إسلام ويب

رسالة من وراء القضبانللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإصلاح قضية أمة بأكملها لا فئة معينة أو أفراد مخصوصين، والعلماء هم من ينادي بالإصلاح ولكن قد يسجنون بسبب ذلك، وهذه رسالة إلى الأمة من وراء القضبان تبين القضية وتجلي متعلقاتها، وما هو الغرض منها.

    1.   

    طريق الدعوة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينة ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.

    أما بعد:

    فهذه رسالة من وراء القضبان لكل من يريد أن يعرف قضية الدعاة والدعوة إلى الله عز وجل.

    حملة اعتقالات للدعاة

    أيها الأحبة: لقد حدثت -كما تسامع الكثيرون- حملات متعددة من الاعتقالات كان آخرها في غضون هذا الأسبوع شملت مجموعة من الدكاترة والمشايخ والفضلاء، كان من آخرهم فضيلة الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، وفضيلة الدكتور عبد الله بن حامد الحامد، والدكتور محسن العواجي، وغيرهم من طلبة العلم والشباب، وقد أكون فرداً صغيراً ضمن هذه القافلة المباركة إن شاء الله تعالى.

    وحقيقة يعلم الله أني لا أكره مشاركتهم ولا مشاركة غيرهم في هذا الشرف الذي نتوج به رءوسنا وجباهنا؛ لأنني كلما اعتقل شاب من أبناء هذه البلاد المباركة صغيراً أو كبيراً بغير جرمٍ اقترفه، أو ذنب فعله، شعرت وأنا عاجز عن أن أعمل له شيئاً -لأنه ليس هناك مجال للصوت ولا للكلام- شعرت بتوبيخ يجعلني أتمنى أن يكون الأمر علي دون أن يكون على غيري، وأكون في موقف المتفرج عليهم.

    ولذلك فإن مثل هذا العمل يدفع عني وعن أمثالي من الإخوة الدعاة والمصلحين إحراجاً كبيراً نواجهه أمام جموع الشباب وغيرهم ممن قد يظنون أننا نتخلى عن قضيتهم، أو أنهم يذهبون بها ويتلقون بعض الأذى، أما نحن فآمنون سالمون في أولادنا وأهلنا، فنحن نقول لهم: نحن معكم في السراء والضراء، ويجب أن نكون قبلكم في كل أمر تتعرضون له أو يتعرض له غيركم، هذا فضلاً عما يعلمه الجميع من أنه منذ فترة ليست بالقصيرة كنا تحت طائلة من الإجراءات الظالمة التي شملت الفصل عن الأعمال، والمنع من الدروس والمحاضرات والخطب والندوات والتسجيلات، وغيرها من الأشياء التي هي مجال الدعوة إلى الله تعالى ووسيلة مخاطبة الناس بما يعتقد الإنسان ويدين.

    إن مثل هذه الأشياء التي حدثت كلها لا نعدها شيئاً يذكر بالقياس إلى هذا الطريق الذي سلكناه، والكثير من الإخوة يقدمون أحياناً لوناً من التعزية أو التصبير أو التثبيت، وقد جاءني مرة أحد الشباب من إحدى المناطق -ربما قطع أكثر من خمسمائة كيلو متر- وقال لي: ما أتيت إلا لأقرأ عليك حديث ابن عباس رضي الله عنه: {يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف} ثم خرج من عندي ومضى لحال سبيله، ولقد كان لهذه الكلمات وقع عظيم حتى كأني أسمعها لأول مرة؛ لأنني سمعتها من إنسان مخلص يتكلم قلبه قبل أن يبين لسانه.

    استصغار البلاء واستعظام الحيلولة دون الدعوة

    ولكنني أقول لجميع هؤلاء الإخوة: ماذا لقينا أصلاً حتى يطلب منا أن نصبر أو نحتسب؟

    فالواقع أن كل ما حصل مهما كان في نظر الناس كبيراً فإنه لا يعنينا في جانبه الشخصي، فلا يعنينا -مثلاً- أن يقطع راتب الإنسان لأن الرزق من عند الله تعالى، ولا يعنينا أن يمنع الإنسان من العمل فإن مجال الدعوة إلى الله واسع رحب لا يتوقف على مجال بعينه ولا على طريق بذاته، اللهم -لا شك- أن الحيلولة بين الإنسان وبين الدعوة، بين الإنسان ومخاطبة الأمة بما يعتقد في قلبه وما يدين، أن الإنسان يرى أن ترك ذلك وأن السكوت عليه خيانة للأمانة التي حملها، بل وخيانة للأمة التي تنتظر من دعاتها، بل من جميع أفرادها حتى ولو كانوا أفراداً عاديين؛ أن يقولوا كلمة الحق، وأن يصدقوا الله تعالى ويبصروا الناس بما يعرفون، كل بحسب وسعه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها.

    فلا شك أن الحيلولة بين الإنسان والدعوة هو أمر خطير، ولا يمكن السكوت عنه، أو الصبر عليه، أما ما عدا ذلك فهو هين يسير، ماذا خسرنا باستثناء قضية الدعوة؟

    في الواقع أن الإنسان ما خسر إلا كما قال لي أحد الإخوة:

    حبوب البندول التي كان يتعاطاها بسبب تعب العمل وعنائه ولأوائه، ثم بعد ذلك ارتاح، فإن كان من أهل العبادة فبعد صلاة الفجر قراءة قرآن حتى ترتفع الشمس، ثم صلاة ركعتين، ثم يقبل على أمر الدنيا، وهذا هو الذي كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده الدعاة حتى كان ابن تيمية يفعل ذلك ويقول: هذه ضحوتي لو لم أتغدها لم تحملني قواي أو لم تحملني رجلاي، فإن لم يكن منهم وكان من البطالين الكسالى فبعد صلاة الفجر يقبل على عمل، أو راحة، أو ما أشبه ذلك من الأمور، ثم إن الإنسان يرى من الناس من الحفاوة، إن ذهب إلى سوقٍ أو مطارٍ أو مدرسةٍ أو مؤسسةٍ شيئاً يخشى أن يكون أجره عُجِّل له في هذه الدنيا، وألا يكون له عند الله شيء، ويخشى أن يكون هذا من الاستدراج، ويشهد الله تعالى أننا نخشى من ذلك على أنفسنا لما نراه من حرص الإخوان والأحبة بل وسائر الناس على تقديم ما يستطيعون؛ مع أننا نعتقد وندين على أننا لا نستحق ذلك ولا شيئاً منه.

    المقصود أننا لم نخسر شيئاً من أمر يتعلق بالدنيا حتى يأتينا من الإخوة -أحياناً- نوع من التسلية أو نوع من العزاء، وإن كان الصبر مأمور به على كل حال.

    1.   

    حديث إلى ا لجمهور

    بعض الإخوة حدثوني حديث المشفق الخائف بعد ما عرفوا أني أستقبل الضيوف في أوقات الصلوات في مسجدي، وفي يوم الخميس ليلة الجمعة من كل أسبوع ما لم أكن مسافراً أو مشغولاً، ويتجمع عندي أعداد الشباب من مناطق مختلفة يزيدون أو ينقصون، ومن الطبيعي حين يجلسون يستمعون فإننا لن نتحدث بلغة الإشارات أو بلغة الصمت، بل سأتحدث ويسمعون، وسأجيب حين يسألون، هذا أمر طبيعي وحق مكفول لكل إنسان -لا أقول لي- في شرائع السماء كلها، بل وفي قوانين الأرض أيضاً، مع أن المرجع هو إلى شريعة الله تعالى الخاتمة المنـزلة على محمد صلى الله عليه وسلم، فعدد من الإخوة كانوا مشفقين علي، ويقولون: نخشى أن ينالك من ذلك ضرر.

    وأقول للإخوة الآن علانية كما كنت أقول لهم سراً من قبل حين يسألونني: إن تعرض الإنسان للسجن فهذا أمر طبيعي، فوالله يوم أوقفت عن الدروس والمحاضرات كنت قبل الإيقاف أحدث الإخوة بأنه أمر طبيعي أن يوقف الإنسان وإن لم يكن شرعياً ولا مقبولاً؛ لكن من الطبيعي أن يتعرض أي داعية أو مصلح أنا أو الشيخ سفر أو غيرنا من الدعاة -نسأل الله أن يجعلنا كذلك- أن يتعرض لمثل هذه الأمور.

