إسلام ويب

يا أيها الإنسانللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كثر التشدق بحقوق الإنسان في الغرب، مع أنهم لا يعرفون الإنسانية، ولا يقيمون لها وزناً وحقوق الإنسان حقيقة موجودة في دين الإسلام، تجد ما ذكر واضحاً مفصلاً مع الأمثلة في هذا الدرس.

    1.   

    الإنسان في القرآن

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أحبتي الكرام! يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمةً للناس كلهم، وجاء بالهدى والنور المستقيم، وبعث بالشريعة السمحة العادلة التي ليس فيها ظلم ولا جور ولا حيف على أحد، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بغاية العدل، وغاية الرحمة، وغاية التكريم لهذا الإنسان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7] يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6].

    لقد جاء ذكر الإنسان في القرآن الكريم بلفظ الإنسان في نحو خمسة وستين موضعاً، ذكر الله عز وجل فيها أشياء كثيرة تتعلق بالإنسان، منها: بدء خلق الإنسان، وكيف خلق، وممّ خلق، وعلى أي صفة خلق، والمراحل والأحوال التي يتقلب فيها، والمآل الذي يصير إليه، والحالات التي يكون عليها، والإنسان حين يكون مستقيماً وحين يكون منحرفاً، حين يكون غنياً وحين يكون فقيراً، حين يكون صحيحاً وحين يكون عليلاً، حين يكون مؤمناً وحين يكون كافراً في الدنيا والآخرة، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، المأمور والأمير، الحاكم والمحكوم.

    حتى إنك إذا نظرت في القرآن الكريم تكاد بأن تجزم أن القرآن كله إنما جاء يعالج قضية الإنسان، الطريق الصحيح الذي يسلكه الإنسان، والطريق المعوجة التي يُحذَّر الإنسان منها، إلى غير ذلك، وليست العبرة فقط بآيات ذكر فيها لفظ الإنسان مثل هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ [الإنسان:1] (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ ) خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] بل إن الأمر أوسع من ذلك، فأنت تجد الكلام على الإنسان وأصله في أشياء كثيرة.

    مثلاً قصة آدم عليه الصلاة والسلام، وكيف خلقه الله عز وجل، وأسكنه الجنة، وأسجد له ملائكته قال الله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] أي شيء أعظم في تكريم الإنسان، ورفع الإنسان؛ وبيان مقام الإنسان؟ من أن الله عز وجل يخلق آدم أبا البشر بيده؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده} فخلق الله تعالى آدم بيده من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، قال تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29] نفخ فيه هذه الروح التي بها صار إنساناً، ثم أسجد له ملائكته، أشرف مخلوقاته أسجدهم لآدم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ).

    مع أن الملائكة كانوا يقولون حين قال الله عز وجل لهم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] قالوا مستغربين متسائلين، وهم يعلمون أن الله تعالى أعلم وأحكم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30] لأن الملائكة جبلوا على الخير قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30].

    فخلق الله عز وجل هذا الإنسان، وأسجد له ملائكته -لآدم عليه الصلاة والسلام- ونفخ فيه من روحه، وجعل الكرامة في بنيه من بعده، ولذلك كم خوطب الإنسان بقوله تعالى: يا بني آدم كقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:27] حتى قال الله عز وجل: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70].

    فالعقيدة الإسلامية في الإنسان أنه مخلوق مستقل، أول واحد في السلالة هو آدم عليه الصلاة والسلام، ثم تسلسل بنوه من بعده، وليس كما تقول النظريات الغربية الكافرة الملحدة في تطور الإنسان، وأنه كان في الأصل من جنس أو نوع آخر.

    وتطور حتى صار إنساناً، الإنسان أصلاً خلق إنساناً متميزاً، ولذلك ينظر الإسلام للإنسان هذه النظرة، أنه مخلوق على هذه الصفة وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70] تكريم لهذا الإنسان، ثم تجد في القرآن الكريم أيضاً خطاباً من الله عز وجل للناس بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] وما الناس إلا أفراد، إنسان وإنسان وإنسان فالمجموع أناس، وكم في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] كذلك (يَا عِبَادِيَ) في القرآن الكريم والسنة النبوية.

    حتى قال الله عز وجل في حديث أبي ذر وهو في صحيح مسلم في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم....الخ}.

    يخاطب الله عز وجل عباده ويتحبب إليهم، ويتودد إليهم، مع أنه تعالى غني عنهم، ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله تعالى شيئاً، ولا ضر الله عز وجل شيئاً قال الله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [آل عمران:144].

    ومع ذلك يخاطبهم عز وجل هكذا، حتى قال الإمام الفضيل بن عياض معبراً عن شعوره العظيم الكبير، وهو يسمع ويقرأ في القرآن الكريم، أن رب العالمين، الغني، الواجد، الماجد، القوي، العزيز، يخاطبه يا عبادي! فيقول:

    ومما زادني شرفاً وتيها     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    كدت أن أضع رجلي على الثريا، لماذا؟! لأنه يملك أموالاً طائلة! أو لأنه يتربع على عرش أو كرسي، أو لأنه يتمتع بالسمعة والجاه! كلا! بل:

    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

    هل تشعر أخي الحبيب بهذا الشعور الذي شعر به الفضيل، وهو يقرأ هذه الآية أو يسمعها؟

    1.   

    سر تكريم الإنسان

    ما سر تكريم الله لهذا الإنسان؟ هل سره لأن هذا الإنسان يتمتع بجسد قوي؟

    كلا! فإن الفيل والأسد أكثر قوة من الإنسان وأشد منه، ولذلك فليس صحيحاً أن تكريم الإنسان يعود إلى الاهتمام بجسده، أو العناية بصحته، أو العناية بقوته، أو حفظه مما يضر ببدنه أو يقتله، كل هذا لا بأس به، بل هو مطلوب أن يعتني الإنسان بالصحة، وبالبدن، وبالتغذية، ويعتني بالحماية من كل ما يضر الإنسان هذا كله جاء الدين بطلبه، ولا شك في هذا، لكن تجد من آثار ذلك، أن الناس أصبحت العناية عندهم بأجسادهم حتى كأن سر إنسانية الإنسان في جسده!

    مبالغة في الاعتناء بالجسد

    وعلى سبيل المثال: انظر إلى الناس حين يشتغلون بالرياضة، وألوان الألعاب الرياضية، إنهم حينئذ إذا كانت القضية قضية بدن فقط؛ كأنما يربون عجولاً آدمية.

    يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته     أتعبت نفسك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح فاستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    ليست إنسانيتك لأنك صاحب جسم كبير أو قوي، فهناك في الحيوانات التي لم تتمتع بالإنسانية ما هو أقوى منك، وأعظم جسداً منك، تجد أن الناس يهتمون بقضية الجسم الاهتمام الكبير، يهتمون بأنواع التغذية، وربما تجد أقل إنسان عنده معرفة أو ثقافة اليوم يستطيع أن يعدد لك أنواع الأطعمة، والأطعمة التي فيها فيتامينات، والأطعمة التي فيها بروتينات، والأطعمة التي فيها دهنيات، ويعرف الأطعمة التي تصلح لهذه الطبقة، والأطعمة التي تصلح لطبقة أخرى، ويعرف الأطعمة تصلح للشتاء، والأطعمة التي تصلح للصيف، وأصبح الناس مختصين.

    ثم تنتقل إلى قضية الطبخ، تجد الطبخ أصبح فناً مستقلاً فيه كتب خاصة، بل فيه مدارس ومعاهد مهمتها تعويد الناس على الطبخ، وتطور الأمر حتى أصبح في بعض المستوصفات جناح خاص لتعويد ربات البيوت -كما يقولون- على فنون الطبخ الصحيح.

    ننتقل الى الحلويات بأنواعها، والاهتمامات الزائدة بها: حلويات لكل المناسبات.

    فهذا اهتمام بالجسم، ليس اهتماماً عادياً، بل اهتمام تحول إلى نوع من العناية الزائدة بالجسم، حتى كأن إنسانية الإنسان في جسده، ثم إذا شعر الإنسان أن هناك خطراً يهدد جسده؛ أصبحت تجد هذا الهم الكبير، ولعل أقرب مثال نضربه ما نعانيه ويعانيه الناس اليوم من قضية المخاوف من الغازات السامة، من الكيماويات وغيرها التي يخشى الناس أن تنـزل بهم، أو تحل قريباً من ذلك.

    فأصبح الإنسان يعتني عناية كبيرة بتسديد الثقوب والنوافد، بالورق اللاصق وأنواع الشمع والصمغ والستائر وغيرها، ويستخدم كافة الاحتياطات التي فيها وقاية وحماية للإنسان. أيضاً ليس لنا اعتراض على هذا الأمر، إلا إذا تعدى، حتى أنه حصل حالات وفاة، وأخرج أناس بوسائل الدفاع المدني بسبب سوء استخدامهم لهذه الطرائق.

    فالأمر إذا تعدى حده انقلب إلى ضده، يهرب من الموت ويقع في الموت، سبحان الله! أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] إنسان بالغ في إغلاق النوافذ، وتسديد الثغرات والفتحات في البيت ونام، فكانت هذه النومة هي النومة الأخيرة في الدنيا، ما جاءه الموت عن طريق الغاز السام الذي كان يخشاه، إنما جاءه الموت عن طريق شدة الحذر من هذا الغاز السام الذي كان يخشاه.

    الاعتناء بالروح أولى من الجسد

    هل نطمع منك -يا أخي الكريم- أن يكون إغلاقك لمنافذ الفساد عن بيتك كإغلاقك لمنافذ دخول الهواء إلى بيتك؟ هل استطعت -فعلاً- أن تغلق منافذ الفساد التي تبث الفساد إلى بيتك عبر الشاشة، أو عبر الكلمة المسموعة، أو عبر ورق الجريدة أو المجلة، أو عبر الكتاب، أو الشريط، أو الاتصالات التي يجريها الأولاد أو تجريها البنات؟!

    هذا السؤال يجب أن نطرحه؛ لأننا إذا كنا نعتقد أن تكريم الإنسان ليس في بدنه؛ فلا بد أن نطرح هذا السؤال، ليس تكريمك لبدنك بحيث يكون الاهتمام منصباً على البدن، إنما التكريم -تكريم الإنسان- لأن الله عز وجل نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بهذا العقل، وكلفه بحمل الرسالة، بحمل الدين، والاعتقاد الصحيح، والدعوة إلى الله عز وجل، وعبادة الله تعالى، فتكريم الإنسان هو بعبادته.

