إسلام ويب

المواعظللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس دعوةٌ إلى التوبة ومحاسبة النفس، والاتعاظ بالآيات الكونية والشرعية، كما أنه يحتوي على بيان قابلية العقل والقلب للطغيان أمام موجات الشبهات والشهوات، وفيه كذلك ذكرٌ لبعض المواعظ وأسباب الهداية والفلاح.

    1.   

    توبة ومحاسبة وندم

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وصلى اللّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا قلباً يشتاق إليك، ولا عيناً تنظر في ملكوتك، ولا أذناً تستمع إلى كلامك.

    قصيدة تائب

    يا منـزل الآيات والفرقان     بيني وبينك حرمة القرآنِ

    اشرح به صدري لمعرفة الهدى     واعصم به قلبي من الشيطانِ

    يسر به أمري وقَضِّ مآربي     وأَجِرْ به جسدي من النيرانِ

    واحطط به وزري وأخلص نيتي     واشدد به أزري وأصلح شأني

    واقطع به طمعي وشرف همتي     كثر به ورعي وأحي جناني

    أسهر به ليلي وأظمِ جوارحي     وأسل بفيض دموعها أجفاني

    أنت الذي صورتني وخلقتني     وهديتني لشرائع الإيمانِ

    أنت الذي أطعمتني وسقيتني     من غير كسب يدٍ ولا دكانِ

    أنت الذي آويتني وحبوتني      وهديتني من حيرة الخذلانِ

    وزرعت لي بين القلوب مودة     والعطف منك برحمة وحنانِ

    ونشرت لي في العالمين محاسناً     وسترت عن أبصارهم عصياني

    وجعلت ذكري في البرية شائعاً     حتى جعلت جميعهم إخواني

    والله لو علموا قبيح سريرتي     لأبى السلام علي من يلقانِ

    ولأعرضوا عني وملوا صحبتي     ولبؤت بعد كرامة بهوانِ

    لكن سترت معايبـي ومثالبي     وحلمت عن سقطي وعن طغياني

    فلك المحامد والمدائح كلها     بخواطري وجوانحي ولساني

    فلقد مننت علي ربِّ بأنعم     مالي بشكر أقلهن يدانِ<

    نياحة أبي الوفاء ابن عقيل

    قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: " كنت أرجو مقامات الكبار فذهب العمر وما حصل المقصود، فوجدت الإمام أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح على نفسه نحو ما نحت، فأعجبتني نياحته فكتبتها هنا قال لنفسه: يا رعناء! تقومين الألفاظ ليقال: مُناظِر، وثمرت هذا يا مناظر، كما يقال للمصارع الغارة، ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء وهي أيام العمر، حتى شاع لك بين من يموت غداً اسم مناظر، وينسى الذاكر والمذكور إذا درست القبور، هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك، فموهوا له، وصار الاسم له، والعقلاء عن الله تشاغلوا بما إذا انطووا نشرهم وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم.

    أفٍ لنفس وقد سطَّرت عدة مجلدات في فنون العلوم، وما عاق بها فضيلة، إن نوظرت شمخت، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم، وسقوط الغراب على الجيف، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة، توفِّر في المخالطة عيوباً تبلى، ولا تحتشم نظر الحق إليها، أفٍ والله مني اليوم على وجه الأرض وغداً تحتها! والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائق وأنا بين الأصحاب، والله إنني قد أبهرني حلم هذا الكريم عني، كيف يسترني وأنا أنتهك؟! ويجمعني وأنا أتشتت؟!

    وغداً يقال: مات الحبر العالم الصالح، والله لو عرفوني حق معرفتي ما دفنوني، والله لأنادين على نفسي نداء المكشِّفين معايب الأعداء! ولأنوحن نوح الثاكلين للأبناء! إذ لا نائح ينوح علي لهذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة، التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها، وهو الله، والله ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلاً بها: اللهم اغفر لي كذا بكذا، والله ما ألتفت قط إلا أجد منه سبحانه براً يكفيني، ووقاية تحميني، مع تسلط الأعداء، ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها.

    هذا فعله معي، وهو رب غني عني، وهذا فعلي وأنا عبد فقير إليه! ولا عذر لي فأقول: ما دريت أو سهوت، والله لقد خلقني خلقاً صحيحاً سليماً، ونوّر قلبي بالفطنة حتى إن بعض الغائبات المكنونات تنكشف لفهمي، فوا حسرتاه! على عمر انقضى في ما لا يطابق الرضا، واحرماني لمقامات الرجال الفطناء يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي! واخيبة من أحسن الظن بي! إذا أشهدت الجوارح علي، واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن، اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأقدار، وقد جئتك بعد الخمسين، وأنا من خلق المتاع، وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم، والله ما عصيتك جاهلاً بمقدار نعمتك، ولا ناسياً ما سلف من كرامتك، فاغفر لي سالف فعلي.

    هذا كلام إمام جليل وهو الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الذي له كتابالفنون في نحو ثمانمائة مجلد، وكان له مقامات في العلم والعمل والجهاد كثيرة، ولكنه مع ذلك تفطن إلى إسرافه على نفسه، وتقصيره في جنب الله عز وجل فناح على نفسه هذه النياحة الباكية، التي رآها الإمام ابن الجوزي الإمام الحبر الفذ الفهم، الذي كان يعظ فتنخلع القلوب، وتسيل الدموع، ويقوم من مجلسه مئات وألوف قد تابوا إلى ربهم جل وعلا وأنابوا، فناح على نفسه بنحوها، ورأى أنها تطابق ما في قلبه وما في نفسه، يقول:

    " وإن لم يكن هذا لعمل من الكبائر ارتكبته لئلا يظن بي ظان ما لست أهله؛ ولكن لأن عندي أعمالاً وتقصيرات لا تليق بمثلي، ولا تنبغي مني وقد أنعم الله تعالى عليَّ بنعمة العلم، والفهم، والذكاء " فهو يتوب إلى الله تعالى ويستغفره من ذلك.

    1.   

    خلق الإنسان مركبٌ من ثلاث

    المواعظ أيها الاخوة! هو الدرس الرابع والستون من سلسلة الدروس العلمية العامة، ينعقد في هذه الليلة ليلة الإثنين السابع والعشرين من شهر الله المحرم من سنة 1413هـ تأملت خلق الإنسان فوجدته مركباً من ثلاثة أشياء:

    العقل غريزة تدرك بها الأشياء

    الأول: العقل، وهو غريزة يدرك بها الإنسان الأشياء، فيعرف بها الخطأ والصواب، والحق والباطل، والصحيح من غيره، وهو يميز الإنسان عن الحيوان، وبه امتن الله على العبد، ومع ذلك فإن هذا العقل قد يشطح أحياناً، ويتعدى حده إلى ما لا يحل ولا يجوز.

    فالعقل: نعمة أنعم بها الله تعالى على الإنسان، ومن الأشياء التي قد يشطح إليها العقل مثلاً، أنه يفكر فيما لا يحل له، فيسترسل في النظر في أمور الغيب، كالتفكر في ذات الله عز وجل مع أن العبد لا يحيط بالله تعالى علماً، قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:10] وقال سبحانه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255].

    فالعقل عاجز عن إدراك حقيقة أسماء الله تعالى، وصفاته، أو معرفة كنهها، وكنه ذاته كما قيل:

    العجز عن دراك الإدراك إدراكُ      والبحث في ذاته كفر وإشراكُ

    ومثله التفكير في أمور الغيبيات التي لا يحيط بها الإنسان، بل يضيع العمر فيها في غير طائل وفي غير جدوى، بل هو باب يجر الإنسان إلى الضلال.

    ومثله أيضاً أن العقل قد ينجر أحياناً إلى الشبهات التي تطرأ عليه، شبهة في أمر الإيمان بالله عز وجل، شبهة في أمر القضاء والقدر، وكيف كلفنا الله -تعالى- العمل والعبادة مع أنه قضى علينا، وقدر، وكتب؟ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] فيظل العقل غاصاً بهذه الشبهة، قلقاً فيها، ينام عليها، ويصحو عليها، وهي تسير معه حيث سار فيتعكر الصفاء، وتكثر الهموم، حتى لا يكاد الإنسان يطمع في الفكاك من هذه الشبهات، وقد يستمر العقل أحياناً في بحث مسائل ليس لها أهمية دينية أو دنيوية، فليس فيها سوى ضياع التفكير، ككثير من مباحث الفلاسفة الذين يضيعون الأعمار فيها، ثم يكون نهاية أحدهم كما يقول:

    نهاية إقدام العقـول عقال       وأكثر سعي العالمين ضلالُ

    وأرواحنا في وحشة من جسومنا       وغاية دنيانا أذى ووبـالُ

    ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا       سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    فهي علوم وأبحاث لا تقرب من الله عز وجل ولا تقرب إلى الجنة، ولا تباعد عن النار، ولا تنفع في الدنيا، فليست من العلم الذي ينتفع به الإنسان في دنياه، تيسيراً للسفر مثلاً، أو تيسيراً للاتصال، أو تيسيراً لعلم، أو تيسيراً للعمل، أو تيسيراً للعبادة، لا هذا ولا ذاك، وإنما هي من فضول العلم الذي لا ينفع في دنيا ولا في دين.

