنه يتأقلم مع الظروف, وأنه يحسن معايشة الأوضاع، فكيف تأتي صحف كـالشرق الأوسط أو غيرها, لتصفهم بالتطرف والأصولية.

    كما حشرت الشرق التجمع اليمني بقيادة الشيخ عبد المجيد الزنداني ضمن المتطرفين, واعتبرت أن التجمعات والمخيمات التربوية العلمية التي تقام في اليمن مراكز لتخريج المتطرفين, وتدريب الإرهابيين, دون أن تقدم على ذلك دليلاً واحداً, ونسيت هذه الجريدة أنها تتكلم عن واقع لا يبعد عنا سوى كيلوا مترات قليلة، وأن التحقق من هذه الأقوال والأخبار أمر ميسور, لكن في حمى العداوة الشخصية والسياسية نسيت كل شيء وأصبحت تتكلم في مثل هذا الأسلوب.

    كما شمل هذا اللفظ حزب النهضة التونسي, وهو من أكثر الاتجاهات الإسلامية تسامحاً, بل ورخاوة في أفكاره ومصطلحاته وفي علاقاته.

    أما الجماعات الإسلامية في مصر, فحدث ولا حرج, بل حتى المجاهدين الأفغان صنفوا الآن ضمن المتطرفين, وخرجت علينا مطبوعات عدة تحذر منهم, ومن الشباب العربي المسلم العائد من هناك, أصوات تحذر من هؤلاء، لم نسمعها يوماً من الأيام تحذر من الشباب العائد من بانكوك ومن يحمل جرثومة الإيدز, في صحف محلية في هذا البلد, ومع الأسف أن يتورط في هذا الأمر مطبوعات وصحف محلية كان يجب عليها على الأقل أن تجامل العلم وأهل العلم في هذه البلاد التي هي محط أنظار المسلمين في كل مكان.

    فمقصودي من هذا الاسترسال أن أقول: إن هذه الصحف وهذه الوجوه لا تتحدث عن فئة بعينها, لا, ولكنها تتذرع بالحديث عن التطرف لشفاء غليلها، والتنفيس عن أحقادها وعداوتها من حملة رسالة الإسلام, حتى ولو كانوا معتدلين، بل حتى لو كانوا مفرطين متساهلين.

    وقد يوظف لفظ التطرف أحياناً في مواجهة مواقف سياسية أو سلوكية، وقد يوظف أحياناً في مواقف عقائدية مبدئية, فمثلاً الذي يطلق على النصارى لفظ كفار يعتبر عند بعضهم متطرفاً, والذي يتحدث عن الحكم الإسلامي والدولة الإسلامية يعتبر متطرفاً, لماذا؟! لأن هؤلاء يقولون الإسلام لم يطبق أبداً, حتى في عهد الخلفاء الراشدين, وهذا كلام فرج فودة, في كتابه: الحقيقة الغائبة، الذي دفع حياته ثمناً لهذا الكتاب, يقول ما معناه: إن الإسلام حلم وخيال, ولم يطبق على محك الواقع يوماً من الدهر, وذلك فالذين ينادون بالحكم الإسلامي, وتطبيق الشريعة الإسلامية هم من المتطرفين, والذي يدعو إلى مخالفة المشركين في هديهم وسلوكهم وأعمالهم وأعيادهم هو من المتطرفين, والذي ينادي بتصحيح عقائد المسلمين وأحوالهم وأخلاقهم على ضوء الكتاب والسنة هو من المتطرفين, وهو من الذين يدعون إلى الحجر على العقول وتعطيلها.

    إحدى الصحف -مثلاً- نشرت أيضاً كاركاتيراً هو عبارة عن صورة لرجل ملتحٍ وضع خده على يده يفكر, فبصر به أحد أقاربه ممن يسمونه بالمتطرفين, فجاء إلى أمير الجماعة -كما يقولون- يقول له: إن فلاناً قد وضع خده على يده -بمعنى أنه قد بدأ يفكر- ومن فكر كفر، فأنا أقترح تصفيته جسدياً -يعني قتله- وهم بذلك يريدون أن يرسلوا إلى القارئ والمشاهد رسالة وهي أن هؤلاء لا يفكرون ويحجرون على العقول, وأنهم يتعاملون دائماً وأبداً مع خصومهم بأسلوب القتل والإرهاب والتصفية الجسدية.

    أصل مصطلح الأصولية

    أما الغرب فإنه يستخدم بدلاً من لفظ التطرف لفظ الأصولية, وهو في الأصل مصطلح نصراني يطلق على أحد المجموعات النصرانية, التي تلتزم بحرفية الكتاب المقدس عندهم التزاماً صارماً, وقد نشأت في ظروف وأوضاع خاصة, وقد حاول هؤلاء أن يبحثوا عن أوجه شبه بين هذه الفئة من النصارى وبين دعاة الإسلام أو بعضهم, ومن ثم نقلوا المصطلح إلى الشرق, وهو مصطلح غربي له ظروفه وملابساته الخاصة, وإن كانت الصحف العلمانية لا تتورع عن شيء في بث أحقادها, فإنها تستخدم كل مصطلح وتعده وسيلة أو سلاحاً ضد دعاة الإسلام.

    وقد أصدر سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز بياناً منذ زمن نشر في الصحف, يحذر فيه من هذا المصطلح، ويبين ما يقصد به, ويدعو إلى تجنبه وإلى العدل في الأقوال والأفعال.

    إذاً قد يطلق لفظ التطرف وقد يطلق لفظ الأصولية وكلها كلمات باطلة أريد بها باطل.

    1.   

    المعنى الشرعي للتطرف

    المعنى الشرعي في مقابل هذا وذاك, هو لفظ: الغلو، وقد جاء هذا اللفظ في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة قال الله عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171], وقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77] كما جاء هذا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً, ومنها حديث ابن عباس رضي الله عنه لما جمع للنبي صلى الله عليه وسلم جمرات, أمره أن يلقط له حصىً صغاراً وقال: {بمثل هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين}, والحديث رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة وابن تيمية والنووي والألباني وغيرهم.

    ولذلك فالواجب والأفضل استخدام المصطلحات الشرعية, وتجنب المصطلحات الغربية أو المصطلحات العلمانية المحدثة, التي أصبح لها جرس ورنين في آذان مستمعيها, وأصبح لها انطباع في عقولهم يصعب التخلص منه, ومع ذلك فإنه ليس لها معنىً خاصاً يمكن فهمه ومعرفته.

    وهذا لا يعني -أيضاً- أن استخدام المصطلح الشرعي ينهي المشكلة, فنحن نجد أن هناك من يرمي بالغلو أقواماً ما جاوزوا الحد ولا تعدوا الحق, بمجرد مخالفته لهم في المنهج أو في الطريقة, أو جهلاً منه بما هم عليه, أو حسداً من عند نفسه, أو لأي سبب آخر, ومن أمثلة ذلك مثلاً ما نعلمه جميعاً عن خصوم الدعوة الإسلامية السلفية في هذه البلاد حيث يطلقون عليها لفظ الأصولية ولفظ التطرف وغير ذلك من الألفاظ, وهم ما فتئوا ينبزونها بالألقاب بدون علم ولا هدىً ولا كتاب منير.

    معنى الغلو

    ومعنى الغلو: هو مجاوزة الحد.

    والحد: هو النص الشرعي من كلام الله عز وجل أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم, والواجب على المسلم أن يكون وقافاً عند حدود الله تعالى كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] وإذا بحث المسلم مسألة وجب عليه أن يجمع النصوص القرآنية والنصوص النبوية فيها, ويؤلف بينها على وجه لا يضرب بعضها ببعض, ولا يأخذ نصاً ويهمل آخر, أما الغلاة فيضربون بعض النصوص ببعض, أو يقتطعون نصاً يلائم غلوهم ويسكتون عما عداه.

    أنواع الغلو

    والغلو نوعان:

    1- غلو اعتقادي: كغلو النصارى بعيسى عليه السلام, أو غلو الرافضة في علي والأئمة الاثني عشر, أو غلو الخوارج في تكفير أهل الإسلام بالمعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها, ومن الغلو أيضاً في الاعتقاد ما أشار إليه الشاطبي وهو الغلو في بعض الفروع في تنـزيلها منـزلة الأصول.

    إذ أن المعارضة الحاصلة بذلك للشرع مماثلة للمعارضة الحاصلة للشرع بأمر كلي.

    2- الغلو العملي: وهو المتعلق بالأمور العملية التفصيلية من قول اللسان أو عمل الجوارح, مما لا يكون فرعاً عن عقيدة فاسدة, ومن أصح الأمثلة على ذلك رمي الجمار بالحصى الكبيرة مثلاً, فإن النبي صلى الله عليه وسلم عدّه غلواً كما في حديث ابن عباس السابق, فهذا غلو عملي لا يترتب عليه اعتقاد, ومثله المبالغة في العبادة كما يحدث عند بعض الفرق مثل الصوفية التي تبالغ في العبادة، وتزيد فيها عما شرع الله عز وجل، كوصال الصوم أبداً، وقيام الليل كله وما أشبه ذلك.

    ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأخطر, لأنه هو النقطة التي تشعبت عندها الفرق المختلفة في الإسلام وبزغت عندها الأهواء، واختلفت عندها العقول والقلوب, ثم سلت السيوف ثم سالت الدماء.

    1.   

    أسباب الغلو

    وهذا موضوع مهم جداً, وهذه ظاهرة ليست جديدة بل هي موجودة منذ ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنة, فلنبحث ما هي أسباب هذا الغلو أو التطرف كما يسمونه:

    من أسباب الغلو: الجهل

    الجهل بعدم معرفة حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم يندفع الإنسان وراء عاطفته وقد يكون هذا الإنسان غيوراً وقد يكون معظماً للحرمات، وقد يكون شديد الخوف من الله عز وجل, فإذا رأى إنساناً يعمل معصية ولو كانت معصية صغيرة, لم يطق أولم يتصور أن يكون هذا الإنسان مسلماً أو مغفوراً له أو من أهل الجنة, لشدة غيرته فأداه ذلك إلى لون من ألوان الغلو.

    أو يكون عنده محبة لرجل صالح مثلاً, وأصل هذه المحبة مشروعة ولكنَّ هذه المحبة بسبب الجهل زادت وطغت حتى وصلت إلى درجة الغلو في هذا الإنسان ورفعه فوق منـزلته.

