إسلام ويب

حقوق الإنسان في الإسلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قامت حركات شعبية كبيرة في العصور الأخيرة تسعى إلى فرض اتفاقيات ومواثيق تنظم الحقوق الفردية والشعبية، وهي ما اصْطُلِح على تسميتها فيما بعد (حقوق الإنسان) عقب الحرب العالمية الثانية؛ حين أعلن في الأمم المتحدة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان سنة (1945م) . ورغم الدعاوى العريضة عن حقوق الإنسان في الغرب إلا أن الواقع الملموس في بلادهم أنها خاصة بهم دون سائر الناس، ومنهم المسلمون؛ الذين حباهم الله عز وجل بأشمل وأكمل منهج لحقوق الإنسان منذ أكثر من ألف عام، وذلك رغم التطبيقات المشوهة لهذا النظام في واقع المسلمين اليوم، والذي ينبغي اتخاذ عدة أساليب لتطويره.

    1.   

    أسباب الحديث عن موضوع حقوق الإنسان

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4].

    أما بعــد:

    فيا حيَّ الله هذه الوجوه الطاهرة النيرة المشرقة، حضرت إلى بيت من بيوت الله تعالى، ومجلس لعله أن يكون من مجالس الذكر، يذكر فيه الله تعالى فيسبح، أو يذكر فيه رسوله صلى الله عليه وسلم فيصلى عليه ويسلم، فيا حياكم الله ثم حياكم يا أهل الإيمان والنخوة والنجدة والمروءة والحمية، وكثركم وكثر في المسلمين من أمثالكم.

    ثم أما بعد أيضاً:

    فقد جمد أخي الذي قدمني جمد الريق في فمي وحلقي بهول العبارات التي سمعت منه، وغفر الله لي ولكم وله.

    إنني بقدر ما أقدر هذه المشاعر الفياضة وهذا الحب الكبير الذي تحملونه في الله إن شاء الله، بقدر ذلك لا أملك إلا أن أبين عن الإحراج الذي ينتابني وأنا بين أيديكم أسمع مثل هذا الإطراء وهذا الثناء، فأستغفر لي ولأخي ولكم جميعاً وأقول كما قال الصديق: [[اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون]].

    ثم أما بعد:

    فموضوع حديثي إليكم الليلة عن الإسلام وحقوق الإنسان، في هذا الجامع المبارك، جامع الشيخ فيصل المبارك رحمه الله بمدينة سكاكا بمنطقة الجوف، وثمة أربعة أسباب وراء هذا الحديث:

    قدم مسألة حقوق الإنسان

    أولها: أن مسألة حقوق الإنسان مسألة قديمة ترجع إلى أقدم العصور، فليس البحث فيها بحثاً جديداً وليد اليوم أو وليد هذا العصر، فقد جاءت الرسالات السماوية كلها من لدن آدم عليه السلام وإلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم لتكرس حقوق الإنسان وتبين فضيلته، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، واستخلفه على هذه الدنيا.

    أما فقهاء القوانين الوضعية فلعلهم لم يعرفوا الاهتمام الحقيقي بهذا الموضوع إلا في أواخر العصور الوسطى، عصور التخلف والانحطاط في أوروبا، حين وصل استبداد الحكام وسيطرتهم ووصل بأمراء الإقطاع إلى الغاية، وفقدت -تلك الشعوب الأوروبية الكافرة- معظم ما يجب أن يتمتع به الإنسان من حقوق؛ وبذلك اندفعت إلى إعلان الثورة على حكامها من الكنسيين والطغاة الماديين، وأطاحت بهم، وسيطرت على مقاليد البلاد، ثم كان من جراء ذلك إصدار ما يسمى بإعلانات حقوق الإنسان، هذه الإعلانات: التي تضمنت بعض ما يجب للإنسان، كالإعلان الفرنسي الشهير الذي لم يكن صدر إلا بعد الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وكان آخر تلك الإعلانات الإعلان العالمي الشهير: (بإعلان حقوق الإنسان) الذي صدر من الأمم المتحدة في أواسط القرن العشرين، عام خمسة وأربعين وتسعمائة وألف، وكان ذلك في أعقاب حرب عالمية دامية ذهبت بالأخضر واليابس، وذهبت فيها آلاف بل مئات الآلاف من الأرواح والضحايا.

    إن حقوق الإنسان التي هي موضوع حديثنا اليوم، كلمة طالما تغنى بها الشعراء، وتكلم عنها الأدباء، وبحث فيها الفلاسفة، وتكلم عنها المصلحون وعلماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد وغيرهم، فهي بيت القصيد لكثير من البحوث والأحاديث؛ فلا غرابة إذاً أن نعقد هذه الجلسة للكلام عن حقوق الإنسان في الإسلام.

    الفهم المخلوط عن حقوق الإنسان في الإسلام

    السبب الثاني: أن هذه الحقوق -حقوق الإنسان- قد أخذت بعداً عالمياً واسعاً عريضاً، فمنذ أن صدر ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ووقعت على هذا الميثاق جميع الدول بلا استثناء، ثم صدرت ملاحق أخرى له تهتم ببيان حقوق الإنسان الاجتماعية أو الاقتصادية أو الإعلامية أو التعليمية أو السياسية أو غيرها، وهي الأخرى حظيت بتأييد غير قليل من دول العالم كلها شرقيها وغربيها.

    فأصبح العالم اليوم يتحدث عن حقوق الإنسان حتى أمريكا، أمريكا التي تعاني بذاتها من التفرقة العنصرية، وأمريكا التي شهدت اضطرابات طويلة عريضة بسبب الاعتداء على حقوق من يسمونهم بالسود، حتى أمريكا تتحدث عن حقوق الإنسان، وتتذرع بهذه الحقوق إلى ما تريد، فهي تتدخل هنا أو هناك بحجة حماية حقوق الإنسان، أو رفع الظلم والاضطهاد عن المظلومين، إذاً أصبحت حقوق الإنسان أحياناً ألعوبة يتذرع بها الأقوياء للسطو على الضعفاء، وأصبحت ذريعة للعالم الغربي لتحقيق مآربه وأهدافه في الهيمنة على بلاد المسلمين -مثلاً- أو ابتزاز خيرات أرضهم نفطاً واقتصاداً، أو السيطرة على مقدرات بلادهم، أو القضاء على خصوم الغرب، كل ذلك يتذرعون إليه باسم حماية حقوق الإنسان والثأر للمظلومين.

    هذا العالم الخاسر الكافر الذي لم يتورع عن أن يدفن ما يزيد عن ثمانين ألف إنسان وهم أحياء -وهو يضحك ويبتسم- اليوم ينادي ويتكلم باسم حقوق الإنسان المظلومة والمهضومة.

    إذا كان الغرب اليوم يتكلم باسم حقوق الإنسان فإنه لا يعرف عن الإسلام إلا ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: مسألة تعدد الزوجات، وأن الإسلام أباح تعدد الزوجات.

    المسألة الثانية: مسألة الرق والاسترقاق.

    المسألة الثالثة: مسألة الجهاد والقتال.

    وبناءً عليه يصور الغرب الإسلام على أنه دين أهدر حقوق الإنسان، فأهدر حقوق المرأة يوم سمح للزوج بأن يأخذ عليها أخرى وثالثة ورابعة، وأهدر حقوق الإنسان يوم رضي أن يكون عبداً رقيقاً يستخدم ويباع ويشترى، وأهدر حقوق الإنسان يوم أذن بقتاله وسفك دمه، هكذا تصور الحضارة الغربية الإسلام، وبناءً عليه كان لابد أن نتكلم عن حقوق الإنسان في الإسلام لنبين أي مستوى من الكرامة رفع الإسلام إليها هذا الإنسان الكريم.

    أنها سبب لحوادث جسمية على مر التاريخ

    أما السبب الثالث فهو: أن هذه الحقوق كانت سبباً لحوادث تاريخية جسيمة، فربما انتهت المطالبة بحقوق الإنسان -أحياناً- إلى انتفاضات سياسية أو اجتماعية، أو ثورات عارمة تأتي على الأخضر واليابس، أو نهضات فكرية أو نصوص تشريعية ودستورية، فضلاً عن مواثيق ومعاهدات دولية.

    وإن الحديث عن هذه الحقوق -حقوق الإنسان في مجتمع ما- يعد ظاهرة صحية للغاية تدل على وعي هذا المجتمع وعلى تماسكه، لقد كانت الكثير من الدكتاتوريات المتسلطة على رقاب الشعوب عبر التاريخ كانت تميل إلى التسلط والفردية والاستبداد والأثرة، وتعتقد أن إعطاء الإنسان حقوقه أو بعض حقوقه أنه يهيئ له الفرصة للتمرد على الحكام ومقاومتهم ومحاولة التخلص منهم، هكذا يظنون! ولكن تجارب التاريخ أثبتت نقيض ذلك تماماً، وأثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن القيود والأغلال التي تكبل بها الشعوب والأمم لا تزيدها إلا رغبة في التحرر والانطلاق، على حين أن تمتع الشعوب بحقوقها المشروعة وحرياتها المشروعة يدفعها دفعاً إلى الاستقرار والتقدم، ويحميها من التمزق والانشطار الذي كثيراً ما يقع بسبب الاعتداء على مصالح الفرد أو مصالح الجماعة من قبل أقلية تحكم وتهيمن وتسيطر.

    زيادة الإهدار لحقوق الإنسان في العصر الحاضر

    أما السبب الرابع لبحث هذا الموضوع فهو: أننا في الوقت الذي امتلأت آذاننا من الحديث عن حقوق الإنسان من الناحية النظرية، إلا أن آذاننا امتلأت -أيضاً- بما يواجهه الإنسان على محك الواقع من الإهدار لكرامته والانتهاك لحقوقه، ولهذا نقول: ربما لم ير الإنسان في تاريخه الطويل كاليوم قط إهداراً لحقوقه وانتهاكاً لكرامته.

    فالإنسان الغربي اليوم لم تعد تفرض عليه الأمور بقوة الحديد والنار كما كان ذلك في الماضي، ولكن أصبحت الأمور تفرض عليه من خلال تأثير الإعلام، فبالأمس إذا أراد الحاكم في بلد غربي أن يحمل الناس على شيء حملهم بقوة الحديد والنار، أما اليوم فإنه يحملهم بقوة الإعلام، فإذا أراد أن ينتخبوا فلاناً -مثلاً- سلط الأجهزة الإعلامية لتلميع هذا الشخص والحديث عن منجزاته، والكلام عن بطولاته، وذكر مآثره حتى تمتلئ نفوس الناس قناعة فيصوتون له بملء اختيارهم وطواعيتهم، فالدكتاتورية هي هي، والاستبداد هو هو، سواء كان حملاً للإنسان بالقسر والقوة، أم كان إقناعاً للإنسان من خلال وسائل الإعلام المسلطة عليه، والتي تقوم معه حيث يقوم، وتقعد معه حيث يقعد.