    وضع الداعية للأذى في اعتباره قبل وقوعه

    ولا زلت أقول بعد ما حصلت هذه الجلسات في المنـزل: إنني كنت واضعاً في اعتباري أنه ربما يترتب على ذلك ما يترتب عليه من آثار، أي قيمة وأي معنىً لوجود الإنسان إذا كان من غير رسالة يحملها ويؤديها؟!

    هب أنك حر طليق تأكل وتشرب وتنام وتذهب وتجيء لكنك لا تقوم بأداء المسئولية العلمية والشرعية والاجتماعية التي تشعر أن الله تعالى حملكها ووضعها على عاتقك بحسب ما أعطاك: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165].

    إذاً ليس في الأمر غرابة، والسجن أمر طبيعي مألوف، ويجب أن نضع في اعتبارنا -يا كل المخلصين، ويا كل الصادقين، ويا كل دعاة الإصلاح، سواء أسرَّوا أو أعلنوا- يجب أن نضع في اعتبارنا أن الفساد المتجذر في مجتمعنا وفي جميع مجتمعات المسلمين بنسب متفاوتة؛ فساد يضرب برواقه على كل مجالات الحياة بدون استثناء، فساد في مجال التعبد، وفي مجال الأخلاق، وفي مجال السلوك، وفي المعاملات، فساد في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم.

    إن هذا الفساد الشامل يتطلب إصلاحاً كاملاً، ومن الخطأ أن نتصور أن الإصلاح سيتم عن طريق مجرد الكلام، أو مجرد أن نحمل قلوباً طيبة، أو تصورات سليمة فقط دون أن نتحمل في سبيل الكلمة التي قلناها أو التصور الذي حملناه ولو بعض الأذى والعناء!

    إن هذا الفساد الموجود -والذي لا يشك فيه أحد على الإطلاق وإن اختلفت الطرق في إصلاحه- له أنصار كثيرون، وله متحمسون، وسدنة، وله أرباب من البشر يرون بقاءهم في بقائه، ووجودهم بوجوده، وأن زواله كشف لهم، ولذلك فهم ضد كل مصلح يسعون إلى التأليب عليه ويحاربونه بكل وسعهم، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، فهذه سنة الله تعالى.

    أقول: لا غرابة وإن كانوا ملومين لمخالفتهم شريعة الله ومخالفتهم للحق والله تعالى يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان:31] وكذلك يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112].

    إذاً الصراع صراع بين الحق والباطل، بين الإصلاح والفساد، بين الهدى والضلال، بين العدل والظلم، وهو صراع أزلي، ولابد أن نوقن ونعتقد بأن أي داعية إصلاح يحتاج إلى أن يبرهن على صدقه وإخلاصه، وأنه لا يريد مطمعاً دنيوياً، وأنه صادق في دعوته، وأنه مستعد أن يبذل ويضحي في سبيلها، لا بد أن يبذل ما يكون عربوناً وبرهاناً للناس فيكون ذلك شاهد عدل على ما سمعوه بآذانهم.

    ربما يسمع الناس كلاماً معسولاً جميلاً في الأشرطة والمحاضرات والدروس، أو في البرامج أو الندوات وغيرها، وربما يكون الكلام بحد ذاته حلواً مؤثراً مقبولاً؛ لكن ما هو البرهان على أن هذا المتكلم صادق فيما يقول؟ وما هو البرهان على أنه مخلص؟ وما هو البرهان على أنه متجرد عن الهوى؟ وما هو البرهان على أنه بقدر الكلام الذي يقوله؟

    البرهان هو أن يعزز قوله بفعله، وأن يصبر ويصابر، وأن يتحمل مسئولية الكلمة التي قالها مهما كلفه ذلك من تضحيات، فينبغي أن نضع ذلك في بالنا، وما لم يكن الأمر كذلك فإنه لا يتصور أبداً أن يقع إصلاح أو تعديل حقيقي.

    إننا نعلم جميعاً أن إصلاح خلل جزئي في مكان معين: في مدرسةٍ، أو شخص غير كفء، أو في أي وضع من الأوضاع مهما كان يسيراً، هذا الإصلاح يتطلب مجهوداً ضخماً، وقد ينجح وقد لا ينجح، فكيف نتصور أن إصلاح الأمة كلها في مجالاتها وأنشطتها المختلفة أنه لن يكلفنا أكثر من كلمة نقولها، أو ورقة نكتبها، أو برنامج نقدمه، أو شريط نسجله، هذا لا يمكن أن يكون.

    ثم إننا نعلم جميعاً أن الغش والفساد محرم في كتاب الله تعالى وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى في أصغر الأمور، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يبيع تمراً فلما قلبه وجد أن أسفل التمر قد أصابه الماء، فقال: {ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا} كما في صحيح مسلم، فإذا كان الغش في زنبيل من التمر أو غيره حرام، بل يصل إلى أن يهدد الرسول صلى الله عليه وسلم فاعله بأنه يخرج من سيماء المؤمنين وعلاماتهم وأوصافهم، فما بالك إذا بدأت الأمة كلها تمارس الغش في مؤسساتها ومجالاتها المختلفة وجوانبها! فحينئذٍ يكون السكوت عن ذلك نكولاً عن الحق، وتراجعاً وضعفاً وخوراً، ولا يمكن أن ينجو من العذاب قوم هذا شأنهم، إلا أن يصدعوا بالحق، ويصيحوا في الناس، فحينئذٍ تكون النجاة بإذن الله تعالى للجميع، كما قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] فإذا كنا مصلحين نجونا من عذاب الله تعالى، وإلا ألم بنا العذاب وحلت بنا الكارثة.

    1.   

    الدعوة لله لا طلب الدنيا

    أيها الأحبة: يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:57] ماذا يريد الدعاة؟ هل طلبوا مالاً، أو منصباً، أو وظيفة، أو رتبة؟ كلا والله! وإنني أقول والأمر يستدعي أن يقال هذا الكلام، وهو في نفوسنا يجمجم منذ زمن بعيد؛ لكن آن الأوان أن يقال: والله إن هذه الأشياء كلها ليس لها عندنا من وزن ولا قيمة، وليست في برنامجنا أو اعتبارنا ولا في ميزاننا كأشخاص، فلا يعنينا هذا الأمر قط، ولو أراده إنسان لعرف أن الطريق إليه سهل، فليس هو مكلفاً أو مؤذياً، بل الأمر كما قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الفرقان:57] قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [الأنعام:90] فنحن ندعو إلى إصلاح أحوال الناس كلها، وإلى إتاحة المجال للدعوة إلى الله تعالى، والكلمة الحرة الصادقة المنضبطة بضابط الشرع، يقولها داعية، أو خطيب، أو إعلامي صحفي، أو كاتب، أو شاعر، أو ناثر، أو معلم، أو موظف، ندعو إلى أن يتمكن الناس من التعبير عن الحق الذي يعتقدونه، والمشاركة في الإصلاح لهذه الأمة التي تحيط بها الأخطار والفتن من كل جانب.

    الأخطار المحيطة بالأمة تقتضي الإفصاح والإصلاح

    إنه لم يعد يخفى على أحد أن مجتمعنا هاهنا ومجتمعات المسلمين عامة أصبحت جزيرة في بحر متلاطم، فالأخطار كبيرة جداً، واليوم كنت أقرأ في بعض الجرائد أن الرئيس الأمريكي يستقبل من يسميهم ببذور السلام، وهم مجموعة من أطفال وصبيان العرب واليهود يزيدون على مائة أخذوا في جولة طويلة في أمريكا، يربون على مسخ جميع ألوان التميز والاستقلال والاعتقاد والانتماء؛ ليكونوا قوماً -فيما يعتقدون ويعلنون- ليس بينهم عداوة كما يزعمون ويعبرون، هم بذور السلام، وسيكون العداء بينهم قي المستقبل -كما يعبر الرئيس الأمريكي- مجرد ذكرى قديمة نسوها ومضت عليها الأيام والليالي، هذا جانب.

    جانب محاولة تحويل المنطقة إلى سوق للبضائع اليهودية مثلاً، سواء أكانت هذه البضائع بضائع فكرية ثقافية، أم إعلامية، أم أمنية، أم تجارية، أم غير ذلك.