    والجهل يزول بالعلم, ولهذا كان كثير من الخوارج الأُول يرجعون عن بدعتهم بالمناظرة, بل رجع منهم على يد عبد الله بن عباس رضي الله عنه لما أرسله علي بن أبي طالب للمناقشة والمناظرة، رجع منهم في مجلس واحد أكثر من أربعة آلاف إنسان, وهكذا في عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رضي الله عنه, نوقشوا فرجع منهم ما يزيد على ألفي إنسان في مجلس واحد, ولهذا الجهل في الواقع من أسهل الأسباب؛ لأنه سرعان ما يزول بالعلم والتعليم, وقد يكون الجهل جهلاً بالدليل لعدم الاطلاع عليه, أو عدم معرفته له، أو أنه لم يطلع على هذه الآية أو هذا الحديث, وقد يكون جهلاً بطرق الاستنباط, أو جهلاً باللغة العربية مثلاً، أو جهلاً بطرق استنباط الحكم من هذا الدليل آية كانت أو حديثاً نبوياً.

    من أسباب الغلو: الهوى

    الهوى المؤدي إلى تعسف التأويل ورد النصوص, وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرياسة -مثلاً- أو الشهرة أو نحوه, وقد يكون الهوى لأن البدعة والانحراف والباطل سبق إلى قلب الإنسان وإلى عقله واستقر فيه, وتعمقت جذوره ورسخت, وكما قيل:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    فيعز على الإنسان حينئذٍ أن يتخلى عنه، ويقر على نفسه أنه كان متحمساً للباطل مناوئاً للحق, فيتشبث بخطئه ويلتمس له الأدلة من هنا وهناك, وقد يكون الهوى لأن هذا الإنسان الغالي ذو نفسية مريضة معتلة منحرفة، فتميل إلى الحدة والعنف والعسف في مواقفها وآرائها، وتنظر دائماً للجانب السلبي والجانب المظلم في الآخرين, وقد يشعر صاحبها بالعلو والفوقية وغير ذلك, دون أن يدرك ذلك من نفسه أو يقر أو يعترف به، وقد يحس بأنه أتيح له في وقت يسير وفي وقت مبكر من العلم والفهم والإدراك ما لم يتح لغيره في أزمنة طويلة, ومن هنا تتبخر الثقة في العلماء المعروفين، والدعاة المشهورين، ويستقل الإنسان بنفسه وبرأيه، فينتج عن ذلك الشذوذ والمواقف والتصورات والتصرفات.

    من أسباب الغلو: أحوال المجمتع

    أحوال المجتمع فمن الخطأ الكبير أن نعتقد أن المتطرف شجرة نبتت في الصحراء, وهذا خطأ, بل هو فرع عن شجرة وهو جزء من مجتمع عاش فيه, ولهذا المجتمع في نفسه وتفكيره وعقله أعظم الأثر, فمثلاً التطرف في الانحراف يؤدي إلى تطرف مقابل سواء الانحراف الفكري أو الانحراف العملي, ولذلك فالذين يجرون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد والانحلال الخلقي هم في الحقيقة من المتسببين لحصول الغلو, وإن أعلنوا الحرب عليه وعلى ما يسمونه بالتطرف, إلا أنهم من أول المتسببين فيه.

    فمظاهر الرذيلة في المدرسة والجامعة والشارع والشاطئ والمتجر والحديقة والشاشة والإذاعة وغير ذلك, إذا أقرها المجتمع وسكت عنها، فإنه يجب عليه أن يستعد للتعامل مع أنماط كثيرة من الغلو, هذا إذا كان دور المجتمع هو فقط السكوت عنها, فما بالك إذا كان دور المجتمع بكليته هو تشجيع مظاهر الانحراف ودعمها, وحمايتها, وحراستها, وتبنيها, سيكون الأمر ولا شك أخطر.

    وقل مثل ذلك في الأوضاع الثقافية والإعلامية كمحاصرة فكرة من الأفكار, أو إغلاق منافذ التعبير والكلام أمامها، سواء الصحيفة أو الإذاعة أو التلفاز أو غير ذلك, فهذا سبب لأن تتبلور لدى هذه المجموعة فكرة الغلو أحياناً أو على الأقل فكرة المواجهة والسعي لإثبات الذات.

    ومن الغريب جداً أن الإعلام العربي خاصة, يتهم من يسميهم بالمتطرفين بأنهم لا يتسامحون مع غيرهم, أو أنهم يسعون لإسكات الأصوات الأخرى التي تخالفهم, مع أننا نعلم أن هؤلاء الناس لا يملكون شيئاً أصلاً, لا يملكون أجهزة الإعلام، ولا يملكون الصحافة، ولا يملكون المنابر، بل الكثير منهم لا يملك حق الاجتماع بعشرة أو أقل من هذا العدد, فكيف يقال: إنهم يغلقون منافذ التعبير عند غيرهم, والواقع أن هذا الإعلام المهيمن هو الذي أصبح حكراً باتجاه معين أو مذهب خاص, أو طائفة محدودة وأصبح يبخل على الآخرين ببضعة أسطر أو ببضع دقائق فضلاً عن أن يساويهم بغيرهم في كافة الأجهزة الإعلامية.

    لقد صودرت الآراء النـزيهة المعتدلة, فضلاً عن الآراء الغالية أو المتطرفة، ومثل هذا الوضع لابد أن يولد آلافاً من الأمراض في المجتمعات.

    أحد الدعاة المعروفين اعتذرت صحف دولة بأكملها عن نشر بعض مقالات له, مهما كان مضمون هذه المقالات بسيطاً وعادياً وبعيداً عن الإثارة, المهم ما دامت المقالات باسم فلان فإن نشرها متعذر, وهذا إن كان سياسة عامة فهو مشكلة كبيرة, وإن كان اتفاقاً أو أمراً حصل بالاتفاق وبالصدفة فهو مشكلة أكبر إذْ أنه يدل على أن المتنفذين في الصحافة وأجهزة الإعلام العربية هم نسخة مكررة عن بعضهم.

    وقل مثل ذلك بالنسبة للأوضاع السياسية، فإن الكبت والتسلط والقهر لا يمكن أن يؤدي إلى قتل إنسانية الشعوب, والقضاء على كرامتها، لا, ولكنه يؤدي مع الزمن إلى أن تفقد الثقة بقياداتها, ثم تعمل في الاتجاه المضاد, وتعتبر هذه القيادات ضد مصالح الأمة, وأنها عقبة في سبيل الإنجاز لا بد من تجاوزها, ومن تناقضات الإعلام هنا أيضاً أن يستنكر الإعلام عمليات الاغتيال, التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية أو تنسب إليها أحياناً, ويعتبر أن هذه العمليات جرائم نكراء على حين أنه لا يستنكر الاغتيالات العلنية التي تمارسها الكثير من الأنظمة ضد أفراد بل ضد جماعات بل ضد شعوب بأكملها, هذه تونس كنموذج يوجد في سجونها ما يزيد على ثلاثين ألفاً يعانون ألواناً من مصادرة الإنسانية، جعلت منظمة حقوق الإنسان وهي منظمة دولية غربية ليست إسلامية, بل نصرانية, جعلت هذه المنظمة تصدر تقريراً مزعجاً مخيفاً عن حقوق الإنسان المسلم في سجون تونس, الرجال والنساء, ليس هذا فحسب, بل أصبح الإنسان العادي في الشارع مُصادر الكرامة, مناهج التعليم يُبعد منها كل ما يتعلق بالإسلام, الإعلام يحارب الإسلام صباح مساء, حتى أنه لأول مرة تخرج مسرحيات محلية في هذا البلد المنكوب فيها لقطات عارية, متكررة, تتاجر بالجنس وإثارة الغرائز، والبلد بلد الزيتونة وبلد الجهاد والمجاهدين أصبح يقدم نفسه للعالم الغربي والعالم الإسلامي بهذه الصورة, ولم نجد من تلك الصحف استهجاناً لهذا العمل الذي هو اغتيال لشعب بأكمله, أو اغتيال مجموعات كبيرة من الناس, فضلاً عن اغتيال جماعات أو أفراد.

    إنني أقول: أحكام الإعدام التي تسمعون ونسمع عنها نوعان:

    1- حكم بالإعدام يتخذ القرار فيه من المسجد, وينفذ بطريقة سرية, وهذا لا شك يستهدف بعض الرموز المنحرفة فكرياً, كما حصل لـفرج فودة مثلاً، أو بعض الشخصيات السياسية أو غيرها كما تعرفون في مصر والجزائر وسواها, هذا سواء كان الذين اتخذوه من أفراد الجماعات الإسلامية أو غيرهم, إلا أنه يمثل جانباً, كان على تلك الصحف وهي تعرضه أن تعرض النوع الثاني من أحكام الإعدام, وهو:

    2- أحكام الإعدام التي تتخذ قراراتها في محاكم صورية -مدنية أو عسكرية- وتنفذ بطريقة علنية, والعجيب أنه يستنكر الأول ولا يستنكر الثاني, وكلهم بشر، تعجب مثلاً عندما قتل ضابط أمن في مصر، فكتبت الصحف المصرية كثيراً عن هذا الضابط، وتكلمت عن زوجته التي كانت تنتظره بفارغ الصبر, وتكلمت عن أطفاله الذين يقلبون عيونهم ببراءة ويقولون: أين بابا؟ متى يأتي بابا؟! فتذرف عيون أمهم دمعات حارة ساخنة, ترحمت الصحف على هذا الضابط، وتكلمت عنه وحركت المشاعر في اتجاهه, وأنا أقول: حسناً هذا الذي قلتم وهذا الذي فعلتم، ولكن أولئك الذين قتلهم هذا الضابط أو غيره، أو سجنهم وأهدر إنسانيتهم وكرامتهم في السجون والمعتقلات, أليسوا بشراً؟ أليس لهم زوجات ينتظرنهم وراء الأبواب؟ ألم تُسكب دموع كثيرة في انتظار مجيئهم الذي لم يحدث؟ أليس لهم أطفال في عيونهم براءة يتلفتون يمنة ويسرة ويقولون أين بابا؟ متى يأتي بابا؟! أليس وراءهم قلوب تحن إليهم وتشتاق للقياهم وتحزن لفقدهم, ما بال هؤلاء يكيلون بمكيالين؟! هل يعتبرون هؤلاء من غير المجتمع من غير الأمة أليسوا بشراً؟ على الأقل يعترفون لهم بالإنسانية والبشرية.

    إننا لو أجزنا للصحافة أن تستنكر الاغتيالات التي تتخذ قراراتها أحياناً في المساجد, فإننا نوجب عليها أيضاً أن تستنكر الاغتيالات التي تتخذ قراراتها محاكم أو مجالس نيابية أو وزارية أو سواها.

    إذاً فالأوضاع السياسية من أسباب الغلو.