    أما الإنسان المسلم فعلى رغم أن العالم يعلن باستمرار أنه لا يعترف بالفوارق بين الأديان، إلا أن الإنسان المسلم قطعاً يحظى بمعاملة خاصة ملؤها الإهدار واللامبالاة والاعتداء الصارخ على حقوقه، سواء حقوق الأفراد أم حقوق الشعوب أم حقوق الدول، ولسان حال المسلم المستضعف المسكين يقول:

    لو كنت من مازن لم تستبح إبلي      بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا

    إن الغرب يريد من المسلم فعلاً أن يتخلى عن إسلامه وتميزه بهذا الدين وانتمائه إلى هذه العقيدة، وبراءته من المخالفين له في الدين، ولكن الغرب نفسه لم يقنع الكافر هناك أن يتعامل مع المسلم على قدم الإخاء والمساواة، اللهم إلا بالكلام فحسب.

    غفلة المسلمين عن هذه الحقوق

    وأخيراً: فعلى رغم اهتمام الإسلام بالإنسان وتكريمه ومنحه الكثير من الحقوق بل كل الحقوق التي يستحقها إلا أن أقل الناس إحساساً بهذه الحقوق -بدون مبالغة- هم المسلمون.

    الفرد المسلم لا يشعر بكرامته ولا يسعى إلى نيل حقه، بل لا يعرف أن له حقاً، ويستكثر القليل مما يدفع له أو يمنح، وربما يستكثر حتى مجرد الحديث عن هذا الموضوع، ولست أستغرب ولا أتعجب أن يقول قائل: أي علاقة لطالب علم شرعي أن يتكلم في حقوق الإنسان؟

    وهكذا نجد أننا عملياً خضعنا لمسألة تبعيض الدين وتمزيقه، كما تطالب بذلك العلمانية وتدعو إليه، فأصبح مسموحاً للفقيه أن يتكلم في أحكام الطهارات والعبادات وغيرها، لكن حين ينتقل إلى الحديث عن القضايا العامة الكلية التي تحتاجها الأمة، فإن الكثيرين يفغرون أفواههم ويفتحون عيونهم ويقلبون أيديهم وملؤهم العجب والدهشة!! أي علاقة لهذا أن يتكلم في مثل هذا الموضوع؟!!

    وكأن مثل هذه الموضوعات أصبحت نظرياً وعملياً حكراً على الغرب أو على تلامذة الغرب الذين يتكلمون في ديار الإسلام.

    إن غيبة الوعي عن الدين جعلت الكثير من المسلمين لا يعرفون ماذا لهم من الحقوق في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يطالبوا بها، ولا ماذا عليهم من الواجبات والمسئوليات حتى ينهضوا بها ويتحملوها، وكذلك البعد عن الواقع جعلت الكثير من المسلمين لا يحركون ساكناً.

    رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم      وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلَّو

    إن الكثير من المسلمين قد صودرت حتى إنسانيتهم، حتى شعور الواحد منهم بإنسانيته أصبح قليلاً ضئيلاً ضعيفاً، وأصبح المسلم يسمع -مثلاً- عن حقوق يتمتع بها غيره هنا أو هناك، فيظن أن هذا مما لم يخلق ولم يتأهل ولم يترشح له.

    1.   

    الإسلام وشعارات الحرية

    أعتقد أن الحرية من أكثر الكلمات تداولاً على الألسنة، وهي كلمة بارقة يستخدمها الكثيرون على نطاق واسع، فكل من أراد أن يلفت أنظار الناس نادى بالحرية، وكل من أراد أن يحقق أمانيه أو أهواءه رفع شعار الحرية، ومع ذلك فإن كلمة الحرية هي من أكثر الكلمات غموضاً!

    أما المعنى الشرعي للحرية في الإسلام: فهي ضد الرق، ولا شك أن هذا المعنى غير مقصود الآن، وهو معنى آخر فالإنسان حر بمعنى أنه ليس رقيقاً مستعبداً هذا معنى آخر- وإنما الحرية تستخدم اليوم بمصطلح آخر مخالف لذلك تماماً، فمثلاً: حينما تتحدث مع شخص عن ملاحظة عليه في سلوكه أو أخلاقه، أو ملاحظة على ولده أو على زوجه، قال لك: يا أخي لا تتدخل في حريات الآخرين، دع هذا فمن باب الحرية الشخصية، أصبح الولد أحياناً يرفع شعار الحرية الشخصية ضد أبيه، وأصبح الإنسان المنفلت من القيود يرفع شعار الحرية الشخصية ضد جميع الإجراءات الأخلاقية والأعراف المرعية، ولذلك فلابد من وقفة عند هذه الكلمة البراقة "الحرية".

    تقول بعض التعريفات: الحرية هي: حق الفرد في أن يفعل كل ما لا يضر بالآخرين.

    إذاً: ليس هناك حرية في الدنيا مطلقة قط، لا عند المسلم ولا عند الكافر، ولا في أي قانون في الدنيا، إنما أكثر الناس توسعاً في الحرية -وهم الفرنسيون- يقولون لك: الحرية هي: حق الفرد أن يفعل ما لا يضر بالآخرين.

    إذاً حريتك تنتهي حيث تبدأ حقوق الآخرين وحدودهم، فلك أن تتحرك في حدود ما لا يضر بالآخرين، وهنا لا بد أن نضيف: ولا يضر بنفسه أيضاً، ولا بد أيضاً أن نحدد الضرر بأنه يشمل الضرر الدنيوي، كأن يتعاطى الإنسان أكلاً أو شرباً أو لباساً لا يضر بدينه أو ماله أو صحته أو مكانته، وأيضاً يشمل الضرر الديني، الضرر الأخروي الذي يجعل الإنسان تحت طائلة المساءلة والعقاب أمام الله تعالى يوم الحساب.

    فإذا كانت مسألة ما لا تضر بالإنسان ديناً ولا دنيا، ولا تضر بالآخرين أيضاً ديناً ولا دنيا فهنا يكون نطاق الحرية، ويكون الإنسان مأذوناً أن يتحرك ويعمل هذا الأمر، أمر مأذون له شرعاً فليس إثماً ولا حراماً، لا يضر بدينه وهو أيضاً لا يضر بدنياه، ولو تأملت لوجدت أن الضرر الدنيوي هو أيضاً محرم كما جاء في الحديث: {لا ضرر ولا ضرار}.

    والحرية هي قرين الحق، فهما متلازمان في اصطلاح العديد من الفقهاء، وبذلك يتبين لك أن من المطلوب أن يتنازل الإنسان عن جزء من حقوقه الشخصية في مقابل عدم حرمان الآخرين من حقوقهم، إن هذا التنازل الجزئي منك أنت ليس تنازلاً بلا مقابل، بل أنت تفعل ذلك من أجل ألا تفاجأ يوماً من الأيام بأن الآخرين اعتدوا على حريتك الشخصية، فهذا هو ثمن الحياة الاجتماعية المشتركة بينكم، فالحريات أحياناً تتناقض.

    فهذا صحفي -مثلاً- يصدر جريدة ويكتب فيها ما يقول مما يسيء إلى الدين وإلى الأخلاق وإلى فلان وإلى وإلى، ويقول: من حقي أن أكتب ما أريد، ومالك الجريدة أو الصحيفة يستطيع أن يمنع هذا الصحفي من الكتابة، ويقول له أيضاً: من حقي ألا ينشر في صحيفتي التي أملكها إلا ما أريد، والقارئ من حقه أن يرفض هذه الصحيفة تعاطياً وشراءً وتعاملاً، ويقول: من حقي ألا أشتري ولا أقرأ إلا ما أريد.

    مثل آخر: الطريق (الشارع) هو مرفق عام يشترك فيه الجميع، فهو ملك للمجتمع وليس ملك لشخص بعينه، ومن حق كل إنسان يستفيد منه، لكن هذه الفائدة تتناقض عندما يستخدمها الإنسان بالأصوات المزعجة، أو يستخدمها -مثلاً- بالدعايات التي تضر بالآخرين وتغير عقولهم أو مفاهيمهم أو تسيء إليهم، وهذا سر من أسرار الحكم في الإسلام، فالحاكم في شريعة الله تعالى هو فرد اختاره الناس لكي ينظم لهم كيفية ممارسة الحقوق فيما بينهم بصورة صحيحة، وليس الحاكم وضع من أجل أن يصادر حقوق الناس. فلا بد أن يتنازل الجميع عن قدر من الحقوق والمصالح الذاتية حفاظاً على ذلك العقد الاجتماعي العام.

    فعلى سبيل المثال-أيضاً- من حق الحاكم أن ينظم كيفية الحصول على الطعام -مثلاً- في بيعه أو تعاطيه، أو الشراب، أو السيارات، أو الرخص للسير، أو السفر، أو الشهادة، أو غير ذلك، أو أن يرتب وينظم عملية المرور، أو ينسِق العمل الوظيفي ويضع له شروطاً إلى غير ذلك، لكن إذا تجاوز هذا الأمر حد التنظيم المطلوب للمجتمع إلى التعقيد وافتعال العقبات والصعوبات والمشكلات؛ كان ذلك عبئاً على الإنسان، يفترض أن يتجاوزه ويتعداه، أو أدى هذا إلى امتهان كرامة الإنسان، أو مصادرة رأيه بالضغط والتهديد بحيث يكون الطعام -مثلاً- أو الشراب أو الشهادة أو الوظيفة أو المال أو غيرها لا تحصل للإنسان إلا عن طريق التسول، أن يريق ماء وجه، ويخضع للضغط والتهديد ومصادرة الرأي، فحينئذ تصبح عبئاً ثقيلاً يسعى الإنسان للتخلص منه بقدر المستطاع.

    1.   

    الإنسان في الإسلام

    الله تعالى خلق آدم بيده -كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم- ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ثم جعل ذريته مكرمين، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70] والله تعالى من فوق سبع سماوات يخاطب هذا الإنسان، وهذا أعظم تكريم متصور للإنسان أن الله سبحانه وتعالى الغني القدير الكبير المتعال يتلطف على هذا العبد الفقير الضعيف فيقول له: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6] يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] إذاً الإنسان -والجن أيضاً- هو الكائن الوحيد المكلف المبتلى إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] فهو الذي كلف بمسئولية وقيل له: إذا قمت بهذا الواجب فلك الأجر العظيم، وإذا قصرت به أو تخليت عنه؛ فالويل لك يوم يقوم الناس لرب العالمين.

