إسلام ويب

لماذا يخافون من الإسلامللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصراع الأبدي بين الخير والشر، بين الإسلام والكفر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، حقيقته وأهدافه وكيفية خوض هذه المعركة، هذه أشياء قد تكون مهملة أو منسية في بعض مراحل التاريخ لأسباب كثيرة. وفي هذا الدرس المبارك يرحل بنا الشيخ سلمان العودة حفظه الله في آفاق جديدة في جوانب هذا الموضوع.

    1.   

    وقفة مع سورة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أنـزل عليه ربه عز وجل.

    وبعــد:-

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:1-8].

    وهذا البلد الأمين

    وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين:1-2] الإشارة إلى هذا البلد الذي فيه تقطنون، وإليه يحن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، قصبة الإسلام، وعاصمة التوحيد، ومهبط الوحي، ومنطلق الرسالة. وطأت أرضها أقدام المصطفى صلى الله عليه وسلم، وشهدت تربتها البداية الأولى لدعوة الإسلام العظيمة، التي اكتسحت البلاد كلها شرقاً وغربا.

    فيقسم الله تبارك وتعالى بها، ويسميها البلد الأمين، كما سماها أم القرى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [الشورى:7] ومن حولها كل بلاد الإسلام، قرى تحن إلى هذه القصبة العظيمة والعاصمة الكريمة قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [آل عمران:96-97].

    sh= 9902756>بلادي كل أرضٍ ضجَّ فيها نداء الحق صداحاً مغنى

    ودوي ثمَّ بالسبع المثاني     شباب كان للإسلام حصنا

    تمنيت الحجاز أكون فيه      فأعطى الله قلبي ما تمنى

    سقى الله الحجاز وساكنيه     وأمطر كل ساقية ومغنى

    أخي إن زرت بيت الله تبغي     رضاً أو تشتكي هماً وحزنا

    ففي تلك الرحاب عظيم أنسٍ     لناءٍ إن دعاه الشوق حنا

    لـطيبة يأرز الإيمان حباً      ويشتاق لها القلب المعنى

    لحى الله اليهود فما أقاموا     لعهد الله في المحراب وزنا

    ترى القدس الحزين لنا ينادي     وما من سامعٍ قد هب منا

    ينادي المغرب المقدام مصراً     ويدعو القدس لبنان المعنى

    ويهوى القلب شهباء المعالي     وفي بغداد للإسلام معنى

    إذا كابول آذتها جراح      ففي صنعاء إخوان المثنى

    ثم يقول الله عز وجل: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [التين:5-6] وهذه الآية ذات علاقة وثيقة بموضوع الحديث إليكم هذه الليلة، فإن الله تعالى حكم على الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم، بأنه يرد إلى أسفل سافلين، انحرافاً وظلالاً وضياعاً وتيهاً، ويستثنى من ذلك طائفة قليلة هم الذين آمنوا، قال الله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ [الأعراف:179].

    وفي صحيح مسلم: { يقول الله: يا آدم أخرج بعث النار. قال: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحدٌُ إلى الجنة} والعادة على جاري اللغة ومقتضى الفصاحة والبلاغة والبيان، أن المستثنى يكون أقل من المستثنى منه، فأنت تقول مثلاً: عندي لك عشرة إلا واحد، لكن ما تقل عندي لك عشرة إلا تسعة، وهكذا قوله -تعالى- هنا: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [التين:5] هو دليل على إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قليل: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40] أما البقية فرُدوا إلى أسفل سافلين.

    1.   

    حقيقة العداء بين الغرب والمسلمين

    لماذا يكرهون الإسلام؟

    في هذا الموضوع عدة عناوين:

    أولها: هل الغرب علماني؟

    وهل الغرب يؤمن بدين العلمانية؟

    لقد ظن الكثيرون حتى من الأخيار أحياناً أن الغرب قد أصبح علمانياً، لا فرق عنده بين المسجد والكنيسة، ولا بين المصحف والإنجيل، وإنما همه قطرة النفط التي يصر على استمرار وصولها إليه، حسب رغبته وحسب مواصفاته.

    فهل الغرب نفسه يقبل مثل هذا التصور أو يقره، أو يوافق عليه، سواءً من الناحية العملية أو من الناحية النظرية؟

    هذا سؤال؟ وإليك الجواب.

    حقيقة الغرب الدينية من الناحية النظرية

    أما من الناحية النظرية، فإنني أترك الجواب لطاغية من طغاة الغرب، وكبيرٍ من أكابرهم كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا [الأنعام:123].