    وقل مثل ذلك في الأوضاع الاقتصادية, كالاستئثار بالثروات والمؤسسات والشركات, ووجود طبقات محرومة من الناس تعيش دون مستوى الفقر, إلى مستوى الإعدام, لا تجد لقمة العيش ولا تملك شيئاً قط مع أن مصدر الثراء لأولئك الأثرياء ليس هو الكسب الحلال المشروع, وليس هو العمل المنتج، بل هي الطرق غير المشروعة، كالرشوة أو المحسوبية، أو استغلال النفوذ، أو غير ذلك, أما سوى هؤلاء فلا يمكن أن يحصل على المال إلا عن طريق التسول وإراقة ماء الوجه وإهدار إنسانيته وكرامته, ولا حاجة لأن أضرب مثلاً بعيداً فأنتم الآن تسمعون أخبار الفضائح في الجزائر -إذا تخاصم اللصان ظهر المسروق- وأصبح كل طرف يلقي باللائمة على الآخر, ويقول: فلان سرق كذا، وفلان سرق كذا.., وأصبحت الأرقام تقدر بمئات الملايين من الدولارات في بلد فقير, يعيش العشرة منهم أحياناً في غرفة واحدة, يسكنون فيها ولا يجدون غيرها, وعشرات الآلاف من الشباب يتسكعون في الشوارع بلا عمل, حتى الإعانات التي ذهبت إليهم هناك من دول عديدة غربية وشرقية, لا يزال الشك يساور الكثيرين كيف صرفت تلك الإعانات، وما هو مصيرها.

    هذه الأحوال كلها فضلاً عن غياب دور العلماء, وتردي الأمة في التبعية الفكرية والسياسية والعسكرية للغرب, وتسخير أجهزة الإعلام لتغيير هوية الأمة ومسخ عقولها وتبديل دينها, بما في ذلك السخرية بالدين والسخرية بالمتدينين, وتقديم النماذج المنحرفة من الفنانين وغيرهم، على أنهم هم المثل العليا التي يجب على الجيل أن يقلدها ويترسم خطاها, كل هذه الأحوال والأوضاع هي البيئة المناسبة لنمو الغلو، أو ما يسمى بـالأصولية أو بالتطرف، أو سمّه ما شئت.

    1.   

    كيف يمكن القضاء على الغلو؟

    لا بد من التفريق بين التطرف في الدين والتطرف الغربي

    الأمر الأول: ينبغي أن يكون واضحاً لديكم الآن، وهو أننا نفرق بين أمرين: الغلو الذي هو غلو فعلاً في الدين ومجاوزة للحد وانحراف عن سواء السبيل, كغلو جماعة التكفير والهجرة الموجودة في مصر على قلة في الجزائر وبعض البلاد الأخرى, فهذا لا شك أنه غلو وانحراف.

    الأمر الثاني: ما تسميه أجهزة الإعلام غربيها وشرقيها, غلواً أو تطرفاً أو أصولية أو غير ذلك, وهو في الواقع ليس شيئاً من ذلك, وإنما هو دعوة إلى الله وإلى دينه وإلى تحكيم شريعته وإلى العمل بالكتاب والسنة, فنحن نفرق بين هذا وذاك.

    ونقول: إن الغلو موجود في كل زمان وفي كل الأديان, وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الخوارج لا ينقطعون، بل كلما انقرض منهم قرن ظهر قرن آخر إلى آخر الزمان.

    القضاء على الدين مستحيل

    وهاهنا أسئلة يجب أن نجيب عليها:

    أولاً: هل يمكن القضاء على الغلو أو حتى على الجماعات الإسلامية وعلى الدعوة الإسلامية, الغلاة فيها والمعتدلين وغيرهم, هل يمكن القضاء عليهم بالسجن وبالرصاص والمقاصل والمجازر؟

    الجواب: كلا, فهذا في النهاية اعتقاد وفكر, وعلى قاعدة الإعلام نفسه فالفكر إنما يحارب بالفكر, لا يحارب بالرصاصة وإنما يحارب بالحجة, والحجة تقاد بالحجة. هذا أولاً.

    ثانياً: إننا سبق أن قلنا: إن الغلو هو نتاج الضغط والإرهاب والتعسف, إذاً فالضغط والإرهاب والتعسف لا يزيده إلا مضاءً وقوة وإصراراً، وهذا التعسف هو المسوغ الذي يحرق حجج المعتدلين, فالمعتدل يوماً بعد يوم يفقد مواقعه, لأنه يجد من شراسة الخصومة من قبل المتنفذين والقسوة وإغلاق المنافذ في وجه الدعوة, ما يكون مسوغاً وحجةً في رصيد أولئك الغلاة.

    فلماذا تصر كثير من الحكومات على مواجهة ما تسميه بالتطرف، بل على مواجهة الإسلام والدعوة الإسلامية الصحيحة النظيفة بالإرهاب والمداهمة والسجون والمعتقلات؟ لماذا كان جزاء صاحب كتاب معالم في الطريق وفي ظلال القرآن هو السجن ثم الإعدام؟! هل أن كتاب معالم في الطريق يعلم القارئ كيفية صناعة القنبلة اليدوية؟ كلا, هل هو يعلم الإنسان كيف ينظم مسيرة في الشارع؟ كلا, هل هو يدرب الناس على حرب الشوارع؟ كلا, بل هو يرسم منهجاً للدعوة وما فيه إلا الحجة, فلماذا يكون جزاء هذا الكتاب الإعدام؟ وأين الذين يدافعون عن فرج فودة, صاحب كتاب الحقيقة الغائبة؟ لماذا لم يدافعوا عن سيد قطب -رحمه الله- حينما أعدم؟ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8].

    أين حقوق الإنسان؟ من ثلاثين ألف سجين في الجزائر, وثلاثين ألف سجين في تونس,ومثله في مصر, يعيشون أوضاع مأساوية, حتى بلغ الحال أن بعضهم في مصر يحقنون بجرثومة الإيدز, بعض المعتقلين والعياذ بالله إن المسلم في نظر هؤلاء ليس إنساناً؟

    أقول لكم أيها الإخوة: إنه طريق فاشل, وهاهي الأنظمة على مدى خمسين عاماً أو أكثر تحارب الدعوة الإسلامية بالقوة والتعسف, فهل كانت الدعوة فيما تعرفون أنتم وتحسبون أقوى وأشد وأنضج منها اليوم؟ كلا, إن الذي يقرأ عن المعتقلات التي عملها جمال عبد الناصر في مصر, وزج فيها بعشرات الآلاف في السجون الحربية وغيرها, وفي أوضاع سيئة للغاية, ثم علق على المشانق أعداداً كبيرة منهم, الذي يقرأ تلك الأخبار خاصة في ذلك الوقت يخيل إليه أنه لن تقوم للإسلام في مصر قائمة, وهاهي مصر بذاتها اليوم تستعيد عافيتها بإذن الله, ويملأ شبابها المتدين وفتياتها المتدينات يملئون جامعاتها ومدارسها ومعاهدها ومساجدها وأحيائها ومؤسساتها, بل وسجونها, وهاهي أجهزة الأمن لا تجد نفسها في وضع أسوأ مما تجده عليه الآن, ليس في صعيد مصر فحسب, ولا في القاهرة بل في كل مكان, إن ضحايا أسلوب التصعيد والمواجهة القاسية الضارية, هم رجال السلطة أكثر مما هم دعاة الإسلام, أو حتى الغلاة من دعاة الإسلام.

    ولقد استطاعت اليد الخفية أن تغتال السادات, وتغتال بو ضياف، وتغتال أعداداً غفيرة من الضباط وكبار المسئولين، ولا يدري إلا الله ماذا تكون عليه الأوضاع غداً وبعد غد, فهل يقبل ناصح لهذه الأمة أن تستمر هذه الطريقة للمواجهة مع رجال الإسلام ودعاته؟ بل حتى مع الغلاة من الدعاة؟ إننا نعلم أن في إسرائيل أحزاباً أصولية متطرفة متشددة, فماذا فعلت إسرائيل تجاه هذه الأحزاب؟ هاأنتم تسمعون أنها الآن تشارك في الحكم في ائتلافها مع حزب العمل الجديد الذي فاز في الانتخابات, وتصل إلى الحكومة, فلماذا لا يقتدون بهم في هذا؟ كنا نقرأ -ونحن صغار- أن القتل والتضييق والسجن والمداهمة لا يقضي على الدعوة بل يقويها ويرسخ جذورها, ويؤلب حولها الأنصار ويكثر حولها الأتباع.

    وأصدقكم القول -أيها الإخوة- كنت آنذاك وأنا صغير أشعر في دخيلة نفسي -أحياناً- أن هذا الكلام ترضية للنفس, أو خداع للذات، أو التسلية الوهمية, أما الآن فنحن نرى ما نرى في المغرب ومصر والشام بل والعراق وقد جاءت أخبار تدل على أن الصحوة حتى في العراق على قدم وساق، وإن لم تكن ظاهرة للعيان بسبب التعسف والكبت, ولكنها قوية جداً وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [هود:122] وبمجرد أن تنقشع هذه السحابة، وتعطى الدعوة الإسلامية نفساً ولو يسيراً حيث تتنفس الصعداء وتظهر على السطح ويبين للناس كم كان عمقها ورسوخها وامتدادها ومقاومتها لرياح الحرب والقتل والتغيير والتدمير والمداهمة.

    أما الآن ونحن نرى ما نرى، فقد آمنَّا فعلاً أن هذا الكلام حق, وأن العقائد لا يمكن أن تحارب بالقتل, ولا بالسجن ولا بالمصادرة ولا بكبت الحريات ولا بتكميم الأفواه, وقد رأينا الشباب وهم في السجون يرددون آيات القرآن الكريم, ويهتفون وينادون ويتمنون الشهادة في سبيل الله عز وجل, ويرددون أبياتاً من الشعر الحماسي المؤثر الذي يشتاقون فيه للموت في سبيل الله, أي حيلة في إنسان أغلى شيء هو أن يموت في سبيل الله, فأنت حين تقتله تهدي إليه هدية كبيرة.

    فلماذا تظل هذه الأجهزة الأمنية والسياسية في العالم العربي والإسلامي مصرة على هذا الخطأ الكبير في مواجهتها مع الإسلام كله المعتدلين من الدعاة وغير المعتدلين, ومع ذلك فإن هذا الأمر، وهو أمر بقاء الحق ورسوخه واستقراره أمر ثابت في القرآن الكريم وهو ديدن المؤمنين كلما ازدادت المحن، أو ادلهمت الخطوب، قال الله عز وجل: وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب:22] وأصحاب الأخدود حُرِّقوا في النار، ومع ذلك صبروا وهم يرون إخوانهم يشوون وتحرق أجسادهم بالنار فصبروا في سبيل الله عز وجل، حتى أنـزل الله تعالى فيهم هذه السورة العظيمة؛ ليكونوا عبرة للمؤمنين عبر العصور.

    التطرف الحقيقي

    إن التطرف الحقيقي هو تطرف الأحزاب العلمانية, والحكومات التي جعلت كل إمكانيات الأمة وممتلكاتها رهن إشارتها, وذريعة لتحقيق مصالحها الخاصة، وحاربت كل من لا يذعن لها, أو يسير في ركابها, خاصة ونحن نعلم أن الأمة تملك الكثير من الإمكانيات التي كانت تستطيع أن تكون بها كما أراد الله عز وجل: خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    1.   