    حتى صورة الإنسان وشكله متميز؛ كما قال الله تعالى:لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] نعم، ليس الإنسان في خيلاء الطاووس، ولا في قوة الفيل، ولا في خفة الطيور، ولكن يبقى خلق الإنسان خلقاً متميزاً معتدلاً مكتملاً؛ حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري وغيره:{إذا قاتل أحدكم أخاه -أي ضاربه- فليتق الوجه، فإن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على صورته} أي: خلق الإنسان سميعاً بصيراً مكتمل الحواس، وجعل كرامة الإنسان أكثر ما تكون في وجهه، ولهذا كان السجود الذي هو أعظم عبادة هو انحناء الإنسان لربه ووضعه جبهته في التراب لرب الأرباب.

    ولهذا -أيضاً كما في صحيح مسلم- {لما مرت جنازة قام لها الرسول صلى الله عليه وسلم فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي. فقال عليه الصلاة والسلام: إن للموت لفزعاً -وفي رواية- أنه قال: أليست نفساً؟} فقام وأمر بالقيام للجنازة، وكثير من أهل العلم يقولون: إن هذا الحكم باق غير منسوخ، وأنه يستحب للإنسان إذا رأى الجنازة أن يقوم لها.

    إذاً كرم الإسلام الإنسان من حيث هو، ولو نظرت إلى تكريم الإسلام لفئات خاصة من الناس كالعبيد الأرقاء أو الأيتام أو الضعفاء أو المعوقين أو النساء، أو غيرهم، أو الفقراء لوجدت أمراً عجباً، فكيف بتكريم الإنسان العادي؟

    وفي خطبة الوداع التي كانت هي آخر خطبة ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه أرسى -عليه الصلاة والسلام- دعائم الحقوق الإنسانية بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية كلها، لا، بل بصورة لم تسبق ولن تلحق أيضاً:

    {أيها الناس: أتدرون في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في شهر حرام وفي بلد حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يحل مال مسلم إلا بطيب نفس منه، وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هاتين إلى يوم القيامة، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم، واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان -أي أسيرات- لا يملكن شيئاً، وإن لهن عليكم حقاً، ولكم عليهن حقا}.

    فذكر الحقوق صلى الله عليه وسلم، ذكر حرمة الدماء بمنع القتل أو الجرح أو الاعتداء، وذكر حرمة الأموال بمنع أخذها أو ابتزازها أو نهبها أو سرقتها أو الحجر عليها، وذكر حرمة الأعراض بتحريم الاعتداء عليها بالقذف أو بالسب أو بالشتم أو بالزنا أو بغير ذلك، وذكر مسألة العلاقات الاجتماعية التي تحكم المسلمين، تحكم المسلم مع أخيه، وتحكم الرجل مع زوجته، وتحكم الوالد مع ولده، إلى غير ذلك، ولم تكن خطبة الوداع هي الموقف الوحيد الذي حدد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الحقوق؛ بل إنه حددها في أحاديث ربما لو جمعت لكانت في أكثر من عدة مجلدات وكلها تتعلق بحقوق الإنسان سواء الحقوق العامة أم الحقوق الخاصة لفئة معينة، كحقوق المرأة أو حقوق العامل أو حقوق الجار أو حقوق اليتيم أو حقوق الزوج أو غير ذلك.

    وأستطيع أن أقول تبعاً لما قرره عدد غير قليل حتى من فقهاء القوانين اليوم: إن هناك حقوقاً كثيرة جاء بها الإسلام لم تفلح البشرية حتى الآن في المطالبة بها، فمثلاً: حق ضعاف العقول في الرعاية: هذا جاء به الإسلام ولم ينص عليه إعلان حقوق الإنسان، مثل حق اليتامى، حق الجار، حق القريب، حق الإنسان في الدفاع عن نفسه، حق الإنسان في العفو عمن ظلمه، حق الميراث للورثة رجالاً أو نساءً من الأقربين، كل هذه الحقوق لم تأت بها القوانين الوضعية، ولا إعلانات حقوق الإنسان.

    1.   

    حقوق الإنسان في المواثيق الدولية

    كما أسلفت هناك عدة إعلانات لحقوق الإنسان، كان آخرها الإعلان عام 48م والذي وقعت عليه جميع الدول بلا استثناء، وبناءً عليه نستطيع أن نقول: إنه قانون عام ملزم للبشرية كلها، حسبما تقتضيه مواثيق الأمم المتحدة التي تعتبر هي الحكومة العالمية المتوجة، التي تتزعم ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، فما هذه الحقوق التي جاءت بها تلك الإعلانات؟

    الحقوق الشخصية والجسدية

    هي أولاً -باختصار- الحقوق الشخصية والجسدية: مثل أمن الإنسان من أن يستعبد (أن يكون رقيقاً) وأمنه أن يقهر أو يسخر أو يقتل أو يغتصب رجلاً أو امرأةً، أو يعذب، كل هذه الحقوق بلا شك جاء بها الإسلام، كذلك حق الإنسان في حرية الانتقال من مكان إلى مكان أو الرجوع إلى مكانه الأول، حرمة المساكن وعدم الاعتداء عليها، حرمة الاتصال الهاتفي بين إنسان وآخر، وألا يحق لأحد أن يعتدي عليه أو يتصنت عليه، حرمة الاتصال البريدي أو المراسلة، وأنه لا يحق لأي جهة أن تكشف مراسلة بين طرفين، حق الزواج، حق السلامة الصحية للإنسان، كل هذه الحقوق تدخل فيما يسمى بالحقوق الشخصية والجسدية.

    الحقوق القضائية

    النوع الثاني: ما يسمونه بالحقوق القضائية: ويقصدون بها ضمان حق الإنسان في أن يدافع عن نفسه أمام المحاكم، ومساواة الناس أمام القضاة، وأنه ليس هناك إنسان يتميز عن آخر أمام القضاء، وعدم التعرض بصورة تعسفية للقبض على إنسان أو اعتقال إنسان أو نفي إنسان من بلد إلى آخر أو حبسه أو محاكمته إلا وفق نظام معمول به، كما يشمل هذا حق الإنسان في تقديم العرائض والشكاوى إلى أي جهة يشاء.

    الحقوق الفكرية والسياسية

    النوع الثالث: هو ما يسمونه بالحرية الفكرية والسياسية، وهذا يشمل أشياء كثيرة جداً قد يكون معمول بها في بعض البلاد، مثلاً: يشمل -عندهم وفي بلادهم- حق الإنسان في تكوين حزب سياسي والانضمام لعضويته، أو حق اللجوء إلى بلد آخر، أو حق تكوين الجمعيات والأحزاب أو غير ذلك، لكنه يشمل أيضاً أموراً جاء بها الإسلام، يشمل حرية الرأي والتعبير عنه وفق الأصول الشرعية، ونحن نعلم أن هذا لم يكن في الإسلام مجرد حق بل هو واجب، فالإسلام قد حرم التقليد على من يملك الاجتهاد ويعرف الصواب، وأوجب على المسلم أن يقول بالحق كما في الحديث المتفق عليه عن عبادة بن الصامت قال: [[وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم]] فأوجب على المسلم أن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، قائلاً لكلمة الحق، مجاهداً في هذا السبيل، حريصاً على أن يعبر عن رأيه الناضج الصريح الذي يبني ولا يهدم ويحقق المصالح ويدفع المفاسد.

    ومثله أيضاً حرية الصحافة والإعلام -كما يسمونه- ونحن نعلم أن الغرب حقق قدراً كبيراً مما يسمى بحرية الإعلام عندهم، فتجد أن الإعلام يتكلم عن قضايا كثيرة تتعلق بأوضاعهم الحكومية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها، وقد أفلح الإعلام عندهم في الكشف عن فضائح كثيرة مثلما فعلت بعض الصحف الأمريكية حين فضحت ما يسمى بقضية فضيحة "وتر جيت" ثم "إيران جيت" ثم "عراق جيت" إلى غيرها من الفضائح التي كانت الصحافة والإعلام هي السبب في كشفها وبالتالي معاقبة المتسببين فيها، إضافة إلى أمور أخرى تتعلق عندهم بحقوق الإنسان فيما يتعلق بالحرية الفكرية والسياسية.

    الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

    أما الحق الرابع الذي ضمنته تلك الوثيقة: فهو ما يسمى بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية: مثل حق الإنسان في الملكية الخاصة، أن يملك المال أو الأرض ولا يحق لأحد أن يصادر ماله أو أرضه أو يعتدي عليه، ومثله حق الإنسان في التجارة والصناعة إلى غير ذلك، ونحن نجد أن هذه الحقوق مقررة في الشريعة والله تعالى يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة:275] والرسول عليه السلام يقول:{من أحيا أرضاً ميتةً فهي له} فهنا يظهر الفارق بين حق الفرد وحق المجتمع، فالرسول صلى الله عليه وسلم -مثلاً- في هذا الحديث أباح للإنسان أن يحيي الأرض الموات بحسبها، إن كانت أرضاً زراعية بالحفر والزرع، وإن كانت غير ذلك؛ كل أرض بحسبها، لكن هذا الأمر مقيد بشيء واحد فقط وهو ما يكون مصلحة عامة للمجتمع، فليس من حق الإنسان أن يحيي -مثلاً- أرضاً يحتاجها المجتمع كله في مصالحه العامة.

    ومن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان مراعاة الإنسان في حال البطالة والعجز والمرض والشيخوخة، وأن الدولة مطالبة بمساعدته وإعانته، وهذا كما ضمنته حقوق الإنسان فقد ضمنته الحقوق الشرعية التي جاء بها سيد البشرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن من تلك الحقوق الاقتصادية حق مساواة الجميع أمام التكاليف، فالضرائب -مثلاً- إذا جاز أن تفرض ضرائب على الناس في الإسلام، فلا بد أن تكون بقدر الحاجة وبقدر متساوٍ للجميع، وهذا الأمر هو ما جاءت به منظمات حقوق الإنسان في الناحية الاقتصادية والاجتماعية.

    الحقوق التعليمية والثقافية

    أما الحق الأخير عندهم: فهو ما يسمى بالحقوق التعليمية والثقافية، مثل حق التعليم، وهو في الإسلام ليس حقاً بل هو واجب، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:{طلب العلم فريضة على كل مسلم} وهو حديث حسن، ومثله حق الإنسان في اختيار نوع التعليم الذي يمارسه، كما يدخل في ذلك حق الابتكار والاختراع العلمي، إضافة إلى حق مشاركة الإنسان في الحياة الثقافية والحياة العلمية في بلده، كل هذه الحقوق جاء بها الإسلام قبل إعلان حقوق الإنسان، وهي أيضاً في غالبها وجملتها جاء بها الإسلام قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، لكن ثمة نقطة لابد من بيانها وهي النقطة الخامسة.

    1.   