    ولذلك أعظم وأشرف لفظ يمكن أن ينادى به إنسان هو أن يقال له: يا مؤمن! أو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) كما كان يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا؛ فأرعها سمعك، فإنها إما خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه]].

    الإيمان سر التكريم

    إن الإيمان الذي يتميز به الإنسان هو سر تكريمه، فهل حرصك وحفاظك على الإيمان في نفسك وأهلك، وولدك كحرصك على حمايتهم من الأمراض والأوبئة، أو كحرصك على توفير المطاعم والمشارب والمآكل والملابس لهم؟ هذا سؤال يطرح نفسه عليك أخي الكريم!

    خرجت يوماً من الأيام في أحد الأمسيات؛ فوجدت أن الشوارع خالية في الوقت الذي كان كثير من الناس يتخوفون من مثل هذه الأشياء، فسألت نفسي: أين الأطفال الذين كانوا يؤذون الناس في الشوارع؟ أين الفرق الذي كانت تلعب الكرة؟ أين المجموعات التي كانت تكون على جنبات الطريق يمنة ويسرة؟ أين الشلل التي كانت تقضي أوقاتاً طويلة في لهو ولعب وكلام لا فائدة من ورائه؟ لقد ذهبوا، كيف ذهبوا؟! ذهبوا لأن الآباء والأبناء -وبصفة عامة- المجتمع بكافة مؤسساته بدءاً من المؤسسات العليا التي تمارس التوجيه أو التثقيف -كما يقولون- مؤسسات إعلامية، توجيهية تعليمية، ومروراً بالبيت، وانتهاءً بالفرد العادي، أصبح عندهم شعور أن هناك خطراً ينبغي أن يتقوه، ولذلك لجئوا إلى بيوتهم وابتعدوا عن منطقة هذا الخطر.

    لكن أين كان هذا الأمر من القضايا الأخرى؟ لأنه يمكن أن يبقى الإنسان حياً ولكنه بدون صلاح، بدون استقامة، فتكون حياته وبالاً عليه.

    أيها الإخوة: إن الله تعالى حين تكلم عن الإنسان قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:4-6].

    فالإنسان إذا انحرف وضل، تحول من كونه إنساناً مكرماً عزيزاً إلى كونه أحط حتى من البهائم، كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    فالإنسان إذا كان سر تكريمه هو التكليف، ومطالبته بالعبودية، ومنحه هذا العقل، إذا أهدر هذه الأشياء وضيعها، وأقبل على دنياه ونسي آخرته؛ أصبحت البهائم أعلى منـزلة منه، لماذا؟ لأنها لم تكلف بهذه الأشياء، ولذلك يوم القيامة يقال للبهائم: {كوني تراباً} لكن الكافر يتمنى أن يكون كذلك وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] فلا يستطيع ذلك ولا يملكه ولا يحصل له.

    كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً      وحسب المنايا أن يكن أمانيا

    حين تتنقل إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ تنظر كيف تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن الإنسان، وبين كرامة الإنسان ومنـزلته، والكلام في السنة النبوية أيضاً يطول، وأعتقد أنه من الصعب جداً حصر الأحاديث التي تحدث النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم فيها عن الإنسان، فهذا باب واسع جداً، لكن تجد على سبيل المثال من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام التي جاءت بلفظ الإنسان: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، في رواية مسلم، والحديث أصله متفق عليه، لكن في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كل إنسانٍ تلده أمه على الفطرة} وكذلك قال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الترمذي: {كل إنسان مكتوب عمره بين عينيه} أي ما قدر له من العمر والأجل.

    ومثله: قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الشيطان: {وأنه يأتي حتى يخطر بين الإنسان وبين نفسه، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر} وفي حديث أبي داود يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الإنسان ركب على ثلاثمائة وستين مفصلاً، وكل مفصل من هذه المفاصل عليه صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما العبد من الضحى} ركعتا الضحى تجزئان عن ثلاثمائة وستين صدقة مطلوبة منك يومياً.

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الجنازة: {وأنه يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق} والحديث ذكره البخاري في كتاب الجنائز.

    1.   

    الإنسان في دين الإسلام

    إذاً الإنسان مخلوق مكرم مميز، خلقه الله عز وجل، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعقل والتكليف، وطالبه بالعبودية له، وجعل لهذا الإنسان حقوقاً لا بد من رعايتها، ولذلك لا يمكن أن تجد مذهباً أو ديناً في الدنيا ضمن وكفل حقوق الإنسان مثل الإسلام، لماذا؟ لأن نظرة الإسلام إلى الإنسان نظرة صحيحة، أما النظم والمذاهب والأديان الأرضية الأخرى المنحرفة، فهي -أصلاً- تنظر إلى الإنسان نظرة فاسدة.

    مثل الذين يعتبرون أن أصل الإنسان حيواناً تطور، وتسلسل في الرقي حتى صار إنساناً، فمثل هؤلاء ينظرون إلى الإنسان نظرة حيوانية، ولهذا يهمهم من الإنسان الجانب الجسدي، تغذية الإنسان، متعته الجنسية، متعته في الأكل والشرب، الأشياء المادية، أما الجانب الأخلاقي، والجانب التعبدي، والإيماني، فلا يعنيهم في الإنسان، وانظر في الحضارة الغربية اليوم، الغرب يعتني بالإنسان في الجوانب البدنية، لكنه ضيع الإنسان تماماً في النواحي الأخلاقية، والروحية الإيمانية، ولهذا ضجوا وصاحوا، يقولون: إن الإنسان في الغرب جسدٌ بلا روح، وإن الحضارة الغربية أشبعت الإنسان وأروته بالماء والطعام والشراب، ولكن الظمأ العاطفي، الحاجة إلى الإيمان، الحاجة إلى التدين، هذه الحضارة فشلت في إشباعها عند الإنسان.

    دعوة الرسل جاءت لتحرير الإنسان

    لقد بين الله عز وجل في مواضع كثيرة؛ أن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما جاءوا لتحرير الإنسان، جاءوا لتحرير الإنسان من ألوان العبودية لغير الله عز وجل، سواءً كانت العبودية لطاغوت يحكم الناس بغير شريعة الله عز وجل، ويفرض على الناس من ألوان التسلط والإذلال ما لا طاقة لهم به، أو كانت العبودية لملك، أو كانت العبودية لمال، أو كانت العبودية لجاه، أو كانت لزوجة، أي لون من ألوان العبودية والذل؛ جاء الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحرير الإنسان من هذه العبودية.

    حتى العبودية للعادة، التي يحكمها الناس فيما يخالف شرع الله عز وجل، ويعتبرون أن العادة تقود الإنسان إلى أشياء كثيرة، وربما إذا طولبوا بشيء، قالوا: ما سمعنا بهذا.

    أي: أن العادات المألوفة في مجتمعنا تخالف هذا الأمر، كما قال المشركون الأولون؛ حينما جاءهم الرسل عليهم الصلاة والسلام: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    لقد جاء الرسل لتحرير الإنسان من جميع ألوان العبودية والتسلط، وجاءوا لتكريمه، كما قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64] حتى العبودية لملائكة -مثلاً- أو لرسل؛ جاءت الديانات السماوية لرفض هذه العبودية، ولذلك نعى الله تعالى على النصارى عبوديتهم لعيسى عليه الصلاة والسلام، حيث زعموا أنه إله من دون الله أو رب، ولهذا قال: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31].

    دعوى الغرب في حقوق الإنسان كاذبة

    فكل ألوان العبودية لغير الله عز وجل مرفوضة في الإسلام، وهذا الأمر وأعني به، وأن الرسل جاءوا لتحرير الإنسان وجعله إنساناً يتمتع بالكرامة والحقوق التي وهبه الله تعالى إياها، ليس هذا أمراً يأخذه الإنسان عن طريق المطالبات والمظاهرات والاحتجاجات، كما هي الحال بالنسبة للنظام الغربي، والدول الغربية، فالدول الغربية حصل فيها الإنسان على بعض حقوقه، بل أصبحت -مع الأسف الشديد- الدول الغربية تتغنى بما يسمونه حقوق الإنسان، ومنظمة حقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة الذي يحترم حقوق الإنسان -كما يزعمون- ومعاهدات الدول الغربية التي تكفل حقوق الرجل، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، ومن هذا المنطلق أنشئوا المؤسسات، والجمعيات، والمعاهدات الطويلة العريضة التي يزعمون أنهم يكفلون بها حقوق الإنسان.

    وليس الكلام الآن عن نظرتهم، إنما المقصود: متى ما وصل الغربيون إلى هذا الوضع الذي يزعمون به أنهم كرموا الإنسان وحفظوا حقوقه؟

    وصلوا بعد أزمنة طويلة جداً من اضطهاد الإنسان واحتقار الإنسان، وبعدما صارت مظاهرات ومطالبات، وجهود، وأشياء كثيرة، وعاشوا قروناً طويلة وهم يئنون تحت ضغوط الاضطهاد بكافة صوره وألوانه وأشكاله، سواء الاضطهاد من حكامهم وملوكهم وسلاطينهم، أو الاضطهاد من رجال الكنيسة الذين كانوا يحكمونهم باسم الدين ظلماً وزوراً وبهتاناً، أو الاضطهاد بأي صورة من الصور، وفي الأخير وصلوا إلى ما يعتبرونه حقوق الإنسان.

    للإنسان حقوق وعليه واجبات

    أما الإسلام فإنه يعتبر أن قضية حفظ حقوق الإنسان جزءٌ من الدين، صحيح أن الإنسان يجب أن يعرف حقوقه ليطالب بها في حالة وجود من يمنعه بعض هذه الحقوق، فالإنسان يجب أن يعرف ما له من الحقوق، كما يعرف ماذا عليه من الواجبات، بمعنى: أن الدين جاء ليقول لك: أيها الإنسان، هذا مكانك في الإسلام، مثل ما أنك مطالب بأشياء تجاه زوجتك، وتجاه أولادك، وتجاه جيرانك، وتجاه مجتمعك، تجاه الدولة التي تعيش فيها، وتجاه القريب، والبعيد.