    فيحتاج العقل حينئذٍ إلى وعظ يردعه، ويعالجه، ويقمعه، ويوقفه عند حده، فيقول له: قف لا تتعدى هذه الحدود التي حدها الله تعالى لك، فلا تغتر أيها العقل بقوتك وأنت الصغير، بل اشتغل فيما شرع الله تعالى لك، وفيما تعبدك فيه، ودع عنك ما سوى ذلك.

    القلب مستودع المشاعر والأحاسيس

    الأمر الثاني: الذي ركب منه الإنسان: القلب، وهو مستودع المشاعر والأحاسيس، ومستقرها، فهو الذي يحب ويبغض، ويلين ويقسو، ويصح ويمرض، وهو مستودع المشاعر، فقد يتجه هذا القلب إلى مسلك حسن، فيكون فيه الإيمان، ومحبة الرحمن، والخشوع للقرآن، والإخبات إلى ذكر الله تعالى وطاعته والانقياد له.

    حينئذٍ يكون نعمّا هو، وقد يسترسل القلب وينحرف إلى شهوة حرام، شهوة في الملبس، فيلبس ما حرم الله تعالى عليه، حريراً، أو إسبالاً، أو ثوباً مغصوباً، أو أَُبَّهة، أو ثوب شهرة، أو يأكل ما حرم الله تعالى عليه، أو يشرب ما حرم الله تعالى عليه، أو ينكح ما حرم الله تعالى عليه، أو يسترسل إلى طلب شهرة يركض وراءها ويعشقها حتى تكون الشهرة هي معبوده على الحقيقة، يتكلم من أجلها ليقال: هو فصيح، ويسكت من أجلها ليقال: صاحب صمت، وفكر، وزهد، وعبادة! أو رياسة يسعى إليها، ويشرأب لطلبها! فيبذل لطلبها الغالي والنفيس، ويرتكب في سبيلها ما حرمه الله ودعا إليه إبليس.

    أو يكون معبوده المال، فمن أجله يحب ويباغض، ويقرب ويباعد، ويسهر الليالي الطوال، ويحب المال من حرام أو من حلال، فيحتاج القلب حينئذٍ إلى وعظ يوقفه عند حده، ويقمعه عن غيه، ليرعوي ويزدجر، فهذا هو العنصر الثاني.

    الجسم مطية يركبها العقل والقلب

    أما العنصر الثالث فهو الجسم: وهذا الجسم بأعضائه، وجوارحه، وقوته، هو مطية ذلول، يركبها العقل ويركبها القلب إلى ما يريدان، فإذا اقتنع العقل بشيء حرك إليه الجسم، وقال له: هلم إلى هذا المكان ففيه مصلحة لي في الدنيا أو في الآخرة، فيحرك الجسم إلى ما يرى، كأن يذهب الإنسان إلى إجراء عملية جراحية يعلم أنها مؤلمة، وأن فيها مشقة عليه، ولكنه يقتنع بعقله أن فيها مصلحة له، فالقلب يقول: أحجم، والعقل يقول: أقدم.

    وكذلك إذا اشتهى القلب شيئاً حرك الجسم إلى ما يشتهي ويريد، كأن يقصد الإنسان المحبوبات في هذه الدنيا، وهي كثيرة من الملاذ بالنسبة لأهل الدنيا، فهو يركض إلى ما يحب من مأكل، أو مطعم، أو مشرب، أو منكح، أو غير ذلك، ومثله أيضاً الإقبال على الطاعات عند أهل الآخرة، فإنك تجد أحدهم وهو يسعى إلى عبادة، أو طاعة، أو صوم، أو ذكر، أو طواف، أو حج، أو عمرة، أو جهاد، يركض إليها ركضاً يخشى أن تفوته، مع أنه يعلم أنه ربما كان فيها عطيه، ولكن قلبه آمن أن هذا الطريق مرضاة لله عز وجل فأقبل عليه وهو يقول:

    رضيت في حبك الأيام جائرة     فعلقم الدهر إن أرضاك كالعذب

    ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كتب على ابن آدم حظه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه}.

    فأنت ترى الآن أن مدار هذه الأشياء كلها على القلب، فإذا تمنى القلب نظرت العين، وأصغت الأذن، وامتدت اليد، ومشت القدم، ثم توقف الأمر على الفرج.

    فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النازعات:37-38] فإنه يقبل على شهواته لا يلوي على شئ، وهو يقول: عجل وتمتع بهذه الشهوات قبل الموت!

    أفق وصب الخمر أنعم بها     واكشف خفايا النفس من حجبها

    وروي أوصالي بها قبلما           يصاغ دن الخمر من تربها

    هكذا يقول الفاجر!! فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النازعـات:37-38]

    وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40] فإنه وإن استرسل وراء نظرة خائنة، أو حركة عابثة، أو خطوة غير مدروسة، فإنه إذا جد الجد، وحزم الأمر، ووقف أمام الفاحشة الكبرى، تذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل وتذكر نظر الله تبارك وتعالى إليه، فكف نفسه عن الهوى وأقلع.

    ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: { والفرج يصدق ذلك أو يكذبه } كان ذو الكفل كما في سنن الترمذي، ومستدرك الحاكم، ومسند أحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح: {أن الكفل كان رجلاً مسرفاً على نفسه بالمعاصي، فأراد امرأة يوماً فأبت عليه، ثم أصابتها حاجة فجاءت إليه، وقالت: هلم على أن تعطيني حاجتي، فأعطاها مائة دينار، ثم قعد منها مقعد الرجل من امرأته، فارتعدت وبكت، فقال لها: ما يبكيكِ؟ قالت: هذا أمر ما فعلته قط، وإنما فعلته الآن للحاجة، فأقبل على نفسه يوبخها ويقول: أنا العبد الذي ما ترك معصية إلا ارتكبها لا أبكي، وهذه امرأة ما فعلت معصية قط تبكي لله عز وجل أنا أحق بالخوف منها، ثم قام من عندها معرضاً تائباً إلى الله عز وجل فمات من ساعته فأصبح مكتوباً على بابه (إن الله تعالى غفر للكفل)}.

    {والقلب يتمنى؛ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} إذاً العين مطية، والأذن مطية، واليد مطية، والرجل مطية، والجسد كله مطية إلى ما يكون في هذا القلب من الأمنيات، والمطالب، والمقاصد، وما في هذا العقل من الأفكار، والقناعات، والآراء، هذا هو الجسم:

    يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته     أتعبت نفسك فيما فيه خُسران

    أقبل على الروح فاستكمل فضائلها      فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    إن قوة الإنسان، وإنسانيته، وفضله، ومكانته، ليست بقوة جسمه، فالفيل والبعير أقوى منه، وليست بكثرة أيامه ولياليه، وطول عمره، فإن النسر، والفيل، أطول عمراً منه، وليست بشدة بطشه، فالأسد والنمر أشد منه بطشاً، وليست بلباسه وزينته، وحسن هيئته، وجميل مظهره، فالطاووس وهو يختال، والدراج أحسن لوناً، وجسماً منه، ولا بقوته على النكاح، فالعصفور قالوا: أقوى منه، ولا بكثرة الذهب، والفضة، والأموال، فالمعادن والجبال أكثر ذهباً وفضة.

    لولا العقول لكان أدنى ضيغم     أدنى إلى شرف من الإنسان

    فهكذا عرفت أيها الأخ الكريم! فضل العقل، وفضل القلب، وأن الجسم خادم، والغريب أن بعض الناس كل همه أن يشبع، ويروي، وينعم جسمه بجميل الثياب، وجميل المناظر، وجميل المطاعم، وجميل المشارب! فهو كمن يعلف دابته ثم يتركها مربوطة، لا يستخدمها في أمر ينفعه في دنيا ولا في دين! كان بعض السلف يأكل حلوى، فأقبل عليه أحدهم فعاتبه في ذلك، وقال: كيف تتوسع وتترفه في هذا المأكل؟! فقال: أعلفها حتى أحمل عليها، يقول: أعلف نفسي الآن لأحمل عليها. فهو يتقوى بالطعام والشراب على ما يقربه إلى رب الأرباب.

    1.   

    العقل والقلب قابلان للطغيان

    أيها الإخوة.. العقل، والقلب، والجسم تبع لهما، قابلان للطغيان والانحراف -كما أشرت- ومن حكمة الله عز وجل أن خلق الإنسان وابتلاه، فجعل أمامه طريق الخير والشر، فقال عز وجل: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] فلاحظ هذه الآية: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2] حكمة الخلق الابتلاء، (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) فالعين ترى، والأذن تسمع، فإذا رأت العين، أو سمعت الأذن أرسلت إلى القلب، والى العقل، فتأثر القلب بما يرى وبما يسمع.

    ثم قال سبحانه: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3] من الناس من ينظر فيكون نظره طاعة، ومنهم من يكون نظره معصية، جعل الله -تعالى- في الكون أموراً متقابلة فأنت ترى في الدنيا كلها مغريات تحرك القلب إلى المعصية، الصورة الجميلة، والصوت العذب، والملذة العاجلة، التي ينهمك فيها صاحب النظر القصير، كلها من المغريات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: {حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات} وفي لفظ: {حجبت}.

    أبواب الشهوات تفتح أمام القلب

    الدنيا مليئة بالشهوات التي يتخطاها العبد، فإذا تخطى شهوة وقع أمام ناظريه أخرى، قال بعض السلف: [[الكفر في أربعة أشياء: في الغضب، والشهوة، والرغبة، والرهبة، ثم قال: وقد رأيت منها اثنتين، رأيت رجلاً غضب فقتل أمه، ورأيت رجلاً عشق فتنصر]] هذا أثر الغضب، وهذا أثر الرغبة في القلب، ومثله الرغبة والشهوة، فإنها تجر إلى أشد من ذلك.