    الفروق بين حقوق الإنسان في الإسلام وحقوق الإنسان في إعلانات الغرب

    القيد الأخلاقي للحقوق في الإسلام

    أولاً: القيد الأخلاقي للحقوق والحريات في الإسلام، فالإسلام دين نـزل من السماء يقوم عليه سلطان يحميه ويحرسه في الأرض، فليست الأعراف والتقاليد والعادات هي التشريع ولا مصدر التشريع، وليست الأمة هي مصدر السلطات -أي مصدر التشريع- كما هي الحال في بعض النظم الديمقراطية.

    فرعاية الأمر الشرعي أمر لا خيار فيه، فعلى سبيل المثال: جسد المرأة، لا يجوز أن يكشف من جسد المرأة ما لم يأذن الله تعالى بكشفه بحجة الحرية الشخصية، وأيضاً منع الاختلاط -اختلاط الجنسين- لا يجوز الإذن به بحجة عدم التفرقة العنصرية كما هو معروف دولياً.

    ونحن نجد أن هذا الأمر موجود عند الغرب ولكن بصورة أخرى، فإذا كان المسلم مطالباً باحترام الإسلام، فإن الغرب يطالب باحترام الأعراف والتقليد والعادات، وقد أقيم في دولة من أكثر الدول انفلاتاً وهي فرنسا، أقيمت دعوى ضد إحدى الشركات التي عرضت فيلماً سينمائياً فيه كثير من التفسخ اللاأخلاقي الفاضح، أقيمت الدعوى ونظرت المحكمة وقررت معاقبة الشركة كما قررت توجيه اللوم والعتاب إلى محافظ تلك المدينة أو تلك القرية وقالت له: كما أنه مطلوب منك المحافظة على الإدارة، كذلك مطلوب منك المحافظة على أخلاقيات الناس وعدم السماح بعرض ذلك الفيلم بالنظر إلى الظروف المحلية للبلدة والتقاليد التي كانت تحكمها.

    إذاً: هي فعندهم تقاليد وعادات، أما عندنا في الإسلام فهي أحكام وتشريعات نـزلت من عند الله ولا حيلة لأحد فيها وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    مثل آخر: من حق المرأة والرجل العلاج، لكن هذا العلاج يجب أن يتم في جو محتشم تحفظ فيه الحرمات وتصان فيه الحقوق، ويمنع فيه الاعتداء على الإنسان رجلاً كان أو امرأة، أما أن تضع لي مستشفيات مليئة بألوان التفسخ والاختلاط والانحلال والتواجد النصراني وغير ذلك ثم تطالبوني أن أمرض زوجتي فهذا أمر صعب، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: {يا رسول الله، إني أصرع، فادعُ الله لي. فقال لها: إن شئت دعوت الله تعالى لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، فقالت: أصبر يا رسول الله، ولكني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم الله تعالى لها أن لا تتكشف إذا صرعت}.

    ففي هذا المثال يبدو في المجتمع المسلم أن العناية بحفظ أمر العورة لا يقل أهمية عن العناية بالصحة، وكلاهما من الحقوق التي يجب على المسلم العناية بها، وواجب على كل ذي أمر من المسلمين أن يهيأ للمسلمين الفرص التي يكون فيها العلاج بعيداً عن كشف العورات وانتهاك الحرمات، كما أنه من الواجب على كل ذي أمر من المسلمين أن يسعى إلى تربية المسلم ذكراً أو أنثى على احترام هذه العهود والمواثيق الربانية.

    الرقابة الإلهية

    فرق ثان: الرقابة الإلهية: فنحن نعلم أن من طبيعة الإنسان الظلم والأثرة، وكما قيل:

    والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

    والله تعالى قد ذكر لنا قصة ابني آدم بالحق: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27] إذاً من طبيعة الإنسان أنه قد يعتدي وقد يظلم، ولهذا كان ربط حقوق الإنسان بالدين صيانة عظيمة لهذه الحقوق.

    يقول أحد الغربيين: لا توجد في الحكومات البشرية سوى قوتين ضابطتين: القوة الأولى: قوة السلاح، والقوة الثانية: قوة القانون -أي قوة النظام- فإذا تولى قوة القانون قضاة هم فوق الخلق وفوق الملامة فإن الأمر حينئذ على ما يرام، أما إذا لم يكن ذلك فإن قوة السلاح هي التي تسود حتماً، وذلك يؤدي إلى سيطرة النظم العسكرية المستبدة على الشعوب.

    وأقول: هناك قوة ثالثة هي قوة الإيمان، أو ما يسمونه في الغرب "الضمير"، الخوف من الله عز وجل، ولذلك نجد أن الإنسان -بل كل الناس حتى غير المسلم- لم يجد من الحقوق التي يتمتع بها في ظل شريعة من الشرائع أو دولة من الدول مثلما وجد في دولة الإسلام وشريعة الإسلام، حتى قال "تومبي" وهو أحد المؤرخين البريطانيين قال: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم ولا أعدل من العرب، يعني المسلمين.

    أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لما أخذ الجزية من أهل حمص، ثم رأى أنه قد لا يستطيع الدفاع عنهم، ماذا صنع؟

    رجع إليهم ورد الجزية التي أخذ منهم، وقال مع ذلك: سوف ندافع عنكم ما استطعنا، فإن انتصرنا عدنا وأخذنا الجزية، وإن لم ننتصر لا نكون ظلمناكم، فهات مثالاً آخر مثل هذا في كل شرائع الدنيا وأنظمة الدنيا ودول التاريخ في غير شريعة الإسلام!

    لما فتح المسلمون سمرقند فتحوها قبل أن يدعوا أهلها إلى الإسلام، وقبل أن يطلبوا منهم الجزية، فبعث أهل سمرقند إلى الخليفة المسلم بـالشام يشتكون إليه، وبعث الخليفة وطلب من الجيش المسلم أن يخرج من سمرقند ويظل خارجها ثم يعرض على أهلها الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا استعان بالله تعالى وقاتلهم، وخرج الجيش المسلم الفاتح من سمرقند إلى مشارفها ثم دعوا أهلها إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم، وقالوا: دين هذا قدر الإنسان فيه، وهذه عدالته لابد أن ندخل فيه جميعاً!

    أما في النظم الوضعية فما ثَم جزاءً يذكر، لا يؤمنون بيوم الحساب فيمنعهم ذلك من الاعتداء على حقوق الناس، وفي الدنيا لهم ألف وسيلة وحيلة للتحايل والخروج من القوانين والعقوبات.

    ففي الإسلام إذاً عقوبتان: العقوبة الأولى: الأخروية، وهي الأهم والأعظم، والرادع الأكبر في ضمير المسلم، إضافة إلى العقوبة الأخرى وهي: الدنيوية المتمثلة في الحدود والتعزيرات على الاعتداء على الإنسان كحد السرقة -مثلاً- أو حد القذف أو حد الزنا أو غير ذلك من الحدود.

    الحقوق في الإسلام موهوبة وفي غيره مطلوبة

    الفرق الثالث: أن هذه الحقوق في الإسلام جاءت هبة من الله تعالى على غير ترقب من الإنسان، ودون أن يطلبها الإنسان أو يسعى في تحصيلها، وعرفها المسلمون منذ أن عرفوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكان المسلم العادي البسيط الفلاح يجلس في المسجد وهو يستمع إلى الخليفة يخطب على المنبر، فلا يرى غضاضة أن يقف على قدميه ثم يرفع يده، ويقول له: الأمر ليس كما ذكرت، فيقول: لم رحمك الله؟ فيبين للحاكم الذي يحكم ربع الدنيا ما يراه هو دون أن يخاف من بطش أو تسلط أو ظلم أو عدوان أو مساءلة أو غير ذلك، فلقيها المسلم وأخذها ببساطته وبوضوحه.

    أما في الغرب فإنهم لم يحصلوا على حقوقهم تلك، بل انتزعت انتزاعاً بالقوة، وقبل كل إعلان لحقوق الإنسان كان هناك ثورات ومعارك ودماء اضطروا بعدها إلى الإعلان عن حقوق الإنسان والإقرار بها، وآخر تلك الحروب الحرب العالمية الثانية التي تلاها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

    أما في تاريخ الإسلام فلا يوجد محاكم تفتيش، ولا يوجد سجون تمتلئ وتغص بالنـزلاء، ولا يوجد أجهزة استخبارات تعد على الناس أنفاسهم وتحصي عليهم حركاتهم وتحاسبهم على كل شيء.

    اختلاف الحقوق

    الفرق الرابع: هو الاختلاق والتباين في الحقوق:

    فمثلاً هناك حقوق إسلامية لم ترد في الإعلان -كما أسلفت- مثل حقوق اليتامى، وحقوق الجيران، وحقوق ضعاف العقول، وحق الميراث، وحق العفو... إلى آخره.

    هناك أشياء منعها الإسلام مثل حق تغيير الدين، ففي حقوق الإنسان العالمية -ومع الأسف أنها موقع عليها دولياً من كل دول العالم- يحق للإنسان أن يختار الدين الذي يريد ويغير دينه كيف شاء، وأعتقد أن حقوق الإنسان حين أعلنوا هذا قصدوا من ورائه إتاحة الفرصة للمسلم أن يرتد عن دينه؛ لأنهم يعلمون أن المسلمين اليوم في فترة ضعف واستضعاف، وأنهم يخضعون لمشاكل كثيرة، وأن الغرب بيده القوة والتمكين والحضارة والتسلط والإغاثة والمساعدات الإنسانية والمنظمات الدولية والصليب الأحمر...إلخ، كل هذه أدوات في أيدي الغرب الصليبي النصراني يستخدمها ضد المسلمين.

    فالمسلم اليوم يتعرض لابتلاء وفتنة في دينه، وليس سراً أن نقول: إن هناك قرى بأكملها قد تحولت من الإسلام إلى النصرانية وذلك في أكثر من بلد إسلامي، في أفريقيا، وفي إندونيسيا، بل وفي بعض البلاد العربية أصبح تحول المسلم إلى النصرانية أمراً مسموحاً به قانوناً، وأمراً واقعاً من الناحية العملية، على الأقل يتخلون عن دينهم طمعاً في المال، أو رغبة في الشهادة.

    إذاً النصارى لا يستحون أن يستغلوا الكوارث والظروف والأزمات الاقتصادية والنكبات التي تمر بها الشعوب لكسب المزيد من الأنصار والضغط على الناس لتغيير دينهم، وهم اتخذوا في ذلك ذريعة هي عبارة عن فقره في القانون الدولي لحقوق الإنسان تبيح وتسمح للإنسان أن يغير دينه، لكن لو وجدوا نصرانياً تحول إلى مسلم لأقاموا الدنيا وأقعدوها، وتكلموا عن ذلك وقالوا: هذا نتيجة ضغوط، ونتيجة إرهاب، ونتيجة تخويف إلى غير ذلك من الأسباب.