    كذلك أنت لك حقوق على هؤلاء، فلك حقوق على زوجتك، ولك حقوق على ولدك، ولك حقوق على والدك، ولك حقوق على جارك، ولك حقوق على المسئول عنك، ولك حقوق على الدولة التي تعيش فيها، وكما أنت تؤدي الحقوق التي عليك، يجب أن تأخذ الحقوق التي لك، فالأمور هذه متلازمة.

    وليس صحيحاً أن ينظر الناس نظرة واحدة فقط، كل الكلام الذي نسمعه -تقريباً أو غالباً- يتكلم عن شيء واحد، وهي الحقوق والواجبات التي عليك أن تؤديها، لكن الأشياء التي لك وينبغي أن تطالب بها وتأخذها، هذه قل من يتحدث عنها، ولذلك ضمر الإنسان، وقلَّت قيمته، وفقد أهميته، وأصبح يعتبر أن أي شيء يعطى له من حقوقه يعتبره هدية ثمينة، ومكرمة غالية، وإحساناً كبيراً، وفضلاً لا حق له فيه أصلاً، وهذا خطأ كبير.

    أذكر أني قرأت كتاباً يتكلم عن وضع إحدى الدول قبل عشرات السنين، وكان فيها من يسمونه بالإمام، إمام جبار وظالم، كان يبخس الناس أشياءهم، ويعتدي على حقوقهم، وكانوا يعيشون في حالة من الفقر وشظف العيش، حتى إن الأطفال يأتون إلى المدرسة وهم أشباه العراة لا يكادون يجدون ما يستر عوراتهم، فجاء مدرس من المدرسين، وكان يجلس مع ذلك الذي يسمونه إماماً، فاقترح عليه لو وزع على الأطفال ملابس يستر بها سوءاتهم وعوراتهم، ويتقون بها من أذى الحر والقر، فتكرم وجاد وأعطاه ثوباً ثوباً، بعد أن مضت سنة جاء هذا الأستاذ نفسه، واقترح عليه مرة أخرى، وقال: أنت أعطيتهم العام الماضي وشكروا لك، ودعوا لك، وأثنوا عليك، وذكر أشياء، لكن لو أنك كررت هذه فإن نفوسهم قد تطلعت إليه، واشتاقت أن تعود بما أعطيتهم في العام الماضي في مثل مكانك، فقال: لا يمكن هذا أن يكون؛ لأنني إن أعطيتهم هذا العام مثل ما أعطيتهم العام الماضي ظنوا أن هذا حق من حقوقهم، ففي العام القادم لو لم أعطهم فيمكن أن يطالبوني به، وأنا لا أريد أن يفهم أحد أن عليَّ له حق من الحقوق، إنما يفهم أن ما أطيه هو فضل وتكرم وجود، إن أعطيته شكر وإن منعته رضي وصبر ودعا، واعتبر أن الأمر مني وإلي.

    إذاً من الخطأ الكبير أن أتكلم عن الحقوق على الإنسان، ولا أتكلم عن الحقوق التي للإنسان، فإن الإنسان -بمقتضى كونه إنساناً كرمه الله عز وجل- ينبغي أن يعرف ماذا عليه من الواجبات فيؤديها، وفي المقابل ينبغي أن يعرف ماذا له من الحقوق فيطالب بها في حالة تأخرها أو تخلفها، لأن المشكلة عندنا ليست مشكلة الإنسان بذاته كفرد، إنما المشكلة مشكلة أمة، عندما تتصور أن فرداً واحداً كما في الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث صحيح لما قال: {اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك} هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن لو تصورت أمة كاملة وتسلب حقوقها، تسلب كرامتها ومكانتها، تسلب ما أعطاها الله عز وجل إياه بنص الكتاب ونص السنة، فإن معنى ذلك أن هذه الأمة كلها قد فقدت معنى إنسانيتها، ومعنى كونها أمة كلفها الله عز وجل بواجبات وأشياء لا تستطيع أن تقوم بها، لأنها جُردت من إنسانيتها حين سلبت هذه الحقوق التي هي لها في أصل الشرع.

    1.   

    حفظ الضرورات الخمس

    لقد جاء الشرع لحفظ كرامة الإنسان، ومنع التسلط عليه، وتحريره من ألوان العبودية لغير الله، وهذا قريب مما يعبر عنه الفقهاء والأصوليون بقولهم: إن الدين جاء لحفظ الضرورات الخمس، ما هي الضرورات الخمس التي يدور الدين كله على حفظها؟

    الضرورات الخمس هي: حفظ الدين، والعقل، والنفس، والعرض، والمال، فلعلنا نذكر الأربع الأولى منها، كالتالي:

    أولاً: حفظ الدين

    الشرائع جاءت لحفظ الدين من أن يمس بسوء، أي حماية دين وإيمان الإنسان من كل أمر يمكن أن يعكر صفوه، أو يزيله ويفقد إياه بالكلية، ومن منطلق حفظ الدين، حفظ الإنسان عن الشهوات، التي يمكن أن تصد الإنسان عن سبيل الله، الشهوات التي تقابل الإنسان في البيت، أو في الشارع، أو المدرسة، أو البر، أو البحر، أو الشاشة، أو في أي موقع.

    فالدين جاء لحفظ الإنسان عن هذه الشهوات؛ بحيث يبقى الإنسان يمتلك أعصاباً هادئة، ويمتلك جواً يتيح له فرصة التدين، لأن أكثر الناس تديناً، لو سلطت عليه من وسائل الانحراف والتضليل الشيء الكثير، ربما يتأثر أو يضعف، وقد ينحرف.

    حفظ الدين من الشبهات:

    ومن حفظ الدين أيضاً: حفظ الإنسان من الشبهات، التي قد تضله أو تشكك في عقله، أو تصده عن سبيل الله عز وجل، وليس صحيحاً أن الناس كلهم يملكون عقولاً كبيرة يستطيعون أن يميزوا بها بين الحق والباطل، أكثر الناس من العامة- وإن كانوا يملكون شهادات أحياناً- لكن لا يملكون القدرة على التمييز، فليس صحيحاً أن أجعل الكتاب المنحرف -مثلاً- أو الشريط، أو الجريدة، أو أي وسيلة من الوسائل التي تنشر الشهوات والشبهات عند الناس وأقول: إن الناس يملكون التمييز.

    ولذلك دعهم يقرءون ما شاءوا، ويسمعون ما شاءوا، وأتح الفرصة للدعوات المختلفة، وكل إنسان يدعو إلى مذهبه، كما نجد في بعض الدول الإسلامية -مثلاً- تجد أنهم قد يتيحون فرصة حتى للدعوات الشيوعية رسمياً أن تثبت وجودها، وأن تدعو إلى مبدئها، ويقولون: على الناس أن يختاروا ما شاءوا.

    الناس أكثرهم لا يستطيعون أن يميزوا الحق من الباطل؛ إلا عن طريق أناس ناصحين صادقين يوجهونهم إلى الطريق المستقيم، والدين جاء لحماية عقول الناس من هذه الشهوات والشبهات التي تصدهم عن سبيل الله عز وجل.

    ومن حفظ الدين -أيضاً- حفظ الدين عن الفتن، الفتنة التي تصد الإنسان عن دينه، كما قال الله عز وجل: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] ما هي الفتنة؟ إن الفتنة هي أن يكون على الإنسان ضغط يمنعه من التدين، يضغط عليه بالتضييق، أو بالإكراه، أو المحاصرة، أو السجن والتعذيب، أو بالقتل، حتى يضطر الإنسان إلى أن يتخلى عن دينه، فجاء الدين وشرع الله عز وجل الجهاد في سبيله لرفع الفتنة عن الناس، (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: لا يفتن الناس عن دينهم، ولا يواجه المسلمون في بلاد العالم من الاضطهاد والتضييق ما يجعل الواحد منهم يستخفي بإيمانه، ويستتر بدينه، وقد يخرج من دينه بسبب هذا الضغط والتضييق الذي يواجهه.

    الأمر ممارسة شعائر الدين:-

    ومن حفظ الدين أيضاً: الأمر والتوجيه بممارسة جميع شعائر الدين، فالدين جاء لينظم حياة الإنسان، من يوم يولد ويسجل له اسم، فالدين يشارك في اختيار الاسم، ولهذا جاء في الإسلام كيفية اختيار الاسم، والأسماء الفاضلة، والأسماء المفضولة، والأسماء المكروهة، والأسماء المحرمة، وإلى أن ينتهي الإنسان ويدفن في قبره، طريقة دفن الإنسان في قبره -أيضاً- جاء الدين بتنظيمها، وكيف يدفن، وما هي الطريقة المشروعة، والطريقة الممنوعة، والسنة والبدعة في هذا الأمر؟

    إذاً من الميلاد إلى القبر؛ كل ذلك جاء الدين بتنظيمه على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة، فمن حفظ دين الإنسان: تمكينه من أن يمارس تطبيق شعائر دينه بكل تشجيع ودعم له أن يعبد الله، كيف يعبد الله؟ -مع الأسف- أن كثيراً من المسلمين تحول معنى العبادة في نفوسهم إلى معنى العبادة عند الديانات الأخرى، النصرانية -مثلاً- يعبدون الله يوم الأحد، وبقية أيام الأسبوع يعبدون البنك، واليهودية يعبدون الله -بزعمهم- يوم السبت، وبقية أيام الأسبوع يعبدون العجل أو يعبدون الدنيا والذهب.

    وقد قال أحد الصحفيين الغربيين: إن الإنجليز يعبدون الله يوم الأحد، ويعبدون بنك إنجلترا في بقية أيام الأسبوع، وهم في الواقع لا يعبدون الله لا في يوم الأحد ولا في غيره لكن هم يزعمون ذلك. أما الإسلام فقد جعل العبودية أمراً موجوداً عند الإنسان في كل أحواله قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام:162-163] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فالإنسان يتقلب في عبادة الله عز وجل في كل أحواله وتقلباته، وظروفه، وكل حالة من الحالات التي يمر بها الإنسان لها عبادة تناسبها.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:-

    ومن كرامة الإنسان: ومن حقوق الإنسان التي يجب أن تصان أن يمكَّن من تحقيق هذه العبودية كما يريد الله عز وجل، خذ على سبيل المثال: الدعوة إلى الله جزء من العبادة، وليس صحيحاً أن المسلم مطلوب منه أن يؤدي الفروض الخمسة في البيت أو في المسجد، ثم يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! يدع أمر الناس للناس، ويترك الناس يضل منهم من ضل ويهتدي من اهتدى! ليس صحيحاً هذا أبداً، بل إن الإسلام جعل من أعظم الواجبات على المسلم أن يقوم بالدعوة إلى الله تعالى، فكل أمر يحول بين الإنسان وبين تطبيق الدعوة، والقيام بالدعوة، ومخاطبة الناس بالدعوة؛ هو يعتبر تعطيلاً لحقوق الإنسان، واعتداءً على كرامة ابن آدم التي خصه الله تعالى بها وميزه بها.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الغرب يقولون: حرية إبداء الرأي، وهم يتغنون بحرية إبداء الرأي، أو حرية الكلمة التي تضمن للإنسان أن يعبر عن رأيه بأي وسيلة، بكتاب أو بجلسة، أو حديث أو شريط أو غيرها، فهذا هو عند الغربيين.