    جانب تحويل بلاد المسلمين إلى مجرد أتباع ضعفاء لا يعلم بهم، ولا يقام لهم وزن في هذا المعسكر أو ذاك، لهذه الدولة أو تلك.

    جانب تحويل المسلمين وجعلهم عبارة عن قطيع يساق إلى مرعاه، ولا يدري إلى أين يسافر، وليس من حق الواحد أن يعبر ولا أن يتكلم ولا أن يبدي رأيه، بل عليه أن يبصم على كل شيء، ويؤيد كل شيء، ويوافق على كل شيء، وألا يعترض، وإلا فإنه يكون حينئذٍ قد وضع نفسه تحت طائلة العقاب والتأديب والتشهير والأذية وتسلط الأجهزة الأمنية إلى غير ذلك مما هو معروف.

    وهذا الطريق صد عن سبيل الإصلاح، ويراد به وضع العراقيل والعقبات أمام أي إصلاح؛ سواء أكان إصلاح فرد أم تيار بحيث إن الناس يرون أن الطريق صعب وشاق ويرجعون -كما يقال- وأول الدرج، من أول السلم.

    الكبت للحريات وتكميم الأفواه يتحول حقداً

    إذاً المهمة هي مهمة إصلاح أوضاع الناس، حتى أوضاع الناس الدنيوية، فالكثيرون يتحدثون في مجالسهم وخصوصياتهم عما يشعرون به من فقدان العدل الاجتماعي، ومن سحق كثير من الطبقات، وأنهم لا يجدون حقوقهم في المال العام، في الوظائف، وفي المخصصات، ولا يجدون حقوقهم في الفرص التي هي في الأصل حقوق مشتركة للأمة يتساوى فيها الجميع، يشتكي من ذلك المزارع، ويشتكي منه الموظف الصغير والمتوسط، ويشتكي منه الطلاب، والمتخرجون، ويشتكي منه ألوان وأصناف من الناس، وكثير من رجال البادية، وكثير من أهل المناطق المختلفة المتباينة وغيرهم، فالجميع يتحدثون عن ذلك.

    فبالله! من هو المستفيد من أن تظل هذه الأشياء مجرد مشاعر دفينة في النفوس تتحول إلى أحقاد بغضاء وتدمير للمجتمع، دون أن تعطى فرصة على الأقل للتنفيس؟! ماذا يضرك أن تعطي الناس مجالاً للتنفيس عما في نفوسهم؟ ربما شعر لو تحدث أنه وضع عن ظهره حملاً ثقيلاً وعبئاً جليلاً ينوء به، وما يضيرك أن يتحدث عنك الناس؟ بل ماذا يضير أن يتحدثوا ويأخذ من كلامهم النافع المفيد ليكون نبراساً؟ فإننا لا نعتقد أن أحداً يملك أن يصلح الأمة وهي فاسدة أو نائمة، بل ولا أحد يستطيع ذلك لو أراده، فضلاً عن أنه لا يمكن أن يريده إلا دعاة الإصلاح الذين يشهد الناس لهم بذلك، أما مجرد أن أدعي -أنا أو غيري- ذلك، فهذه دعوى لا تصدق ولا تكذب إلا من خلال الواقع الذي يمكن أن يحكم لها أو عليها.

    الغرض الإصلاح لاحظ النفس، والحرية حق الجميع

    فالدعاة إلى الله تعالى يبرءون من جميع المصالح والحظوظ الشخصية، بل هم يتنازلون عن حقوقهم الخاصة من مرتبات أو أعمال أو أموال أو وظائف، فإنهم لا يطالبون بها ولا يرون أنها بالنسبة لهم قضية تستحق أن يثار حولها كلام طويل، وليس يضيرهم ولا يزعجهم هذا، وليست قضيتهم أن يوجد من يعتدي عليهم أو من يؤذيهم أو يسجنهم أو يتجسس عليهم أو يطاردهم، هذه أيضاً ليست هي قضية الدعاة أبداً.

    إنما الدعاة يطالبون بقضية تخص الأمة والبلاد من شرقها إلى غربها، تخص المنطقة الجنوبية وتخص المنطقة الشمالية، وكما تخص المنطقة الشرقية كما تخص المنطقة الغربية، وتخص المنطقة الوسطى، بل إنها تخص هذه البلاد وتعم كل مسلم يعنيه أمر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

    فالقضية هي قضية الامتثال لشريعة الله تعالى التي جاءت بالعدل وجاءت بالمساواة، وجاءت برفع الظلم، وجاءت بتحقيق المطالب الإنسانية، وجاءت بحفظ كرامة الإنسان وحقه، فلا يُعتدى عليه ولا يظلم ولا يبخس حقه، ولا يهضم، ولا يتجسس عليه، ولا يوقف بغير بينة وبغير نص، ولا يحقق معه إلا بنص، ولا يحق لأحد أن يتجسس عليه أو يتلصص على مكالماته، أو خصوصياته أو مراسلاته، أو محادثاته، إلى غير ذلك، ليس الدعاة بل الأمة كلها، كل إنسان مسلم ومواطن من المسلمين له هذا الحق.

    ولذلك فليست قضية الدعاة قضية شخصية وإنما هي قضية تهم الأمة كلها من أولها إلى آخرها، أما الدعاة فقد آن الأوان ليعلنوها للناس كلمة صريحة، العدو والصديق.. القريب والبعيد.. الحاكم والمحكوم.. من يعرفهم ومن لا يعرفهم: لا نسألكم عليه من أجر، لا نسألكم عليه مالاً.

    إن رأيتمونا يوماً من الأيام طلاب جاه، أو طلاب شهرة، أو طلاب منصب، أو طلاب مال، أو طلاب وظيفة، فاحثوا في وجوهنا التراب، واعتبروا هذا آية على عدم مصداقية ما ندعو إليه، نحن دعاة حق نرى أنه يجب أن يدعو إليه الجميع، ويجب أن يلتف عليه الجميع، ويجب ألا تسقط هذه الراية بحال من الأحوال، لأنها الراية التي تسعى إلى إعادة الحقوق إلى أهلها، سواء كانت هذه الحقوق حقوقاً معنوية، مثل كون الإنسان يعرف ما يخصه، هو فرد من الأمة له الحق أن يعرف لماذا حصل كذا، ولماذا اتخذت الأمة هذا الموقف، ولماذا حاربت هذا، ولماذا سالمت هذا، ولماذا عادت هذا، وما هي الأشياء التي ستفعلها، هو فرد من الأمة من حقه أن يعرف ما يخصه، ولا يجوز أبداً أن يعتم عليه، أو يضلل، أو يعمى؛ بحيث يعتبر أنه قاصر العقل، والفكر، ليس على مستوى أن يدرك أو يفهم، ولهذا ينبغي أن تكون الأمور في ظنهم أسراراً وطلاسم لا يعرفها إلا نفر قليل، أما الباقون فمن حقهم أن يقرءوا -مثلاً- في الجرائد أو يسمعوا من الإذاعة، وما قرأوا أو سمعوا، فليعتبروا أن هذا هو الكلام الذي يجب أن يقوله حتى لو لم يؤمنوا به ولو لم يصدقوه، ويجب أن يرددوه ويجيبوا به.

    إذاً أين عقول الأمة؟ أين أفكار الأمة؟ أين المختصون؟ بل أين الآلاف المؤلفة من الدكاترة والفضلاء والأساتذة وطلاب الجامعات والمتخرجين الذين بذلت أموال طائلة من أجل إعدادهم وتعليمهم وتخريجهم؟ فما معنى -بعد ذلك- أن يحازوا ويحصروا ويقال لهم: إن عقولكم في إجازة مفتوحة، ليس من حقكم أن تفهموا، ولا أن تسألوا، وتناقشوا، وتشاركوا، ولا أن تشيروا، هذه مصادرة لحقوق معنوية كبيرة للأمة لأن الإنسان إنسانيته ليست بجسمه، كما قال القائل:

    أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    وقول الله أبلغ: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    المشاركة حق كل فرد وليس الصواب حكراً على أحد

    فالله تعالى كرم الإنسان بالعقل، فلماذا نجعل هذا العقل في إجازة مفتوحة؟ ونفترض أن جماهير الناس ليست على مستوى أن تفهم الأحداث، ولا أن تشارك فيها أو أن تشير!!