    أما في الإسلام فلا يحق للمسلم أن يغير دينه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:{من بدل دينه فاقتلوه} والفقهاء متفقون على قتل المرتد إلا أبا حنيفة فإنه يرى: أن المرأة تسجن حتى ترجع إلى دينها أو تموت، وقد حدث أن معاذ بن جبل عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأبا موسى الأشعري وجد رجلاً قد أسلم ثم رجع إلى اليهودية، فأقاما عليه الحد وقتلاه بمحضر من المسلمين، والقصة أيضاً في صحيح البخاري.

    أيضاً من الفوارق: الفارق بين الرجل والمرأة:-

    فإن الإسلام أعطى للرجل حقوقاً ليست للمرأة، وأعطى المرأة حقوقاً -أيضاً- ليست للرجل، فلا يتحول الرجل في شريعة الله إلى امرأة، ولا المرأة إلى الرجل، بل كل إنسان له حقوق، كما قال الله تعالى:وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32].

    وهذا القانون الغربي لحقوق الإنسان يرفض اعتبار الدين أساساً للتمييز بين الناس، ويقول: يجب أن ننظر إلى الأديان كلها على حد سواء، ولكننا نجد أن لبنان -مثلاً- كبلد مسيحي أو نصراني في بلاد عربية يشترط أن يكون رئيس الجمهورية فيه نصرانياً، وهذه هي الطائفة السياسية بعينها، لكننا نجد في مقابل ذلك أن دولاً أفريقية كثيرة غالبية سكانها من المسلمين ومع ذلك تكون محكومة برئيس نصراني دون أن يكون هناك نكير في ذلك.

    نقطة أخيرة في ذلك أيضاً في الفارق بين إعلان الإسلام وإعلان الأمم المتحدة هو أن المساواة في الإسلام حق صحيح، ولكن المساواة لا تعني إلغاء الفوارق الطبيعية والفوارق الشرعية، فالرجل -كما أسفلت- مع الرجل متساوٍ، والمرأة مع المرأة، ثم الرجل مع الرجل -أيضاً- لا يعني التساوي في كل شيء، فالعامل يتساوى مع نظيره، والموظف يتساوى مع مثيله، والطالب مع مثيله، وهكذا.

    1.   

    حقوق الإنسان بين النظرية والتطبيق

    النقطة السادسة: بين النظرية والتطبيق:

    مع الاعتراف النظري بحقوق الإنسان فإن حقوق الإنسان -كما يقول بعض المفكرين-: تبقى هي أخسر قضية في التاريخ، ويظل الإنسان في ظل جميع الشرائع -غير الإسلام- يظل هو أخسر مخلوق على وجه الأرض، فكل الأنظمة تتغنى بحقوق الإنسان، حتى النظام الشيوعي -الذي قتل أكثر من عشرين مليوناً ونفى مثل هذا العدد أو أكثر- حتى النظام الشيوعي البائد يزعم أنه قام لحماية حقوق الإنسان، وإلغاء الطبقية الاجتماعية، وإعلان المساواة، وقد أقر الدستور الذي كان يحكم الإتحاد السوفيتي أقر المساواة بين المواطنين.

    لاحظ الفرق بين الكلام الشفهي الحلو الجميل وبين الواقع العملي المر، وأقر الدستور -أيضاً- حق التعليم المجاني لكل مواطن، وحرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية الاجتماع والتظاهر وتأسيس الجمعيات، وحرمة المنازل، وحرمة المراسلات، ومع ذلك كان نظام المخابرات السوفيتي الـ (كي جي بي) هذا النظام جند ربما ملايين الأشخاص، جعلوا كل مواطن يشعر كأنه في سجن كبير، وأنه يعيش داخل هذا السور الحديدي الضارب من حوله، ومع ذلك قوانينهم تنص على أن هناك حرمات للمنازل وحرمة للمراسلات وحرية التعبير والاجتماع وغير ذلك، يقول أحدهم: أيتها الحرية، كم من الجرائم قد اقترفت باسمك!!

    أما في الغرب النصراني فإنهم نظرياً -أيضاً- يقولون بل حتى الدين الذي ينتسبون إليه النصرانية يقولون: أن في أحد الأناجيل أن عيسى قال: باركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلَّوا لأجل الذين يسيئون إليكم، فهم إن أحببتم من يحبكم فأي خير تصنعون؟!

    وإن أحسنتم إلى من يحسن إليكم فأي أجر لكم؟!

    إنما أحسنوا إلى من يسيء إليكم. ويقولون في المثل النصراني: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أخذ منك القميص فأعطه الرداء أيضاً!

    التمييز العنصري في الغرب النصراني

    هذا الكلام نظرياً جميل ومن السهل أن يردد، لكن ماذا يعاني الأجانب -دعك من المسلمين بالذات- بل كل الأجانب ماذا يعانون في الغرب من ألوان التمييز العنصري البغيض! وبالأمس (البارحة) كنت أسمع أخبار اعتداءات وحشية في ألمانيا بشطريها، وخاصة ألمانيا الشرقية على كل الأجانب، وقد رأيت بعيني إعلانات تملء شوارع فرنسا تعبر عن حزب من الأحزاب اليمينية المتطرفة الذي بدأ يكتسح الشارع الفرنسي، ويحظى بإعجاب الناس، تطالب بطرد كل الأجانب عن البلاد، والأجانب غالبيتهم من الجاليات الإسلامية، لكن يدخل في هذا غيرهم كاليهودي مثلاً أو الذين أتوا من بلاد أخرى.

    أما التمييز العنصري والطبقي في الغرب فإنه على أشده، وما لقيه السود -مثلاً- وما لقيه أيضاً سكان أمريكا الأصليون من المعاناة والقتل والترهيب والعنصرية والابتزاز أمر يفوق الوصف.

    الكيل بمكيالين

    المواثيق الدولية التي يتكلمون عنها هي ذات ميزان مزدوج، فهم يكيلون بمكيالين، فأحياناً إذا اعتدي على حقوق الإنسان اكتفوا بالشجب والاستنكار الشفهي، وأحياناً ينتقل الأمر إلى النقيض يضطرون إلى التدخل العسكري كما هو الحاصل في أكثر من موقع، وكما هو حاصل الآن على سبيل المثال في العراق.

    نعم، نحن نقول: هبوا أن تدخلكم في العراق لحماية حفنة من الشيعة في منطقة الأهوار، لماذا لا تتدخلوا لحماية الملايين التي تواجه اليوم تصفية عرقية لا مثيل لها في التاريخ كله في أرض البوسنة والهرسك؟!

    أليس هذا أكبر دليل على أنه ثمة في الغرب مكيالان وميزانان؟!

    بل أقول: أحياناً يتعدى الأمر إلى أن الغرب يؤيد تلك العنصريات وتلك الاعتداءات على حقوق الإنسان، ويلوي عنق القوانين الدولية من أجل أن تخدم مصلحة هذا الطرف أو ذاك.

    فمثلاً الغرب -بالذات أمريكا- اليوم تفتعل الأسباب والذرائع التي تبيح لها أن تتدخل في كل مكان في العالم، وقد سمعت بأذني منذ شهور أخباراً تتكلم على أن هناك دراسات في بعض المحاكم الأمريكية من أجل الإذن لقوات أمريكا بالتدخل لملاحقة مهربي المخدرات -مثلاً- في أي مكان في العالم.

    وأحياناً يميل هؤلاء بموازينهم المتناقضة المزدوجة إلى إقرار الأمر الواقع، فمثلاً وجود اليهود أو ما يسمى بـإسرائيل في أرض فلسطين المسلمة، هذا الوجود هو وجود غير صحيح، وهي جسم غريب في الأمة الإسلامية، ولكن الغرب يفرض على المسلمين اليوم بالقوة -بقوة السلطان وقوة السلاح- أن يعترفوا بالوجود اليهودي وأن يتعاملوا مع هذا الوجود على أنه أمر طبيعي، وأن يفتحوا حدودهم وبلادهم وعقولهم إلى رياح التغيير اليهودية.

    وبالصراحة والصدق أقول لكم: الغرب كله يخطط إلى أن يجعل من الشرق الأوسط منطقة نفوذ إسرائيلية، وأن تكون الأسواق العربية كلها مفتوحة للبضائع الإسرائيلية، وأن تستخدم الأيدي العاملة الرخيصة العربية لمصلحة اليهود، وأن توظف الأموال العربية والإسلامية لخدمة اليهود، وأن يستفيد العرب -زعموا- من الخبرة والتقنية والتصنيع والتحضر اليهودي، هذه هي الخطة التي يسعون إليها فيما يسمى بمؤتمرات السلام، ولذلك طالبت إسرائيل بشدة وقوة ووضوح طالبت سوريا مقابل أن تتنازل لها عن شيء من الجولان أن تجعل هناك علاقات طبيعية بينها وبينها! علاقات إعلامية، علاقات دبلوماسية، علاقات تبادل سياحي، تبادل ثقافي، تبادل أمني، بل تنسيق أمني، وربما في المستقبل يكون هناك نوع من التعاون العسكري.

    والغريب أن كل هذه الأمور تتم؛ ربما أقول: على مرآى ومسمع من الشعوب الإسلامية، دون أن تتكلم أو تعبر عن رفضها لهذا التهجين، وربما أقول: على غير مرآى ومسمع من الشعوب العربية والإسلامية التي فقدت إحساسها بنفسها ومعرفتها بكرامتها وشعورها بحقوقها، ولذلك أصبحت لا تقدم ولا تؤخر ولا تعبر عن رأيها في أخص خصائصها وألزم قضاياها.

    المهم أن الغرب أحياناً يعمل على فرض الأمر الواقع وفرض الاعتراف والرضا به، كما هي الحال في إسرائيل، وربما يطبق المثال نفسه في أرض البوسنة والهرسك التي يخضع -ربما- أكثر من (70%) من أرضها إلى سيطرة الصرب النصارى الحاقدين.

    أما في الكويت فلم يتم اعتماد مثل هذا الميزان، بل تحرك الغرب من أجل طرد المعتدي عن الكويت، ونقول: طرد المعتدي كان لابد منه، ولكن لماذا يكيل الغرب بمكيالين ويزن بميزانين؟!!

    وفي الغرب أيضاً الذي يتشبث بحقوق الإنسان وينادي بها، نجد أن أجهزة المخابرات الغربية، كالمخابرات الأمريكية (الـ سي آي إيه) إن هذه الأجهزة لا تعرف معنىً للأخلاق، ولا تقيم وزناً للكرامة، بل إنها تستخدم كل وسيلة شريفة أو دنيئة إلى تحقيق أهدافها والوصول إلى مقاصدها، فمن وسائلها القتل وسفك الدم ونهب المال والاعتداء على الأعراض، والخداع والتضليل والتلبيس، إلى غير ذلك من الوسائل التي لا تعرف معنىً للأخلاق والكرامة، ولا شك أن هذه الأنظمة المخابراتية هي المتنفذة في السياسات الغربية والسياسة الأمريكية بوجه خاص، أين حقوق الإنسان إذاً؟!