    ذلكم هو رئيس النظام الدولي الجديد، ورئيس الولايات المتحدة الذي ألقى خطاباً قبل أيام هو في غاية الدهشة، وأنا أقرأ عليكم الآن أحرفاً يسيرة من هذا الخطاب، لتكتشفوا أن أكبر متحدث باسم النظام الدولي الجديد، الذي يريد أن يفرض هيمنته على العالم، يتحدث من منطلق ديني بحت، فهو يقول بالحرف الواحد: إنه لولا الإيمان وحرية العقيدة في أمريكا لما قامت هذه الدولة العظمى، ولا فتحت ذراعيها لكل المضطهدين في أوروبا وفي العالم، فمنذ أن اكتشف كولمبس أمريكا سنة (1492م)، وكل موجوع القلب والعقل والمعدة، يحزم متاعه ويتجه إلى أرض الخير الوفير، والثروات الهائلة، والتسامح الديني.

    ثم يقول: يستحيل أن يكون الإنسان رئيساً لـأمريكا دون أن يكون مؤمناً. قال: إنها قدسية الحياة والعمل، وإنها الشجاعة الأمينة في قول الحق وشجب الخطأ، والإيمان بالأسرة، وهي القوة الحقيقية لـأمريكا، إنها حرية التفكير والخيال والإبداع والعبادة، إن بلادنا في هذا القرن اشتركت في خمسة حروب، في أماكن مختلفة في العالم؛ دفاعاً عن الحق ورفعاً للظلم عن المظلومين -هكذا يقول- ثم أشار إلى انتصار الحرية في حرب الخليج، ثم ذكر: إن الذين حرَّموا الدين على مئات الملايين في الاتحاد السوفيتي قد أعادوه مرةً أخرى، ففتحوا المعابد للصلاة والتوجه إلى الله، إن هذا انتصارٌ للإيمان، وإنها لضرورةُ حيوية، وإن كل إنسان حر في أن يعبد الله -والكلام له- على طريقته دون أن يتدخل أحد بينه وبين الله.

    ثم قال: إن الشاعر الأمريكي أوتيمان عندما كان يتحدث وسئل عن سر عظمة أمريكا، فقال: إيمانها بالله. ثم يقول: إن الإحصائيات الرسمية المؤكدة تقول: أن (90%) من الشعب الأمريكي يؤدون الصلاة في أوقاتها.

    والرجل يتكلم من خلال إحصائيات، (90%) من الشعب الأمريكي يؤدون الصلاة في أوقاتها، (90%) يتعبدون ويذهبون إلى الكنائس، والمعابد والمساجد... إلى آخر الكلام.

    هذا الكلام تجاهلته الصحف العربية، بل وبعض الصحف الغربية، ونشر على استحياء في مجلة اليقظة العدد [1208] في شوال من عام ألف (1412هـ) بعنوان: لولا الإيمان بالله ما كانت هذه العظمة.

    دعونا من كل التعليقات على مثل هذا الكلام، فالرجل نحن نعلم أنه نصراني، وأنه قبل أن يخوض أي حرب من الحروب الخمس التي تحدث عنها، كان يذهب إلى الكنيسة، ويصلي من أجل الغرب ومن أجل أمريكا ومن أجل المصالح، ولكنه لم يخجل أن يتكلم بهذا الكلام الواضح البين، وأن يفخر بأن الشعب الأمريكي يؤدي الصلوات في أوقاتها. قد يقول البعض: إن هذه مناورة انتخابية وهو يستعد الآن لخوض المعركة الانتخابية.

    وأقول: لنفترض أن هذا الكلام صحيح، فكون الرجل يتكلم عن الدين، ويمدح الشعب الأمريكي بأنه متدين، أليس دليلاً فعلاً على أن العاطفة الدينية عاطفة قوية هناك، وأنه هو الذي قد ينجح في مخاطبتها، وأن الرئيس نفسه يتودد إلى شعبه من خلال الثناء عليه، والإطراء لتدينه ومحافظته؟ بلى. هذا من الناحية النظرية.

    حقيقة الغرب الدينية من الناحية العملية

    أما من الناحية العملية، فإنني قد أعددت كلاماً لأقوله لكم عن البوسنة والهرسك، وبينما نحن في الطريق إذا بنا نسمع إذاعة لندن، وإذا بها تقول كلاماً يوجع القلب، ويستخرج الدموع بالقوة من الأعين، حتى القلوب الصلدة القاسية، لا بد أن تهتز وتضطرب.