    من أين جاء هذا المعنى الغريب عن الأمة التي رباها النبي صلى الله عليه وسلم على المشاركة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصعد على المنبر فيتحدث مع الناس في أي قضية من القضايا، يصعد المنبر -مثلاً- فيتكلم في حادثة الإفك، يصعد المنبر ويقول: أشيروا عليَّ أيها الناس، في قضية بدر أو أحد، في المعارك التي تخوضها الأمة، في المواقف المختلفة، حتى في قضية توزيع المال، عندما يتكلم الناس يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول: {يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟! ألم أجدكم ضلالاً... } إلى آخر الحديث المعروف وهو في الصحيحين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه من بعده وخلفاؤه الراشدون، والخلفاء المسلمون يعتبرون الأمة مسئولة معهم كما يحتاجونها في حال الشدة، فلذلك كانوا يشركونها في مثل هذه الأمور ولا يصادرون رأيها أو قناعتها.

    نعم لا بد من ضوابط لذلك، ولا بد من قنوات؛ لكن أين هذه القنوات، وأين هذه الضوابط، وأين هذه الفرص التي تجعل للناس على الأقل ولو قلنا لنخبة من الناس مجالاً أن يعبروا عن رأي أو اجتهاد قد ينفع الله به، وقد يكون سبباً في دفع أذى أو ضر عن البلاد والعباد؟!

    إن الله تعالى لم يجعل الصواب حكراً على فئة بعينها ولا شخص بذاته، حتى ولو كان عالماً جليلاً، أو ذكياً نبيلاً، أو عبقرياً فذاً، أو شهيراً خطيراً، فإنه قد يوجد الحق والرأي السداد عند عامة الناس فضلاً عن خاصتهم.

    إذاً هذه الحقوق التي يمكن أن نعبر عنها بالحقوق المعنوية إضافة إلى الحقوق المادية التي يتكلم الناس كلهم عنها من تجار ومزارعين ومتوسطين، وموظفين وغير هم ممن حرموا كثيراً من حقوقهم، أو سدت في وجههم أبواب الوظيفة، أو سدت في وجههم أبواب العمل الحر الذي يسددون به ديونهم، أو ينفقون به على أزواجهم وأولادهم، أو على الأقل ينفذون به ما أباح الله تعالى وأحل لهم: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275] فلماذا يمنعون هؤلاء من ذلك في الوقت الذي تجد الكثير منهم قد يجدون أنفسهم محتاجين أو مضطرين فيما يعتقدون إلى أن يستدينوا من البنوك بفوائد ربوية، والله تعالى يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275] لكنهم يرون أنه ليس لهم مخرج إلا ذلك، والواقع أن المخارج المباحة كثيرة.

    1.   

    الدين شامل للحياة لا خاص بالمسجد

    على كل حال، هذا الموضوع، باختصار شديد هو قضية الدعاة، قضية الإصلاح بمعناه الشامل، الإصلاح الشرعي الديني والدنيوي، نحن نعتبر الإصلاح الدنيوي جزءاً من الإصلاح الديني، فالدين ما جاء ليحكم المسجد فقط، بل الدين جاء ليعلمنا أن الاقتصاد ينبغي أن يكون بصورة معينة، وأن المال ينبغي أن يوظف بطريقة صحيحة، وأن الصناعة ينبغي أن يبرز فيها المسلمون، والإعلام، والتعليم، والحياة الاجتماعية أيضاً.

    فالدين جاء ليحكم الحياة، وليعلم الإنسان من يوم يولد كيف يسمي، بل قبل ذلك عملية اللقاء والاتصال بين الزوجين كيف تتم من أجل ضمان صلاح المولود كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى علمه كيف يوسد الإنسان في قبره، وأيضاً جاء الدين بتحديد الطريقة في الدفن، وما بين ذلك من حياة الفرد.. رجل أو امرأة.. كبير أو صغير.. أب أو أم، في المجالات الاجتماعية على مستوى الأسرة، وعلى مستوى البلد والمدينة، وعلى مستوى الجماعة، والطائفة، وعلى مستوى الدولة، والأمة: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً [الإسراء:12].. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء:9].

    إذاً هداية القرآن جاءت لتهيمن على الحياة، لا ليفتتح البرنامج بالقرآن ويختم به فحسب، ولا من أجل أن نـزين به مكتباتنا، أو نـزين به مساجدنا، ولا من أجل أن نقرأه فحسب -وإن كان ذلك مطلوباً- لكن جاء حتى نتمثل هدايته تميزاً لأمتنا بكل مجالات الحياة يوم أن تفاخر الأمم بأديانها ومذاهبها وكتبها وتراثها، فإن تاريخنا هو هذا القرآن الذي أنـزله الله تعالى رحمة وشفاء وهدى ونوراً وبياناً لنا، فأعرضنا عنه أيما إعراض، واكتفينا بتلاوته إن تلوناه، كما قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: [[نـزل القرآن ليعملوا به فاتخذوا تلاوته عملاً]].

    الإصلاح صعب والخطأ وارد

    نعم. نحن ندري أن الإصلاح يحول دون شهوات الكثيرين من الناس، وأن طريق الإصلاح ليس مفروشاً بالورود والرياحين، بل هو طريق مفروش بالأشواك والمتاعب؛ لكن لماذا تلومون قوماً اختاروا هذا الطريق ورأوا أن يسلكوه، وسألوا الله تعالى أن يثبتهم عليه حتى النهاية، وهم يحرصون على الاعتدال قدر المستطاع، ومراعاة الحكمة والقول الحسن بقدر ما يملكون، ولا يعصمون أنفسهم، ولا يبرئون أنفسهم من أن يكونوا كغيرهم عرضة للاجتهاد الذي يخطئ ويصيب في قول أو فعل، ورحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا، بل حتى العدو إذا أهدى عيباً فيجب أن نفرح به وكما قيل:

    عداتي لهم فضل عليّ ومنة      فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

    هم بحثوا عن سوءتي فاجتنبتها     وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

    وأقول: إن مهمة الإصلاح ليست وقفاً على الدعاة الشرعيين! بل يجب أن يكون الإصلاح شأننا جميعاً: أساتذة الجامعات.. المختصون سواءً أكانوا اقتصاديين، أم تربويين، أم في مجال الفيزياء، أم في مجال الكيمياء، أم في مجال الطب، أم في مجال الهندسة، أم في مجال التصنيع، أم في أي جانب من جوانب الحياة، إعلاميين أو تعليميين أو معلمين أو غير ذلك، يجب أن ندري أن الإصلاح مهمة الجميع ومسئولية الجميع، ومجالات الحياة المتنوعة وميدانها الفسيح يتطلب كوادر ضخمة من أبناء الأمة المخلصين، الذين يملكون التصور السليم لسبل الإصلاح، ويملكون العزيمة والإرادة القوية لتنفيذ هذا التصور بقدر المستطاع وبقدر ما تسمح به الظروف.

    أيها الإخوة: ليس عندنا سر ولا أمر خفي، بل كل ما لدينا قلناه في الأشرطة وتحدثنا فيه على الملأ علانية، وهذا هو سبب ما قد نجده ونلقاه من مضايقات؛ لأننا قلنا ما نعتقد.

    نعم. حاولنا أن نتلطف في الأسلوب، ونهذب العبارة، ولا نهجم على الموضوع بشكل مباشر وفق اجتهادنا الخاص؛ لكننا قلنا كثيراً مما نحب أن نقول، ومما نعتقد أنه يجب أن يقال، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.

    انفتاح العالم ثقافياً ونحن أولى

    أيها الإخوة: إنني أتعجب من حالنا وحال الناس في هذا الزمان، العالم اليوم كله مفتوح ثقافياً، والحادثة تجري في الشرق فتسمع في الغرب، يعطس الرجل في واشنطن فيشمته آخر في موسكو، فالعالم قرية واحدة -كما يقال.