    قال الله تعالى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12] قال بعض المفسرين: بما صبروا عن الشهوات.

    الشهوة لم تتبرج مثلما تبرجت في هذا العصر، فأصبحت تَرَى في المكتبة أعداداً غفيرة من المجلات، التي تتاجر بصورة المرأة الجميلة، وهي في عز شبابها، وقد قدمت لها الصورة الملونة التي إذا رآها الشاب المراهق افتتن بها وتأثر، فأغلقت عليه منافذ التفكير، وغاب العقل، وحضر الهوى والشهوة، فأصبح الإنسان ينظر ويتملى، ثم قد يجره ذلك إلى ما بعده.

    الأفلام الخليعة الماجنة التي أصبحت ليست صورة جامدة أمام الإنسان، بل صورة متحركة! كأنها تحكي الواقع بكل تفاصيله، وهي تقول للإنسان: هيت لك! يختارون لها أجمل النساء وفي أبهى الثياب، وبحركات خليعة تنخلع لها قلوب ضعاف النفوس وقصار النظر، ثم معها الأصوات العذبة، الجميلة، المؤثرة، ومعها الكلمات الهامسة المحركة لساكن الشهوة، وأصبحت هذه الأشياء في عرف الكثيرين مما لا ينكر!

    فأنت إذا قلت: هذا فيلم خليع، ترامى إلى نظر البعض الأفلام المتعلقة بالرذيلة العارية، وتصوروا أن الأفلام المسموحة المباحة قانوناً ونظاماً ليست داخلة في هذا الباب، ولا أدري أي شئ بقي بعد أن عرض الرجل والمرأة على سرير واحد، وعرضت المرأة ليس عليها ما يسترها أو يغطيها، إلا ما يستر سوءتها فحسب؟! وربما تلبس ما يزيدها إثارة، وحسناً، وجمالاً! وماذا بقي بعدما أصبح الرجل يتحدث إلى المرأة، كما يتحدث الرجل إلى زوجته وهما في المخدع؟! فكل ذلك مما سلط على الإنسان لاستثارت كوامنه، وليتحقق فيه معنى الابتلاء مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2] لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً الملك:2].

    وأشد من ذلك البث المباشر الذي تحدثت عنه سابقاً، وتحدث عنه غيري، وهو الآن يقرع نواقيس الخطر على أبواب المسلمين، فيتلفت الناس ويصابون بما يصابون به، فهاهنا نقول لهم: كل ما يقضيه الله تعالى ويقدره للمؤمنين فهو خير، دع الناس يتمحصون، ويتمحضون، ويتبين منهم الصادق من الكاذب، والمؤمن من الفاجر، والتقي الورع من المقبل على المعاصي، لا ينكف عنها إلا خوفاً منها، أو عجزاً عنها.

    انظر إلى الجمال الذي ظهر في هذا العصر كما لم يظهر من قبل، الرذيلة التي تيسرت زماناً ومكاناً، حتى أصبحنا نجد الإعلانات عن السفريات والتسهيلات للشباب في الصحف صباح مساء، وهي تدعوهم إلى قضاء أوقات إجازاتهم في أماكن الفساد، وفي الفنادق، وفي المخيمات، والمعسكرات، بل وتتيح لهم في بلادهم من ذلك ما لم يكن متاحاً لهم من قبل، وتعلن لهم التيسير، والتسهيل، والتخفيض وغيره!

    انظر إلى الأصوات، انظر إلى المآكل المحرمة اليوم، وقد أصبحت في متناول الإنسان في بيته، وسوقه، والمتجر، وفي كل مكان! انظر المشارب المحرمة، والمناظر المغرية، إلى غير ذلك مما تبرجت به الشهوة في هذا العصر، كما لم تتبرج من قبل، وأصبحت سهاماً موجهة إلى قلوب الناس، هذه الأشياء كلها تخاطب القلب، وتهز الوجدان، وتحاول أن تزلزل وتزعزع الإيمان فيه.

    أبواب الشبهات تفتح أمام العقل

    أما العقل فقد فتحت أمامه أبواب الشبهات، وصارت الدنيا مليئة بالمذاهب الفلسفية، والنظريات التي يسمونها أحياناً نظريات علمية، والفرضيات، والاحتمالات الظنية، والدراسات والبحوث المنمقة بجميل الألفاظ، وحسن الترتيب، والتبويب، وحسن الاستدلال أحياناً، والتي سرقت من الناس طمأنينة إيمانهم، وهدوء قلوبهم، وسلامة فطرتهم، وجعلت الكثيرين منهم في أمر مريج!

    1.   

    أسباب الهداية والفلاح

    وأمام هذا وذاك تحركت العقول إلى الشبهات، وتحركت القلوب إلى الشهوات، فيتساءل الإنسان ماذا يكافئ هذا وذاك؟! فنقول: يكافئهما مواعظ الله تعالى لابن آدم، فالله تعالى لا يظلم أحداً وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] والذي وضع وخلق هذه المغريات، وضع بإزائها أسباب الهداية والفلاح، وهي كثيرة:

    معرفة الله عز وجل

    أولها وأعظمها: معرفة الله -جل وعلا- فكيف يعصي الله تعالى من عرفه وهو يعلم أنه مطلع عليه؟!

    كيف يخالف أمره وهو يتقلب في نعمته؟!

    كيف يخالفه إلى معصيته وهو يعلم أنه صائر إليه واقف بين يديه؟!

    فيا عجباً كيف يعصى الإله؟!     أم كيف يجحده الجاحدُ؟!

    ولله في كل تحريكةٍ     وفي كل تسكينةٍ شاهدُ

    وفي كل شيء له آيةٌ     تدل على أنه الواحدُ

    أسماؤه تعالى، وصفاته، وأفعاله، منها ما يوجب الخوف منه فهو الجبار، المنتقم، القوي، العزيز، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123] فيتذكر العبد أن الله -تعالى- شديد العقاب، جبار يأخذ من عصاه أخذ عزيز مقتدر.

    ومن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، ما يوجب الرجاء فيما عنده، فهو سبحانه الرحمن الرحيم، وتعرف إلى عباده بذلك، فالمسلم يقول في كل مناسبة: بسم الله الرحمن الرحيم، وهو الغفور الودود، فلا ييأس من رحمة الله تعالى قط وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56].

    ومن أسمائه، وأفعاله، وصفاته، ما يوجب محبته لإحسانه إلى خلقه، وتعطفه، وتحننه إليهم، وحلمه وصفحه عنهم، وعدم معاجلته لهم بالعقوبة، بل هو سبحانه ينـزل عليهم من الخير، والبر، والعطاء، في الوقت الذي ترتفع إليه سبحانه منهم المعاصي والذنوب! ولهذا جاء في الحديث القدسي: {إني والأنس والجن لفي نبأ عجيب أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي! خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد}.

    فإذا عرف الإنسان ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ اجتمع في قلبه محبة الله تعالى فلا مكان في قلبه للعشق الحرام، وخوفه سبحانه! فلا مكان في قلبه لخوف غير الله، ولا مكان في قلبه للمعاصي الكبار، وهو يخاف الله تعالى، واجتمع في قلبه الرجاء فيما عنده، فلا ينقطع حبل رجائه بربه، فيجتمع الحب والخوف والرجاء، ولهذا قال بعض السلف: [[من عَبَدَ الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله تعالى بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله تعالى بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله تعالى بالحب والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد]].

    ليس العجب من الكافر الذي لا يعرف الله تعالى أن يعصيه، بل العجب كل العجب من المؤمن العارف بربه الذي يقرأ في القرآن أسماء الله تعالى، وصفاته، ويردد صباح مساء قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر:22-24] ثم يخالف إلى معصية الله تعالى!

    1- لماذا الحق نتركه والباطل نفعله؟

    سأل بعضهم: لماذا اعتقادنا صحيح، وفعلنا بطئ؟! نعرف الحق ونتركه، ونعرف الباطل ونفعله؟

    فأجاب بعض أهل العلم أن ذلك لثلاثة أسباب:

    أولها: رؤية الهوى العاجل، والشهوة الحاضرة، فإنها تطغى على القلب حتى تشغل الفكر عن التفكير فيما يجنيه الفعل من العواقب الوخيمة.

    الثاني: التسويف بالتوبة، ولهذا قال بعض السلف: [[أنذرتكم سوف]] سوف أقوم، سوف أعمل، سوف أصوم، قال الله تعالى: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14]

    التمني: الأمل {يكبر ابن آدم، أو يشب ابن آدم، وتشب معه خصلتان، حب الدنيا، وطول الأمل}.

    يريد الفتى طول السلامة جاهداً     فكيف يرى طول السلامة يفعل

    التسويف: وما حال المسوف إلا كحال إنسان خرج وهو في سن الأربعين من بيته إلى المسجد، فوجد في الطريق شجرة، فقال: أقطعها لأزيلها عن طريق الناس، فحاول فوجدها صعبة، فتركها، وقال: أعود إليها غداً، ونسي هذا الإنسان أنه إذا عاد إليها غداً سيجد أن قوته قد ضعفت، وأن الشجرة زادت قوة، ورسوخاً، وعمقاً في التربة.

    فهكذا المعصية إذا تركتها اليوم ولم تتب منها الآن، وقلت: أتوب غداً؛ فأنت غداً إيمانك يضعف، والمعصية تترسخ وتتعمق في قلبك، ويعز عليك تركها.