    أما في الإسلام فحرية الكلمة يقوم مقامها في الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا حق، لا أقول حق لك، بل هو حق عليك وهو حق لك في نفس الوقت، فهو واجب عليك، ولذلك الله عز وجل إنما ميزنا بهذا فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    فلا أقول: حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو حق على كل إنسان، وهو حق له أيضاً على مجتمعه وأمته ومن حوله؛ أن تكون كل الوسائل، وكل الظروف، وكل الاحتياطات متاحة، ليس للحيلولة بين الإنسان وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الإنسان من ذلك، واعتبار أن هذا تعدٍ على حرية الآخرين، وعلى حقوق الآخرين، وعلى صلاحيات الناس، ومضايقة لهم، وإنما تقول له: إن من واجبك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لأنك إذا سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فشأنك كشأن أصحاب السفينة، الذين يرون واحداً منهم يخرق في السفينة بيده أو بمسحاته أو بآلته، ثم يتركونه ويقولون: هذه حريته، مع أن هذا الخرق -إن حصل فعلاً- معناه أن الماء أغرق السفينة ومن فيها.

    فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من أهم الحقوق التي أناطها الله تعالى بالفرد والمجتمع والأمة، وجعلها حقاً عليهم، وفي نفس الوقت ضمن للفرد أنه يملك هذا الحق، ولهذا كانوا يقولونها لكبار الصحابة رضي الله عنهم، دون أن يجدوا في هذا حرجاً أو غضاضة، كان الواحد منهم يقف أمام أمير المؤمنين الذي تدين له الأمة المسلمة في شرقها وغربها، فيأمره بالمعروف الذي يظنه، وينهاه عن المنكر الذي يظنه، وليست القضية حتماً أن هذا معروف فعلاً أو منكر، لكن هذا الذي ظهر له.

    وكم من مرة وقف فيها عمر رضي الله عنه على المنبر، يقول: [[يا أيها الإنسان! اسمعوا وأطيعوا، فيقوم له رجل ويقول: لا سمع ولا طاعة. فيقول: ولم يرحمك الله؟ قال: لأنك أعطيتنا ثوباً ثوباً، وأخذت أنت ثوبين، فقال عمر: أين عبد الله بن عمر؟ قال: هأنذا، قال: أخبرهم. قال: لا والله ما أخذ أبي إلا ثوباً واحداً، لكنني أعطيته الثوب الآخر -لأن عمر كان رجلاً بديناً جسيماً لا يكفيه ثوب واحد- قال: الآن نسمع ونطيع]].

    وفي مرة أخرى يقف عمر ويقول: [[أيها الناس! أرأيتم لو قلت برأسي إلى الدنيا هكذا ماذا كنتم تصنعون؟]] فقام إليه رجل وقال: كنا نقول لك بسيوفنا هكذا. فقال: [[الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لو مال عمرلَقَوَّمه بسيفه]] ليس هذا بغريب؛ لأن عمر، وأبا بكر، وعثمان، وعلي، وأصل نظام الإسلام ما جعل هذا التنظير للمجتمع، وما منح الحاكم هذه الحقوق وجعل الرعية تتبعه وتسمع له وتطيع؛ إلا لأنه قيم عنها في حفظ حقوقها.

    ولذلك انظر الخطبة التي ابتدأ بها أبو بكر رضي الله عنه خلافته: [[أيها الناس! القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه -إن شاء الله- والضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له إن شاء الله]] وفعلاً طبق رضي الله عنه وأرضاه هذا المبدأ.

    إذاً قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكبير والصغير، وعلى جميع الطبقات، وفي جميع الظروف والأحوال، هي من الحقوق المنوطة بالفرد، التي لا يسع مسلماً يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، ويخاف الله تعالى ويرجوه أن يقصر فيها، ولا يسع أحداً -كائناً من كان- أن يحول بين الإنسان وبين ممارسة هذا الحق أو الواجب الذي كلفه الله تعالى به.

    الشرائع جاءت لحفظ الدين، وهذه هي الضرورة الأولى، لأنه لا قيمة للإنسان بلا دين، وكما يقول محمد إقبال رحمه الله:

    إذا الإيمان ضاع فلا أمان     ولا دنيا لمن لم يحي دينا

    ومن رضي الحياة بغير دين     فقد جعل الفناء لها قرينا

    فالبهيمة خير من الإنسان بلا دين، ولذلك جاءت الشرائع لحفظ الدين.

    ثانياً: حفظ العقل

    جاءت الشرائع -ثانياً- لحفظ العقل، الذي به مُيّز الإنسان وكُرّم، ولذلك إذا فقد الإنسان عقله وأصبح في عداد المجانين لم يلتفت إليه أحد، ولم يكن له شأن ولا قيمة، وأصبح أضحوكة للناس يتندرون به وبأحواله.

    فالشرائع جاءت لحفظ العقل من التضليل وممارسة الكذب على عقول الناس، فإن كثيراً من الأمم تمارس التضليل على عقول أفرادها، تضلل العقول، وتملي عليهم، وتستخدم المثل الذي يقول: اكذب واكذب واكذب عسى أن يصدقك الناس، فكثرة ترداد الكذب تفرض على عقول الناس تصديقهم، حتى ينخدع الناس بهذا الأمر.

    ولعل أقرب مثال لممارسة الكذب والتزوير: أنك تجد أجهزة الإعلام في كثير من بلاد العالم الشرقية والغربية، لا أقول العالم الإسلامي فقط، بل حتى بلاد الغرب الذين يدعون الحرية في إعلامهم، تجد أن أجهزة الإعلام في الواقع تمارس تضليلاً على شعوبها.

    فمثلاً: في الغرب يدعون أنهم ديمقراطية -كما يقولون- أي أن الأفراد لهم مكانة ولهم قيمة ولهم اختيار، وكل شيء عندهم بالترشيح والانتخاب، هل هذا فعلاً صحيح بهذه الصورة التي يتصورها الآخرون؟ لا أنكر الحقائق وأن هناك أشياء كثيرة من ذلك، ولكن أيضاً هناك جانب آخر وهو أن الإعلام يمارس ديكتاتورية من نوع آخر، فيفرض على الناس القناعة بأشخاص معينين، أو بآراء معينة.

    ولذلك تجد أن الإعلام؟ من جهة يعطي الناس معلومات كاذبة تؤثر في عقولهم، ومن جهة أخرى يرسل من يحاولون أن يستقرئوا الرأي العام.

    خذ مثالاً: قضية الحرب، إذا أرادوا أن يقيموا حرباً أو صلحاً، هم من جهة يسلطون إعلامهم للتأثير في عقول الناس بحيث يتقبلون الأمر الذي يختارونهم، ومن جهة أخرى يجعلون هناك معاهد ومدارس ومراكز تحاول أن تنظر ما هي وجهة نظر الناس، فتخرج لك نتيجة أن (80%) يريدون كذا، و(90%) يريدون كذا، وهذا في الواقع صحيح أنه وجهة نظر الناس، لكن وجهة نظر ليست بريئة، وإنما هي وجهة نظر أناس سلط عليهم نوع من التضليل والتغيير، وفرض رأي بطريقة هادئة، ليست بالطريقة البدائية التي تستخدم في البلاد الأخرى، طريقة القوة والقسر والإكراه والطريقة المكشوفة، حتى الكذب له أصول، فالذين يكذبون كذباً أبله، ينكشفون أمام الناس ويتعرون ويصبح كذبهم يزيد سقوطهم عند الناس، لكن الذين يكذبون كذباً منظماً مدروساً محبوكاً يستطيعون أن يضلوا الناس لفترة معينة.

    إذاً الدين جاء لحماية العقل من التضليل، ومن التزوير بكافة صوره وأشكاله، كما جاء لحماية العقل من الضلال في نظريات فلسفية ومذاهب منحرفة ضالة قد لا يستطيع الإنسان أن يميزها، كما جاء لحفظ العقل من الضياع عن طريق المسكر، ولهذا حرم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم كل أكل أو شرب يعود على العقل بالضياع، المخدرات، والخمر، والحشيش، والأفيون وغيرها، وذلك لأغراض، منها حفظ عقل الإنسان، لإن هذا العقل جوهرة ثمينة يجب أن تحفظ وتصان ويستفاد منها فيما ينفع الإنسان ويعود على الفرد والأمة بالمنفعة العاجلة والآجلة.

    ثالثاً: حفظ النفس

    الضرورة الثالثة التي جاء الدين لحفظها هي: حفظ النفس:

    حفظ الإنسان من أن يقتل مثلاً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري وغيره: {أن من قُتل دون نفسه فهو شهيد} فإن قاتلك إنسان أو هددك فقتلته دون نفسك في النار، والمقتولُ دفاعاً عن نفسه شهيد.

    فمن حق الإنسان أن يدافع عن نفسه ضد من أراد قتله، أو حتى من أراد إصابته بجراح أو غيرها، ومن هذا المنطلق أيضاً الإذن بالقتال، يقول الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39-40] قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:4-7] فلما قتلوا هؤلاء المؤمنين وعذبوهم بالنار، قال الله عز وجل: (قُتِلَ) أي لعن وطرد من رحمة الله، وخلد في العذاب المهين أصحابُ الأخدود الذين تسببوا في قتل وإزهاق أرواح المؤمنين.