    الاتصال: أصبح هناك ثورة في الاتصالات، فلماذا -والعالم مفتوح ثقافياً- نقف نحن في مكاننا، وكأننا لم نستفد من حركة التاريخ ومن التغيرات الجذرية والجوهرية التي وقعت في العالم كله، لقد انتهى عالم بأكمله في امبراطورية الاتحاد السوفيتي البائدة، كان يقوم على الكبت والإرهاب وحكم الـkgb ، وعلى إلغاء الدساتير، وتعطيل جميع الأمور باعتبار أن الحزب الواحد تتلخص فيه الحياة كلها.

    لقد انتهى ذلك العالم ومضى إلى غير رجعة، ودول العالم كلها اليوم أصبحت تتفاخر في كسب رضا شعوبها، وكسب قناعتهم، وأنها تحقق لهم مطالبهم وتحادثهم بشكل واضح وصريح، ويرى هؤلاء أن من حق الأمة عليهم أن تتحدث عن بياناتهم حتى إنني أقرأ هذا اليوم في الجريدة خبراً أن رئيس فرنسا صحته تتدهور وحتى الآن لم يصدر تقريراً ومن المتوقع أن يصدر تقريراً في تاريخ كذا وكذا، فهذا تقريراً للأمة عن قضية صحة الرئيس للأمة، وهي قضية شخصية وإن كان لها أبعاد، يرون أنفسهم ملزمين أن يصدروا تقريراً له، قدر لا بأس به من المصداقية للأمة، وأن لا تحجب الحقائق عنهم بحال من الأحوال، فضلاً عن الانفتاح الذي نشهده قريباً وبعيداً منا، فلماذا نظل نحن وكأننا ضد حركة التاريخ وضد طبائع الأشياء؟

    لماذا نجعل الحياة أسراراً غامضة لا يفهمها الناس مع أنها في الواقع أمور بسيطة ويسيرة؟

    نعم. قد يكون هناك أمور خاصة لا يفهمها كل أحد، وهذا شيء طبيعي، حتى في مجال العلوم الشرعية؛ لكن لا يمنع أن نبسط ونسهل بعض العلوم ليفهمها عامة الناس، فلا بد من تعليم الأمة الأحكام الضرورية التي لا بد أن تفهمها، وقل مثل ذلك في جوانب الحياة الأخرى.

    فاليوم التعليم نفسه قد يعطي الطالب مبادئ عامة، حتى لو كان طالباً متخصصاً قد يعطى مبادئ عامة في كل العلوم الأخرى باعتبار أن هذا قدر لا بد منه، فلماذا لا نعتبر حتى في الأمور العملية والواقعية، وأوضاعنا المالية، وعلاقاتنا وخصوصياتنا وأمورنا وحاضرنا، ومستقبلنا، والتحديات التي تواجهنا؟ لماذا هذه الأشياء لا تسهل وتبسط ليكون للناس قدر منها ليفهموه، فيستطيعوا أن يتجاوبوا معه، ويشاركوا فيه، ويدركوا أن قضاياهم مطروحة، وبشكل واضح؟

    1.   

    ماذا نريد وبماذا اتهمنا؟

    هذا سؤال لابد أنه سيطرح، وسيتساءل عنه الكثيرون، فأقول لكل من يسأل:

    والله الذي لا إله غيره، إنني لا أعلم تهمة إلا أننا نتحدث وفق القناعات الشرعية المتكونة لدينا بالصورة التي لا بد أن أكثر أو كل من سمع هذا الشريط ربما سمع شيئاً منها قل أو كثر.. نتحدث في توجيه الأمة، وقضاياها، ونحاول أن نكون مدافعين بقدر ما نستطيع، نعم. أصواتنا ضعيفة، وكلماتنا قليلة، لكن نحاول أن نكون مدافعين عن بعض حقوق الأمة، ونحاول أن نصحح ما يمكن تصحيحه، وأن ندافع عقاب الله وعذابه الذي لا بد أن ينـزل بهذه الأمة إذا لم تستدرك نفسها وتصحح أوضاعها، لأن هذا هو الناموس، والسنة الإلهية.

    والعذاب الإلهي ليس شرطاً أن يكون ناراً تنـزل من السماء، أو بركاناً يخرج من الأرض، بل قد يكون أزمة اقتصادية تخنقنا، وأنتم تسمعون التقارير في الشرق والغرب الآن عن الأوضاع المتردية لـدول الخليج واقتصادها، وربما يتضرر الصغار قبل الكبار.

    قد يكون العذاب الإلهي أن يلبسنا الله شيعاً ويذيق بعضنا بأس بعض، فيسلط بعضنا على بعض، فنعود كما كنا أمماً وشعوباً وأحزاباً بدلاً من أن تتعارف وتتآلف وتتآخى في إخاء الدين والإيمان والإسلام؛ وتتحول إلى أمم يحارب بعضها بعضاً، ويبغض بعضها بعضاً.

    وقد يكون العقاب الإلهي شيئاً آخر لا يخطر في بالنا الآن ولا نتصوره، لكن قد يسلط الله علينا عدواً من سوى أنفسنا يأخذ بعض ما في أيدينا -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- إذا وقعت المنكرات والمعاصي ولم يوجد من ينكرها أو يغيرها.

    إن المنكرات المعلنة لا بد أن تنكر بصوت جهوري علناً؛ حتى يعلم الناس أن الدين لا يرضى ذلك ولا يقره، وأن أهل الدين لا يتحملون مسئولية هذه الأشياء، ولا يتحملون مسئولية الظلم الذين يقع -مثلاً- أياً كان مصدره أو أياً كان موقعه، ولا يتحملون مسئولية مصادرة حقوقهم الخاصة، ومسئولية الحيلولة بينهم وبين مالهم من الفرص والوظائف والأعمال والحقوق، فلابد أن يكون الإنكار علانية في هذه الأمور المعروفة المشهورة التي لا تخفى على أحد كائناً من كان.

    ولذلك لما استدعينا إلى وزارة الداخلية قبل سنة، أنا وفضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي وكتبنا خطاباً للشيخ عبد العزيز بن باز، لم يكن هناك من أمر يوجه إلينا، إلا أننا تكلمنا مرة عن الربا وأنكرناه، وتكلمنا مرة عن السلام مع اليهود واستنكرناه، وتكلمنا مرة عن بعض المظالم الاجتماعية الموجودة وأنكرناها، ومرة عن تسلط بعض الأجهزة على الناس وأنكرناها، وعن حقوق المسلمين وما لهم، وأنه لا يجوز ترويعهم ولا أذيتهم، وما أشبه ذلك من الأمور التي جاء بها الدين ولا ينكرها أحد من العقلاء، هذا هو ما اتهمنا به.

    1.   

    أصحاب التشويشات

    يبقى أن هناك من قد يكون لهم تهويشات أو تشويشات لأنني أعتقد أن هناك من سيقولها، ولا أرى مانعاً أن أشير إليها، فإن هناك من يريد أن تظل الأمة في صمت تام، فإذا تكلم أحد قال: هذا يريد سلطة، أو يريد منصباً، أو حكماً، وليس هذا أمراً جديداً: أتواصوا به فهذا أمراً قديم: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت:43] ففرعون قال مثل هذا لموسى: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ [يونس:78] وقريش قالت هذا للرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6].

    إذاً كل داعٍ من السهل أن يتهم، والتهم جاهزة معلبة، فهذا يُتهم وأنا أتُهم والثاني والثالث، والأمر طريق مفتوح، ليس هناك رقيب على أفواه الناس، وفي مثل هذا المجال الأمر واسع، ولكن يبقى السؤال: إذا كان هؤلاء يقولون شيئاً فليعلنوه للناس، أعندهم أدلة أو وثائق؟ أعندهم شيء يدل على أن لنا من ذلك أكثر من دعوة الإصلاح؟ وأكثر من محاولة تعديل العوج الذي يشتد ويتفاقم في الأمة؟ إذا كان شيء من ذلك فنحن نطلب أن يبين للأمة ليعرفه الخاص والعام، ويكون الناس على بصيرة من أمرهم.