    وسائل محاربة الغلو

    سؤال آخر: هل يحارب الغلو بالتجاهل؟

    الجواب: أيضاً كلا, لقد سبق أن بينت أن للغلو أسبابه التي لا بد من إزالتها , ولذلك فلا بد من:

    تمكين العلماء

    تمكين العلماء الربانيين من القيام بواجبهم, وفتح الآفاق لكلمتهم, والسماح بمرورها إعلامياً، وتسخير إمكانيات الأمة كلها لهذا الغرض, إن العالم الشرعي يجب أن يشكل مرجعية حقيقية للجميع, الحاكم والمحكوم على حد سواء, ولا يجوز أن تكون المنابر الدينية حكراً على فئة من الهتافين المصفقين من أمثال بعض المفتين الرسميين, سئل مفتي مصر في جريدة صوت الكويت قبل أيام عن التطرف والنصارى، وكان من ضمن ما قال بالحرف الواحد: أما كون بعض الكتب السماوية حرفت أو بدلت أو غيرت فتلك قضية يسأل عنها أصحابها, وجميع الأديان تتفق في الأصول, سبحان الله!!

    أولاً: عندما يقول: "إن الأديان تتفق في الأصول" هل هو يقصد الأصول التي عليها أهل الأديان اليوم، أم الأصول المنـزلة؟ فالأصول المنـزلة هي التوحيد, لكن أهل الأديان اليوم من اليهود والنصارى وغيرهم أهل شرك ووثنية, فكيف يقول: إن الأصول متفقة هكذا على الإجمال؟!

    ثانياً: حينما يقول في الجواب على تحريف الكتب السماوية: "هذه قضية يسأل عنها أصحابها" يعني: يريدنا أن نذهب إلى البابا شنودة, ونسأله: هل الكتاب المقدس عندكم محرف أم لا؟! ونذهب إلى رابين أو غيره ونسأله: هل الكتاب المقدس عندكم محرف أم لا؟ كيف يقول هذا؟!! ألا يوجد عندنا دين وجواب للمسلمين؟ ألا يوجد عندنا نحن المسلمين الجواب لهذه المسألة؟ مفتي أكبر بلد إسلامي يهرب من الإجابة بمثل هذه الطريقة الملبسة!!!

    في روز اليوسف -أيضاً- تجري حوارات مع من تسميهم بمفكرات الإسلام, مرة -وهذا مثال- أجرت حواراً مع عميدة كلية التربية بجامعة الأزهر, فتقول هذه العميدة في حوار طويل: حتى في عصر النبوة كانت هناك سلبيات, في المجتمعات المغلقة وجد اللقطاء أمام المسافر, هذا كلام يقال في سبيل تبرير وتسويغ الفساد الموجود, هذا مثل إنسان يأتي لشخص غارق في الرذيلة، ماله من الربا، فاجر لا يصلي، عاق لوالديه، عاصٍ، مؤذٍ لجيرانه، شارب للخمر، مدمن للمخدرات, فتأتيه وتقول له: يا أخي أنت عليك أخطاء، وعليك ملاحظات, تب إلى الله عز وجل, يقول لك: يا أخي كل إنسان فيه عيوب والكمال لله عز وجل.

    تقول أيضاً: الجماعات الإسلامية ابتلاء من الله, لم أجد في المنقبات من تحفظ القرآن الكريم, ثم هجوماً ساخراً على الإمام ابن تيمية أنه حاد ومتشدد وإلى غير ذلك.

    فنقول: يجب أن يمكن العلماء الربانيين من القيام بواجبهم ودورهم بفتح الآفاق أمام كلمتهم, ومع ذلك فإنه يجب أن يقال للعلماء والدعاة أيضاً: قوموا أنتم بواجبكم وخاطبوا جمهور الأمة, وأدوا دوركم دون أن تنتظروا من أحد أن يأذن لكم بذلك أو يأمركم به.

    إن المناصب الرسمية الدينية أصبحت وقفاً في أكثر من بلد إسلامي على فئات معلومة ممن يجيدون فن المداهنة والتلبيس, وأصبح هؤلاء في زعم الأنظمة هم الناطقين الرسميين للإسلام والمسلمين, مع أنه لا دور لهم إلا مسألتان:

    الأولى: إعلان دخول رمضان وخروجه.

    الثانية: الهجوم على من يسمونهم بالمتطرفين.

    العمل على إيجاد القنوات الإسلامية

    ثانياً: لابد من إيجاد القنوات العلمية والدعوية والإعلامية التي يمكن للدعاة إلى الله عز وجل من خلالها عرض الصورة الصحيحة للإسلام, وتنقيته من الدخائل عليه, وتعريف الناس بدينهم الحق, وإثبات أن هذه الدولة أو تلك ليست ضد الإسلام ولا ضد الدعوة, أما مجرد الخطب الرنانة التي ينقضها الواقع فإنها لن تغير شيئاً, حتى الاتجاهات التي يصاحبها نوع من الحدة أو الشدة, يجب أن تحاور وتناقش في الهواء الطلق، وليس من وراء القضبان, وإذا لم تعرف الدعوة الإسلامية الصحيحة الناضجة من الكتاب والسنة فإن البديل عن ذلك أمران:

    أولاً- شيوع المنكر الفكري والخلقي بلا نكير, وهذا يؤدي إلى التطرف كما سبق.

    ثانياً- الدعوات المنحرفة التي ستجد آذاناً صاغية, فإن الناس إذا لم يعرفوا الحق تشاغلوا بالباطل.

    تنقية أجهزة الإعلام

    لا بد من تنقية أجهزة الإعلام من كل ما يخالف الإسلام, عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً, ولا بد من منع ضحايا الفكر المنحرف من التسلل للإعلام, ومنع المساس بالدين وأهله في تلك الأجهزة.

    إن مما يؤسف له أن الإعلام العربي يتحدث عن الدعوة الإسلامية باسم التطرف أو الأصولية, فيتخلى عن الموضوعية تماماً, ويتناقض وينحاز, فلا يعرض إلا رأياً واحداً, ولا يعرض إلا جانباً من الحقيقة, مثلاً مقتل فرج فودة يسمونه مصادرة للفكر, وجريمة, مع أنني أقول: أي فكر يحمله فرج فودة؟ وماذا يقول؟ يقول: أفتخر بأنني أول إنسان عارض تطبيق الشريعة الإسلامية يوم لم يكن يعارض ذلك أحد, ويقول: سبق أنني قلت لك يا وزير الصحة، عليك أن تعالج الوضع عن طريق الزيادة في المهدئات الجنسية, يعني: ما يسميهم بالمتطرفين أو الشباب المتدين هم ضحايا الكبت الجنسي, هل هذا حوار؟ هل هذه حجة؟ هل هذا تعقل؟ ثم جاء إلى تاريخ الإسلام من عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم, وبالساطور يضربه يمنة ويسرة, حتى لم يبق فيه لبنة على أخرى, أو عضواً على آخر, هل هذا فكر؟! لكن مع ذلك قاموا وقعدوا لماذا يقتل فرج فودة؟ ونحن نقول: حسناً، نردد لماذا يقتل فرج فودة؟ لكن لماذا يقتل ألوف من المسلمين والدعاة وطلبة العلم؟

    هل صار الأمر عندكم كما قيل:

    قتل امرئ في غابة     جريمة لا تغتفر

    وقتل شعب كامل     مسألة فيها نظر

    لماذا تكيلون بمكيالين؟ الإعلام العربي كله صحافته وإذاعاته وتلفزته, هل رأيتموه عرض يوماً من الأيام وجهة نظر جماعة من الجماعات الإسلامية؟! كلا, إنما الإعلام العربي كله دائماً وأبداً في حالة حماس لحملات إعلامية, اليوم نحن ضدكم وغداً أنتم ضدنا, وبعد غد نحن وأنتم ضد فلان وهكذا.., عمل كعمل الأطفال سواء بسواء.

    يؤسفني أن أقول: إن هيئة الإذاعة البريطانية وهي الأخرى أيضاً ليست موضوعية أو منصفة إلى ذاك الحد، ولكنها بلا شك أفضل كثيراً من الإعلام العربي, هيئة الإذاعة البريطانية أجرت مقابلة مع أحد زعماء الجماعة الإسلامية في مصر, وسجلت أجوبتهم وآراءهم وبثتها للناس, ثم بعد ذلك بفترة أجرت مقابلة سمعتها مع زعيم الأقباط البابا شنودة, حول التطرف وقضايا أخرى, أما الإعلام العربي فهو لا يجرؤ على ذلك, ولا يملك عرض وجهة النظر بحال من الأحوال, إنه لا يعرض إلا وجهة نظر واحدة وضعيفة أيضاً, وأما وجهات النظر الأخرى فهو لا يجرؤ على عرضها أبداً.

    فلا بد من تنقية أجهزة الإعلام، وصياغتها إسلامياً؛ لتكون رافداً من روافد الدعوة.

    ربط مناهج التعليم بالدين

    ضرورة ضبط مناهج التعليم، وربطها بدين هذه الأمة وتاريخها وحاضرها ومستقبلها, حتى يتخرج جيل مؤمن يعرف دينه, تقول التقارير الأمنية: إن تكثيف المواد الدينية هو الذي يولد المتطرفين, وتدريس التاريخ الإسلامي والجهاد يولد روح الفداء في نفوس الشباب, والواقع أن تكثيف المواد الشرعية والإسلامية هو ينتج العلم الصحيح, الواقي من الانحراف , أما أولئك الذين يظنون أنهم سيحولون بين الأمة ودينها وبين الأمة ولغتها, وبين الأمة وتاريخها, فهم مغرقون في الوهم, فالإسلام قادم لا محالة, وإذا كانوا يحاربون الإسلام فليبشروا بالخيبة والهزيمة.

    حماية الآداب والأخلاق

    ضرورة إصلاح الأوضاع الشرعية والأخلاقية في المجتمعات الإسلامية، وحمايتها من الانحلال الخلقي، وإيجاد ودعم المؤسسات الإصلاحية القائمة على حماية الآداب والأخلاق, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إنه كما يوجد جهاز مختص لمكافحة المخدرات, يجب أن توجد أجهزة قوية وممكنة وذات صلاحية واسعة في مكافحة ألوان الجرائم التي لا يقرها الشرع, وأول ما يجب أن يساند هذه الجهات هو القانون نفسه أو النظام، فلا معنى لوجود جهاز لمكافحة الرذيلة والبغاء في بلد يسمح قانونه بالزنا ويسكت عنه وهكذا.