    رابعاً: حفظ العرض

    من الضرورات التي جاء الدين بحفظها أيضاً العرض: وذلك من التعرض له بما يخدشه أو يسيء إليه، ومن هذا المنطلق أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: {من قتل دون عرضه فهو شهيد} سواء حماية العرض من الانتهاك بارتكاب الفواحش بأنواعها، أم حماية العرض من السب، والشتم، والثلب، والغيبة، والنميمة، والقالة بغير حق فكل هذه الأشياء يتعلق بها ضمانات وأحكام جاء بها الإسلام لحماية أعراض الناس، ليبقى لكل إنسان سمعة مصونة، وعرضٌ محفوظ لا يحق لأحد أن يتعرض له بشيء.

    أما في الغرب عند الكفار فكلمة "عرض" ليست موجودة في لغتهم، بمعنى أنه لا يوجد ترجمة تقابل كلمة عرض في اللغة الإنجليزية مثلاً، ولذلك ليس عندهم قيمة للأعراض.

    عمر رضي الله عنه يقول في منشورة إلى الناس -وهذا في الأمصار-[[ أيها الناس! إني لم أبعث عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم -الأمراء الذين أبعثهم إليكم ما بعثتهم ليضربوا أبشاركم- ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم دينكم ويقسموا فيكم فيئكم]] مهمة عمالي الذين أرسلهم إليكم، ليست ليضربوا الناس ويعتدوا عليهم، ويستغلوا صلاحياتهم ومواقعهم في إيذاء الناس والاعتداء عليهم، ولا لينهبوا أموال الناس باسم المصلحة العامة، وإنما مهمتهم تتلخص في تعليم الناس الدين، لإنهم كانوا فعلاً علماء، وكان عمر يختار العلماء، فبعثهم ليعلموا الناس دينهم ويقسموا في الناس فيئهم، يقسموا المال وليس ليأخذوه من الناس.

    إذاً عمر يعلم الناس مالهم؛ حتى يطالبوا به، والذي يريد أن يتنازل بعد أن يعرف فهذا شيء آخر.

    قصة من تاريخ السلف على حفظ العرض:-

    ربعي بن عامر رضي الله عنه، رسول المسلمين إلى رستم، رجل بسيط متواضع لا يملك شيئاً، ما درس في جامعة، ولا في مدرسة، لكنه تعلم في أعظم مدرسة، مدرسة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وتربى في هذه الصحراء التي ولدت كبار العباقرة والعظماء والعلماء؛ بعدما استضاءت واستنارت بنور الإسلام.

    عندما يدخل على رستم، يسأله رستم: ما الذي جاء بكم؟ أنتم كنتم في الصحراء زمناً طويلاً، نبعث لكم بين الحين والآخر شيئاً من الأموال، والأقوات، والأطعمة، والأكسية فتسكتون إلى مثلها، فما الذي جاء بكم؟ فقال له: [[إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد]] إخاً هم أولاً: تحرروا من العبودية للعبيد، بكل ألوان العبودية، تتحرروا -مثلاً- من الحب للمال، الذي يجعل الإنسان عبداً لمن يملك المال، وتحرروا من الخوف من الموت الذي يجعل الإنسان يخشى الموت، فيسكت عن كلمة الحق، أو يجامل، أو يطأطئ رأسه، تحرروا من حب الدنيا بألوانها وصورها، ولما تحرروا من العبودية لغير الله عز وجل بكافة صورها، خرجوا إلى الآخرين ليخرجوهم، كما يقول ربعي: [[لنخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

    إذاً هذه المبادئ التي يقاتل المسلمون من أجلها:

    أولاً: تحرير الإنسان في الأرض كلها من العبودية لغير الله عز وجل.

    ثانياً: إخراج الإنسان من ضيق الأفق إلى سعة الأفق، لإن الإنسان الكافر، وافترض أنك أمام عالم كبير في مجال من المجالات الدنيوية، أو فيلسوف شهير، أو عبقري خطير، ومع ذلك إذا كان غير مؤمن فهذا الإنسان تجد أن تفكيره لا يتجاوز حدود هذه الدنيا، لا يتجاوز حدود عقله المحدود، والعقل ما لم يستنر بنور الوحي فهو وبال على صاحبه، يجره إلى المهالك، ويصور له أنه يعرف كل شيء، ويقدر على كل شيء، ويحيط بكل شيء.

    فلذلك يخرج الإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فإن كل شيء سوى الإسلام هو ظلم وجور.

    أبو ذر الغفاري رضي الله عنه كما في صحيح مسلم، اختصم يوماً من الأيام هو ورجل من الصحابة، لعله بلال أو غيره.

    رجل أسود حبشي، فقال له: يا ابن السوداء! يعيره أبو ذر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تعالى تحت أيديكم، فمن جعل الله تعالى أخاه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا يحمله ما لا يطيق، فإن حملتموهم فأعينوهم}.

    إذاً حتى الذين كانوا عبيداً أرقاء حفظ الإسلام كرامتهم، فعاتب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبا ذر، الذي ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة منه، ولا أنصح منه، ولا أزهد في الدنيا منه، قال له: { إنك امرؤ فيك جاهلية} فما وجد أبو ذر رضي الله عنه، سبيلاً لاستخراج الجاهلية من قلبه، إلا أن نام على الأرض وجعل خده على التراب، وقال: [[والله لا أقوم حتى تأتي فتطأ على خدي]] ليأتِ ابن السوداء ويطأ على خدي، حتى تخرج هذه الجاهلية من قلبي، هل ترى أبا ذر رضي الله عنه، أو أحداً من المؤمنين يعود لمثلها، وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر هذا من الجاهلية؟ لأنه لا فضل لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود ولا للون على لون، إنما إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    وهذا جبلة بن الأيهم ملك من ملوك العرب من ملوك غسان، أسلم وجاء يطوف بالكعبة، وهو لا يزال يحتفظ بذكريات الأبهة والفخفخة التي كان يعيش فيها في الماضي، فكان يطوف في الكعبة، والمسلمون سواسية كأسنان المشط، ليس بينهم فرق ولا تفاضل إلا بتقوى الله عز وجل، حتى أتقاهم فضله عند الله تعالى، أما عند الناس فقد يقدرونه ويجلونه، لكن يبقى أنه كغيره.

    فـجبلة هذا كان يطوف بالبيت، فمر به أعرابي ووطأ على إزاره، فربما انحسر إزار هذا الرجل الملك الغساني، فأقبل على الأعرابي فضربه وهشم أنفه، ذهب الأعرابي ودماؤه تسيل إلى أمير المؤمنين الفاروق عمر، فقال له: من فعل بك هذا؟ قال: جبلة بن الأيهم، فدعاه عمر وقال: لماذا تفعل به هذا؟ قال له: إنه وطئ إزاري. قال: القصاص، تسامحه يا أعرابي؟ قال: لا أسامحه. قال جبلة: أنا ملك وهو سوقة، أي: هذا مسكين هذا إنسان من الطبقة الرابعة أو الخامسة، وأنا ملك فلا تقتص مني. قال: إن الإسلام قد سوى بينكما فانتظر جبلة، ويذكر في بعض الروايات أنه هرب وارتد عن الإسلام وذهب إلى بلاد الفرس أو الروم، ثم بعد ذلك كان يتأسف على ما مضى منه، ويتمنى لو صبر على القصاص والتزم بهذا الدين الذي دخل فيه يوماً من الأيام.

    فالمقصود أن الإنسان مكرم في الإسلام عملياً وليس نظرياً فقط، الإنسان كائن مكرم محترم مقدر لا تُمس كرامته بسوء، ليس من حق أحد أن يعتدي عليه، أو يسيء إليه بقول ولا بفعل ومن هذا المنطلق منطلق الحفظ، مثلاً: قضية القذف يأتي إنسان إلى آخر فيقذفه؛ فمن حقه أن يطالب القضاء الشرعي أن يقيم على القاذف الحد، ويجلد ثمانين جلدة مقابل كلمة خرجت من فمه تسيء إلى إنسان وهي بغير حق.

    وعلى مدار التاريخ قد وجد في المسلمين عصورٌ ضعف فيها تقديرهم لكرامة الإنسان وحق الإنسان، ووجد من يعتدي على الإنسان، على ماله، أو عرضه، على كرامته، أو حقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على حقه في الدعوة إلى الله عز وجل، ولكن مع ذلك وجد من يدافع عن هذا الإنسان، ويطالب بإعطائه حقه الذي شرعه الله له عز وجل.

    مثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية، لعله من الرموز الكبيرة الذين كان لهم دور كبير اقرأ كلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، اقرأ كتابه في المظالم المشتركة، وكذلك فتاويه وغيرها، كيف تجد أن شيخ الإسلام -رحمه الله- كان من أعظم الهموم التي تشغل باله مصالح الناس خاصتهم وعامتهم، وكان منتصباً لخدمتهم، والسهر على مصالحهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، بلسانه وقلمه كما قال عنه بعض واصفيه ومؤرخيه.

    1.   

    إهدار حقوق الإنسان هدم للأمم

    إهدار حقوق الإنسان هدم للأمم:-

    أيها الإخوة: إن إهدار حقوق الإنسان في أي أمة وفي أي مجتمع؛ هو هدم للأمة وعزل لها عن مهمتها التي خلقت لها، وفي كثير من البلاد يعيش المسلم وضعاً لا يتناسب مع إنسانيته، فضلاً عن دينه وعن إيمانه، يطارد في طعامه وشرابه وعرضه وأمنه، ولا يأمن على نفسه، وذلك كله يتم أحياناً تحت شعارات براقة طالما سمعناها في الشرق والغرب، شعارات الحرية والأمن والعدالة، والديمقراطية وغيرها.

    على حين أن دين الإسلام جاء بأفضل النظم وأعظم التشريعات، التي تحفظ حقوق الإنسان في الصغير والكبير، حتى أن الله عز وجل قال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] وحتى إن الإسلام لا يجيز الإكراه بحال من الأحوال، فكل تصرفات المكره تعتبر باطلة، كما قال الله عز وجل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106] فكل تصرفات المكره تعتبر باطلة لاغية لا قيمة لها ولا اعتبار، وذلك لأن القسر والعسر والإكراه والإلزام لا يغير قناعة الإنسان، ولا يغير الشيء المستقر الموجود في عقله، وإنما يجعل الإنسان مزدوجاً، له شيء ظاهر رسمي معلن، وله شيء باطن خفي مستتر، فهو -ظاهراً- يوافق هذا الذي يكرهه، شخصاً كان أو مجتمعاً أو وضعاً من الأوضاع، وفي الباطن لا يمكن أن تتغير قناعته ووجهات نظره الموجودة فيه.