    يقول: إن الصرب الآن يحاصرون إحدى المدن الشرقية وذكرها، التي غالبية سكانها من المسلمين، وفر إليها سكان مدنٍ أخرى سوَّاها الصرب بالأرض، بدباباتهم ومدافعهم وطائراتهم؛ ففر السكان إلى تلك المدينة، وإذا بهم يفرون من معاناةٍ إلى معانة أخرى أشد منها.

    ويقول: إن السكان الآن بلا طعام، ولا شراب، ولا مؤن، ولا أغذية، ولا أدوية، وإنهم يواجهون خطر الفناء التام، بعدما فر الكثير منهم، وبقي نحو مائة ألف في هذه المدينة، حتى إن الأطباء يجرون عمليات البتر للأعضاء، الأيدي والأرجل وغيرها، دون أن يستخدموا المخدرات أو المهدئات أو غير ذلك؛ لأنهم لا يجدونها، فيبترون ساق الإنسان أو يده للحاجة وهو ينظر ويتألم ويحزن.!!

    ويقول: إن الصرب يضربونها الآن بشراسة، براجمات الصواريخ، والمدافع، والدبابات والرشاشات وغيرها، وإذا سقطت هذه المدينة كان الطريق أمامهم مفتوحاً تماماً إلى سراييفو، أي أن تتوجه كل قوات الصرب إلى العاصمة التي هي القلعة الأخيرة في هذه الدولة.

    وأيضاً سمعنا خبراً آخر، يقول: إن فرنسا قد أجلت إرسال الطائرات المروحية والجنود الذين كانت تنوي أن ترسلهم يوم الأربعاء القادم، لأسبابٍ أمنية، وبناءً على طلب الأمم المتحدة، هنا يبرز دور بطرس غالي، الذي كان من المفروض أن يطلب التدخل أصبح يطلب منهم التريث، حتى يتمكن الصرب من اقتحام سراييفو وحشد كل قواتهم حولها.

    الحروب كثيرة والاحتكاكات كثيرة، سواءً في الدول التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي، أو في البوسنة والهرسك والهجمات الصربية عليها كما ذكرت، وفي كل يومٍ منذ أربعة أشهر خبر تتقطع له القلوب أسى، فهذا راديو سراييفو يعلن أن جثث القتلى في الشوارع لا تجد من ينتشلها، ولا من يؤوي الفارين والمشردين، ويكفي الناس شر الجراثيم المتصاعدة منها، والروائح المنتنة.

    وأخبار أخرى تقول: إن مدينة سراييفوا قد هدمت بالكامل، وإنه لا يوجد ولا حتى مبنىً واحد سلم من القصف المدفعي المتواصل. وأخبار عن مدن على الحدود الشرقية بمحاذاة صربيا، على امتداد ما يزيد على ثلاثمائة كيلومتر قد دمرت بأكملها، وأبيد شعبها في مجازر وحشية تقشعر لهولها الأبدان، وأخبار عن احتلال مبنى التلفزيون، وقطع الاتصالات، ومنع الضحايا من أن ينقلوا إلى المستشفيات.

    وأخبار عن إحاطة الصرب بسكان بعض المدن، وحصد أهلها بالرصاص في إحدى الساحات العامة، وأخبار عن كبار السن الذين لم يستطيعوا الهرب، يقولون: إنهم لم يعانوا خلال السنوات الأربع التي شاهدوها في الحرب العالمية الثانية، شيئاً يذكر، بالقياس إلى ما عانوه في هذه الثلاثة الأشهر الماضية.

    وأخبار عن مدينة ذوبوي، وغالبية سكانها من المسلمين؛ أن الصرب يهددونها بالتسليم، وعندما رفضت انهالت عليهم الحمم من كل جانب، ثم قتل من قتل تحت الأنقاض، ومن هرب منهم سقط به الجسر الذي قصفه الصرب، حينما كان المسلمون يعبرون عليه، أما النازحون من المسلمين، فتقدرهم بعض الإحصائيات بأكثر من مليون ونصف.

    والخطورة هنا تكمن في أن تغييراً كبيراً يحدث في التركيبة السكانية للمناطق، وهذا نائب رئيس وزراء البوسنة يصرح في تركيا؛ أن الصرب يقتلون المسلمين بالهوية ويلعبون برءوسهم كرة القدم.