    السبب الثالث: رجاء الرحمة: فنجد العاصي يقول: ربي رحيم، وينسى أنه شديد العقاب، وأن عذابه غير مأمون، فإنه سبحانه وتعالى شرع قطع اليد الشريفة في خمسة قراريط، فما يؤملك أن يعذبك غداً في الدار الآخرة!

    تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي     درك الجنان بها وفوز العابدِ

    ونسيت أن الله أخـرج آدمـاً      منها إلى الدنيا بذنب واحدِ

    المسرف على نفسه يقول: ينبغي أن يذكر وهو يقول: ربي غفور رحيم بقول الله تعالى نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] وقول الله عز وجل عن الصالحين الصادقين أنهم كانوا يقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:10] وقولهم: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] يعني خائفين من عذابه عز وجل، وجلين من عقوبته، وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:27-28].

    فلمن خلقت النار؟ ولمن نصب الصراط؟ إن من خاف في الدنيا أمن في الآخرة، ومن أمن في الدنيا خشي عليه أن يطول خوفه يوم الحساب، ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم- رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله} وأَمَا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    2- معنى إحصاء أسماء الله تعالى:

    من الناس من قد يعرف أسماء الله عز وجل فلو طلبت منه أن يعدها عليك لعدها، ولا ينكر شيئاً منها، ولكنها لا تؤثر في حياته، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: {إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة} وقد جاء عَدُّ هذه الأسماء في حديث عند الترمذي وغيره، ولكنه ليس بقوي، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم: {أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة} ليس المقصود من عدها فقط، فإن الإنسان قد يحفظ القرآن، وقد يحفظ أسماء الله الحسنى، ومع ذلك كم قارئ للقرآن والقرآن يلعنه!

    ولكن المقصود بإحصائها أمر وراء ذلك، فمن إحصاء أسماء الله -تعالى- أن يحفظها ويعرفها، ومن إحصاء هذه الأسماء أن يعرف معانيها، فلو قلنا له: ما معنى القدوس؟ ما معنى السلام؟ ما معنى المؤمن؟ ما معنى المتكبر؟ ما معنى المهيمن؟ لعرف.

    ومن إحصائها أن يؤمن بذلك إيماناً حقيقياً لا تحريف فيه، ولا تعطيل، ولا تغيير، ولا تبديل، ومن إحصائها أن يستحضرها في قلبه، وخاصة عند الطمع، والرغبة، أو الرهبة، أو عند الطاعة، أو المعصية فيستحضرها عند الطاعة ليقبل عليها، ويستحضرها عند المعصية فينكف عنها.

    ومن إحصاء أسماء الله تعالى أن يدعو الله تعالى بها: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180] فيقول يا رحيم! ارحمني، يا غفور! اغفر ليَ، وهكذا.

    هذا وإن كان ينبغي أن لا يدعو إلا بما ثبت من الأسماء.

    هذا واعظ الله عز وجل في قلب ابن آدم، فكيف يعصي الله من لله تعالى في قلبه تعظيم؟!

    وكيف يقصر في طاعته من يعلم أن الله تعالى يسمع ويرى؟!

    ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:217-219] فإذا تذكر العبد أن الله تعالى يراه وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    إذا تذكر أن الله تعالى يراه في الطاعة صبر عليها، وعند المعصية أعرض عنها، وعند الابتلاء صبر طمعاً في رضوان الله جل وعلا، وأنت ترى الإنسان في هذه الدنيا لو كان يعاني أمراً من أمور الدنيا في وظيفة أو عمل، ثم وجد أن الرئيس ينظر إليه، وهو يتعب في هذا العمل، يحصل في قلبه فرح، وطرب، وانتعاش، ويحصل في نفسه سعادة أن الرئيس، وهو بشر مثله، اطلع عليه وهو يعاني أمراً من الأمور، ولو أن موظفاً عرضت عليه رشوة فرفضها، ثم اطلع عليه رئيسه على هذا الأمر، وعلم به لأصابه من السرور، والنعيم، والحبور شئ كثير، فكيف بالعبد إذا علم أن الله تعالى يراه والمعصية تناديه، وينكف عنها، ويقول: إنني أريد ما أريد... لله تعالى؟

    ذكر الجنة والنار

    ومن المواعظ لله تعالى في قلب ابن آدم ذكر الجنة والنار، فإنهما المصير والقرار، قال الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] من شاء آمن ومن شاء كفر، ولكن عليه أن يعلم أن هذا الاختيار، وهذا القرار، له ما بعده، ولهذا أعقب بقوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29] ثم قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:30-31].

    نعم، إليك الاختيار، ولكنه اختيار أنت مسئول عن عواقبه، وليست المسألة صفقة تجارية، غايتها أن تخسر شيئاً من المال، ولا المسألة مغامرة يمكن أن تموت فيها، لا،بل هي الجنة أبداً، أو النار أبداً ربح النفس أو خسارتها، وأي خسارة أعظم من أن يخسر الإنسان نفسه التي بين جنبيه! قال تعالى: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الشورى:45].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أوقد على النار ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة} رواه مالك والترمذي وغيرهم،

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والحديث في مسلم: {يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعين ألف ملك يجرونها}.

    أي: جسم يتحمل هذا العذاب الشديد! هذا الجسم الرخو، اللين، الغض النظيف، الذي تحاذر منه النسمة الحارة، الألم البسيط، لا طاقة له بمقاساة أهوال النار والسعير، تقول: هذا حديث قد يصح وقد لا يصح، أقول لك: هو حديث صحيح، وفي القرآن وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر:36-37] تسمع هذه الآية كأنك تسمع أصوات تضاغيهم في النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37] إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيراً [الإنسان:4].

    وبالمقابل الاختيار الآخر عاقبته الجنة، أدنى أهل الجنة منـزلة -كما في الصحيح- من له الدنيا وعشرة أمثال الدنيا، فإن لك الدنيا وعشرة أمثالها: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:33-35] لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [الدخان:56] نعيم، وحرير، وصحاف، ودر، ونعيم ما تجلى لقلب بشري، أو دنا منه فكر!

    من الناس من يذكر الجنة ومن يذكر النار، ولكنه يذكرها ليبكي فقط، فإذا ذكرت النار بكى وأعول، وتعوذ بالله منها، وإذا ذكرت الجنة بكى وسأل الله تعالى الجنة، ولاشك أن هذا وذاك مشروع، فإن الله تعالى ذكر النار لنتعوذ منها، وذكر الجنة لتسألها كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من النار، ولما قال الأعرابي: { يا رسول الله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ! ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولهما ندندن} فهو يسأل الله تعالى الجنة ويعوذ به من النار.

    ولكن تأمل في منهج القرآن في ذكر الجنة والنار، تجد أن ذكر الجنة والنار غالباً يكون في سياق الأوامر والنواهي، فيذكر الأمر ثم يتوعد على تركه، ويذكر النهي ثم يتوعد على فعله، فيعد المؤمنين ويوعد المخالفين، وينبغي للعبد أن يدرك أن ذكره للجنة والنار ينبغي أن يكون كذلك، فلا معنى لأن تبكي عند ذكر الجنة والنار وأنت ترابي، أو تبكي وأنت تسرق، وتظلم، وتكذب، فأي شيء في هذا!

    إذا لم يكن ذكر الجنة والنار واعظاً يردعك عن المعصية، ويحثك على الطاعة، فأي معنى لحقيقة الإيمان في قلبك إذاً، نعم نحن لا نحجر واسعاً، رحمة الله تعالى واسعة، والأمر كما قيل:

    ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي      ولا أنثني عن صولة المتهددِ

    وإني وإن أوعدته أو وعدته     لمنجز           إيعادي ومخلف موعدي

    فإن الله تعالى قد يعفو عن الذنب، لكن ما الذي أدراك أنك ممن عفا الله تعالى عنهم؟! ما الذي يؤملك أن تكون ممن أخذهم الله تعالى بذنوبهم؟! إما لأنك تهاونت بالذنب، أو لأنك أصررت عليه، أو لأنك كنت بموقع لم يكن منك مقبولاً بحال، أو لغير ذلك من الأعمال، أو لأنه ليس لديك أعمال صالحة تكافئك، ما الذي يؤملك أن يختم الله تعالى لك بخاتمة سوء، على معصية فعلتها، أسررت بها أو أعلنت؟!

    ذكر الموت

    ثالث هذه المواعظ: هو ذكر الموت، وما بعده من العذاب أو النعيم في القبر، في سنن النسائي وغيره يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {أكثروا من ذكر هادم اللذات} أي: الموت، فإنه يقطع اللذات عن الإنسان، والغريب في أمر الموت أن لا أحد ينكره، حتى الكفار يصرحون، ويقولون: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً [المؤمنون:82] فهم يتصورون الموت، ويتصورون أنفسهم في القبور، وقد حالوا إلى التراب، ولعبت الديدان بأجسادهم، ولكنهم مع ذلك يصرون على ما هم عليه.

    الغريب في الأمر أن الجميع يؤمنون به، ولكن قال: من يضعه نصب عينيه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، عند أحمد وأصحاب السنن، من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع -وذكر منها - ويؤمن بالموت} والمقصود حينئذٍ أن يتحول اقتناعك العقلي، بأن الموت قادم إليك، أن يتحول إلى شعور قلبي، يدفعك إلى الطاعة، ويردعك عن المعصية.