    العدل

    ضرورة العدل, وإعطاء ذوي الحقوق حقوقهم, سواء كانت هذه الحقوق حقوقاً مالية أو كانت شخصية أو سياسية أو غير ذلك, فإن المجتمعات لا يمكن أن تقوم على الظلم أبداً, والله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة, ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة, ومن الظلم سرقة أقوات الناس وأموالهم, ومن الظلم بل من أبشع الظلم أخذ الناس بما لم يفعلوا, ومن الظلم حبس الناس بالتهمة والظنة, ومن الظلم سرقة نتائج الانتخابات في البلاد الإسلامية, كما حصل في الجزائر, ثم يقولون: حصل التطرف، وحصل العنف، وحصلت الاغتيالات, في حين يسكتون عن إهدار رأي ثمانين بالمائة من الشعب الجزائري المسلم, وأخشى أن يكرروا هذه العملية نفسها في بلاد أخرى كـاليمن التي هي مقبلة على انتخابات بعد فترة قليلة, ونسأل الله تعالى أن لا يكون ذلك, وأن يكون أشغل هؤلاء بأنفسهم, فـمصر التي دعمت الجزائر برجال الأمن والشرطة, هي الآن مشغولة بمشاكلها الداخلية وقلاقلها عن غيرها أو علها كذلك.

    ومن الظلم -أيضاً- التفاوت الشديد بين الناس في كل شيء, في أرزاقهم وأموالهم ومرافدهم وغير ذلك, فالله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, وإذا أردنا للمجتمعات الإسلامية أن تكون مجتمعات مستقرة منتجة متآلفة فعلينا أن نقيمها على أساس العدل.

    مناقشة الأفكار والحجج والشبهات

    فهذه الأسباب الخمسة لا بد منها في مقاومة ما يسمى بالغلو.

    ثم يأتي بعد ذلك السبب السادس والأخير وهو أنه لا مانع من مناقشة الأفكار والحجج والشبهات التي يتذرع بها هؤلاء، وتفنيدها والرد عليها، وتطعيم الناس ضدها, لئلا يغتروا بها، فنحن نقول: فعلاً إن الغلو هو الآخر خطر على الإسلام, كما أن التفريط خطر.

    ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد     كلا طرفي قصد الأمور ذميم<

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة لشباب المراكز

    سؤال: نطلب نصيحة لشباب المراكز ومن يقوم عليها؟

    الجواب: أنصحهم بتقوى الله في هؤلاء الشباب الذين استرعاهم الله عليهم, وأن يبذلوا جهداً في تربيتهم, وإعدادهم وإصلاحهم, وأن يحرصوا على حمايتهم من الأفكار المنحرفة, والأخلاق المنحرفة, وبنائهم بناءً قوياً ليصبحوا رجالاً أقوياء, ويحرصوا على تزويدهم بالعلم الشرعي الصحيح, وتربيتهم تربية إسلامية سليمة.

    طلب مقدم للشيخ

    طلب: أرجو أن تسمح لي يا شيخ بهذه الكلمة، وهي أننا نشكو إلى الله من قلة زيارتكم لنا، فنحن في هذه الليلة نطلب منكم أن تتكرموا بزيارة كل شهر أو شهرين, هذا مطلب أرجوه ويرجوه جميع من في المسجد إن شاء الله؟

    الرد: قبل قليل كنت أتكلم عن قضية الديكتاتورية والتسلط, وأنا اعتقد يا أخي أنك تمارس الآن -مع المعذرة- نوعاً من ذلك, فكونك ترجو فهذا صحيح, ولكن جميع من في المسجد لا يمكن الجزم بذلك، إلا إذا كنت قد وزعت ورقة عليهم, ثم جمعت الاستبيانات, ثم خرجت فيها بنتيجة أن الحضور (100%) يطالبون بحضوري دائماً, حينئذٍ كنت أقبل منك, على كل حال أنا لا أدخل في هل النتيجة صحيحة أو خطأ, الطريقة خطأ وليست سليمة, يعني قولك: جميع من في المسجد، هذا شيء لا نعلمه، وأمره إلى الله, لكن لو قلت: جل من في المسجد لكان أجود، وعلى كل حال أنا أقدر لكم جميعاً حفاوتكم وأعلم فرحكم بهذا اللقاء الذي أرجو أن يكون مباركاً, والشهود على ذلك عندي وفي صدري.

    وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في الجنة, كما إنني أعدكم إن شاء الله بتكرار هذه الزيارة.

    كيفية قضاء الإجازة الصيفية

    السؤال: يقول: إن الإجازة الصيفية جاءت، وهناك شباب هداهم الله إلى طاعته وأصلحهم, فما رأيك في الإجازة وما يمكن أن نفعل فيها؟

    الجواب: أذكر أنه سبق لي أن ألقيت درساً بعنوان: حول الإجازة، فمن الممكن مراجعة ذلك, لكن ينبغي أن تُستفاد في القراءة, والرحلات المفيدة, وحضور مجالس العلم, وحفظ كتاب الله تعالى إن أمكن, والمشاركة في النشاطات الخيرية كالمراكز الصيفية مثلاً, أو الرحلات المفيدة، أو الجولات الوعظية التي تنظمها مراكز الدعوة, أو غير ذلك من الأعمال النافعة.

    تصحيح لفهم مسألة الاغتيالات

    السؤال: هل نفهم من كلامك أنك تؤيد ما يفعله المسلمون في معركة المواجهة؟ أم أن الأمر غير ذلك؟

    الجواب: إذا كان الأخ يقصد أنني أؤيد مسألة الاغتيال, فلا، لم أقل هذا لا نصاً ولا ضمناً, وليس في كلامي أنني أؤيد الاغتيالات؛ لأنني أرى أن هذا الأمر ليس مناسباً, ولا يخدم قضية الدعوة في الواقع، خاصة في مثل هذه الأوضاع التي تعيشها مصر, ولكنني قصدت أمراً واحداً فقط، وهو أني أقول: إن الإعلام الذي يستنكر الاغتيالات التي يقوم بها أفراد من الجماعات الإسلامية, لم يقم بالدور نفسه في استنكار الاغتيالات التي توجه لأفراد الجماعات الإسلامية.

    حكم المشاركة في النوادي الرياضية

    السؤال: هل يحق لي المساهمة في إنشاء نادي رياضي, علماً بأن نشاطه هو كرة القدم وبعض النشاطات الثقافية المحدودة, حيث يحتج القائمون عليه, بأنه يمنع الشباب مما هو أسوأ من الرياضة, ويلحون على ذلك, وإلا اعتبرت بخيلاً؟

    الجواب: إذا كان هذا النادي فيه خير، والقائمون عليه أخيار، ولهم نشاطات طيبة وما أشبه ذلك فلا حرج من المساهمة.

    حكم المشاركة في الصحف

    السؤال: رجل يكتب في صفحة الشعر الشعبي في إحدى الصحف، ويأخذ على ذلك راتباً شهرياً, وقد حاول أن يغير بعض أغراض الشعر إلى ما يخدم الدعوة إلى الله تلميحاً، ويستشهد برأي أحد الدعاة في الشعر, فشطب رئيس التحرير المقال, فهل يستمر في هذه الصحيفة بنية محاولة نشر الخير ولو بعد حين أو يتركها؟

    الجواب: شطب هذا المقال يذكرني بخبر نشر في إحدى الصحف المحلية, وقرأته, وقد ذكر اسم أحد الدعاة ضمن الخبر, أن فلاناً قام وألقى كلمة في حفل من الاحتفالات فنشر الخبر بكامله إلا الكلام المتعلق بذلك الداعية فقد حذف!!

    أما محاولة نشر الخير فلا شك أنه من استطاع أن ينشر الخير بأي أسلوب أو أي طريقة فلا بأس بذلك, إلا إن كان يرى أن هذه الجريدة بابها مغلق أمام الخير، فعليه أن يتركها إلى غيرها وإلى أسلوب آخر.

    مأساة البوسنة والهرسك

    سؤال: ما هو تصوركم لأبعاد المأساة الأليمة والفجيعة العظيمة التي حلت وألمت بإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك, على ضوء آخر التطورات والأحداث, فماذا يعني تدخل الدول الأوروبية رغم كفرها وإلحادها لحل المشكلة كما يزعمون؟ والله أسأل أن يوفقكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل.

    الجواب: الحقيقة أن قضية البوسنة والهرسك من القضايا الخطيرة والكبيرة, وتحدثنا فيها في مناسبات خاصة، وقد أقمت ندوة فيها مع أحد الدكاترة الذين ذهبوا إلى هناك من أصحابنا ورجع وعرض بعض المشاهدات والمرئيات بعنوان: " مشاهدات في يوغسلافيا، وهي فيما أعلم أن هذه الندوة موجودة في الأسواق.

    ولكنني أقول على أي حال قضية البوسنة قضية خطيرة للغرب وللشرق.

    أما بالنسبة للغرب: فهو ينظر إلى أنها في قلب أوروبا، وتعتبر أكبر تجمع إسلامي في أوروبا -ستة ملايين- وكانوا ضعف هذا العدد إبان الحرب العالمية، ولكن أبيد منهم عدد كبير أثناء الحرب، ولم يعلم بهم أحد أما اليوم فهم يقتلون فعلاً ولكن على مرأى ومسمع من العالم كله.

    وفي هذا الحدث أمور غريبة وهي:

    أولاً: منذ شهور طويلة والدبابات والطائرات تقصف مدينة سراييفو التاريخية الجميلة حتى حولت مساجدها ومآذنها وبيوتها ومصانعها إلى حرائق.

    ويقول لي أحد الإخوة: لا تجد بناية واحدة سليمة، بل كثير من البيوت أصبحت غير قابلة للترميم أصلاً، وثلاثة شهور والناس يعيشون في المخابئ حتى نفدت كل المؤن والذخائر، وكل الأطعمة، وأصبح الناس مهددين بالموت جوعاً رجالاً ونساءً وأطفالاً ومع ذلك القصف متواصل، ممن؟ هو من الصرب.

    هل صحيح أن العالم يرفض؟

    أمريكا تدخلت في ساعات في بعض المواقع، وقالت كلمات واضحة، ونحن نجد أنها لم تستخدم أسلوب التهديد بشكل صريح افعل وإلا.

    فلماذا لم تسلك الأسلوب نفسه مع الصرب، لو كانوا صادقين في مقاومة هذا الذي يحصل؟

    ولكنهم يعطون الصرب الآن فرصة، ويقولون لهم: عجلوا وأسرعوا في القضاء على المسلمين في البوسنة والهرسك، أسرعوا بتدمير هذه الدولة، وفعلاً فإن كل الحديث الغربي منصب على شيء واحد فقط وهو الإعانات الإنسانية، فرنسا -مثلاً- أكثر المتحمسين لهذا الموضوع، إلى الآن كل نشاطاتها وتصريحاتها مقصورة على الجانب الإنساني، جانب الإغاثة، وهكذا ألمانيا.

    أمر آخر هناك، الآن بوادر مخيفة، الكروات هم الآخرون نصارى، الآن أعلنوا عن دولة مستقلة لهم داخل البوسنة والهرسك، يعني اقتطعوا جزءاً من الأرض التي يملكها ويحكمها المسلمون الآن، اقتطعوها واستقلوا بها في دولة كرواتية بوسنوية نصرانية.