    لا تظنوا هذه مبالغات، لقد أحضر مجموعةً من الإخوة الذين ذهبوا إلى هناك، عشرات الأشرطة والصور، التي تؤكد أن ما يقال هو بعض الحقيقة وليس كلها، وقمة المأساة عندما فجر الصرب مكاناً يكتظ بأعدادٍ كبيرةٍ من المسلمين، كانوا ينتظرون دورهم لشراء الخبز، فأحالتهم قنابل الصرب إلى كتلةٍ من الدماء والأشلاء.

    كل ذلك يجري على أنغام الموسيقى، والأناشيد الكنسية التي تحث الشباب الصربيين المنتسبين إلى صربيا الكبرى حماة المسيحية، على أن يحتفلوا ويرقصوا على أجساد الكفار، أي المسلمين، نشيدهم المفضل يقول: أنا أشرب دم التركي أولاً، فمن يشربه ثانياً.

    وأما النشيد الثاني فيقول: وهي كلمة للزعيم الصربي يتناقلونها، وقد أصبحت نشيداً لهم:

    مستعدون أن نخسر ثلاثمائة ألف جندي؛ لإبادة الإسلام من سراييفو إلى مكة.

    هذه هي المأساة، فماذا كان موقف الغرب؟

    كان موقفهم عبارة تعاطف كلامي: يجب على الصرب أن يكفوا وإلا! يجب عليهم أن يحترموا القرارات الدولية! تهديد بالمقاطعة! حتى كادوا أن يقاطعوا صربيا رياضياً فيمنعوا فريقها من دخول المباراة، الله أكبر!! ويقولون -عندما تدخلوا فعلاً من أجل الإغاثة والإمدادات والمعونات الإنسانية، ثم صارت الحرب- قالوا: إذا لم تتوقف الحرب فسوف ننسحب!!

    ثم يقولون: لقد اكتشفنا أن كلا الفريقين يمتلكون الأسلحة.

    والواقع أن المسلمين مساكين، في بلادهم في سراييفو العاصمة نفسها، ومع ذلك يستكثر عليهم أن يملكوا السلاح الذي يدافعون به عن أنفسهم، وهو سلاح بسيط وقليل، يشترى بالقرش والريال الذي يدفع من جيوبكم، أما الأسلحة الحقيقية فيمتلكها الجيش اليوغسلافي، وذهب غالبيتها إلى الصرب.

    هذا تعاطف كلامي من الغرب، ومساعدات إنسانية محدودة، بعد ثلاثة أشهر كان المسلمون خلالها يعيشون في السراديب، تحت وابلٍ من القصف المتواصل، وهذه المساعدات، وهذا التعاطف الكلامي تراجعت عنه أوروبا، والتفت عليه حينما طالبت المسلمين في البوسنة والهرسك بإنشاء ثلاثة كانتونات، أي ثلاثة أجهزة أو ثلاث جهات.

    للصرب كانتون خاص بهم أشبه ما يكون بالحكم الذاتي، لأنهم يمثلون (30%) من الجمهورية، وللكروات كانتون خاص بهم وهم يمثلون (18%)، وللمسلمين وهم يمثلون نحو (44%) كانتون خاصٌ بهم.

    إذاً طالبوا بوجود جمهوريات داخل الجمهورية الكبرى، واحدة للصرب وواحدة للكروات وواحدة للمسلمين، لكن أوروبا والغرب لم يطالب صربيا بذلك، مع أننا نعلم -مثلاً- أن مدينة كوسوفو الواقعة تحت حكم الصرب، فيها مليونا مسلم؟!

    مليونان لم يطالبوا لهم بالحكم الذاتي، وإن السنجق نصف مليون مسلم لم يطالب لهم بالحكم الذاتي.

    إذاً: القضية حرب صليبية، الغرب إن لم يكن مؤيداً لها، فإنه ليس معارضاً لها، وهناك معلومات تسربت على أن رجال الأمم المتحدة يساعدون الجنود الصرب على نقل السلاح، ونحن نعلم يقيناً أن المسلمين لو كانوا نصارى؛ لكان للغرب موقف آخر، كما نعلم يقيناً أن المسلمين الذي يعيشون تحت الحصار الشديد الآن، في جبال الأكراد، أو في شمال العراق أو في جنوبه أو في وسطه، أنهم لو كانوا من النصارى لكان للغرب موقف آخر.