    قال بعض أهل العلم: أي عيش يطيب وليس للموت طبيب، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: [[كفى بالموت واعظاً، وكفا باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً]] وقال الحسن البصري: [[ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت على غفلتهم عنه، ولا رأيت صدقاً أشبه بالكذب من حب الناس الجنة مع تركهم لعملها]].

    1- حال السلف مع الموت:

    كان عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أميراً مرفهاً، حسن البزة، حسن الثياب، فلما ولي الخلافة وكان ذا نفس طموحة، طمح إلى الجنة فجعل الدنيا تحت قدميه، وأقبل على الآخرة، فكان يكثر من ذكر الموت، فإذا نظر إلى جسمه قال: " فكيف رأيته بعد ثلاث حينما يوسد في قبره " فعرف الناس منه ذلك، فلما كان يجول في الأمصار حضر بعض الشعراء، وكان من عادة الشعراء إذا وقفوا أمام الأمراء أن يشتغلوا بالمديح، والثناء، والقيل، والقال، ولكن عمر رضي الله عنه أنشأ مدرسة للشعراء تهتم بذكر الموت والآخرة، فوقف أمامه أحدهم يقول:

    وبينما المرء أمسى ناعماً جَذِلا     في أهله معجباً بالعيش ذا أنقِ

    غراً أُتيح له من حينه عرضٌ     فما تلبث حتى مات كالصعقِ

    ثمة أضحى ضحاً من غب ثالثة     مقنعاً غير ذي روح ولا رمقِ

    يبكى عليه وأدنوه لمظلمة           تغشى جوانبها بالترب والفلقِ

    فما تزودَّ مما كان يجمعه          إلا حنوطاً وما واروه من خرقِ

    وغير نفحة أعواد تُشبُّ له          وقل ذلك من زادِ لمنطلقِ

    فبكى عمر رضي الله عنه حتى أخضلت لحيته.

    ومما يذكر بالموت مشاهدة المحتضرين، فأنت حين ترى الإنسان وهو يحتضر، فتتجمد أطرافه، وتشخص عيناه، وتتجمد حركته، فإنك ترى أمراً رعيباً، كان عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول -وهذا الأثر عند الحاكم وغيره وهو صحيح- قال: [[وددت أن بعض المحتضرين يخبروننا خبر الموت وكيف يكون! فلما حضره الموت قال له ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبتِ! إنك كنت وأنت صحيح شحيح تقول: وددت أن بعض المحتضرين يخبروننا خبر الموت، فها أنت الآن محتضر فهلا أخبرتنا، فقال له: يا بني! إن أمر الموت أعظم من أن يوصف، ولكني سأقربه لك، أحس كأن جبل رضوى على عنقي شيء ثقيل، وأحس كأن جوفي يشاك بالسلاح، تختلف فيه الرماح والسيوف، وأحس كأن روحي تخرج من ثقب إبرة، ثم أقبل على الجدار يبكي -وهذا القدر الذي سأسوقه في صحيح مسلم- فقال له ابنه عبد الله: يا أبتِ ما يبكيك؟! أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟! فما زال به حتى أقبل عليه، فقال له: إني كنت على أطباقٍ ثلاث: كنت وأنا في الجاهلية لا أحد عندي أبغض من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو استمكنت منه حينئذٍ لقتلته، ولو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، ثم وضع الله الإسلام في قلبي فأتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده، فقال: فقبضت يدي، فقال يا عمرو! بايع، قلت: يا رسول الله! أريد أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟! قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: بايع، أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله، قال: فبسطت يدي فبايعته، قال: فقذف الله حبه في قلبي حتى إني كنت لا أستطيع أن أملء عيني منه -كما في بعض الروايات- إجلالاً له صلى الله عليه وسلم، فلو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء لا أدري ما حالي فيها! فإذا أنا مت فلا تصحبوني بنائحة، فإذا وضعتموني في قبري فانتظروا عند قبري، قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي}.

    2- زيارة القبور:

    ومما يذكر بالموت زيارة القبور، وفي الصحيح: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها تذكر بالآخرة}

    أتيت القبور فناديتها     فأين المعظم والمحتقَرْ

    وأين المدل بسلطانه     وأين العظيم إذا ما افتخرْ

    تفانوا جميعاً فلا مخبـر     وماتوا جميعاً ومات الخبر

    هذه القبور وإن كانت ساكنة إلا أنها ناطقة تقول: في داخلي الأكابر، والعظماء، والملوك، والزعماء، والعلماء، والتجار، والفجار، كلهم سواء! قبور مسنمة، لكن داخلها يختلف، فهذا روضة من رياض الجنة، وذاك حفرة من حفر النار، ولا أنيس فيه إلا العمل الصالح.

    3- ملاحظات في ذكر الموت:

    وينبغي في موضوع ذكر الموت أن يفطن الإنسان لأمور:

    أولاً: أن مجرد ذكر الموت لا يكفي، بل ينبغي أن يكون ذكره واعظاً يدفعك إلى العمل الصالح.

    ثانياً: الزيادة في ذكر الموت، والمبالغة في ذلك، حتى يقعد الإنسان عن العمل لا ينبغي، بل يكون الإنسان في ذلك معتدلاً، ويكون ذكره للموت لمناسبة، أي يربط ذكر الموت بأمور الدين والشريعة، فيذكر الناس بالموت ثم يحثهم على عمل الصالحات، أو يذكرهم بالموت، ثم ينهاهم عن المعاصي والموبقات، أما مجرد النياحة على النفس، والبكاء على الذات، والصياح على ما سوف يصيبه، وكثرة توصيف أحوال المحتضرين مثلاً، وتوصيف أحوال الموتى، وما يصيبهم في القبور، وما تكون إليه هذه الأجساد بعد البلى، وبعد أن تلعب بها الديدان، إلى غير ذلك، فهذا وحده لا يكفي، لأن هذا القدر مشترك.

    ومما يُحْكَى أن رجلاً من التجار أصابته قرحة في جسده، حتى كدرت عليه عيشه، فبحث عن أطباء فلم يجد، فذكر له طبيب في الهند -ذكر هذه القصة الحميدي- فذهب إليه فوجد هذا الطبيب نحيفاً منجعفاً على سريره، فقال: أنت الطبيب! فقال: نعم. ما بك؟ قال: بي هذه القرحة التي قد آذتني، وأسهرتني، وشوهت صورتي، فأريد أن تعالجها، قال: بماذا؟ قال: بما شئت، قال: بنصف مالك، قال: نعم، فأعطاه نصف ماله على أن يعالج هذه القرحة، فما زال هذا الطبيب به يعالجه حتى شفيت هذه القرحة، فذهب التاجر ينظر وجهه في المرآة فوجد القرحة قد زالت، ولكن بقي أثرها سواداً يشوه صورته، فرجع إلى الطبيب، فقال: لازال السواد باقياً، قال: ما على هذا قاولتك، ولكن قاولتك أن يزول الألم وقد زال بالكلية، فما زال يكلمه حتى اتفق معه على أن يزيل أثر القرحة بالنصف الثاني من ماله!

    فعالجه الطبيب حتى زال أثر هذه القرحة، فلم يبق معه مال، ثم قال له الطبيب: إنني لم أرد مالك، فأنا أزهد الناس به، وأغنى الناس عنه، وهاأنت تراني ما براني، وأضعف جسدي، إلا كثرة التأمل والتفكير في أمر هذه الدنيا وما بها، ولكنني أردت أن أعرف قدر نفسك عندك وقدر مالك، فقد عرفت أن نفسك أغلى عليك من مالك، قال: نعم، قال: فمن أي دين أنت؟ قال: من دين الإسلام، قال: وما دين الإسلام؟ فذكر له الإسلام، وأن المؤمنين والمسلمين يؤمنون بالدار الآخرة، والبعث بعد الموت، إلى غير ذلك، فتعجب هذا الرجل منه! وقال: إنني وأنا رجل لا أؤمن بهذا، أعجب ممن يبالغون في جمع الأموال! ويقبلون على الدنيا، ويجعلونها مرادهم وهمهم! فكيف وأنت تؤمن بدار الآخرة غير هذه الدنيا تشتغل بمثل ذاك؟! فرجع الرجل متعظا مزدجراً.

    المقصود: أن الإيمان بالموت، وتذكر ما يصيب الميت، هذا أمر مشترك بين جميع أمم الدنيا، ولا يكفي، بل بالنسبة للمسلم ينبغي أن يربطه بأمر الدين، والتوحيد، والدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله فيكون الموت مثلاً سبباً في إقباله على الجهاد، وقتاله للكفار، لا يخاف لأنه يرى أن الموت آتٍ لا محالة، وأن بعد الموت بعثاً.

    ولهذا قال بعض السلف: [[ إن الله تعالى لم يخلق الخلق للفناء، وإنما خلقهم للبقاء، وإنما هم ينتقلون من دار الضيق إلى دار السعة ]] فيجب أن يكون ذكر الموت سبباً للإنجاز، لا سبباً للقعود، لا معنى أن يقول الإنسان: الموت آتٍ ولهذا أقعد عن طلب الرزق، لا اطلب الرزق وتاجر، وإذا اغتنيت، وأكثر الله أموالك، فانفقها في سبيل الله.

    ولا معنى أن يقعد الإنسان عن طلب العلم ويقول: الموت آتٍ، لا، اطلب العلم، وتعلم، وعلم، واعمل حتى تدعى كبيراً في ملكوت السماوات، أما مجرد النياحة على النفس فهذا لا ينفع.