    انتقاص حقوق الإنسان في العالم الإسلامي

    أما بالنسبة للعالم الإسلامي فثمة أسئلة كثيرة وهو بيت القصيد: هل يأخذ الإنسان المسلم حقوقه التي أقرتها له الشريعة الإسلامية؟!

    هذا سؤال، بل هل يأخذ حقوقه التي يأخذها نظيره ومماثله في العالم الغربي؟!

    أقول في الحالين: كلا، هل نحن اليوم نعمل بكلمة عمر التي قالها واضحة صريحة لـمحمد بن عمرو بن العاص قال له: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]] قال هذا انتصاراً لقبطي جاء يشتكي، هل نأخذ بهذه الكلمة؟

    أما أننا نأخذ بكلمة الحجاج الذي كان يقول للناس: من تكلم منكم قتلناه صبراً، ومن سكت منكم قتلناه كمداً، يعني من تكلم يحبس حتى يموت، أما من سكت فإنه يموت غيظاً وحزناً وكمداً.

    هل يستطيع المسلم اليوم أن يقول كلمة عمر بن الخطاب لحكامه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟!

    "أجزم:لا، إنما يستطيع المسلم أحياناً أن يقول هذه الكلمة لحكام دولة أخرى، خاصة حين تكون العلاقة مع تلك الدولة علاقة سيئة، فإنه حينئذ يستطيع أن يقول ذلك.

    والتقارير الصادرة عن حقوق الإنسان، تتكلم أن حقوق الإنسان المسلم تهدر بقسوة بالغة بواسطة الحكومات الوطنية في بقاع كثيرة، أو بواسطة القوى الأجنبية في مواطن أخرى.

    هناك عدة أشياء: هناك مثلاً أمور يتم انتهاك الحقوق فيها من قبل الحكومات الأجنبية أو الوطنية، وهناك حالات كثيرة يتم انتهاك حقوق الإنسان فيها من قبل أخيه الإنسان.

    خذ على سبيل ذلك هذا المثال: التفرقة العنصرية قائمة في بلاد الإسلام كلها بدون استثناء، دعك من جنوب أفريقيا -مثلاً- حيث التفرقة هناك على أشدها، بل حتى في المجتمعات الإسلامية والمجتمعات المتدينة والمجتمعات الواعية، بل أحياناً حتى في أوساط طلبة العلم يصبح الانتساب للقبيلة يشكل حجر أساس في العلاقات مع الناس، وفي تفضيل فلان على علان، وفي القرب أو البعد، وفي التزاوج وغير ذلك، والكثيرون مستعدون أن يسخطوا سخطاً لا رضا بعده لأن فلاناً من أولادهم تزوج من قبيلة أخرى، ولكنهم لا يسخطون قط لو تزوج فلان فتاة منحرفة أو غير ذات دين.

    وهكذا أصبح الانتماء للقبيلة أو التفرقة العنصرية أصبحت في نظر الكثيرين أهم من التمييز على أساس الدين، ليس في مجال الزواج فحسب، بل في مجال الزواج والعلاقات الاجتماعية والولاء والتقارب والتفضيل في الأعمال والوظائف والمسئوليات وغير ذلك، فقد تكون جديراً بمنصب أو بموقع أو بعمل أو بزوجة أو شيء من هذا لأنك فلان بن فلان، ولو لم تكن أي شيء آخر.

    الجوع والبرد والمرض الذي يقتل اليوم عشرات الآلاف من المسلمين، عدد المهاجرين من الصومال يزيد على مليوني مهاجر للبلاد الغربية، كل هؤلاء يستقبلهم الغرب بالأحضان، وتتنافس الجمعيات النصرانية في تسجيل أطفال المسلمين في الصومال نفسها من أجل أن يذهبوا إلى هناك من أجل تنصيرهم وتعميدهم.

    أيضاً كندا تستقبل المسلمين الهاربين من جحيم المعاناة في الصومال تستقبلهم بالإسكانات الحكومية بالمجان، بل تصرف لهم إعانات تسميها بدل بطالة، وتحيل قضاياهم إلى المراكز الإسلامية، وتمنحهم الجنسية الكندية بكل سهولة. أما في البلاد الإسلامية فيظل المسلمون أوقاتاً طويلة يطرقون الأبواب ثم تغلق في وجوههم، والله -أيها الأحبة- كادت عيني تدمع وأنا أسمع خبراً قبل ثلاثة أيام عن مجموعة من المسلمين الهاربين من الصومال إلى روسيا، والذين تقطعت بهم الأسباب لأن أوراقهم ناقصة، فكل الدول لا تستقبلهم، وروسيا لا تسمح أن يخرجوا خارج المطار لأن أوراقهم ناقصة وتريد أن تسفرهم إلى أي بلد آخر، وبلادهم لا تقبلهم لأنهم -أيضاً- أوراقهم ناقصة وقد يكون فيها شيئاً من التزوير، كل العالم يرفضهم، فظلوا أكثر من ثلاثة أشهر في المطار جالسين، ينامون على الكراتين التي يفرشونها، وهناك طفل عمره ستة عشر عاماً يقولون له أكثر من ستة أشهر وهو يتجول في المطار، يا سبحان الله! كل هذه النوعيات التي تعاني الاضطهاد وتعاني التشريد والتعذيب وتعاني الضياع غالباً ما تكون من المنتسبين إلى هذا الدين! فإن أهل الإسلام اليوم لا بواكي لهم وإلى الله وحده المشتكى، قد أسلمهم حتى الأقربون!

    مثال آخر: الحرب، تقتل وتشرد الملايين في فلسطين، ثم في يوغسلافيا، وقد نسي المسلمون جرحهم النازف في أرض فلسطين المباركة نسوها بآلام جديدة وجراح جديدة تفتحت عليهم في بلاد أخرى، فإلى الله المشتكى!

    الاضطهاد الديني في بلاد المسلمين

    أيضاً قضية الاضطهاد الديني الذي ما زال بلاءً جاثماً على المسلم بشكل خاص في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي والعالم العربي، وفي مصر مثلاً، أو تونس أو ليبيا أو الجزائر أصبح من السهل جداً أن يسجن المسلم، بل أن تقتله قوات الأمن في الشارع، ولا يسأل من أطلق عليه النار ولماذا قتلته؟

    أبداً، لكن سوف يسألون يوم القيامة وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93] أما أجهزة الأمن فقد أعطت صلاحيات واسعة بإطلاق النار على كل من يشتبه فيه وفق قوانين وأنظمة جديدة يسمونها بأنظمة مكافحة الإرهاب.

    وقد اطلعت على وثائق من ألوان الممارسات المخالفة للشرع، بل المخالفة لقوانين البشر ومواثيق حقوق الإنسان في مصر وفي تونس وفي ليبيا، بل إن كثيراً من هذه السجون الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود.

    وقد وصل الحال بكثير من هذه المؤسسات إلى أن تسجن الإنسان، وتلفق عليه قضايا أخلاقية مكذوبة من أجل تشويه صورته أمام الناس، وتسلط عليه الصحافة والإعلام من أجل أن يأخذ الناس عنه انطباعاً غير جيد، وتتهمه بكل التهم الرديئة والملفقة، ولا تسمح له بحق الدفاع عن نفسه، لا سراً ولا علناً، بل لا يمثل هؤلاء أمام محاكم، ومن المؤسف أيضاً أن ثمة منظمات غربية نصرانية قامت تدافع عن حقوق الإنسان، فقد وقفت على تقرير خطير عن حقوق الإنسان في تونس أصدرته منظمة العفو الدولية، ووقفت على تقرير آخر أصدرته منظمة أمريكية عن حقوق الإنسان! في مصر، وطالبت تلك المنظمة أمريكا أن تحجب المعونات عن حكومة مصر حتى تعدل أوضاعها وتحترم حقوق الإنسان في سجونها!

    أما العالم الإسلامي الطويل العريض الذي تقول آخر الإحصائيات: إنهم بلغوا ألفاً ومائتي مليون إنسان فلم نكد نسمع صوتاً واحداً يستنكر مثل هذا العذاب الرهيب بأهل الإسلام! كم هو محزن أن نسمع في الأخبار أن أطفالاً أو شباباً صغاراً في سن السادسة عشرة وفي زهرة الشباب وريعان الصبا تطلق عليهم أجهزة الأمن النيران في الشوارع وترديهم قتلى!

    وبالتأكيد ثق أن أي ضابط أمن أو مسئول حينما يخطئ في حق مسلم متدين أو ما يسمى متطرف فإنه لن يتعرض لأي شيء، لأن هذا دليل على أنه مخلص ووفي لهذا النظام أو ذلك؛ لكن لو أنه أخل بحق مسئول في حراسته أو حمايته أو الحفاظ عليه، لرأيت كيف يتعرض لأقسى العقوبات. ولهذا أصبح أي مسئول أو شخص عادي لا يبالي أن يعتدي على المسلم أو يمتهن كرامته أو يهينه، وينسى أن هذا الإنسان له قدر عظيم عند الله تعالى وله مكان، وربما يكون إيذاؤه أو الاعتداء عليه سبباً في معاجلة الله تعالى ليس لهذا الفرد بل للمجتمع الذي أقر الاعتداء أن يعاجله الله تعالى بالعقوبة، وأي عقوبة؟ عقوبة مثل: أزمة اقتصادية، أو أزمة سياسية، أو حرب أهلية، أو غلاء فاحش، إلى غير ذلك وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    حق السفر والعودة للبلد في البلاد الإسلامية

    حق الانتقال والسفر والعودة إلى البلد: في كثير من البلاد يحجر على الناس، لا يسمح لهم أن يسافروا ولا أن ينتقلوا ولا أن يعودوا في بلاد قد وقعت على حقوق الإنسان، وقل مثل ذلك في حق الجنسية، فلا يكاد الإنسان من غير تلك البلاد يحصل عليها، وإذا حصل عليها من غير أهلها فكثيراً ما يهدد بسحبها وتبتز كرامته بهذا الأمر أو ذاك.