    وفي النهاية إذا وجد مثل هذا الوضع الذي يكره الإنسان ويقسره على ما لا يريد، وما لا يعتقد، وما لا يؤمن به، فإما أن يسقط الإنسان وينتهي؛ لأنه إنسان مزدوج يعيش بشخصيتين، شخصية ظاهرة، وشخصية مستترة، شخصية معلنة، وشخصية خفية، فيفقد قيمته ومكانته وإنسانيته.

    وماذا تتصور في الأمة إذا فقد الإنسان فيها قيمته؟ هذا الإنسان الذي فقد قيمته لن ينفع في أمر ديني، ولا في أمر دنيوي، ولن يدفع عدواً، ولن يجاهد، ولن يقاتل ولن يأخذ بحق، ولن يكون هذا الإنسان الذي فقد إنسانيته إلا كَلاّ على مولاه، أينما توجهه لا يأتي بخير.

    إذاً لا تتصور أنك سوف تهدر كرامة الإنسان وإنسانيته، ثم تحتاجه في يوم من الأيام فتقول له: الآن حتى إنني قرأت في بعض الكتب أن هناك كثيراً من الأرقاء -ولاحظ العجب العجاب- في بعض الدول أرقاء كثيرون اعتقوا جملة واحدة، فهؤلاء الأرقاء الذين اعتقوا ماذا كان شأنهم؟ هل ترى أن هذا الإنسان فرح بالعتق وتطلع إلى نسيم الحرية، وطلع يستمتع بحريته، رجعوا إلى الذين حرروهم وقالوا: جزاكم الله خيراً، إن قبلتمونا عبيداً نكون تحت تصرفكم وتسلطكم فنحن نكون لكم من الشاكرين؛ لأنهم ما تعودوا إلا على جو العبودية والذل، والأمر والنهي، كالطفل الذي تعود عند والده أن يأمره وينهاه، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف در يميناً در شمالاً، هذا الطفل تعوَّد أن أباه يعطيه أوامر في كل حركة، لا يسمح الوالد لولده أن يتصرف أي تصرف إلا بعدما يأمره بذلك!

    لذلك تعطلت عقلية الطفل ومواهبه وأصبح ينتظر، وربما لو تصرف أي تصرف -مهما كان تافهاً- يصاب بهلع وفزع ورعب، لماذا؟ لأنه يمكن أن يكون التصرف خطأ فيغضب عليه والده وقد يعاقبه على هذا التصرف.

    1.   

    نظرة عامة إلى حقوق الإنسان في الغرب

    إخوتي الأكارم، أختصر ما بقي من الموضوع لعله أن يكون هناك وقت لبعض الأسئلة، فأقول: الأمر الذي ذكرته لعله هو السبب فيما نشاهده في العالم الشرقي، والمعسكر الشرقي، حيث عاشوا طويلاً يحكمون الناس بالحديد والنار، والقوة والتسلط، صادروا أموال الناس -مثلاً- باسم التأميم، ومنع الملكية الفردية، صادروا عقول الناس وحرياتهم باسم نظام الحزب الواحد، وفرض الشيوعية، صادروا كل شيء، وفي النهاية سقط هذا المعسكر وصارت دوله تتساقط كأنها حبات أرز أو خرز انقطع نظامها فواحدة على إثر الأخرى، لأنهم على رغم حكمهم عشرات السنين ما استطاعوا أن يغيروا قناعة الإنسان أبداً، ولا أن يغيروا طبيعة الإنسان وفطرته الذي فطره الله تعالى عليها.

    التمايز الطبقي

    الدول البعيدة عن هدي الإسلام، عاشت ألواناً من الاضطهاد عبر التاريخ بسبب نظرتها إلى الإنسان، وأن الإنسان متفاوت في أصل الخلقة، فعند الأمم الأخرى أن الناس ما خلقوا خلقه واحدة، إنما الناس عندهم على نوعين:

    هناك أشراف كبار عظماء خلقوا خلقة معينة، وأناس خلقوا عبيداً أذلاء وهذه النظرة موجودة عند اليهود مثلاً، كما يعبرون عن ذلك بنظرية شعب الله المختار، فـاليهود يرون أنهم هم شعب الله المختار ويقولون كما يملي عليهم تلمودهم وكتبهم التي يزعمون أنها مقدسة: إن الأمميين -ويقصدون الأمم الأخرى من غير اليهود- ما هم إلا حمير خلقوا ليركبهم شعب الله المختار، وكلما نفق منهم حمار ركبنا حماراً آخر، وهذا النظرية هي التي تحكم دولة إسرائيل الآن.

    وفي بعض البلاد كانوا يعتقدون أن عندهم طبقة الأشراف والسادة يجري في عروقهم دم أزرق مقدس، ولذلك لا ينالهم سوء، ولا تقام عليهم حدود، ولا يؤخذ منهم حق، ولا ينال منهم شيء، بل لا يملك أحد أن يجلس مع واحد منهم، حتى إنه في بعض تشريعات بعض الهنود وغيرهم؛ أنه لو جلس واحد منهم مع البرهمي فإنه يكوى، لماذا يجلس مع هذا الإنسان الذي له شرفه وله مكانته؟

    وكذلك النظرية الغربية قامت على هذا المبدأ نفسه، حتى إن نظرية أفلاطون، أو جمهورية أفلاطون - كما يقولون- مبنية على أساس أن الناس ليست خلقتهم واحدة، بل خلقوا متفاوتين، خلقوا سادةً وعبيداً.

    والحضارة الغربية اليوم أخذت من التراث الروماني واليوناني التي تميز بعض الناس عن بعض، ولذلك نظرتهم للمسلم اليوم متميزة، قد تقول: أين هذه النظرة؟ أولاً: النظرة عندهم للسود معروفة، لكن نظرتهم للمسلم بالدرجة الأولى متميزة جداً، يعتبرون من يسمونه بالمسلم، أو المتخلف، أو الفرد من العالم الثالث، أو الفقير، أو ما أشبه ذلك له نظره معينة، دمه رخيص مثل ماء البحر، يموت منهم عشرة، أو مائة، أو ألف، عشرة آلاف لا يهمهم ذلك، لك لو أُخذ غربي أو أمريكي رهينة أو رهينتين تقوم الدنيا كلها ولا تقعد من أجل هؤلاء.

    بل حتى جنس النصراني يغالون فيه، ولذلك تشاهدون غضب الغرب على الشرق -روسيا- في تصرفها بقتل أربعة أو خمسة في جمهوريات البلطيق، يقتل من المسلمين ألوف فما يتحرك أحد، كما قيل:

    بالأمس مات لوممبا فانبرت رسل     تبكي وتحكي ودمع العين هتان

    واليوم لا شاعر يحكي ولا صحف     تبكي ولا مرسلات عندها شان

    حتى إن بعضهم ذكروا نكتة طريفة عن بعض الذين كانوا يستعمرون الدول الأفريقية التي كان فيها المسلمون، فهم يعتبرون أنفسهم في جميع الظروف أناساً متنورين، ومتمدنين ومتحضرين، والمسلم يعتبرونه متخلفاً مهما كان وضعه، فهم كانوا يقتلون المسلمين بأسلحتهم فأراد أحدهم أن يقتل مسلماً من المسلمين، فتمكن هذا المسلم أن يعضه، فعضه قبل أن يقتله، فيروي القصة لأحد زملائه، يقول: تصور كم هو متوحش هذا المسلم! إنه عضني حين أردت قتله، أي: أن عضة المسلم هذه وحشية، لكن قتله هو شيء حسن، لأنه نابع من الحضارة والتقدم والمدنية، هكذا يصورون، وهذا هو المنطق الذي يحكمهم، إن لم يحكمهم كأفراد؛ فإنه يحكم دولهم وأممهم بشكل ظاهر للعيان.

    حقوق العمال

    عاشوا ألواناً من التغيير لحقوق الإنسان والإغارة عليها، منها ما عاشوه سابقاً فيما يسمونه بالإقطاع، ووجود رب الأرض الذي يملك الأرض وما فيها من الأقنان والعبيد وهم يباعون مع الأرض بكميات كبيرة، على اعتقاد أن أصل هؤلاء خلقوا عبيداً لا حيلة فيهم، ولا يمكن تغيير ما خلقوا عليه، ووجدوا أيضاً إيذاناً آخر للإنسان من خلال ما يسمونه رب العمل، فكان رب العمل يملك أعداداً كبيرة من العمال، والذي يهمه هو زيادة الإنتاج، وجودة الإنتاج، ولو على حساب صحة العامل، ولو على حساب كرامته وعافيته، بل ولو على حساب حياته أحياناً، دون أن يكون للعامل أي ضمانات أو حقوق.

    أما نظرة الإسلام للعامل -كما أشرت قبل قليل- حتى العبد الرقيق الذي يعمل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إخوانكم جعلهم الله تعالى تحت أيديكم، تطعمه مما تطعم، وتلبسه مما تلبس، ولا تكلفه ما لا يطيق} لكن مع ذلك إن كثيراً من المسلمين اليوم أخلوا بهذه الحقوق، فأصبحنا نجد كثيراً من العمال في بلاد المسلمين يعيشون ألواناً من إهدار الإنسانية، تجد بعض العمال كأنهم مجموعة حيوانات في زريبة، بل يسكنون أحياناً في صنادق وغرف وأماكن، ربما لو كان عند الإنسان حيوانات ما رضي أن تسكن فيها، معرضة للبرد وللمطر، ومعرضة لكل شيء، وبصورة لا تليق بكرامة الإنسان وآدميته.

    هذا فضلاً عن منعهم رواتبهم أحياناً، فضلاً عن الإساءة إليهم بالقول أو بالفعل، أو طردهم، أو بخس حقوقهم، أو ظلمهم بأي شكل من الأشكال، والباب واسع جداً لمن أراد أن يتلاعب أو يعبث، فمهما كان هناك من الأنظمة، ومهما كان هناك من المتابعات والملاحقات، إلا أن من أراد أن يعبث ويسيء ويأخذ حق هذا العامل؛ فإنه يستطيع بوسائل كثيرة يمليها عليه الشيطان، وتمليها عليه نفسه الأمارة بالسوء.