    موعظة القرآن

    الرابع من المواعظ: موعظة القرآن.

    وهو كلام الله عز وجل الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] وقال: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:185] فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6] والعجب في أمر الناس أن الإنسان ربما سمع كلام واعظ، أو داعٍ، أو قارئ، أو منشدٍ فانهلت دموعه! وربما يسمع كلام الله عز وجل فلا يحرك منه ساكناً! وربما يسمع أبياتاً من الشعر فتعجبه فيحفظها، ويطلب إعادتها، ويسمع القرآن فلا يهتز له وجدان!

    قال هارون الرشيد لـابن السماك وهو زاهد، واعظ، مشهور، قال: عظني، قال له: " كفى بالقرآن واعظاً، والله تعالى يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:6-9] ".

    فوعظه بموعظة قرآنية تناسب ما هو عليه، لأنه كان خليفة، فذكره بأحوال أهل التمكين والرياسة من قبله، وكيف صارت أمورهم إلى ما صارت إليه!

    ولهذا فالقرآن موعظة للجميع، هو موعظة للملوك، وبأحوال ما كان عليه الملوك من قبل، وما آلوا وصاروا إليه، وموعظة للسوقة، وموعظة للعلماء والجهال، وللأغنياء والفقراء، وللمُفْرِطِين والمفَرِّطِين، وللرجال والنساء، فهو جماع الخير، وأُسّه وأوله وآخره، وعلى طالب الهدى أن يقبل على القرآن الكريم فهو حبل الله الممدود، الذي من تمسك به نجا ووصل، ومن تركه هلك وانقطع.

    يسأل كثيرون يقولون: نسمع المواعظ فما علاج فساد قلوبنا؟!

    يبدو أن أعظم هدية يمكن تقدم لهم أن يقال: اجعلوا للقرآن حظاً من أوقاتكم بمفردكم، وأقبلوا على القرآن، ورددوا آياته، وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.

    موعظة الحوادث

    الموعظة الخامسة الحوادث: وما جبلت عليه هذه الدنيا من التقلب والتغير، سواء للأفراد، أو للأمم، للجماعات من الأحياء، أو من الأموات، والسعيد فيها من وُعِظ بغيره، والشقي من وُعِظ به غيره، الشقي من شقي في بطن أمه.

    حكم المنية في البرية جاري     ما هذه الدنيا بدار قرارِ

    ما إن يرى الإنسان فيها مخبراً     حتى يرى خبراً من الأخبارِ

    جبلت على كدر وأنت تريدها     صفواً من الأقذار والأكدارِ

    ومكلف الأيام ضد طباعها      متطلب في الماء جذوة نارِ

    وإذا رجوت المستحيل فإنما     تبني الرجاء على شفير هارِ

    فاقضوا مآربكم عجالاً إنما      أعماركم سفراً من الأسفارِ

    وتراكضوا خيل الشباب وبادروا      أن تسترد فإنهن عوارِ

    وقد نادت الدنيا على الناس بأعلى صوتها، وهي تقول كما قيل:

    هي الدنيا تقول بملء فيها          حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي

    فلا يغرركم مني ابتسام          فقولي مضحك والفعل مبكي

    هل تنتظر أن تنـزل بك المصيبة لتعتبر؟! في أي قرن أنت؟! ومن أي جيل؟! الأرض الذي وطئتها ماذا تقول لك؟! لو سمعتها لوجدتها تقول:-

    صاحِ هذي قبورنا تملء الرحب     فأين القبور من عهد عادِ

    خفف الوطء ما أظن أديم      الأرض إلا من هذه الأجسادِ

    sh= 9902888>رُبَّ قبر قد صار قبراً مراراً ضاحك من تزاحم الأضدادِ

    ودفين على بقايا دفينٍ     في خفايا الأحقاب والآمادِ

    هؤلاء الأغنياء افتقروا الشرفاء اتضعوا، الملوك ماتوا، أو قتلوا، أو طردوا، أين فرعون؟! أين هامان؟! أين قارون؟! أين النمرود؟ أين أبو جهل؟! أين ماركس؟ أين لينين؟! أين تيتو؟1 أين جمال عبد الناصر؟! أين السادات؟! أين بوظياف؟! أين فلان؟! أين فلان؟! طحنتهم الدنيا فأصبحوا كأن لم يكونوا.

    آيات الله تعالى في الكون وفي النفس سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:185] وفي الصحيح :{أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في آخر الليل إلى شِنٍ معلقة فتوضأ، ثم قرأ قول الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191] }.

    وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر} وفي هذا العصر تفتق العلم عن إنجازات كشوفات عظيمة، حيث ارتاد آفاق الكون، والنفس، وأصبح بمقدور الإنسان أن يعرف الكثير الكثير من بديع صنع الله عز وجل، فليستفد الإنسان من هذا ويعتبر به ليكون سبباً واصلاً إلى الله عز وجل ليس في الإيمان بوجوده فحسب، بل بالإيمان بوجوده، وفي معرفته بأفعاله جل وعلا وفي تعظيمه، وفي التقرب إليه بالطاعات.

    1.   

    الأسئـلة

    .

    البث المباشر

    السؤال: بماذا تفسر ذلك التجاهل الخطير، والإحجام الكبير، في التصدي للخَطْبِ الجلل المتمثل في البث المباشر الذي احتضنته بيوت المسلمين اليوم بشكل مخيف؟ أين موقف العلماء المخلصين العارفين بمخاطر هذا الوباء؟ كموقفهم العظيم المثمر في وجه حوادث سابقة؟ من مثل محاولة قيادة المرأة للسيارة، أو غير ذلك، مع أن هذا البث أشد فتكاً، وأعظم خطراً، فلماذا هذا التجاهل والخذلان؟! أهو اليأس من التغيير؟ أم الخوف من نـزول ساحة الإصلاح؟ أو الإنكار؟ أم الرضا بالواقع المزري؟ أم ما هو السر في هذا السكوت المفزع؟

    الجواب: المشكلة الكبيرة أن الوسيلة ربما الوحيدة التي يسلكها الكثيرون هي مجرد الكتابة في أي منكر يقع، وأنا أقول: الكتابة وسيلة، ولكن ينبغي ألا تكون الوسيلة الوحيدة، وينبغي أن ندرك أن من أعظم الوسائل أن ننـزل إلى جمهور المسلمين، فنخاطبهم بمواعظ الله عز وجل، ونحرك قلوبهم بمواعظ القرآن والسنة، ونذكرهم بدينهم الذي يجب أن يكونوا أوفياء له، وعدوهم الذي يكيد لهم، والخطر المحدق بهم، ونبين لهم عملياً خطر مثل هذه الأشياء.

    فمن كان منهم صاحب عقل نقنعه بالعقل، بأضرار هذه الأشياء، ومن كان منهم صاحب قلب، وعاطفة، وإيمان حركنا قلبه ليعرف الأضرار، ومن كان منهم صاحب مادة أقنعناه مادياً بأضرارها، ومن كان منهم صاحب سياسة أقنعناه سياسياً وأمنياً بمفاسدها ومخاطرها، فنحاول أن نخاطب جماهير المسلمين بذلك، وننشر الوعي بينهم.

    كما أن علينا أن نناصح أولئك الذين تسابقوا إلى مثل هذا الأمر، من خلال المراسلة، من خلال أن نوصل إليهم بعض الكتب، وهناك كتاب للدكتور ناصر العمر اسمه البث المباشر حقائق وأرقام وهو كتاب مفيد جداً، وهناك أشرطة للشيخ ناصر العمر أيضاً، وشريط للشيخ عبد الوهاب الطريري حول هذا الموضوع، نرسله إليهم لعله أن يحرك في قلوبهم ساكناً، أو يحي هامداً.

    نخاطب أيضاً العلماء، فنطالبهم بمحاولة الوقوف أمام هذا المد الكاسح، ومنعه بقدر المستطاع، نخاطب الخطباء فندعوهم إلى معالجة هذا الموضوع والتصدي له، نخاطب المسئولين والقائمين على الأمر، فندعوهم إلى منع استيراد، أو تصنيع، أو تركيب، مثل هذه الأشياء، وخاصة على سبيل العموم، ولكن على سبيل الخصوص في الأماكن العامة كالفنادق، والمستشفيات، والجامعات، وغيرها فإن الشر حينئذٍ يتعاظم ويتفاقم.

    عجيب أمر بعض الناس

    السؤال يقول: من أعجب الأمور أن يفتح محبو الشهوة من الناس هنا قلوبهم وبيوتهم للبث المباشر!! بعد أن كانت قلوب الكثير منهم قد بلغت الحناجر قبل سنين حينما حصلت أحداث الخليج؟

    أيها الإخوة.. هل أمنَّا مكر الله، وهل زال عنا الخطر بانجلاء الخطر العراقي، إنني أتساءل عن المسافة الزمنية بين أقراص البث المباشر وأقراص صافرات الإنذار، فالجامع بينهما أن كلاً منهما في أسطح البيوت، أحدها نذير خطر على الأجسام، والآخر نذير خطر على الدين والأخلاق.

    إنني أخشى أن نكون ممن قال الله -تعالى- فيهم: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ [الأنعام:44]. الجواب: هذه نصيحة من أحد الإخوة، ونسأل الله تعالى أن تجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية.