    استغلال المواقع والصلاحيات ضد حقوق الإنسان في البلاد الإسلامية

    ومثله استغلال المواقع والصلاحيات ضد حقوق الإنسان في بلاد العالم الإسلامي بطولها وعرضها، فأنا لا أتكلم عن بلد بعينه، ولكني أتكلم عن كل بلاد الإسلام، لم يعد المواطن المسلم يشعر أن الإنجازات التي يراها أنها له كما هي لسائر الرعية، ولكنه أصبح يشعر أن هذه الإنجازات هي لفلان وفلان وحكر عليهم وخالصة لهم من دون الناس المسلمين المؤمنين، لماذا شعر بأنها خاصة لفلان؟

    أولاً: لأن فلان هذا يتمدح بها في كل مناسبة، فيثني على إنجازاته ومفاخره، وماذا قدم الناس لشعوبهم وماذا فعلوا، حتى حكومة العراق التي بلغت في إهدار كرامة الإنسان واضطهاد شعبها مبلغاً لا يوصف؛ تتغنى بالحقوق التي قدمتها لشعوبها، دعك من حكومات أخرى تتكلم عن ذلك، الجميع يتكلمون عن هذه الحقوق كما لو كانت فضلاً من جيوبهم تصدقوا به على شعوبهم.

    وأيضاً يشعر المسلم والمواطن العادي بأن هذه الإنجازات هي حكر لفلان وفلان، لأن فلان يستخدمها في تحقيق مآربه ومصالحه وقمع خصومه، فإذا حارب فلاناً من الناس استخدم الإعلام للتشهير، واستخدم الأمن للمطاردة والحرب، واستخدم الأجهزة الرسمية الدينية للتكفير، وطالما سمعنا من يصدرون الفتاوى لتكفير فلان أو علان أو قتل هذا أو ذاك موافقة لرغبة السلطة التي تريد التخلص من هؤلاء.

    1.   

    من المعتدي على حقوق الإنسان

    النقطة السابعة: من هم المعتدون على حقوق الإنسان؟

    ليس المعتدون على حقوق الإنسان الحكومات فحسب، بل أكثر من ذلك، فالمعتدون:

    أولاً: أصحاب الاستبداد السلطوي، الذين استغلوا ما منحهم الله تعالى ومكن لهم في التضييق على شعوبهم، والتمتع بخيراتهم الدنيوية.

    ثانياً: الأقوياء في المجتمعات وهم كثير، فالتجار أحياناً يعتدون على حقوق الفقراء، ورؤساء الإدارات والمصالح والجمعيات والمؤسسات والهيئات في طول البلاد الإسلامية وعرضها، كثيراً ما يضطهدون الموظفين الصغار ويعتدون على حقوقهم ويبتزونهم ويهينون كرامتهم.

    أحياناً قليلة: الآباء قد يستخدمون ذلك ضد الأبناء، وكمثال: قد تجد بنات في كثير من البيوت تمنع من الزواج الشرعي؛ لأن الأب لا يوافق على ذلك، وهذا لا شك اعتداء على حقوق الإنسان ومنع له من حق أذن الله تعالى له فيه، وهو مسئول عنه بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، أو تجد ولداً -مثلاً- يعاني من والده الذي يمنعه من طلب العلم، يمنعه من ممارسة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ويمنعه مما أحل الله تعالى له، وقد يمنعه من الزواج أيضاً بحجة صغر سنه، مع أنه يتعرض لأقسى ألوان الفتنة في هذا الزمان.

    وهناك اعتداء ثالث: وهو اعتداء الشخص العادي على أخيه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:{كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه} وهذا نص عام، فاعتداء الإنسان على مثيله أو نظيره أو مساويه أو زميله هو أيضاً حرام، لا يجوز أن يعتدي على ماله بالنهب أو السرقة، ولا على عرضه بالكلام أو الوقيعة في غير حق أو الشتم أو السب، أو يعتدي على دمه بالقتل أو الجرح.

    وكل هذه الاعتداءات خطيرة؛ لأن منها ما يستغل النفوذ والقدرة في مضايقة الناس ومصادرة كرامتهم، وإيذائه وامتهانه والقضاء على إنسانيته وكرامته، والأصل أن الاعتداء محرم، والاعتداء الواقع منوع بل حتى الملتزم المتدين أحياناً قد لا يأبه بحماية حق أخيه المسلم فيسبه -مثلاً- وينسى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:{لعن المسلم كقتله} أو يحقره والنبي صلى الله عليه وسلم قال:{المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه ولا يحقره ولا يسلمه} أو يتخلى عنه في أزمة أو شدة عرضت له سواء كانت أزمة فردية أم جماعية أم على مستوى شعب، وينسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:{ولا يسلمه } أو يسيء الظن به في قول أو فعل وينسى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12] أو يجرحه باللسان أو باليد، وجرح اللسان كجرح اليد، أو يقتله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [النساء:93].

    1.   

    أساليب تطوير حقوق الإنسان المسلم

    أخيراً -وليس آخراً- فما هي الحلول؟

    وباختصار أقول: الحلول كثيرة منها:

    تقسيم المسئوليات إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية

    أولاً: تقسيم المسئوليات إلى مسئوليات تشريعية خاصة تتعلق بالأمور الإدارية، وإلا فالتشريع لله تعالى، والناس لا يشرعون، لكنهم من الممكن أن يضعوا بعض الترتيبات الإدارية في المجال المباح الذي لا يخالف نصاً شرعياً، وهناك جهة أخرى مهمتها تنفيذية بحتة، وهناك جهة ثالثة مهمتها قضائية بحتة.

    وكل جهة من هذه الجهات الثلاث تكون مستقلة عن الأخرى، ولا تتداخل هذه الاختصاصات أو تجتمع كلها في يد شخص واحد، فإنه لا شيء يغري بالاستبداد والتسلط والظلم مثل تجمع السلطات في يد شخص واحد، وهذا أيضاً-تجمع السلطات في يد شخص واحد- يمنع الإنسان أن يرافع جهة أمام الجهة الأخرى، فإذا كانت هذه الجهات مستقلة أمكن أن أرافع الجهة التنفيذية أمام الجهة القضائية -مثلاً- ولكن إذا كان المصب واحداً، فإنه لا يمكن مرافعة جهة أمام جهة أخرى، فإنك حينئذ تكون كما قيل:

    فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
    .

    يقول أحد المفكرين: "إذا اجتمعت سلطتان فأكثر في يد شخص واحد انعدمت الحرية؛ حتى لو كانت السلطة بيد الشعب ذاته". إن هذا التوزيع يتيح الفرصة للمراقبة والمحاسبة.

    الرقابة القضائية والشعبية على المسئولين

    ثانياً: الرقابة على انسجام القرارات والأنظمة مع الشريعة الإسلامية

    إذاً: لا قيمة للنص على حقوق الإنسان وكرامته وحفظ شخصه وماله ودينه وعقله وبيته ومراسلاته وماله وغير ذلك إذا كان الحاكم لا يحترم هذه النظم، بل يخالفها متى شاء لمصلحته أو لمصلحة طرف آخر.

    كيف تكون الرقابة؟ في العالم الغربي تكون من خلال البرلمانات أو الوسائل والمؤسسات المتعلقة بقواهم الديمقراطية، لكن في العالم الإسلامي أو في النظام الإسلامي يمكن أن تكون الرقابة أولاً من خلال القضاء، القضاء الذين يكونون فوق مستوى الخوف وفوق مستوى الذل إلا لله عز وجل، فهم يشكلون رقابة حقيقية على هذه الأشياء.

    كذلك الرقابة الشعبية، ورقابة جمهور المسلمين متى عرفوا الحق وعملوا على تحصيله، فإن الرأي العام بوسائله ومؤسساته المختلفة يستطيع أن يؤثر تأثيراً كبيراً وبليغاً، عن طريق الجمعيات -مثلاً- أو وسائل الإعلام المختلفة، ومنها -أيضاً- المنابر التي يمكن أن ترشد الناس إلى الحق وما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتركوه، كما ترشدهم إلى الواجب الذي عليهم أن يقوموا به.

    كذلك قضية الشكاوي والعرائض فإنها من الحقوق المضمونة بشريعة الإسلام، ثم هي مضمونة بحقوق الإنسان كما قلنا وبحسب الكلام الذي يذكرونه في الكتب يذكرون هذه الأشياء وغيرها، إنما نحن لابد أن نراعي في ذلك ما يتوافق مع شريعة الإسلام.

    فإذاً لابد من نـزاهة القضاء واستقلاله وعدالته وعدم خضوعه لأي ضغط مهما كان، كما قال صلى الله عليه وسلم: {إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه}.

    كذلك لابد من وجود قضاء المظالم، وهو معروف عبر التاريخ الإسلامي، الذي يتلقى الشكاوي، الشكاوي ضد أي شخص مهما كبرت مسئوليته وعظم قدره وكان ذا نفوذ أو منـزلة، بل لو كانت الشكوى ضد جهة حكومية أو غير حكومية فإن قضاء المظالم يتولى هذه المسألة، وله صلاحيات واسعة في النظر فيها، بل له صلاحيات تنفيذية في رد الحق إلى أصحابه وانتزاعه من الظالم.

    تفعيل الحسبة ( وظيفة الضبط الإداري )

    ثالثاً: نظام الحسبة في الإسلام

    الاحتساب هو على الجميع: على الأفراد، وعلى الجهات المختلفة رسمية كانت أو شعبية، وعلى كل الأطراف، والحسبة نظام إسلامي شمولي، فهو احتساب على البيع، وعلى الشراء، وعلى التعليم، وعلى الإعلام، وعلى الأنظمة، وعلى كل شيء، وهو مماثل لما يسمونه بلغة الإدارة المعاصرة "وظيفة الضبط الإداري" فالبعض يتوقعون أن الحسبة هي مجرد الأمر بأداء الصلوات، فهذا هو جزء من الحسبة، ولكن نظام الحسبة في الإسلام نظام شمولي لكل أمور الحياة، يشمل أن المحتسب مسئول عن مراقبة كل شيء وتصحيحه وفق الشريعة الإسلامية.

    تربية الأفراد على معرفة الحقوق والواجبات

    رابعاً: تربية الأفراد على معرفة الحقوق والواجبات:

    ولا يعني هذا الغفلة عن أحدهما في اتجاه الآخر، فلابد أن يتعلم كل مسلم أن له حقاً ينبغي أن يطلبه ولا ينبغي أن يتخلى عنه، وأن عليه واجباً ينبغي أن يؤديه ويقوم به، ولا يجوز أبداً أن تطالب بحقك وأنت تتخلى عن واجبك، كما لا يجوز أن نعلم الناس الحق الذي عليهم ولا نعلمهم الحق الذي لهم.

    مثلاً: نتكلم عن الواجب على النساء، فنقول -مثلاً- أن من الواجب على المرأة إطاعة الزوج، وأن تقوم على خدمته، وأن تسعى في راحته...إلخ، هذا صحيح، لكن أيضاً يجب أن نقول: أن للمرأة حقوق على الزوج، هي أن يسكنها، ويكسيها، ويريحها، ويحسن معاملتها، ويبذل لها ما يستطيع، فيكون هناك توازن بين هذا وذاك.