    وهذا -أيها الإخوة- من الظلم الفادح الذي قد يكون سبباً في الهلاك، وسبباً في تعذيب الله عز وجل للأمم، فيجب أن ينتهي هذا الظلم، وأن تعرف أن هذا العامل الذي يكون تحت تصرفك هو أخوك المسلم، بل أقول: حتى لو كان العامل غير مسلم فالظلم لا يجوز، حتى الكافر لا يجوز ظلمه، إن كان كافراً ينبغي أن تستبدل به مسلماً، لكن حتى الكافر لا يجوز أن تظلمه، قال الله كما في الحديث القدسي:{يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا}.

    كما عاشت الأمم الغربية من التسلط؛ أن هؤلاء العمال المضطهدين في الدول الغربية والشرقية، لما تحركوا وقاموا بما يسمى بالبروليتاريا، أو ما يسمى بثورة الشيوعية في روسيا، باسم العمال حكم القياصرة الجدد الشيوعيون، بدلاً من كون الإنسان كان إنساناً مسلوب الحقوق، أهدروه وسلبوا إنسانيته وألغوها منه، باسم العدل والاشتراكية العلمية، وإلغاء الملكية الفردية وغير ذلك.

    حكم الكنيسة "الثيوقراطية"

    كما أن من التسلط الذي عاشه الغربيون والشرقيون أيضاً: تسلط ما يسمونه بالحكم الديني أو الحكم الثيوقراطي، أو حكم الكنيسة، فكان ما يسمونهم برجال الدين النصراني، يحكمون الناس باسم الإله، ويزعمون أن الحاكم منهم هو ظل الله في الأرض، ولذلك فالذي يعترض عليه إنما يعترض على الله عز وجل، وعلى قضاء الله تعالى وقدره، فكانوا يسومون الناس سوء العذاب، فضلاً عن أنه بلغ الحال بهم إلى أنهم كانوا يمنحون الناس صكوك الغفران في الجنة، وإقطاعات في الجنة، وآخرون قد يمنحون إلى النار، أي تصرفوا في الدنيا، ولما انتهت الأراضي، والأموال، والمزارع رجعوا يستدينون إلى الدار الآخرة، وعبثوا بالدين.

    أما الإسلام فليس فيه شيء اسمه رجال دين، أو حكم ثيوقراطي، المسلمون يحكمون بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكبير والصغير في ذلك سواء، والحكم لله عز وجل ليس من حق أحد أن يشرع أو ينظم أو يسن قانوناً شرعياً في أمر ديني؛ لأن الله جعل هذا في كتابه وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والعالم إنما مهمته أن يبلغ الناس شريعة الله تعالى، وتخصص أن يشرح للناس ما لا يعرفون، ولهذا حتى التقليد للعالم ليس فرضاً، قد تكون طالب علم فتستقل بمعرفة النصوص بنفسك، والعامي ليس مطالب أن يقلد فرداً بعينه، أو إماماً بعينه، بل يقلد من يثق بدينه، وعلمه في أمور الدين، ويسأله أيضاً عن الدليل إن استطاع أن يفهم الدليل.

    إذاً الإسلام عمل على تحريك عقول الناس، وجعل كل إنسان مشارك، وما ذلك إلا لإثارة إنسانية الإنسان، والحفاظ على كرامته، وألا يتحول الناس إلى أرقام بلا رصيد، أصفار على الشمال، مجرد أتباع موافقين يقالُ لهم فيؤمِّنون، ويملي عليهم فيوافقون.

    التمييز العنصري

    ومما عاشه الغرب ما يسمى بالتمييز العنصري كاليهود -كما ذكرت لكم- والأمريكان -أيضاً- يعتقدون أن الشعب الأمريكي هو الشعب الذي اختاره الله لتحضير العالم، ومن هذا المنطلق ينظرون إلى الناس كالنمل أو الذر الصغير أمام هؤلاء العمالقة الكبار، في نظرهم وفي تصورهم، وتصور الغرب بشكل عام.

    قضية التمييز العنصري بين الأبيض والأسود، ولذلك تجدون أن أكثر الذين يسلمون في الغرب هم من السود، لأنهم يواجهون اضطهاداً كبيراً، وقد رأيتهم وسمعنا من أخبارهم الشيء الكثير، أقول: بالملايين في أكثر دول العالم تقدماً ينامون على الأرصفة، لا يجدون بيتاً يأوون إليه، ويأكلون طعامهم من القمامة، تجد شيخاً كبير السن منحني الظهر يبحث في القمامة لعله يجد قشرة موز أو كسرة تفاح يأكلها ويسد بها رمقه.

    وإلى وقت قريب كانوا يكتبون على مطاعمهم: ممنوع دخول السود والكلاب، فهم ينظرون هذه النظرة العنصرية التي هي نظرة منحرفة -أصلاً- تُنِمُّ عن مدى ما في عقولهم من الانحلال، لأننا نجد أن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    حتى أن من العجيب أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لـبلال العبد الأسود الحبشي، كما في صحيح البخاري: {يا بلال أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك أمامي في الجنة بلال العبد الأسود الحبشي يدخل أمام النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، قال: والله يا رسول الله! لا شيء، إلا أنني ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الوضوء ما شاء الله تعالى} سنة الوضوء كلما توضأ صلى ركعتين أو ما شاء الله تعالى، فكان هذا سبباً في تقدمه إلى باب الجنة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

    الناس من جهة التمثال أكفاء     أبوهم آدم والأم حواء

    فإن يكن لهم من أصلهم نسب     يفاخرون به فالطين والماء

    كلنا نشترك في هذا النسب.

    إذاً الإنسان في الإسلام له كرامة، وله حقوق يجب أن يعلمها، وأن يطلبها ويحفظها، وعليه واجبات يجب أن يعلمها وأن يؤديها.

    1.   

    الأسئلة

    أخذ الحق بالقوة

    السؤال: إذا كانت هذه هي قيمة الإنسان وعظمة حقوقه، فهل من الشرع أن المسلم إذا رأى شيئاً من حقوقه نقص يأخذه بالقوة؟ مثال: مكان لبيع الدخان وسط الحارة، ولم يتم منع ذلك، فهل من حق جماعة المسجد في تلك الحارة أن يتخذوا قراراً في منع هذا المنكر؟

    الجواب: هذا الأمر لو أذنا بأن يأخذوا حقهم بالقوة منه، من شأنه أن يفتح باباً لضرر كبير، ويدعو إلى ارتكاب مخالفات كثيرة، وقد يكون سبباً لفتنة في المجتمع لا تنتهي، لأن الناس إذا فتح لهم باب -كما هو معروف- قد يندفعون في هذا أكثر مما هو مطلوب، لكن هناك حل أفضل من هذا؛ تستطيعون أن تأخذوا حقكم منه باللين وهو المناصحة، فإذا لم تجد هذه المناصحة؛ فأنتم يا من هممتم بهذا العمل عليكم أن تقاطعوا هذا المحل، وما رأيك في دكان في حارة من الحارات -مثلاً- إذا قاطعه أهل الحي فلا يشترون منه، واتفقوا وتواصوا فيما بينهم، وتواطئوا على هذا الأمر، لأنه يبيع الدخان، أو المجلات السيئة أو ما شابهه ذلك؟

    لاشك أنه مضطر إلى أن يترك هذا العمل المحرم، لأنه أصلاً إنما جاء به للكسب، فما دام كسبه يقتضي ترك هذا الحرام سيتركه.

    تكريم الإنسان على غيره

    السؤال: ما سبب تكريم الله عز وجل للإنسان، وتفضيله على جميع المخلوقات، مع العلم أن الملائكة أكثر منه تسبيحاً وذكراً واستغفاراً لله عز وجل؟

    الجواب: على كل حال لا أريد أن أدخل في مسألة المفاضلة هل الإنسان أفضل أم الملائكة أفضل؟ فهذا موضوع آخر، لكن، سبب تكريم الله للإنسان وتفضيله على كثير ممن خلق، هو ما ذكرته أن الله تعالى ميزه بالعلم والعقل والتكليف، وأمره بالعبادة.

    التوكل مع بذل الأسباب

    السؤال: هل من تكريم بني آدم ابتلاؤهم بمثل هذه الأحداث؟ وما هو المحذور في اتخاذ الأسباب مع العلم أنها لا تنافي التوكل؟

    الجواب: أنا لا أقول: إن هناك محذوراً في اتخاذ الأسباب، وقد تكلمت في غير هذه المناسبة عن موضوع اتخاذ الأسباب، وأنه لا حرج فيه، ولا يمنع أحد منه، إلا أنه لا يطلب من الإنسان أن يتعدى هذا الأمر إلى درجة المبالغة، التي قد تجعل السبب يعود على الإنسان بالتلف، أو تضيع وسائل أخرى، كما أننا نطالب الإنسان، كما أنه يتخذ الأسباب للوقاية المادية، كذلك يجب أن يتخذ الأسباب للوقاية الشرعية.

    كما تقي أطفالك -مثلاً- من الشارع في مثل هذه الظروف، تقيهم من الشارع في مثل ظروف أخرى، فكثير من الآباء لو يقال له: لا تخرج أولادك إلى الشارع، احفظهم في البيت قال: والله عجزت عنه، لكن في مثل هذه الظروف لما شعر بخطر؛ عرف كيف يحفظهم، استطاع أن يقنعهم، ويجلس معهم جلسات يبين لهم خطر الغاز، وقد يأتي لهم بصور -وهذه تزعجهم كثيراً- تدل على من أصابتهم الكيماويات، حتى وجد في نفسية الطفل قناعة أنه لا يخرج.

    فيا أخي الحبيب: نريد منك كذلك في القضايا الشرعية أن تمارس نفس الأسلوب.

    المطالبة بحق الإعداد للجهاد

    السؤال: ذكرت أن الإنسان له حقوق يجب أن يطالب بها، فهل ترى المطالبة بالإعداد الصحيح للجهاد، حيث إن كثيراً من المؤمنين أصبحوا عالة على غيرهم، وصاروا ضحية أعدائهم ومهزلة للآخرين؟ أرجو التوجيه.

    الجواب: لا شك أن الإعداد من أهم الأشياء التي تضمن بها الأمة والأمم قوتها ومكانتها وحفظها، والحق إذا لم تحفظه القوة فإنه ضائع.

    فما هو إلا السيف أو حد مرهف     تقيم ضباه أخدع كل مائل

    فهذا دواء الداء من كل عاقل     وهذا دواء الداء من كل جاهل

    فلا بد للحق أن تحرسه القوة.