    ولما رضي أن يعيش (18) مليوناً تحت آلام الفقر والجوع والحرمان؛ حتى أصبحت علبة البيبسى كولا -إن وجدت- تباع بما يزيد على مائة ريال، وأصبحت الدجاجة -إن وجدت أيضاً، ولا يجدها إلا الخاصة وكبار الأثرياء- تباع بما يعادل خمسمائة ريال، وأصبحت المرأة حتى الفتاة الحصينة العفيفة مضطرة أن تتاجر بعرضها، وانتشرت تجارة البغاء والرذيلة، لأنها تبحث عن اللقمة التي تسد جوعتها، وأصبح الإنسان الشريف مضطراً إلى أن يقفز في الليل على أحد البيوت؛ حتى يسرق منه طعاماً يأكله من الجوع. بل وصل الحال إلى أن البعض يقتل أولاده -وحصل هذا فعلاً في العراق- لماذا؟!

    قال: لم أجد شيئاً أطعمهم إياه، لا أريد أن أراهم يتضورون أمامي جوعاً ثم يموتون.

    فلو كان هذا الشعب نصرانياً، لتنادت أمم النصارى من المشرق والمغرب لرفع هذا الظلم الواقع عليه، وكانت تستطيع أن تنتقم من طاغية بغداد بغير هذا الأسلوب.

    وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فماتت فدخلت بها النار} فما بالك بشعبٍ بأكمله يموت جوعاً وعطشاً، حتى إن الإحصائيات تقول: عدد الموتى يزيد على مائة وخمسين ألفاً خلال الشهور الماضية، وغالبيتهم من الأطفال.

    المهم أن الغرب ينطلق من منطلق صليبي حاقد نظرياً وعملياً.

    1.   

    حقيقة الغرب في القرآن الكريم

    النقطة الثانية: تعليم القرآن.

    لسنا بحاجةٍ إلى أن نثبت هذا من خلال الأدلة والوثائق، ومن خلال كلام فلانٍ أو علان، لأن القرآن الكريم قد وضع قواعد واضحة في هذا المجال، ويكفي أن أذكر بعض النصوص، والمسلم لا يقرأ القرآن من أجل التبرك فحسب، ولا من أجل الحصول على الأجر والمثوبة أيضاً فحسب، ولكنه يقرأ القرآن ليتعلم منه ما يجب أن يكون عليه اعتقاداً وقولاً وعملا.

    يقول ربنا جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ويقول سبحانه: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9] ويقول: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89] ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] وقس ما خفي على ما ظهر.

    ويقول جل وعلا: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] ويقول: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] ويقول سبحانه: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:119-120].

    هذا هو القرآن هذا هو الحق: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس:32] يقرر لك عقيدة هؤلاء النصارى والمشركين واليهود بالنسبة للمسلم، وتصورهم عنه، وطموحهم في شأنه، وتمنياتهم حوله.

    1.   

    القضية الثالثة: حربٌ أم سلام

    كثير من الفقهاء والكتاب يبحثون، هل الأصل في علاقتنا بالكفار الحرب أم السلام؟

    هل يمكن أن تسود العلاقات الودية بين المسلمين وبين الكفار؟

    بعض الفقهاء المعاصرين يميلون إلى الليونة في مثل هذا الكلام، مثل ما كتب الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله وغفر له، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ حسين خالد، والدكتور وهبة الزحيلي وغيرهم كثير.

    قضية واضحة

    وأنا أرى أن أمامنا الآن قضية واضحة جداً، ليس المهم الآن هو الافتراض المثالي، المهم هو الواقع المشهود المستمر، وأعطيك مثالاً: لو عرض الإسلام بتجرد ووضوح ونقاء، وفصاحة وبلاغة، وأسلوبٍ ناجح وناضج وقوي للعالم كله، أليس من المتوقع أن يسلم أكثر الناس؟ بلى.

    ولا تعني هذه الفرضية أنهم أصبحوا بمجرد هذا الافتراض مسلمين، فالتاريخ كله تاريخ الحرب مع الكفار، والواقع اليوم وأمس هو واقع التوتر الدائم الذي يتوجس فيه كل من الآخر، والقضية لا تعدو أن تكون -في الغالب- نوعاً من المخادعة أو كسب الوقت -كما يقال- في نظر الطرف الآخر.