    أيها الإخوة: ليعلم الجميع ممن يستمع إلى هذه الكلمة أننا -أستغفر الله ثم أستميح إخواني من دعاة الإسلام عذراً إذا تكلمت بلسانهم في هذه الفقرة- أننا معاشر دعاة الإسلام، دعاة أمن وسلام، الأمن فالسلام والخير والرفاهية التي يتبحبح فيها المسلمون لنا فيها سند، ومتى وجدت فنحن بعض المستفيدين منها، فلا يسرنا أبداً أن تتحول بلاد المسلمين كلها ولا هذه البلاد إلى بلاد فتن وحروب، ولا أن يختل فيها الأمن، ولا أن تزول وحدتها، بل نحن دعاة أمن ووحدة واستقرار وسلام ولا يحق لأحد مهما كان أن يدَّعي أنه أحرص على الأمن والوحدة والسلام من دعاة الإصلاح، نعم قد يختلف الأسلوب، فنحن من أسلوبنا وطريقتنا وعقيدتنا أنه من أجل المحافظة على أي نعمة أو خير حبانا الله به، ومن أجل طلب المزيد، ومن أجل مدافعة عقاب الله؛ يجب أن نكون جميعاً أيدياً تغسل هذا المجتمع، وتصحح أوضاعه، وتستدرك عليه أولاً بأول، تنكر المنكر في وقته ولو أدَّى الأمر إلى بعض الضغوط، والاستمرار والإصرار والصبر والمصابرة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وحتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

    نعم، نعتقد أن هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره لحفظ أمن هذه البلاد وحفظ استقرارها ووحدتها، أليس الجميع مؤمنين بالقرآن يرتضونه حكماً بينهم؟! إذاً فلنسمع: يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62-63] فنصت الآية على أن الله تعالى هو الذي ألف بين المؤمنين بالإيمان، والرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يقال له: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63] فنقول لكل إنسان، ولكل تاجر أو ثري، ولكل عالم وحاكم، كما قال الله لرسوله: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63] إنما تؤلف قلوب الناس بالعدل، والإيمان، وتؤلف قلوب الناس بالصدق، حفظ حقوقهم، مشاورتهم، وتؤلف قلوب الناس بالصبر عليهم وحسن التعامل معهم.

    الأمن والاقتصاد

    مطلب آخر: قضية الأمن، الأمن مطلب شرعي واجتماعي لكل الأمم الشعوب، بل الإنسان مفطور على طلب الأمن، بل حتى الحيوان، والله تعالى يقول: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4].

    إذاً الأمن من الخوف إنما يكون بالإيمان، ولهذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الراكب يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، وذلك إذا استقر أمر الدين، وأطاع الناس شريعة الله تعالى وانصاعوا لها.

    والاستقرار الاقتصادي، والبحبوحة الاقتصادية، وثراء المال لا يأتي من النفط فحسب أو من الثروات المادية فحسب وإن كانت هي المصادر المباشرة، لكن إذا لم نتصور الإيمان، والنـزاهة، والعدالة، فقد يتحول المال أو تتحول الثروات إلى باب للمنافسة وللأحقاد، وباب للتباغض التباعد، ولهذا قال الله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ [قريش:3-4] والله الذي لا إله غيره إنه لا استقرار لهذه البلاد، ولا وحدة لها، ولا سلامة لها من عقاب الله تعالى ومن عذابه ولا لأي بلد إسلامي إلا بالانصياع لشريعة الله والرجوع إلى الكتاب والسنة، والله تعالى يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] وكل من لا ينصاع لأمر الله والرسول ولحكم الشريعة فليس بمسلم، وكل المسلمين يقولون على الأقل بألسنتهم أنهم يقبلون حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] فلماذا لا نرد إلى القرآن؟!

    لماذا لا نرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى كلام أهل العلم المعتمد في كل ما شجر بيننا من القضايا؟!

    لماذا نجعل القضية ظنوناً واتهاماتٍ ورمياً بالغيب من مكان بعيد؟!

    ألسنا أمة واحدة؟! ألسنا نعلم اليوم أن الأيدي تمد لليهود للسلام معهم، وأصبح من لا يؤيد قضية السلام متطرفاً أصولياً يجب محاربته عند الكثيرين؟! أليست الأيدي تمد للشيوعيين؟ أليست الأيدي تمد للنصارى؟ أليست الأيدي تمد إلى العلمانيين؟! أليست الأيدي تمد إلى كل فئات الدنيا؟! ويرى أن من الأصلح والأنسب أن يكون هناك نوع من الحوار والانسجام، فلماذا نحاور أنفسنا أولاً؟! لماذا لا نتحدث مع أنفسنا أولاً قبل أن نتحدث مع غيرنا؟ إنه لا معنى أن نحادث البعيدين في حين أن المجتمع لم يستطع أن يحادث نفسه بشكل صحيح، ولا أن يرد إلى الله وإلى الرسول كما هو مقتضى عقيدته ومقتضى إيمانه، ومقتضى شريعته التي يتمدح بها صباح مساء.

    فوائد السجن ومسئولية كل فرد

    أما السجن فلا يعنيني في قريب أو بعيد، فأمره سهل وأتذكر قول الله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] يشعر الإنسان كأنه يزور بلداً لأول مرة، وبلد تزوره لأول مرة فيه العجائب والغرائب والمفاجآت، والأمور التي تستفيد منها وتضيفها إلى معلوماتك، فتجدد إيمانك وعقلك، ويقينك، فرصة أن تهرب من زحام الناس وكثرتهم وحطمتهم وأسئلتهم، أن تهرب وقتاً اضطرارياً تخلو فيه بنفسك، ثم تخلو بربك، وتجرب نفسك، وصبرك وعبادتك، وإيمانك وقربك من الله وصدقك، وقدرتك على تحمل تبعة ما تدَّعيه أو تقوله من إصلاح أو تغيير في أحوال الناس، فهو جزء من الطريق، بل له فوائد كثيرة جداً، فهو ضريبة الحق، والسنن الجارية على من كان قبلنا، وهو الطريق إلى تصحيح الأوضاع ولا شك في ذلك، بل إنني أطمع وأرجو أن يكون ذلك تفجيراً للطاقات الكامنة في الأمة، لأننا نحتاج إلى أعداد غفيرة من الدعاة والمصلحين والمجاهدين في هذا السبيل، من الذين يصبرون ويصابرون ويرابطون ويراقبون الله لعلهم يظفرون بالفلاح في الدنيا وفي الآخرة.

    الأمة تحتاج إلى أعداد كبيرة، ونريد أن تخرج هذه المواهب، وأولئك الرجال، وأن يقوموا بدعوتهم ويصححوا أوضاعهم، ويجتهدوا في الإصلاح بقدر ما يستطيعون.

    فالقضية ليست قضية شخص بعينه فلان أو علان.. عالم أو داعية أو مسئول، بل القضية قضية الأمة بكاملها.

    فيا رجال الأمة! يا دعاة الأمة! يا شباب الأمة! يا خبراء الأمة! أياً كنتم وأياً كانت مستوياتكم، كلكم جميعاً مطالبون أن تكونوا دعاة إصلاح، ودعاة تغيير نحو الأفضل، وتصحيح لكل فاسد، واحتساب على جميع ألوان المخالفات الشرعية، سواء أكانت مخالفات تتعلق بعلاقة الناس مع ربهم، أم علاقة بعضهم ببعض حكاماً أم محكومين، كباراً أم صغاراً، رجالاً أم نساء.

    يجب أن تتفجر طاقات الأمة ومواهبها، وينبغي أن يخرج للأمة رجالها، فالله تعالى لم يجعل دينه رهناً لأحد، حتى شخص محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144] أما من دونه من الناس حتى لو كانوا علماء أو كباراً، فالأمر لا يتعلق بهم، أما أمثالنا فضعفاء لا نقدم ولا نؤخر لكنها كلمة استدعاها المقام، فهذا الحدث وقبله أحداث كثيرة وبعده؛ تؤكد المعنى الذي لا زلنا ندندن حوله منذ سنوات وهو أن مهمة الإصلاح ينبغي أن لا تكون مرهونة بأفراد يذهبون أو يجيئون.. يثبتون أولا يثبتون.. يصبرون أو لا يصبرون.. يحيون أو يموتون.. يخطئون أو يصيبون، بل مهمة الإصلاح ينبغي أن تكون الأمة كلها قيّمة عليها، حتى هذا المصلح إذا أخطأ يحب أن تعترض عليه الأمة وتصحح له خطأه، فلا أحد عندنا معصوم، ولا أحد مقدم من البشر خلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى، أما الأمة فلا ينبغي أن ترهن نفسها في شخص بعينه، والأمة -والحمد لله- موجودة وحية، ولهذا ينبغي أن تمارس مهماتها وأدوارها وأعمالها وصلاحياتها دون أن ترهن نفسها لرأي فلان أو علان، أو لقول زيد أو عبيد من الناس، فهو يعبر عن رأيه وقد يكون خطأ أو صواباً، مجتهداً أو غير مجتهد، لكن ليست الأمة ملزمة بهذه الآراء، كل إنسان ينبغي أن يجتهد ويسعى في الإصلاح، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله تعالى بقدر ما يستطيع، وهو مسئول بحسب إمكانيته واجتهاده، وبحسب ما أراه الله تعالى.