    الموقف الصحيح من أحداث الحرب

    السؤال: ما هو الموقف الذي يجب أن يقفه الشاب في مثل هذه الأحداث، والذي تبرأ به ذمته أمام الله عز وجل؟

    الجواب: أولاً: لا بد من الصبر يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200].

    ثانياً: لا بد من الاجتهاد وبذل الوسع فيما يطيقه الإنسان من الأسباب، سواءً الأسباب الشرعية أم الأسباب المادية، ولعل من ذلك: الدعاء، والإقبال على الله تعالى بالدعاء الدائم، والصدق في الدعاء، واللهج إلى الله تعالى بالدعوات الجوامع، تدعو بجوامع الدعاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، سواء في القنوت أم في غيره، وفي سرك وفي جهرك وعلانيتك، وترغب إلى الله تعالى بإهلاك أعداء الإسلام أين كانوا وأياً كانوا، ظهروا أم استتروا، قربوا أم بعدوا.

    ومن الأشياء المطلوبة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الأشياء المطلوبة: رفع الظلم عن المظلومين، فهذه من أسباب رفع البلاء، ومن الأسباب أيضاً: إعانة الفقراء والضعفاء في كل حي؛ أن نتواصى بهم، كل جماعة مسجد يعرفون من حولهم من الفقراء والمحتاجين والأرامل والأيتام، ويساعدونهم بكل ما يستطيعون، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أبغوني ضعفاءكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم بدعائهم واستغفارهم} ومن أحسنتم إليه تقولون له: ادعُ للمسلمين، بالنصر والتمكين، وأن يكفيهم الله شر عدوهم، وأن يحفظ لهم بلادهم، وأمنهم، ودينهم، وكرامتهم، وأن يذل أعداءهم، وأن ينـزل على أعدائهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأن يهلك الظالمين بالظالمين، يخرج المسلمين من بينهم سالمين، وما أشبه ذلك من الأدعية.

    كذلك من المطلوب من الناس: التوكل على الله عز وجل، ومراجعة إيمانهم الصحيح في هذا الأمر، وكذلك الإيمان بالقضاء والقدر.

    السفر إلى أرض الرباط "أفغانستان"

    السؤال: ما رأيكم في الذهاب إلى أفغانستان للإعداد والجهاد، وبعد موافقة الوالدين؟

    الجواب: نعم هذا أمر طيب، والذهاب إلى أفغانستان أو إلى أي مكان يتاح للإنسان فيه فرصة تدريب جيد ناجح، يحيي في الإنسان عوامل الرجولة والإنسانية والكرامة، ويدربه على الأشياء التي أصبحت ضرورة لكل إنسان فهذا أمر طيب وينبغي على الإنسان أن يسعى إلى تحصيله.

    الخروج من البلد التي فيها حرب خوفاً

    السؤال: هناك من خرجوا من بعض المناطق المخوفة، ما رأيك في ذلك؟

    الجواب: إذا لم يكن لبقائهم هناك من أثر أو دور، فلا حرج في خروجهم لأن هذا ليس فراراً من الزحف، هم ليسوا أمام زحف يواجهونه، الزحف شيءٌ آخر، هؤلاء أناس مقيمون في بلد فخرجوا إلى بلد آخر أكثر أمناً، لا حرج عليهم في ذلك.

    سؤال عن حديث

    السؤال: ما هو فقه حديث: {إن الله ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر

    الجواب: هذا الحديث له قصة: رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح، والحديث في البخاري ومسلم، من رواية سهل بن سعد وغيره{ أنه كان مع النبي صلى الله عليه سلم في غزوة خيبر، فكان رجل يضرب يمنة ويسرة، شجاع لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذه إلا أقبل عليها يضربها بسيفه، فأخبر الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو في النار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فقال رجل: أنا صاحبه أبداً، لحق به ينظر ماذا يكون، فأصاب هذا الرجل جرح، فاتكأ على ذباب سيفه، ووضعه في صدره واتكأ عليه حتى خرج من ظهره ومات، فجاء الرجل وقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي قلت: إنه من أهل النار أصابه كذا وكذا، قال النبي صلى الله عليه سلم: يا فلان ناد في الناس إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وإن الله ليعز هذا الدين بالرجل الفاجر}.

    العقل العربي والعقل الغربي

    السؤال: قلتم في إحدى محاضراتكم: إن عقل المسلم العربي يفوق عقل الرجل الغربي، مع أننا نرى الواقع يخالف ذلك ظاهراً، فنرى التطور الحضاري عندهم بخلاف بلاد المسلمين، أرجو التوضيح فقد اختلط علي الأمر؟

    الجواب: التطور ليس مرهوناً فقط بقضية العقل، التطور مرهون بمجموعة معطيات إذا توفرت لأمة حصل لها التطور المادي، والتقدم التقني العلمي، والحقيقة لا أستطيع أن أقول: إن عقلية المسلم العربي على طول الطريق أحسن من عقلية الرجل الغربي، أو أن هناك شعباًً أكثر تقدماً عقلياً من شعب، لكن هناك مؤثرات تجعل هذا الكلام له ما يصدقه، مثلاً: طبيعة التفكير.

    فمثلاً المسلم العربي أو المسلم بشكل عام؛ تجد أن تفكيره منصباً في الأشياء العملية المثمرة، بخلاف كثير من الغربيين فإن تفكيرهم يضيع في أشياء نظرية وفلسفات وأمور جدلية وخيالية لا تعود عليهم بثمرة إلا ضياع الوقت، ولذلك تجد إغراقهم في النـزعة الفلسفية منذ عهود اليونان والرومان.

    أمر آخر يا أخي: لماذا تجعل فترة معينة أو زمناً معيناً هو المقياس؟ إذا كان ولا بد؛ فلا بأس أن تقارن واقع الأمة المسلمة بواقع الغربيين منذ زمن طويل، منذ وجدت الأمة المسلمة إلى اليوم، ستجد أن المسلمين ظلوا أعزه كرماء أقوياء ما يزيد على ألف سنة، والغرب خلال هذه المدة كلها كانوا يعيشون فيما يسمونه بالعصور الوسطى، عصور التخلف، والضلال والجهل والجاهلية.

    حكم مشاهدة الحرب في التلفاز

    السؤال: سؤال عن مشاهدة الأحداث الحربية عبر الشاشة؟

    الجواب: أقول: إن مما يؤسف له أن كثيراً من الناس ممن سلم الله تعالى بيوتهم من هذا الوباء المدمر، أدخلوه إلى بيوتهم بمناسبة الأحداث وهذا خطأ، لأن الأصل أن المؤمن في مثل هذه الأحداث يتوب إلى الله تعالى مما عنده من الذنوب والمعاصي ويقلع عنها، ويطهر بيته من وسائل التخريب والهدم والفساد، ولا يجرها إلى بيته، والإنسان إذا جرها إلى نفسه فهذا لا يستطيع أن يتخلص منها في أي وقت من الأوقات، ولا أن يتحكم فيها، فعلى الأب أن يتقي الله عز وجل، وكل شيء له بديل، يستطيع أن يستفيد ويحصل على ما يريد دون حاجة إليه.

    الموافقة على من يريد الزواج

    السؤال: تقدم لبنتي رجل وعنده مبادئ الالتزام بالدين هل أوافق أم لا؟

    الجواب: ما دام أنه رجل متدين، وأخلاقه طيبة فقد جاء في الحديث: {إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه} لكن لا توافق إلا إذا وافقت البنت؛ لأن هذا من حق الفتاة، وما دمنا نتكلم في حقوق الإنسان، فالمرأة لها حقوق كبيرة، الفتاة تملك بضعها على الأقل، ليس من حقك أن توافق بنفسك أو ترفض، إذا أعجبك الرجل تعرض على الفتاة أنه تقدم رجل شأنه وصفته كذا، ووظيفته كذا، ودينه -إن شاء الله- صالح على حسب ما تعلم، وأخلاقه طيبة، ثم تنصحها بما تريد، لكن ليس من حقك أن تفرض عليها شيئاً.

    التوبة من المعاصي

    السؤال: أنا امرأة مسلمة أخاف الله كثيراً؛ لكني عصبية إلى أبعد الحدود، وعندما أغضب لا أدري عن نفسي ماذا أقول؟ وأتفوه بكلمات أعرف أنها حرام، ولكني بعدما أهدأ أحاسب نفسي وأستغفر الله كثيراً، وأكفر عن ذلك بالصلاة والصوم، لكنني لا أعرف أن الله تعالى يغفر لي ويقبل استغفاري أم لا؟

    الجواب: ينبغي أن تعملي على ضبط نفسك بقدر المستطاع، والرسول عليه الصلاة والسلام {جاءه رجل فقال له: يا رسول الله! أوصني؟ قال له: لا تغضب فردد مراراً قال: لا تغضب} وبين في بعض الأحاديث طرق علاج الغضب: {إن كان قائماً قعد، وإن كان قاعداً اضطجع، ويذهب ليتوضأ؛ فإن الغضب جمرة تغلي في قلب ابن آدم ويطفئها الوضوء} فيتوضأ الإنسان.

    ومن أعظم الوسائل: أن العبد إذا رأى شيئاً يثيره ويسبب الغضب يبتعد عنه، يتركه أصلاً، أي أن أحسن حل هو أن تتجنب الشيء الذي يثير غضبك بقدر المستطاع، وإذا رأيت أن مبادئ الغضب وجدت، فانسحب حتى لو تركت بعض الأشياء التي هي حق لك.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم من أرادنا بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه.

    اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا، ولا تفضحنا بعيوبنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، اللهم اكتب لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم ارفع راية الجهاد في سبيلك، اللهم أقم علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا نعترف إليك بضعفنا وعجزنا وظلمنا يا حي يا قيوم! فتقبل منا دعاءنا.

    اللهم جاهد عنا من لا نقوى على جهاده، اللهم إنهم إن أعجزونا لا يعجزونك، اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، لا إله إلا أنت ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا، واستجب لنا يا حي يا قيوم!

    اللهم إنك أمرت بالدعاء، ووعدت بالإجابة، وأنت لا تخلف الميعاد.

    اللهم يا رب هذا الدعاء فإنا ننتظر منك الإجابة، اللهم أجب دعاءنا، اللهم لا تخيب رجاءنا، اللهم أحينا حياة السعداء، وأمتنا ميتة الشهداء، اللهم أصلحنا أجمعين وذرارينا يا حي يا قيوم! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.