    ويقول كثير من المراقبين: إذا قامت هذه الدولة فعلاً واستقرت، فإنها تهدد وجود البوسنة والهرسك -الدولة الإسلامية- تهديداً مباشراً ويصعب تصور وجود دولة البوسنة والهرسك المستقلة في ظل مثل هذا الوضع.

    خاصة وأن هناك أخباراً قديمة عن وجود نوع من التحالف بين الكروات والصرب ضد المسلمين، ولو تحالف الكروات والصرب وأعلنوا ذلك ضد المسلمين لكانت كارثة كبيرة.

    فالآن أكبر إيجابية في الواقع هي أن الكروات يساعدون المسلمين، وعن طريقهم تنتقل الأسلحة، وينتقل الذين يزورون تلك المناطق إلى غير ذلك.

    والغرب يخاف من شيء كبير في يوغسلافيا -في البوسنة والهرسك- وفي غيرها، يخاف من قضية ظهور الجهاد الإسلامي، ولذلك هناك خبر صغير نشر وأُثير وهو وجود شاب عربي قتل هناك، هذا الخبر على رغم من أنه فردي ومحدود إلا أن له تأثيراً كبيراً في الأوساط الغربية، فضلاً عن أنني سمعت أن هناك مراكز للشباب العرب لمشاركة إخوانهم في الدفاع عن أنفسهم، لماذا؟

    هم ليسوا بحاجة إلى الرجال ولكن من الناحية المعنوية، لرفع معنوياتهم، فالغرب يخشى أن تتحول البوسنة والهرسك إلى أفغانستان أخرى.

    وهنا تكمن الخطورة لأنها بلد جبلي فعلاً وصالحة لمثل هذا الشيء.

    الأمر الثاني: أنها في قلب أوروبا، وقد تكون هذه شرارة لحروب صليبية متواصلة، كما يوجد في الجمهوريات التي خرجت عن الاتحاد السوفيتي الآن احتكاكات كثيرة وفي بلاد شتى.

    فالغرب يتخوف الآن من ظهور قضية الجهاد في سبيل الله، ومما أبشركم به أن المسلمين هناك في البوسنة والهرسك على الرغم من أنهم كانوا مجهولين وبيننا وبينهم -نحن المسلمين في المشرق والمغرب هنا في البلاد العربية والإسلامية- مسافات بعيدة، حتى أن أكثرنا لم يكن يعرف هؤلاء المسلمين ولا يدري بوجودهم قط، إلا بعد الأحداث بزمان طويل، ومع ذلك الآن بدءوا يعودون إلى دينهم وبدءوا يصححون أوضاعهم، حتى يقول لي كثير من الإخوان الذين ذهبوا إلى هناك والتقينا بهم، يقول: الآن بدءوا يتكلمون عن قضية الجهاد، ويستشعرون معنى الشهادة في سبيل الله، وظهرت في قلوبهم قضية الحماس للدين، وبدأت مسألة العداوة للنصارى.

    وظهرت أيضاً الأخلاقيات الإسلامية مثل الالتزام بالحجاب، ومثل ترك التدخين، ومثل المحافظة على الصلوات.. إلى غير ذلك.

    أخبار المجاهدين الأفغان عند دخولهم كابول

    السؤال يقول: كنا ننتظر أشرطتك، ودروس الشيخ الحوالي بفارغ الصبر؛ لنسمع الحقائق عند دخول المجاهدين إلى كابول، وكم كان لمحاضرة الشيخ ناصر العمر في الدرس الأخير من صدىً عند الناس، وعندما سمعوا تلك الحقائق عن المجاهدين الذين سمعوا عنهم في الإعلام قاطبة، ولكن بشكل مخالف تماماً لما بينه الشيخ!!

    الجواب: على كل حال أنا تكلمت عن المجاهدين الأفغان في شريط قديماً بعنوان: الله أكبر سقطت كابول، وكذلك تحدثت عن هذا الموضوع عبر خمسة دروس تقريباً متواصلة من الدروس العلمية، أخصص في بداية كل درس دقائق للحديث عن المستجدات والتطورات عن الوضع في كابول.

    اقتراح لإنشاء إذاعة إسلامية

    السؤال يقول: ألا يمكن أن تتحول هذه الجهود إلى إذاعة إسلامية حتى يسمع المسلمون أخبارهم وأخبار إخوانهم والعالم من حولهم بدون تزييف أو مجادلة أو مجاملة؟

    الجواب: في الواقع أتمنى أن المسلمين يملكون صحفاً، الآن هل يوجد جريدة؟ دعك من الإذاعة، فكِّر في جريدة، هل يوجد جريدة على مستوى العالم مستقلة تعرض أخبار المسلمين وأحوالهم بموضوعية، دون أن تمارس عليها أي جهة أي نوع من الضغط؟! أقول بكل تأكيد لا يوجد.

    صحيح أنه يوجد مجلات إسلامية، ويوجد جرائد ذات طابع إسلامي هذا لا إشكال فيه.

    لكن جريدة إسلامية تكتب بدون أن يوجد عليها ضغط من أحد، هذا لا يوجد، فأتمنى أن ينبري بعض الدعاة في إعداد هذه الجريدة ولو في أي بلد من العالم.

    ليس المقصود أن تكون هذه الجريدة ضد فلان أو ضد فلان، المقصود أن تكون هذه الجريدة تكتب بوضوح ويطمئن الناس إليها أنها لا تكتب إلا الحق، ما يوافق الكتاب والسنة، ولا تجامل أحداً، وتنصر المظلوم في كل مكان، وأنها تنشر العلم الشرعي الصحيح، وتنقل الأخبار الأمينة الدقيقة، ولو وجد هذا فسوف تصبح ظاهرة عالمية ليست بالبسيطة؛ لأنه الآن ملاحظ أن الصحف إذا تخلَّى الأخيار عن شراء صحيفة ما فإنها تسقط.

    ولذلك شكرنا الأخيار قبل أشهر لما سقطت جريدة الصباحية، لأنهم كانوا سبباً في ذلك لمقاطعتها، ودعوناهم إلى مقاطعة أختها خضراء الدمن -الشرق الأوسط- لأنها من أسوأ الصحف، وأشدها على الإسلام والمسلمين والدعاة.

    وأنا أكرر هذا الطلب الآن، وهذا الطلب قيل بحضرة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، والمرجو من سماحته أنه سيكتب إن شاء الله دعوة للمسلمين في هذا الصدد، لتجنب مثل هذه الجريدة وغيرها، ما دامت على مثل هذا المنهج وبمثل هذه الطريقة.

    فأنا أدعوكم -أيها الإخوة- إلى مقاطعة جريدة الشرق الأوسط، خاصة وأن هذه الجريدة من الناحية الفنية والإخبارية ليست لها قيمة تذكر.

    فأي جريدة أخرى تقوم مقامها، وتغني عنها، بل وأفضل منها، في حين أنها هي تخلط بين الخصومات السياسية والدينية وبين المعلومات والأخبار.

    استعداد للمشاركة

    السؤال يقول: إذا كان الأمر سببه الناحية المادية، فلك علينا عهد أن نقطع لك من رواتبنا المبلغ الذي يكفى لوجود مثل هذه الإذاعة؟

    الجواب: على كل حال أشكرك على هذا الاقتراح، وأدعو الإخوة إلى أن يستخدموا عقولهم وتفكيرهم في مثل هذه المشاريع والأعمال لعل الله تعالى أن يجعل لهم خيراً وينفع بها.

    حكم السفر إلى بلاد الكفر لزيارة الأهل

    السؤال يقول: ما حكم من يسافر إلى الخارج بقصد زيارة الأهل في بلد غير إسلامي؟ ولا يوجد فيها الحجاب، مع أننا نعرف الحجاب، ولكننا لا نقدر أن نستعمله هناك؟

    الجواب: ليس هناك بلد فيما أعلم لا يستطيع الإنسان فيه أن يستخدم الحجاب، رأينا المسلمات محجبات في أمريكا وفى فرنسا وفى بريطانيا وفى تركيا بل محجبات موجودات في إسرائيل، وفى كل بلد عربي وغير عربي.

    فبإمكان المرأة المسلمة أن تتحجب في كل مكان، ولا يضرها أن ينظر الناس إليها، ولا يضرها أن ترمقها الأعين لتكن عزيزة بدينها.

    حكم الجهاد بدون إذن الوالدين

    السؤال: إني أريد أن أجاهد في سبيل الله، ولكن لي والدة ووالد يرفضان أن أجاهد، فما العمل مع العلم بأنني أريد الجهاد؟

    الجواب: هل لك والدان؟ تقول: نعم. ففيهما فجاهد، كما قال الرسول صلى الله علية وسلم، وعليك مع ذلك أن تسعى إلى طلب العلم الشرعي وتحصيله والقيام بالجهاد والدعوة.

    حكم النقاب

    السؤال يقول: أرجو توجيه كلمة إلى أخواتنا النساء الملتزمات، خصوصاً وأن هناك تجاوزات نلاحظها عليهن من انتشار النقاب الذي بدأ يكبر تدريجياً، وأيضاً ظهور القدمين واليدين بدون ساتر، والحجة أحياناً تكون: أنه بسبب الحر!

    الجواب: بالنسبة للنقاب -تغطية الوجه وإظهار العينين- النبي صلى الله علية وسلم قال: {لا تنقب المحرمة ولا تلبس القفازين} فدل على أن لبس النقاب في غير وقت الإحرام جائز.

    لكن -أرجو أن لا يغفل عن ما بعد لكن- المقصود بالنقاب: هو فتحة تبصر المرآة من خلالها الطريق، فتفتح لعينها بقدر ما ترى الطريق أمامها.

    أما ما نراه الآن في كثير من النساء، فإننا نجد أن الحجاب قد أصبح زينة في نفسه، وأصبح هو الآخر وسيلة للإغراء، فتفتح المرأة عينيها وما جاورهما وما فوقهما وجزء من خديها، حتى يصبح الحجاب شكلاً مثيراً أكثر مما هو ساتر لها، والله عز وجل أمر المؤمنات بقوله: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31] فلتضرب المرأة المسلمة بخمارها من رأسها على جيبها وعلى صدرها.

    فإن كانت مكتفية مستغنية عن النقاب فهو أولى، ولا تخرج شيئاً من وجهها قط، فإن احتاجت لضعف بصرها أو لظروف خاصة مثلاً أن تفتح لإحدى عينيها أو لعينيها فلتفتح بقدر ما تحتاج، ولا ينبغى أن يكون هذا مجالاً للحيلة، فالحيلة غير واردة في الدين.