    بناء الإعلام الناقد الحر

    خامساً: بناء الإعلام:

    بناء الإعلام الناقد المربي الأمين الحر الذي يعرض الأوضاع الصحيحة بعيداً عن التهويل والمبالغة أو التزكية المطلقة، وكما أسلفت فإن الإعلام الناضج هو من أفضل الوسائل في كشف الفضائح ووضع النقاط على الحروف، كما هو الحال في بلاد الغرب.

    إعداد الدراسات والبحوث عن حقوق الإنسان في الإسلام

    سادساً: إعداد الدراسات عن حقوق الإنسان في الإسلام وإيضاح ذلك للناس.

    إقامة الجمعيات التي تدافع عن حقوق الإنسان المسلم

    سابعاً: إقامة الجمعيات والمؤسسات والمنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان المسلم، فنحن نعلم أن هناك جمعيات غربية تدافع عن حقوق الإنسان، بل هناك جمعيات عربية تدافع عن حقوق الإنسان العربي، فنحن نحتاج إلى جمعيات تدافع عن حقوق الإنسان المسلمٍ، ولا يجوز أن يكون الدفاع عن حقوق الإنسان حكراً على النصارى الذين يستخدمون مثل هذه الأشياء -أحياناً- لأغراض دعائية ينبغي أن ينبري من أهل القدرة والإمكانية من يقيمون في بلاد العالم كله جمعيات للدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة الدفاع عن حقوق الإنسان المسلم.

    مثلما نجد في منظمات العفو -مثلاً- إحدى منظمات العفو في بريطانيا فيها أكثر من مائتي ألف عضو منتسبين إليها، وتنتشر في أكثر من أربعين بلد في العالم، إضافة إلى عشرات من المراسلين والباحثين المتخصصين المتفرغين. ولابد من استخدام وسائل التأثير كما أسلفت.

    واجب العالم والداعية في الدفاع عن المضطهدين

    وأخيراً فإن هناك واجب على العالم والداعية والخطيب في الدفاع عن المضطهدين والمظلومين من المسلمين خاصة، وذلك من خلال الفتوى التي تصدر، والنصيحة العامة والخاصة، والكتابة، والتعليم، والحديث، والتدخل في هذه الشئون ورعاية أحوال المضطهدين.

    وأختم هذه الكلمة بأن أقول: على العالم والداعية حق أكبر لأنه يستطيع أن يفعل مالا يستطيع غيره من جمهور الناس، وأيضاً بقدر ما عليه من الحق فإن له من الواجب على غيره، فللعالم والداعية أيضاً حق أكبر مما لجمهور الناس أو سائر الناس في حفظه في حضوره وغيبته.

    أرجو ألا أكون قد أثقلت عليكم أو أطلت أو أمللتكم بمثل هذا الحديث، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بما نقول ونسمع، وأترك جزءاً قصيراً من الوقت للإجابة على بعض الأسئلة الضرورية.

    1.   

    الأسئلة

    منهج التستر على الأخطاء

    السؤال: ذكر بعضهم أن جبهة الإنقاذ في الجزائر ليست مؤهلة لحمل رسالة الإسلام، وذكر بعضهم أنك تعلم أن على الجبهة أخطاء ولكنك تخفيها؟

    الجواب: في الواقع أن مسألة أنهم جديرون أو ليسوا بجديرين هذا أمر إلى الله، فإن الله تعالى سيمكنهم كما قال تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:40-41].

    أما مسألة الأخطاء ففي الواقع أنا لا أرى أن التستر على الأخطاء منهج صحيح، بل دعوت وناديت مراراً وتكراراً بالنقد الهادف البناء على كافة المستويات، على مستوى الدول، وعلى مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وعلى مستوى الدعاة، وعلى مستوى الجماعات، وأعتقد أن هذا -بإذن الله تعالى- خير علاج وشفاء لأمراضنا. ولكنني في الواقع لست ممن يتلذذون بأن يلوكوا ما يعتبرونه أخطاءً للآخرين، وأنا أخاف أن أقع في أحد بغير علم، فأحرص على التحري، وإذا أردت أن أدرس أخطاء فئة بعينها فلابد أن أطلع على كل شيء.

    لقد رأيت بعض الإخوة وقعت في يده ورقة واحدة عن جبهة الإنقاذ فقام وعلق عليها تعليقات طويلة تنم عن كراهية الله أعلم بدوافعها، ولكنني أملك وثائق كثيرة جداً تؤكد أن مثل هذه الورقة لم يكن يصح أو يصلح أن يعتمد عليها في الحكم على عمل كبير كعمل جبهة الإنقاذ في الإسلام.

    وعلى كل حال فإننا نقول: جبهة الإنقاذ وغيرها هي عبارة عن أواني ووسائل إلى تحقيق نصر الدين، ونقول: ليذهب الأشخاص ولتذهب الأسماء والرايات واللافتات المهم أن ينتصر دين الله سبحانه وتعالى في الأرض.

    التفاوت في الأداء بين المسلمين وغيرهم

    السؤال: إن الإسلام كرم المسلم، فبعض الناس عنده عامل غير مسلم يفضله على المسلم، فما حكم ذلك؟

    الجواب: أما إن كان يفضله على المسلم لدينه فلا شك أن هذه ردة عن الإسلام، أما إن كان يفضله؛ لأنه أكثر جدية في العمل أو أكثر عملاً، فهذا قد يكون أمراً واقعاً، مع الأسف الشديد أن الغرب عمل على تجهيل المسلمين في البلاد التي استعمرها، فأصبحت تجد كثيراً من المسلمين عندهم جهل وتخلف وعدم معرفة، ولكن على الإنسان بكل حال ألا يستخدم إلا المسلم، وأن يحرص من كان عنده عمال غير مسلمين أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا وإلا استبدل بهم مسلمين.

    أخبار السودان

    السؤال: ما هي آخر أخبار السودان؟

    الجواب: في الواقع ربما يسأل الأخ عن قضية في جنوب السودان، الانتصارات تتوالى، وقد أنشئوا جيشاً شعبياً إسلامياً قام بطرد "جون قرنق" وأنصاره من جنوب السودان، وسيطر على الجنوب، و"جوبا" هي آخر معقل يمكن أن يهيمنوا عليه بإذن الله تعالى وما حوله، وأرجو أن يكونوا بذلك وضعوا نهاية لتمرد النصارى في الجنوب.

    العنصرية الغربية برزت جيداً فقد صرحت أمريكا قبل أسبوع تقريباً بأنه لا مانع لديها من تقسيم السودان إلى دولتين: دولة مسلمة ودولة نصرانية، وهذه لهجة غريبة جداً لأنها تصرح دائماً وأبداً أنها لا تقبل تقسيم الدول، فما بالها الآن قبلت!! قبلت لأنها تعرف أن في ذلك حفظاً للنصارى، وأمريكا الآن تسعى إلى إيجاد دول نصرانية في أفريقيا، أثيوبيا، والحبشة وغيرها من أجل اكتساح الإسلام، وأيضاً تسعى إلى تحويل الدول الإسلامية كما هو الحال في الصومال الذي يشكل المسلمون فيه نسبة (100%) تسعى إلى القضاء على هذه الدول من أجل تحويل أفريقيا إلى قارة نصرانية عام (2000م) كما يحلمون ويطمعون بذلك!!

    وأما بالنسبة للحكومة في السودان فهي بشكل إجمالي حكومة إسلامية وتقف وراءها جبهة الإنقاذ القومية، ولها جهود كبيرة في مجال القضاء على المنكرات، وإيجاد شرطة شعبية تقوم بدور الهيئات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء على دور الدعارة والفساد ومنع المخدرات، ولها حركات طيبة في التقدم نحو تطبيق الشرع، وكل هذا مما يحمد ويشكر وينبغي أن نقول لهم: أحسنتم، أحسنتم، وهذا لا يمنع من وجود ملاحظات، هناك ملاحظات على الإعلام، هناك ملاحظات على الاقتصاد، هناك ملاحظات على الأوضاع الاجتماعية، هناك ملاحظات في أسلوب التعامل مع الجهات الأخرى، يحتاج كل ذلك إلى أن ينصحوا فيه.

    ومن التعاون معهم والفرح بانتصار الإسلام في السودان أن نناصح هؤلاء، ونحذرهم من الأخطار التي تهددهم، من خلال التعامل مع بعض الدول مثلاً ذات الطابع العقائدي المنحرف، أو من خلال بعض القوى الأخرى، أو من خلال بعض الطرق الصوفية إلى غير ذلك من الأمور، وينبغي أن نعلم أن ذكر الملاحظات هنا أمر طبيعي وليس فيه ما يعاب، فنحن بقدر ما نفرح ونسر -علم الله- بأي كسب أو انتصار ولو جزئي للإسلام؛ فإننا نرى أن من الوفاء لهذا الكسب أن ننبه على بعض الملاحظات في هذا المجال نقولها إجمالاً لضيق الوقت، وربما تحدثنا عنها بصورة مفصلة من خلال الوسائل التي نعتقد أنها تثمر وتجدي.

    حكم مس الحائض المصحف

    السؤال: ما حكم قراءة القرآن الكريم أثناء الدورة الشهرية؟ ليست تلاوة تعبدية وإنما خشية النسيان، ويكون بحائل، وكذلك الحفظ أو ترديد الآيات غيباً ومنها الأذكار من المعوذات وآية الكرسي إلى غير ذلك؟

    الجواب: المسألة لا شك فيها خلاف، فمن أهل العلم من يرى أنه لا يجوز للحائض أن تقرأ شيئاً من القرآن ويستدلون بأحاديث منها حديث: {لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن} وهو ضعيف، ومن العلماء من يجيز ذلك مطلقاً دون قيد أو شرط.

    والذي أراه أنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن سواء كان ذلك بغرض الاختبار أم كان ذلك خشية النسيان، أو كان ذلك تعبداً كما تقرأ شيئاً من القرآن أو تقرأ آية الكرسي أو الأذكار المعوذات أو غيرها فإن ذلك كله جائز على القول الراجح ولا دليل على منعه، والممنوع أن تمس الحائض المصحف، فإنه لا يمس القرآن إلا طاهر، فالراجح كما هو مذهب الأئمة الأربعة: أن المحدث يحرم عليه مس المصحف إلا من وراء حاجز أو ساتر، فإذا احتاجت إلى مس المصحف فإنها تمسه من وراء ثوب أو منديل أو غير ذلك.

    أعتذر إليكم أشد الاعتذار وأوفاه عن عدم قدرتي على الإجابة على أسئلتكم، وأتمنى أن تتاح لي فرصة لأجيب عليها كلها، فإن فتح الله شيئاً من ذلك فبفضله ورحمته والحمد له، وإلا فأسأل الله تعالى أن يوفقكم إلى من يجيب عليها، وأن يجمعنا وإياكم على طاعته، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واغفر لنا في الآخرة والأولى إنك على كل شيء قدير.

    والحمد لله رب العالمين.