    نعم. كم في السجن من نِعَمْ، ومن مواهب، وكم فيه من بركات وخيرات -نسأل الله تعالى بحوله وقوته وقدرته وعظمته وجلاله وكرمه أن لا يحرمنا منها-.

    نعم. ليست العبرة بكبر المساحة أو صغرها، أو التكييف أو المأكل والمشرب، أو نوع المعاملة، بل العبرة بإفاضة الله الخير عليك، فإن أهل الكهف كانوا في كهفهم، ومع ذلك يقولون: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ [الكهف:16] تصور هذا الكهف الصغير تنتشر فيه رحمة الله تعالى، والنشر يدل على معنى واسع مع أنه في كهف ضيق، لكن بركة الله تعالى لا حد لها، ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء -نسأل الله أن يشملنا بعفوه ورحمته-

    إذاً المسألة مسألة دين ودعوة، واعتقالنا جزء من مشكلة ضخمة هي -أولاً- مشكلة جميع المعتقلين منذ سنين طويلة، فإنه ليس أحد يعتقل بموجب نص صريح يبيح اعتقاله، بل لا أبالغ إن قلت: إن كثيراً من المعتقلين قد يدخل ويخرج وهو لا يدري لماذا دخل ولا لماذا خرج!! أما الناس فمن باب أولى أيضاً ألا يدروا لماذا دخل فلان ولا كيف خرج.

    فهذه قضية يجب أن يكون لها حل، وإن كان الجانب الشخصي فيها -كما ذكرت- لا يعنيني على كل حال، فالأمر أيضاً أوسع من ذلك، والمسألة مسألة دين، ودعوة، وإصلاح المجتمع بكل جوانبه -كما سبق أن تحدثت وأطلت-

    هذه بعض المعالم والأفكار والخواطر التي جالت في ذهني فأحببت أن أفيضها لإخواني، قد ينقصها الترتيب والإعداد، لكنني أحببت أن أبوح بها أمانة أرسلها إلى كل من يريد أن يعرف هذه القضية، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لخير الدنيا والآخرة، وأن يجعل ما كتب لنا خيراً في الدارين إنه على كل شيء قدير.

    ولا يفوتني قبل أن أنهي هذه الكلمة أن أوصي جميع إخواني الذين يستمعون إلى هذا الكلام بالدعاء الصادق المخلص لإخوانهم، وأنا من إخوانهم أيضاً، فأوصيهم بالدعاء لشخصي الضعيف، ولكل إخوانهم في الله تعالى في مشارق الأرض ومغاربها.

    1.   

    قصيدة الحامد ( منعوا الكلام )

    وقبل أن أترك المجال أحب أن أشرك الإخوة معي في هذه القصيدة التي قالها الدكتور عبد الله بن حامد الحامد، بعد سجنه؛ لأنها تعبر عن جانب من المعنى الذي أريده، عنوانها:

    (منعوا الكلام)

    منعوا الكتابة والكلام           فاصمت وقل للصمت عاش

    إن اللسان إذا سعى           في النار يشوى كالفراش

    فاجعل لسانك أرنباً           متدثراً جوف الخياش

    فالرأي صار رذيلة                تخفى وتلقى في القشاش

    إن الكلام جريمة      ياويل مرتكب النقاش

    فإذا تنفس شاعر          كالقدر فوق النار جاش

    وإذا تجرأ عالم     أو كاتب قطعوا المعاش

    ورموه في سجن البلا      وكأنه بعض الخشاش

    ما بين إبرة عقرب          أو حية ذات انتهاش

    لبس القيود أساوراً      وخلاخلاً يا للرياش

    من دون حكم محاكمٍ      هل ينتف الطير المراش

    لو أن محكمة جرت     علناً قضت ألا يناش

    السجن للعلماء أم      للمجرمين به افتراش

    الموت حل بأمتي      كبِّر وقل للموت عاش

    من سوف يوقظ أمة      تبني على الريح العشاش؟

    قد خدرت إحساسها      تدهى فلا تبدي اندهاش

    ضاعت إذا علماؤها     ملئوا الزنازن كالكباش

    أفلا كلامٌ ثاقبٌ      لمثقفٍ لله خاش

    ليس المعافى أطرشاً      خبز العلوم له معاش

    أو منكراً في قلبه           قد كح في جيب القماش

    بلسانه أقفاله شدت     وبعينه والأذن شاش

    إن المعافى سالمٌ      في يوم غاشيةٍ وغاش

    فالعلم ليس سلالماً      للرزق أو لبس الرياش

    فالعلم ليس كُتيّباً      يزهو بمتن أو حواش

    العلم تضحية إذا      شغل المداهن بالمعاش

    من يبغ نصحاً للورى     بسط على الحسك الفراش

    يا من يروم نمونا            لسنا قطيعاً من مواش

    تنموا بنفط إن جرى      أو من حبوب في خياش

    إن الهواء نمونا      برئاتنا منه انتعاش

    بصحافة وخطابة           تجلو الطريق لكل ماش

    فاسكب لنا حرية      إنا إلى الشورى عطاش

    من يعطها فهو الذي      للدين والأمجاد حاش

    ما نال قوم عزةً      والرأي فيهم ذو ارتعاش

    قولوا لمن قطع المعاش      الله قد رزق الخشاش

    إن الحياة مبادئ      ما عاش من عبد المعاش

    قولوا لمن قطع المعاش           احذر خديعة كل واش

    قد رام كل مثقفٍ      هدباً بأطراف القماش

    قد ظن كل نصيحةٍ     غشاً به ذو الحقد جاش

    إن الكلام جهادنا      والرأي للشوك انتقاش

    وكلامنا رأي بدا      لا بالشقاق ولا الهراش

    فإذا بدا لك صائباً      فاكسبه فهو لكم رياش

    وإذا بدا لك مخطئاً      عالجه في مشفى النقاش

    فالرأي يَعْنُفُ في الدجى     والنور للعنف انكماش

    عذراً إذا صف الهوى     قد لامس الجرح الـمُعاش

    أنا لن أقول قصيدة           أرجو بها وصل المعاش

    لكن أروم نصيحةً     للطيبين بها انتعاش<

    1.   

    الخاتمة

    وختاماً أحب أن أختم بقضيتين مهمتين:

    مصادرة الرأي بسبب القلاقل والقضية قضية أمة

    أولاهما: إننا نجد في بلاد إسلامية كثيرة مشاكل لها أول وليس لها آخر، في مصر، والجزائر، وأفغانستان، وطاجكستان، وفي بلاد إسلامية أخرى قدر من ذلك يقل منها أو يكثر، فيا ترى ما هو الأمر الذي أودى بالأمور إلى ذلك الحال الحضيض الذي أصبح عسر العلاج؟!

    إننا لا نشك أن البداية كانت مصادرة الرأي، نعم. حصلت أخطاء بلا شك، وأخطاء متبادلة، ولا شك أن الأصل ينبغي أن يلام، ولا يجوز أن نلوم الصورة فقط، قد تجد تعجلاً هنا، وقد تقول طيشاً هناك، وقد تقول شباب ولم يدرس لم يتعلم، لكن يجب أن تعلم أن أي مجتمع لا يرسي دعائمه على العدل، وعلى حرية الكلمة المضبوطة بضابط الشرع، وعلى الإنصاف والصدق، والصراحة، أنه معرض لهزات عنيفة!!

    وهاهنا أقول: لا يجوز لأحد ما يقع في بلد أو آخر، ليقول: إن هؤلاء يريدون أن يجروا البلاد إلى مثل ما هو موجود هنا أو هناك، كلا. فنحن نخشى على البلاد من ذلك المصير، ونعلم أنه إذا لم تتدارك الأمور فإن عقاب الله نازل، قد ينـزل عقاب الله تعالى بأيدي أعدائنا، وقد يكون بأيدي أصدقائنا، فإن الأمور إذا خرجت عن نطاق السيطرة يصبح إعادتها إلى ما كانت عليه حلماً بعيد المنال.