    التوبة من المعصية ثم الرجوع إليها

    السؤال: أنا شاب في التاسعة عشر من عمري، وأنا ولله الحمد أعد من الشباب الصالح، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولكنني قد زامنت معصية منذ بضع سنين، كلما تركتها رجعت إليها، وأعزم على التوبة، واسمع كلام الوعاظ فتزداد عزيمتي، ثم بعد أيام تطول أو تقصر أعود إليها فأسرع إلى ذلك، فبماذا تنصحني؟

    الجواب: أولاً: ينبغي عليك ألا تيأس من روح الله، كما قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87].

    وقال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56] فعليك أن تتوب مرة أخرى وثانية، وثالثة، وعاشرة، ومن تاب، تاب الله عليه، { من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربهما تاب لله عليه } وربما يقبضك الله تعالى على توبة.

    فإن الشيطان يأتي أحياناً لبعض الشباب ويقول: لا داعي للتوبة وأنت تعرف أنك ستنقضها! نقول: لا، بل تب ولعلك ألا تنقضها، وفي الصحيح أن رجلاً من بني إسرائيل أسرف على نفسه -عمل ذنباً- ثم قال: ربِّ إني أذنبت فاغفر لي، فغفر الله له، ثم فعله أخرى، فقال: ربِّ! أذنبت فاغفر لي، فغفره الله له، ثم فعله ثالثة، فقال: ربِّ! أذنبت فاغفر لي، فقال الله عز وجل: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب افعل ما شئت فقد غفرت لك}.

    لا تقل ربما أكون مثل هذا الإسرائيلي فتسرف على نفسك لا، من يدريك؟ قد يقول الله: لا، لا أغفر لك، لأنك مصر على الذنب، أو لأنك مسرف على نفسك، أو لغير ذلك، أو لأنك عالم، فلا تغتر بحلم الله عز وجل، ولكن تأخذ من هذا الحديث أن تكرار الوقوع في الذنب لا يمنع من تكرار التوبة، وإذا أسرع العبد إلى الذنب ثم تاب، أسرع الله إليه بالقبول، والله -تعالى- لا يرجع في شيءٍ أعطاه الإنسان، فإذا محا عنك ذنوباً سالفات؛ فإنه لا يعيدها في صحيفتك لأنك رجعت إلى الذنب.

    ولذلك فإن ما يشاع ويقال: أن من أذنب ذنباً بعد توبة أشد من سبعين ذنباً قبلها، هذا ليس بصحيح! لا يصح لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن غيره، وليس معناه بصحيح أيضاً، بل الذنب بعد التوبة هو الذنب قبلها، ما لم يكن العبد مستخفاً، مستهتراً، مستهزئاً بالمعصية، وبمن عصاه.

    أمر آخر عليك أن تعرف: لماذا تقع في الذنب؟ فإن كان وقوعك فيه لجلساء سوء فتجنبهم، وإن كان وقوعك فيه لعمل تعمله، وظيفة أو دراسة، أو غيرها، فحاول أن تغير هذا العمل، وإن كان لأنك تنظر فتجنب النظر، فانظر إلى الباب الذي تأتيك منه الريح، فسده لتستريح، فعليك أن تعلم السبب، فتسعى إلى إزالة هذا السبب حتى ينقطع عنك الداء بالكلية.

    أمر ثالث: عليك أن تقاوم ذلك بكثرة الطاعات، فإن الطاعة تقاوم المعصية، والخير يقاوم الشر، والنفس إذا اشغلتها بالخير اشتغلت به، وإلا اشغلتك بالباطل، فعليك أن تكثر من الطاعات، وتشتغل بأعمال البر الصالحة: أولاً: لتشغلك عن المعصية، وثانياً: حتى في حال وقوعك في المعصية لتقاوم أثرها، والله سبحانه وتعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] إن الحسنات يذهبن السيئات، يذهبنها من صحائف الأعمال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وأتبع السيئة الحسنة تمحها} فتمحى السيئة بالحسنة التي تكون بعدها، وتذهب الحسنات السيئات وتمحو أثرها من قلبك، فكثرت الطاعة، والصلاة، والذكر، والتسبيح، تمحو أثر المعصية، والسواد الموجود في قلبك، والقسوة، والجفاف، فيكون في قلبك نور، وإيمان، وإشراق.

    وتمحو أثرها من حياتك أيضاً فتجد توفيق الله تعالى وتأييده لك إذا أقبلت على الطاعات، ثم عليك -وأظن معصيتك من معاصي الشهوات، مثل الوقوع في العادة السرية أو نحوها، فهي أكثر ما يشتكى منه- فعليك أن تسعى إلى تحصين نفسك بالزواج المشروع، وبذل الأسباب في ذلك بقدر ما تستطيع، فإن لم تستطع فعليك بتناول الدواء النبوي: {يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء}.

    جمال الإنسان

    السؤال يقول: قلت: إن الطاوس أحسن من الإنسان خلقاً، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]؟

    الجواب: نعم الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى في أحسن تقويم من حيث الظاهر والباطن، ولكن ليست زينة الإنسان في شكله كما أسلفت، وإنما الإنسان كرم بإنسانيته، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    فالله تعالى خلق آدم وأسجد له الملائكة وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة:34] مع أن آدم خلق من الطين والملائكة خلقوا من النور، ومع ذلك أسجدهم الله -تعالى- لآدم بإذن الله -تعالى- نفخ فيه هذه الروح فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:29] فليست ميزة الإنسان في جسمه، ولهذا ليس الإنسان الجميل حسن الصورة، الطويل، العريض، ليس بالضرورة أنه أفضل من ذلك الإنسان القصير، وابن مسعود رضي الله عنه كان صغيراً، حتى أن الريح تحركت به يوماً من الأيام فاهتز، فضحك بعض الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح: {إنهما أثقل في الميزان من جبل أحد} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فليس قيمة الإنسان بطوله ولا بعرضه، ولا بحسنه وجماله، ولا ببزته، ولا بهندامه، ولا بتقاسيمه، ولكن قيمة الإنسان بعقله وقلبه، قيمة الإنسان بدينه، بإيمانه، بعلمه، بتقواه، بورعه، بخوفه من الله عز وجل.

    علاج القلب الذي لا يتأثر بالمواعظ

    السؤال: ما هو علاج القلب الذي لا يتأثر بالمواعظ ولا ينـزجر عن النواهي، مع الإدراك والاعتراف بالخطأ؟

    الجواب: ابحث عن قلبك في مواطن، فابحث عن قلبك أولاً عند القرآن، فإن وجدت الدمعة تنهل، والقلب يرق فأنت إلى خير، وابحث عن قلبك في المقابر، حينما ترى الموتى، وتتحرك وتنظر القبور، فإن وجدت في قلبك رقة، وإلا فابحث عن قلبك عند المرضى، وأنت تتقلب بينهم، فتسمع أنينهم، وزفراتهم، وصياحهم، وآلامهم، فإن لم يتحرك قلبك فابحث فيه وأنت تنظر في آيات الله تعالى في الكون، وفي النفس، فإن تحرك قلبك وإلا فاعلم أنه لا قلب لك، فاسأل الله تعالى أن يرزقك قلباً: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    احذر العقوبة الأخروية

    السؤال: قبل أن أصبح ملتزماً كنت أرتكب بعض الجرائم، وأنا الآن قد تبت منها وأنا خائف من العقوبة الدنيوية من خراب بيتي أو غير ذلك؟

    الجواب: أقول: من تاب تاب الله تعالى عليه، والله تعالى يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] ويقول: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] حتى يقول أحدهم -في الدار الآخرة بعدما يرى ذنوبه قد أبدلت حسنات- يقول: يا ربِّ! عملت ذنوباً لا أراها هاهنا! يريد أن تثبت في الديوان حتى تقلب له حسنات، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ولكن على العبد أن يكون خائفاً وجلاً من ربه عز وجل، ليس من عقوبة الدنيا بل من عقوبة الآخرة.

    والعجب كل العجب أن الواحد منا يخاف من الدنيا! يخاف من خراب بيته! أو يخاف من مرض دنيوي، مثلاً قد يكون زانياً يخاف من الإيدز، أو يخاف من خراب بيته، لأن بعض الأحاديث وليس بصحيح {بشر الزاني بخراب بيته ولو بعد حين} أو يخاف من عقوبة دنيوية، لكن لا يخاف من العقوبة الأخروية! وهذا من قصر النظر، لأن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، لكن الأمر العظيم، والخطب الجسيم، هو ما يتعلق بعقوبة الآخرة، إن لم يتداركه الله تعالى برحمته.

    دعوة الشباب إلى الله عز وجل

    السؤال: كثير من الشباب يتقبلون من الملتزمين الشيء الكثير ويحبون أن يحضر إليهم الشباب الملتزم سواء في الأرصفة، أو في الأحواش، ولكن لا يأتي إليهم إلا القليل، والواجب أن نستغل هذه الفرصة بتنبيه الشباب الذين يسهرون حتى الفجر وعندهم وقت طويل!