    حكم قيام الليل كله

    السؤال: لقد قلت إن قيام الليل كله من الغلو، وقد كان من الصالحين من يقوم الليل كله، وكان الإمام أحمد رحمة الله يصلى ثلاثمائة ركعة في الليلة، أرجو أن توضح ذلك؟

    الجواب: هذا فيه نظر، كون الإمام أحمد يصلى ثلاثمائة ركعة، تصحيح هذا عن الإمام أحمد فيه نظر، ولا أظنه صح عنه، فالإمام أحمد من أكثر الناس اتباعاً للرسول صلى الله علية وسلم، الذي لم يكن يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، ومن البعيد أن يصلي الإمام أحمد أو غيره ثلاثمائة ركعة.

    أما من الصالحين من يقوم الليل كله، فقد يقوم الليل أحياناً كله، أما قيام بعض الليل فمشروع لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:1-4].

    لكن قيام الليل كله من أوله إلى آخره لم يكن يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وهو ليس من السنة، بل السنة أن ينام الإنسان من الليل سدسه أو ثلثه أو نحو ذلك، فمن حافظ على قيام الليل كله، وحافظ على الصيام في النهار مع الوصال أحياناً، فهذا لا شك أن فيه نوعاً من الغلو.

    وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن خزيمة وغيره أن النبي صلى الله علية قال: {من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم} وهكذا، والحديث فيه كلام طويل، ولكن إن صح فهو دليل على النهى عن صيام الدهر كله، فما بالك بالوصال، وهو أن يصوم الإنسان الليل أيضاً، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    طرق تعين على ترك التلفاز

    السؤال يقول: أريد أن ترشدني إلى طريقة أستطيع أن أُشغل بها إخوتي عن التلفاز، حيث أن الله تعالى قد امتن عليهم بتركه والله يسر ذلك بمنه وكرمه، لكنهم يعودون إليه في الإجازة؟

    الجواب: يا أخي أشغلهم بأمور، اجعل لهم درساً في البيت، أخرج بهم معك بالسيارة في بعض النـزهات والزيارات، اجعل لهم مسابقات ثقافية، وأعطهم بعض الكتيبات والكتب والقصص، وأعطهم بعض الأشرطة، حفظهم بعض الآيات من القرآن، والأحاديث وبعض الأشعار، دربهم على العبادات.

    اعمل لهم برامج مفيدة حتى في داخل المنـزل، ولا بأس أن تحضر بعض الألعاب المباحة لهم يقضون بها بعض الوقت ويزيلون بها الملل.

    ومن ذلك بعض برامج الكمبيوتر المفيدة التي تنمي عقولهم وأذهانهم وقرائحهم، كبرامج شرعية أو لغوية ورياضية أو غير ذلك.

    مشكلة الاختبارات في أوقات الصلوات

    السؤال: لدينا مشكلة نحن طلبة الجامعة وفي أن الامتحانات تبدأ من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الواحدة، ولذلك يؤذن بدخول صلاة الظهر وتقام الصلاة ولا زال الطلبة في صالة الامتحانات، فما رأى الشرع في هذه؟ وما الحل؟

    الجواب: على كل حال من المعلوم أن وقت الظهر يمتد من دخول وقت الزوال إلى وقت صلاة العصر.

    ولكن ينبغي على من يكون في داخل البلد أن يصلي مع الجماعة، فإذا أمكن أن تغير برنامج وأنظمة الجامعة فهذا هو المتعين ليصلي الطلاب مع غيرهم من المسلمين في الوقت نفسه.

    فإذا تعذر ذلك لظروف خاصة، أو لم تستجب لهم الجامعة لسبب أو لآخر، فإنني أرى أنهم يسعهم إذا خرجوا أن يصلوا جماعة أو بعضهم.

    طلب نصيحة

    السؤال: أرجو تقديم نصيحة إلى بعض إخواننا الشباب في جدة، وإننا نريد ونحب لهم الخير، ونحب أن نراهم كسائر الشباب المتمسك بدينه في أنحاء المملكة، خاصة ونحن نرى بعضهم قد انغمس في الملذات؟

    الجواب: في الواقع هذا موضوع يدعوني إلى أن أوجه نصيحة لكم أنتم أيها الإخوة الحضور.

    الآن على بعد كيلو مترات منا حيث الكورنيش مثلاً، أو في بعض الأماكن، خاصة في هذه الليلة يوجد أعداد غفيرة من الشباب والأسر والعوائل والرجال والنساء.

    أقول: من يأتي إلى مثل هذا المسجد يخيل إليه أن البلد كلهم على هذه الشاكلة، وأن الناس كلهم أخيار، لكن من يذهب إلى هناك تنعكس الصورة في عينيه تماماً، وفى رأسه تماماً.

    والسؤال: أين نحن من هؤلاء؟

    وأين نحن من المجتمع؟

    ولماذا نترك المجتمع للتلفاز والأغنية والمجلة والعنصر الغريب ووسائل الفساد والشيطان والنفس الأمارة بالسوء؟

    أدعو الإخوة إلى الدخول مع هؤلاء الشباب والتأثير عليهم، وتوزيع الكتب والأشرطة وتوزيع الابتسامات، جلسة خمس دقائق أو نصيحة وأنت ماشٍ لا يضر، خالطوهم بأجسامكم وعاملوهم بالخلق الفاضل، وادعوهم إلى الله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    مشروع تزويج الشاب

    السؤال: نرجوا أن تنوه بالمشروع الخيري لتزويج الشباب؟

    الجواب:هذه ورقة تتعلق بالمشروع الخيري لمساعدة الشباب على الزواج، ولا شك أن هذا المشروع هو أحد الوسائل لإعفاف الشباب.

    فلا شك أن الكثيرين من الشباب إذا وجدوا طريق الحلال فلن يتجهوا إلى الحرام، ولكن أيضاً هناك عقبات كثيرة أمامهم أولها وأهمها: المال، ووجود مجموعة من الإخوة لمسنا جهدهم ونحن هناك في الواقع من كثرة من يأتيني من الشباب قد قدم جهداً كبيراً جداً ومشكوراً، ويستحقون أن نقول لهم جميعاً: جزاكم الله خيراً، وليس هذا فقط، بل وأن نساعدهم.

    أناس بذلوا أوقاتهم وأبدوا استعدادهم لأن يقدموا على هذا المشروع، ويتصلوا بالشباب ويساعدوهم، وينظموا مثل هذا العمل ويرتبوه، ولم يبق لنا دور إلا أن ندعو الله عز وجل لهم بالتوفيق على ما فعلوا وقدموا للمجتمع ونساعدهم بما نستطيع من المال، فأنا أدعو الإخوة لذلك.

    وكذلك مشروع مكافحة التدخين الذي يتكلم عن أضرار التدخين وهو أيضاً مشروع طيب، وقد وصلتنا بعض نشراته هناك.

    وأرسل لي بعض الشباب أوراقاً تخصهم وتتعلق بنشاطهم، وهو نشاط قيم أدعو الإخوة إلى دعم هذا المشروع ومساعدته.

    ظاهرة الإطالة في الحديث عبر الهاتف

    السؤال يقول: هناك ظاهرة فشت في صفوف الملتزمات وهى قضاء ساعات طويلة في التحدث في الهاتف مع المعارف والأخوات سواء للدعوة أو لغيرها يومياً فما حكم الشرع في ذلك؟

    الجواب: الحديث في الهاتف مثل الحديث في غير الهاتف، والإطالة في الحديث من غير فائدة ضرر، وكل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله وما والاه، أو تسبيح، أو تحميد، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر أو ما أشبه ذلك.

    وعلى كل حال لا بأس أن يتكلم الإنسان مع أقربائه ويتبسط معهم، أو معارفه، أو جيرانه فيما يخصه.

    لكن الاسترسال والإطالة يورث ترهل الأعصاب، وضياع الوقت، وأنا أستغرب من بعض الإخوة أو بعض الأخوات يقولون: أصبحت المكالمات المحلية مجاناً فلا ضرر من أن نتكلم.

    لا بأس، لكن هل الوقت أصبح مجاناً، ثم أمر آخر وهو أن الملك يكتب، إذا كان موظف الهاتف لا يكتب والكمبيوتر لا يكتب، فالملك يكتب عليك مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]

    حكم التعامل مع الجرائد الهابطة

    السؤال: ما رأيكم فيمن يتعامل مع تلك الجرائد والصحف التي ذكرتموها؛ بشرائها؟

    الجواب: أرى خاصة مثل الصحف التي ذكرت كالصحف الكويتية مثل: جريدة صوت الكويت بالذات، وكذلك جريدة الشرق الأوسط، وبعض الصحف التي تعلن حربها على الإسلام وتجاهر بذلك، لا شك بعض الشر أهون من بعض.

    أرى أن تقاطع ولا تباع ولا تطبع ولا تشترى ولا تروج، وأن نقوم جميعاً بالدعوة إلى مشاركتنا في هذا العمل.

    مقترح لإصدار مجلة إسلامية

    السؤال: لماذا لا تفكرون مع غيركم من العلماء الأفاضل وهم نخبة بحمد لله بإصدار جريدة أو مجلة تعنى بالأخبار الإسلامية وتحليل الأحداث، والرد والدفاع عن قضايا المسلمين؟

    أرجو دراسة هذا في هذه الأيام، حيث قد لا يجد المسلم مصدراً سليماً واضحاً للأخبار والإعلام؛ فتختلط علينا الأمور وترسخ في أذهاننا مفاهيم وأحداث غير صحيحة؟

    الجواب: هذا الاقتراح يتكرر، وأعد الأخ أن يكون هذا الموضوع محل دراسة من قبل العلماء والدعاة إن شاء الله.

    أخبار الانتخابات في اليمن

    السؤال: ما هي أخبار الانتخابات في اليمن؟

    الجواب: كما أسلفت هي على الأبواب، ولا شك أنه إذا جرت الانتخابات بصورة طبيعية فالنصر لحملة رسالة الإسلام ودعاته.

    ولكن يخشى أن يوجد عراقيل وعقبات، فالغرب ليس من السهل عليه أن يقبل بوجود تواجد إسلامي في مثل هذا البلد العريق، وهو يشكل عمقاً ليس بالبسيط في هذه الجزيرة، وطبعاً الغرب لا يقبل وجود الإسلام في أي مكان آخر لا في الجزيرة ولا في غيرها.

    تصحيح مفهوم التطرف

    السؤال يقول: الالتزام بالسنة الظاهرة خاصة اللحية، والثياب إلى نصف الساق، والسواك والعمامة، يطلق عليها تطرف نرجو تصحيح هذا المفهوم؟

    الجواب: أولاً العمامة ليست من السنة، والعمامة من العادات وهذا هو أرجح أقوال أهل العلم، ولا يصح في العمامة حديث، ولكن ما يتعلق في اللحية والثياب وتقصيرها، وكذلك السواك، فهذا كله من السنة، وكون بعض الناس يعتبر هذا من التطرف هذا -مما أسلفته- من المفاهيم الخاطئة التي يستغلها البعض إما جهلاً منهم وإما هوى.

    والمفروض أن نعلمهم هذه السنن ونخبرهم وندعوهم إليها بأقوالنا وأعمالنا.