    فيجب أن ندرك جميعاً أن هناك قضية هي قضية الأمة، وقد يتصور الكثيرون أن ما نعيشه الآن وضع مستقر وثابت، ولكن يجب أن نعلم أن عقاب الله إذا نـزل قد يفاجئ الكثيرين أيضاً، فعلينا أن ندرك أنه لا ضمان لما نعيشه إلا بدعوة الإصلاح الجهورية التي تعطي للإنسان حقه، وتحفظ للمرء المسلم كرامته، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتراعي المتغيرات الكثيرة المحلية والدولية، وبغير ذلك فإننا نخشى أن نعود كما كنا أمماً وشعوباً وأحزاباً وقبائل يحارب بعضها بعضاً ويقاتل بعضها بعضاً.

    ووالله إن الإنسان ليخشى أشد الخشية على هذا البلد من المصير الذي آلت إليه الأمور في بلاد أخرى كثيرة

    وكم مرة أتبعتكم بنصيحتي     وقد يستفيد البغضة المتنصح

    هذه كلمتي، والأمر كما قال شعيب عليه السلام: ومَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] إذاً أولنا وآخرنا، وبدؤنا ونهايتنا، ومطلبنا يتلخص في إصلاح أوضاع الناس، أما الدعاة بذاتهم فلا يضيرهم حتى لو نالهم ضر أو أذى أو حرموا فهذا الأمر سهل ويسير، بل إنهم لا يجدون حرجاً في أن يتنازلوا عن كل هذه الأمور الجانبية والشخصية، أنفسنا وأعمارنا وأموالنا وكل ما نملك فداء لدين الله، فداء لدعوة الإصلاح.

    الإصلاح عام لكل بلد إسلامي

    القضية الثانية: أن مهمة الإصلاح التي نستهدفها ويجب أن يستهدفها جميع المخلصين، ليست مقصورة على بلد بعينه ولا على مجال بخصوصه، بل ينبغي أن نستهدف العمل على إصلاح الأمة في كل مكان بقدر المستطاع، سواء في الجوانب العلمية، أو في الجوانب العملية.

    هذه المهمة ينبغي أن ينتدب لها أقوام من بيننا نذروا أنفسهم لهذه المهمة وصبروا عليها، ونحن نعتقد أن جزءً من مسئوليتنا يتمثل في مخاطبة الأمة كلها، بقضاياها العامة، والوقوف مع المسلمين في ملماتهم ومصائبهم ونكباتهم، وتعريف إخوانهم المسلمين بقضاياهم، والعمل على إحياء معاني الأخوة الدينية بين المسلمين، وإزالة جميع المظاهر السيئة من حياتهم أو تفكيرهم.

    هذا هدف عام، وهو يتطلب حضوراً علمياً حقيقياً في نوادي المسلمين وأماكنهم وتجمعاتهم وعقولهم بقدر المستطاع، وبقدر ما تسمح به الآلة الإعلامية التي يملكها دعاة الإسلام اليوم.

    نحن نعيش مع إخواننا المسلمين في الصومال أو البوسنة أو طاجكستان أو مصر أو بلاد الشاموفلسطين وغيرها كأننا معهم لحظة لحظة، وساعة ساعة، ونعتبر أن هذا جزء من مسئوليتنا، وأنه خيانة للأخوة الدينية أن نتخلى عنهم أو نتركهم ونسلمهم لعدوهم، أو نهمل شئونهم وقضاياهم، وإذا لم نستطع أن نمد لهم يد العون، فلا أقل من أن نلقي الضوء على قضيتهم، أو نتحدث عنهم ولو بكلمة طيبة تداوي جراحهم، وتهدئ مشاعرهم، وتشعرهم بأن هناك من إخوانهم المسلمين من على الأقل يسمع صياحهم ويتأثر بذلك، ويحزن لهم، ويعبر عن شعوره تجاه قضاياهم وأزماتهم ومشكلاتهم.

    وبحمد الله تعالى تحقق من ذلك شيء كثير، ونحمد الله عليه، ونسأله المزيد من فضله، كما أسأل الله تعالى أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه دعاة الإسلام من أن يزوروا إخوانهم ويجلسوا بين أظهرهم، ويحادثوهم ويتعرفوا على مشكلاتهم عن كثب فيساعدوهم في حلها مساعدة مباشرة حتى تتحقق الأخوة الدينية الشرعية بين المسلمين في كل مكان، كما قال الله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ [التوبة:71] نسأل الله تعالى أن يجعلنا من هؤلاء.

    إذاً ليست قضيتنا محلية أو خاصة، أو إقليمية، بل قضيتنا هي قضية كل مسلم في الصين أو السند أو الهند أو كشمير أو في بنجلادش أو الأكراد أو العراق أو تركيا أو الجزائر أو تونس أو مصر أو فلسطين أو بلاد الشام أو بلاد أفغانستان أو طاجكستان أو قضية المسلمين في أوروبا أو أمريكا أو في روسيا أو في أي مكان من الأرض، فمفهوم الوطن عندنا شمل واتسع:

    ولست أدري سوى الإسلام لي وطناً      الشام فيه ووادي النيل سيانِ

    وحيث ما ذكر اسم الله في بلد     عددت ذاك الحمى من صلب أوطانِ

    فقضيتنا قضية الإسلام والمسلمين في كل مكان، وينبغي أن تزول فكرة الحواجز والحدود والسدود والموانع التي جعلت المسلم لا ينتصر لأخيه أو لا يسمع صوته، أو لا يستجيب ولا يتجاوب معه، أو لا ينصره ظالماً أو مظلوماً كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فقضيتنا كبيرة، وهذا الأمر الذي قد يدار أحياناً هو شيء يسير بالنسبة لما نتعاطاه، ولما ننظر إليه، فنحن ننظر للخريطة الإسلامية، بشكلها الشامل فنشعر بأن الأمر يتطلب إنقاذاً مباشراً.

    هناك حرائق تشب في كل مكان تتطلب إطفاءً، وينبغي أن يتصدى لها ولو نفر قليل بقدر الإمكان، وإن كنا نعرف أن هذه الأمور قد تكون أكبر مني ومنك، ولكن مع ذلك يبارك الله في الجهد اليسير، والله تعالى لا يكلفنا إلا ما نستطيعه، فقضيتنا ليست قضية دولة أو بلد أو وطن أو منطقة، مع أن هذا البلد من لب بلاد المسلمين، وهو بلد تشرئب إليه أعناق المسلمين في كل مكان ويتطلعون إليه، ولعل من هذا المنطلق ما يحظى به صوت الدعوة من تقبل واستجابة من المسلمين في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين ومن غيرها، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يأذن بتوحيد كلمة المسلمين على الحق وأن يزول ما بينهم من تباعد أو تطاحن أو تباغض، ويعودوا كما أمرهم الله تعالى أمة واحدة، متعاونة على البر والتقوى، ما يصيب قريبها يصيب بعيدها، والألم الذي ينـزل بمسلم عادي في أي بلد يشعر به أخوه المسلم مهما شطت به الديار ونأى به المزار، لا تحول المسافات المكانية ولا الزمانية دون إحساسه بآلام إخوانه المسلمين ونصره لهم، إن كان نصراً في الكلمة، أو في الوقوف معهم، أو بتبني قضيتهم، أو بالدفاع عن مشروعه، أو بأي أمر يحتاجه هو، ونستطيع نحن أن نؤديه عنه، فقضيتنا هي قضية كل مسلم على ظهر الأرض.

    هذا، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يذل الشرك والمشركين وأن يدمر أعداء الدين، وأن ينصر من يعلم أنه على الحق ويثبته ويهديه، ويكتب له القبول، وأن يهدي من يعلَم عنه خلاف ذلك إلى الحق، ويرده إليه رداً جميلاً، وأن يقصم كل من يعلَم منه العناد والإصرار والمحاربة لدينه وشريعته ونبيه عليه الصلاة والسلام، وأن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وإلى لقاء إن شاء الله قريب غير بعيد.