    الجواب: هذه فرصة طيبة سبق أن أشرت إليها بإيجاز، أن ندفع لدعوة هؤلاء الشباب إلى الله عز وجل كلمة طيبة، جلسة مباركة لا تستغرق خمس دقائق، قد يهدي بها الله -تعالى- على يديك رجلاً واحداً، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه البخاري وغيره في قصة خيبر يقول لـعلي: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    من رد عبداً آبقاً شارداً      عفا عن الذنب له الغافر

    فتأتي أعماله يوم القيامة في صحائف أعماله، {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء} {من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة}.وكل هذه أحاديث في الصحاح، فعلى العبد أن يغتنم الفرصة، ومثلما تقبل في رمضان على القيام، والصيام، أو العمرة، أو في موسم الحج على الحج، عليك أن تقبل في موسم الإجازة على الدعوة، فتذهب إلى هؤلاء الشباب وتتلطف معهم، وتتكلم بالكلام الطيب، وتدعوهم إلى الله عز وجل ولا تيأس منهم، فإن قابلوك بالخير فبها، وإن قابلوك بالسوء فلا تغضب لنفسك، ولا يتمعر وجهك، ولا تتنمر وتقول: أنت فلان بن فلان، وأنا ولد فلان، وأنا أفعل وأفعل، لا. دعهم ولا تنتصر منهم، فإنه سيكون في قلوبهم حينئذٍ ندم، وخزي، وأسف على ما قابلوك به، وربما يكون هذا سبباً في هدايتهم واستقامتهم.

    حدثني أحدهم، قال: دخلت متجراً في جدة فقام إليَّ رجلٌ كث اللحية، فعانقني، وضمني، وقبل رأسي وقد بللت الدموع عينه وهو يصافحني بحرارة، ويسألني عن أحوالي، وأخباري، وأموري وغير ذلك، قال: فخجلت خجلاً شديداً، لأني أدركت أن هذا الرجل قد شبه عليَّ وظنني رجلاً يعرفه وهو لا يعرفني! قال: فلما هدأ، قلت له: أظن أنك قد شبهت علي، قال: لا، قلت: كيف؟! قال: ألم تمر قبل عام مضى في مكان كذا، وذكر مكاناً قريباً من مكة، قال: فتذكرت فقلت: بلى، قال: فوجدت قوماً يغنون ويطربون فأتيت إليهم وتكلمت معهم، قال: بلى، قلت: فضحكوا منك، قال: أنا كنت أحدهم، هداني الله تعالى بتلك الكلمة.

    كانوا يضحكون، لكن فيما بعد أدت تلك الكلمة دورها، فعليك أن تغرس البذرة في الصحراء وربما تأتي قطرة من السماء فتسقيها، فتنبت بأذن ربها فتكون لك قربة إلى الله، يكون لك أجر بهذه الشجرة التي نبتت، أعني الإنسان الذي هداه الله عز وجل.

    معنى حديث: فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به

    السؤال: في الحديث القدسي، قال الله عز وجل: {لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل} ثم قال إلى آخر الحديث {فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله} يقول: ما معنى هذا الحديث؟

    الجواب: معناه بينه النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى، قال الله عز وجل: {فبي يسمع وبي يبصر} أي: إذا أحبه الله عز وجل جعله مستعملاً في طاعته، فمن علامات حب الله تعالى للعبد أن يوفقه للصالحات يستعمله في طاعته، فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا يرى إلا ما يرضي الله، ولا يمشي إلا إلى ما يرضي الله، ولا يبطش أو يأخذ بيده إلا ما يرضي الله عز وجل فهذا هو معنى الحديث.

    الإسلام لا يعرف الحدود الجغرافية

    السؤال: هناك بعض الناس والشباب يذهبون إلى خارج المملكة مع وجود قرى في الداخل بحاجة إلى طلبة العلم والعلماء؟

    الجواب: الإسلام لا يعرف الحدود الجغرافية والسياسية فبلاد المسلمين واحدة

    وطني كبيرٌ لا حدود له     كالشمس تملأ هذه الدنيا

    أنا عالمـيٌ ليـس لي      أرض أسميها بلادي

    وطني هنا أو قل هنالك      حيث يبعثها المنادي

    ودعوة الإسلام والتوحيد ما نـزلت للمملكة وإنما نـزلت للبشرية كلها، ولهذا أنا أدعو الإخوة إلى أن يحملوا دعوة التوحيد والإيمان إلى الناس كلهم، وعلى الأخص إلى المسلمين الذين هم أحوج ما يكونون إلى تصحيح دينهم وإيمانهم، وتجريد توحيدهم ودعوتهم إلى التزام السلوك المستقيم، سواءً في ذلك الناس الموجدون في القرى هنا والذين يغلب عليهم الجهل، أو الموجودون في بلاد أخرى أو غير ذلك، ولكن على الإنسان أن يدعو إلى الله تعالى بقدر ما يستطيع، وأن يضع نفسه في الموضع المناسب.

    التعامل مع المجلات الفاسدة

    السؤال: ما موقف الشاب من مجلة فاسدة، يوجد عليها صورة امرأة سافرة، ولكن يوجد بها مواضيع لا توجد بها في مجلات أخرى من حيث أنها مواضيع اقتصادية، أو سياسية، أو علمية أو غيرها؟

    الجواب: يعني هنا ممكن أن يجتزأ هذا الموضوع، ويأخذه ويحتفظ به ويتلف المجلة.

    حكم استقدام اللاعبين الأجانب

    السؤال: موضوع استقدام اللاعب الأجنبي الذي ربما يكون غير مسلم، وما يسمى بالاحتراف حيث أن قلة من المشايخ الذين أشاروا إلى ذلك، مع أني أعتقد أن هذا الأمر من الأمور الخطيرة على الشباب؟

    الجواب: كنت في الواقع تحدثت عن هذا الموضوع في المجلس السابق، لكن ربما كان في آخر الحديث فلم يصبه قدر كافي، وأحيل الأخ بالرجوع إلى ذلك الموضوع، وأيضاً لعل هذا الموضوع يكون مجالاً لأن يتناوله بعض الإخوة من الخطباء، وطلبة العلم، لعله أن يتم إعادة النظر في هذا القرار، كما تم من قبل إلغاء تلك الدورة التي أقامتها رعاية الشباب، واستضافت بها رجلاً مشهوراً منصراً يسمى بوب شارتول للإشراف على أطفال المسلمين من سن الثانية عشر إلى الثامنة عشر أو قريباً من ذلك، فلعله أن يحدث هنا كما حدث هناك، بفضل الله ثم بفضل جهود المخلصين الذين يبذلون ما يستطيعون في هذا السبيل.

    إلى الغارقين في النوم

    السؤال: كثيرٌ من الشباب يمضون أوقاتهم في النوم خاصة في الإجازة الصيفية، أو حتى في الإجازة الأسبوعية وفي الأمور المباحة، فما رأيك في ذلك؟

    الجواب: النوم لا ينبغي للإنسان أن يجعله هو همه إلا بقدر ما يتزود به للعمل الصالح، هو يعتبره محطة للتزود؛ ولهذا كانوا يعتبرون نومهم من عملهم، يتزودون به، يتقوون به على العبادة، أو الأعمال الصالحة، ولهذا قال معاذ رضي الله عنه لـأبي موسى: [[إني أقوم وأنام، وأحتسب في نومتي كما أحتسب في قومتي]].

    يعني احتسب في النوم من الأجر مثلما احتسب في القيام والعبادة، لأن النوم حينئذٍ يتقرب به إلى الله تعالى لتقوي على طاعته حتى فسر بعضهم قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام:162] قال: المقصود بالممات هنا الموت الحقيقي، والموت الذي هو النوم أيضاً، أنه لله عز وجل لأنه ينام ليتقوى، مثل أن ينام أول الليل ليقوم آخره، أو ينام في القيلولة ليتقوى على طلب العلم، أو على العبادة، فلا شك أنه حينئذٍ مأجور.

    أما الإنسان الذي يتقلب في فراشه يبحث عن النوم، فالغالب أن هذا الإنسان ليس في قلبه هم يشغله ويحدوه، ويدعوه إلى العمل الجاد المثمر.

    وختاماً: أسأل لله تعالى أن يرزقني وإياكم العمل النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما أعطانا قربة وزلفى إليه إنه على كل شيء قدير.

    اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرما ولا تهنا، واعِنَّا ولا تعن علينا، وانصرنا على من بغى علينا.

    اللهم أصلح سرنا وعلانيتنا، وظاهرنا وباطننا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم استعملنا فيما يرضيك، اللهم جنبنا بفضلك يا حي يا قيوم يا رحمان يا رحيم جنبنا مساخطك ومعاصيك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم اجعل ما علمتنا وأسمعتنا حجة لنا لا حجة علينا، اللهم أحيي قلوبنا بذكرك وشكرك وطاعتك، اللهم خذ بأيدينا إلى ما يرضيك، اللهم اجمع شتات قلوبنا.

    اللهم وحد على الخير صفوفنا، اللهم أبرم للمؤمنين أمراً يعز به من أطاعك حتى لا يكون أحدٌ أعز منك، ويذل به من عصاك حتى لا يكون أحد أذلك منك، اللهم ألحظ بعين رعايتك وعطفك ولطفك إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم أنـزل عليهم من سكينتك ونصرك يا حي يا قيوم ما تؤمنهم به من خوف، وتشبعهم به من جوع، وتكسوهم به من عري، اللهم وأنـزل على عدوهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    يا حي يا قيوم هذا الدعاء ومنك الإجابة، اللهم إنا ندعوك ونحن نعلم أننا لا نستحق الإجابة، لكننا نحن نعلم أيضا أنك أنت مجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، تجيب دعاء المضطرين، حتى وإن كانوا بالإجابة غير جديرين، فيا قيوم السماوات والأرض لا ترد دعاءنا، ولا تخيب رجاءنا، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.