    وسائل الإعلام وجرأتها على الإسلام

    السؤال يقول: نعاني نحن شباب هذا البلد الكثير من وسائل الإعلام، وخاصة الصحف والمجلات، وهي تصور المسلمين في كل مكان بالتطرف، بل إنها تدعي أن المسلمين هم وراء كل مصيبة، فأنا أرى أن التطرف بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ينطبق على كل من يستهزئ بالشباب المسلم، وخاصة كما سبق أن ذكرت من جرائد ومجلات، أرجو توجيه كلمة بهذا الشأن؟

    الجواب: هذا الأمر ليس خاصاً بهذا البلد بل هو عام، الأمر الذي يخص هذا البلد بالذات، هو البث التلفزيوني، والذي أعلم أن هذا البلد يستقبل القناة المصرية الفضائية، وقناة mbc تلفزيون الشرق الأوسط فضلاً عن أننا رأينا في كثير من المحلات والمباني أقراصاً ضخمة لاستقبال قنوات أخرى غير هذه القنوات، كقنوات فرنسية أو روسية أو أمريكية وغير ذلك.

    وهذا خطر داهم جداً في هذا البلد، لا شك أنه سيساهم في تحلل الأخلاق، وتغير المفاهيم وتبدلها، ولذلك يجب أن يقوم الأخيار بحملة توعية جادة وقوية في هذا الباب، ويتصلوا بمن وجدوا عليه مثل هذا، وينصحوه ويبذلوا جهدهم في هذا السبيل.

    كما إن علينا دائماً وأبداً أن نضاعف الدعوة، ففي النهاية قد لا نفلح في منع هذا المنكر مثلاً، ولكن قيامنا بجهد كبير في الدعوة إلى الله وتكثيف الدروس والمحاضرات والكتب والأشرطة وغزو الناس في بيوتهم ومجالسهم ومنتدياتهم وأماكنهم وكورنيشاتهم وغيرها.

    ومحاولة توظيف كل شاب في الدعوة إلى الله عز وجل بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يطيق هذا أمر واجب، {تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة}.

    لحوم العلماء مسمومة

    السؤال: هناك من الشباب من يحتقر العلماء في هذه البلاد، ويعتبرهم مداهنين وأصحاب مناصب فقط، وليس عندهم غيرة على هذا الدين، حتى أن منهم من يلمز الشيخ ابن باز بأنه يركب سيارة فيها هاتف، فما نصيحتك لهم؟

    الجواب: والله هؤلاء -بصراحة- فارغون، وأنا والله أحلف ولا أستثني في هذه الساعة المباركة أن ابن باز من أولياء الله، رجل والرجال قليل، جيل، أمة في رجل، لو تحدثت عن فضائل هذا الرجل الإمام لطال المقام.

    ولكنى أعد بأنني سوف اخصص محاضرة عنه، وليس تخصيص المحاضرة فقط لأن أذكر ترجمته، لكن من خلال معايشتي للشيخ ومجالستي له وقربي منه وصحبتي له في زيارات كثيرة له جداً في الرياض ومكة والطائف لمست أشياء ينبغي أن تقال للناس.

    في سلوك الشيخ، في خلقه، في أدبه، في فقهه، في علمه، في دعوته، وأرى ديناً أن الشيخ قدوة يحتذى به في أخلاقه، وفى علمه، وفي عمله، وفى سلوكه، وفي فقهه، نسأل الله تعالى أن يمد في عمره على عمل صالح.

    ومثله في علماء هذا البلد ودعاتها والحمد لله تعالى كثير.

    مراكز النساء الخيرية ودعوى الفساد

    السؤال: أمر جديد وهو وجود مراكز للنساء، وقد كثر الكلام عليها، وقال بعض الإخوة: إن هذا سبب لوقوع الفساد، فما هو رأيك في هذه المراكز، وهل ندخل أخواتنا في هذه المراكز مع العلم أن جمعية القرآن الكريم هي القائمة عليها وتوجد فيها بعض المواد العلمية فما رأيكم في ذلك؟

    الجواب: يا أخي على الأقل في بلد مثل بلدكم أنا أرى أنه لا بأس في وجودها، وأنها تُدعم وتُشجع ويحرص على ضبطها والاستفادة منها، وتغليب جانب المخاوف دائماً، واحتمالات السلبيات؛ لن يجعلنا نقوم بأي عمل من الأعمال الخيرية.

    نصيحة عن المراكز الصيفية

    السؤال: هل تنصحون الشباب بالالتحاق في المراكز التي تقام في صيف كل عام؟ وما رأيكم في بعض الشباب الملتزمين الذين يحاولون صرف الشباب عن المراكز بشتى الطرق، ومنها تمزيق الإعلانات التي توزع وتدعو الشباب إلى الالتحاق بالمراكز؟

    الجواب: المراكز الصيفية هي أحد أوجه النشاط الخيري، وفيها خير، والكمال ليس موجوداً في المراكز الصيفية، فأنا أنصح الشباب أن يشتركوا في أعمال الخير، من كان منهم يستفيد من المراكز الصيفية أنصحه أن يشترك في المراكز، سواء مشرفاً أو طالباً أو مشاركاً أو رائداً أو إنساناً عادياً، يجد أنه يستفيد منها وهي التي تناسبه، ومن رأى أنه يستطيع أن يستفيد أكثر من المراكز من حلقات العلم ودروس العلماء ودورات تقام للدعاة وغير ذلك أو جولات وعظية أو ما أشبه ذلك، مما يرى أنه أجدى وأنفع له، فلا حرج ولا داعي أن تكون هذه الأعمال يهدم بعضها بعضاً، وأعتقد أن الساحة تتسع للجميع، وتحتاج للجميع أيضاً.

    مع بداية الالتزام

    السؤال: أنا شاب التزمت قريباً بالدين، وأصبحت أطبق السنة، ولا أشاهد التلفاز، ولا أجلس مع أهلي إذا كانوا يشاهدونه، وأبي دائماً يرميني بالتطرف والتزمَّت والتشدد، فأنا أعيش في حيرة كيف أعالج ذلك؟

    الجواب: لا بد من الاتكاء على الجانب الأخلاقي، عليك أن تكون شديد التمسك بالأخلاق مع أهلك ابتسامة وحلم وسعة صدر، وتحمل منهم ما يقولون، وعاملهم بالتي هي أحسن، وقم بحقوقهم هذا أولاً.

    ثانياً: احرص على أن تقوم في البيت بدورك خير قيام، إذا احتاجوا شراء شيء للمنـزل، حاجيات مناسبة من المناسبات أو أي أمر من الأمور، لا تكن آخر من يشارك، كن في المقدمة وفي الطليعة، وستجد أنهم يخجلون وتموت الكلمات في أفواههم ولا يستطيعون أن يتكلموا فيك وأنت بهذه المكانة.

    حكم مشاهدة التلفاز

    السؤال: هل مشاهدة التلفزيون والمسلسلات حرام، وإذا كان خروجه من البيت يغضب الأولاد فهل أرضي الأولاد؟

    الجواب: أنا أقول إذا أمكن إخراج التلفاز من البيت فينبغي أن تخرجه، خاصة ونحن الآن أصبحنا نتكلم عن البث المباشر على أنه حقيقة على الأبواب.

    فإذا لم يمكن إخراجه فعليك أن تشغل الأهل عنه بقدر ما تستطيع، بحيث لا يكون لديهم وقت لمشاهدة التلفاز، أو يكون عندهم قناعة قلبية وعقلية بأن التلفاز خطر وضرر ينبغى ألا يلتفت إليه أو يستمع إليه.

    حكم مس عورة الطفل

    السؤال يقول: هل مس عورة الطفل ينقض الوضوء، فأنا أتحرج كثيراً حينما أحمل إخوتي الصغار، وأنا على وضوء، فنرجو الإفادة؟

    الجواب: في الأصل أن مسألة مس الفرج قبلاً أو دبراً، فرج الإنسان أو غيره، فيها قولان لأهل العلم، أرجحهما عندي أنه ناقض للوضوء؛ لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من مس ذكره فليتوضأ} وهذا مذهب كثير من أهل العلم.

    وقد بسطت هذا في شرح بلوغ المرام.

    ولكن بالنسبة للطفل الصغير الذي تغسله أمه، وتحتاج إلى مس عورته باستمرار، فهذا أميل إلى أنه لا ينقض الوضوء لسببين:

    أولاً: كونه صغيراً، وكثير من الفقهاء يرون أن الصغير ليست له عورة.

    وثانياً: لشدة الحاجة إلى ذلك، وعموم البلوى به، وقد أفتى بهذا جماعة من العلماء.

    حكم الزيادة في العمولة

    السؤال: يوجد عند بعض الناس سلع معينة يتاجرون فيها، وقيمة الواحدة خمسة آلاف ريال، وأنا أذهب لمن يحتاجون، وأقول لهم: هذه السلعة عندي بعشرة آلاف ريال فآخذها منهم وأعطيها لأصحاب السلعة وآخذ السلعة لهم وآخذ الزيادة؟

    الجواب: أولاً: هذا ليس من النصيحة.

    ثانيا: كونك تأخذ خمسة آلاف ريال لمجرد كونك وسيطاً هذا فيه إجحاف كبير، في حين أن صاحب السلعة نفسه يأخذ خمسة آلاف ريال، والعادة أن قيمة السمسرة أو العمالة أو ما يسمى بالسعي تكون نسبة محدودة جداً ومتراضى عليها بين الأفراد.

    معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إفلح وأبيه إن صدق )

    السؤال: معلوم أن الحلف بغير الله تعالى شرك أصغر، ولكن ماذا قصد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: {أفلح وأبيه وإن صدق

    الجواب: هذا الحديث في صحيح مسلم، وقد تكلم العلماء فيه كثيراً، منهم من قال: إنه قبل النهي وهو منسوخ، ومنهم من قال: إن الحديث تحرف، ومنهم من حكم على هذا اللفظ بالشذوذ إلى أقوال أخرى تبحث في مظانها.

    مشكلة خاصة

    السؤال يقول: أنا شاب ملتزم ولا أزكي نفسي، وكنت من المجاهدين في أفغانستان، وعدت من هناك وأنا أعيش في فراغ، بحثت عن عمل في البلاد العربية ولم أجد، وأنا في ضيق لأني من إحدى الدول المجاورة، وبسبب تصرفات البعض فقد دفعنا الثمن لموقف بلدي، والآن عرض على أن أذهب إلى أمريكا عند إحدى قريباتي من المحرمات علي، وهى بدون محرم للوقوف بجانبها لإكمال دراستها وأخرج مما أنا فيه، فما رأي الشرع في السفر إلى الدول الكافرة في ظل وضعي هذا؟

    الجواب: هذا وضعك وضع شخصي، ولذلك أقترح أن تتصل مباشرة لشرح ظروفك، ومعرفة الجواب على مثل هذا السؤال.

    والحمد لله رب العالمين.