    فإذا قال بعض الغربيين مثلاً: موقفنا من الإسلام موقف تسامح، فهو يقصد بذلك كسب الوقت. وإذا قال بعض المسلمين -في الغالب-: إن الإسلام لا يبغض الغرب ولا يكرهه، وإنما يسالمه ويهادنه، فالواقع أنهم يعرفون في قرارات أنفسهم أن الإسلام له موقف آخر لو كان يملك القوة التي يواجه بها الغرب، والله عز وجل يقول: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] فالكفر قرين الظلم، ويقول سبحانه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    فطبيعة الكافر في الأعم الأغلب أنه فاسد التصور، مختل التفكير، ومنحرف العقل، وهامد الإحساس والقلب، فتصوراته ومشاعره غير سوية، وقد يحتج بعض الإخوة بحالات، فيتحدث عن مسلمين يسلمون في أمريكا أو بريطانيا أو غيرها هنا وهناك، خاصةً من النساء في الغالب، وهذه تظل حالات محدودة، وأعتقد أنه من البعيد جداً تصور أن تتحول تلك الدول إلى دول إسلامية والله تعالى أعلم.

    وحينما تحس تلك الدول بأن الدعوة الإسلامية خطرٌ عليها؛ فسوف يضعون العراقيل والقيود في طريقها، وسيحاربونها علانيةً وبدون مواربة، وسيتخلون عن الديمقراطية والمؤسسات الليبرالية، كما يحارب المشرق والمغرب العربي الإسلام علانية.

    1.   

    الديمقراطية الهشة

    إن دعاوى الديمقراطية هشة، لا يكمن أن تقاوم الإحساس بالخطر من الإسلام في الغرب، كما يحتج البعض -أحياناً- بأشخاص من المستشرقين أو غيرهم الذين قد يكون لديهم نوعٌ من الأنصاف والاعتدال في كتبهم وأطروحاتهم، وأقول: هذا الاعتدال -أحياناً- هو إمعانٌ في الخداع، فهو قد يكون معتدلاً لإقناعنا بأنصاف الحلول.

    مثال: أن يأتي مستشرق نعتبره من الغلاة المحاربين المتشددين، فيقول: الإسلام دين الدماء، ودين الحرب، ودين القوة، دين انتشر بالسيف. فيزعجنا هذا الكلام، فيأتي مستشرقٌ آخر ويتطوع ليظهر بمظهر المعتدل المنصف، ويقول: لا يا أخي، الإسلام دين التسامح، والإسلام دين المرونة، والإسلام دين العقل، والإسلام لم ينتشر بالسيف، والإسلام لا يرضى الحرب -أيضاً-، ولا يخوض الإسلام الحرب إلا مضطراً للدفاع عن نفسه.

    فنجد أنفسنا حرجين، فنوافق هذا الإنسان على أن الإسلام لا يؤمن بالحرب إلا دفاعاً عن نفسه، وبذلك نبطل مفهوم الجهاد الشرعي: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193].

    وأقول: قد يوجد من بين أفراد العوام في البلاد الغربية؛ من لا يحمل حقداً على الإسلام، ونحن نعرف أنه كان في الجاهلية من التاريخ العربي مشركون، مثل عبد الله بن أريقط الذي كان دليل الهجرة كما في حديث عائشة في صحيح البخاري، وذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر إلى الغار، كان هذا الرجل هادياً خريتاً دليلاً، ولكنه كان مأموناً، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المهمة الصعبة الخطيرة.

    وهناك مواقف شخصية لبعض المشركين، كـالنجاشي مثلاً الذي كان ملكاً على الحبشة، قبل أن يسلم ذهب إليه المسلمون وأقاموا عنده، ومدحه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه {ملكٌ عادل لا يظلم عنده أحد} كما في حديث أم سلمة وهو في مسند الإمام أحمد وغيره وسنده صحيح.

    لكن تظل هذه النسبة قليلة جداً ومحدودة جداً، والعبرة أيها الإخوة بالقيادات الكبرى، الرؤوس السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، والقيادات في كل مجتمع، التي تسير هذه المجتمعات، وتؤثر في سلوكها، وفي نظرتها وفي تفكيرها، وفي عواطفها، هذه القيادات في بلاد الغرب واعية ومدركة، وغير متجاهلة للعداوة الدينية بينها وبين المسلمين، وهي تستثير مشاعر الجماهير عند الحاجة، كما كان يعمل بطرس في الحروب الصليبية، لقد مسح أجزاء من أوروبا على حماره، وكان يدعو الناس إلى غزو هذه البلاد التي يقول لهم: إنها تفيض لبناً وعسلا، وتطهير بيت المقدس -كما يزعم- من الكفار، يعني بهم المسلمين.

    ولا زال الجميع يحتفظون بذكريات الحروب الصليبية التي قادها هؤلاء، ولقي المسلمون من جرائها أمراً عصيباً، حتى سجلها بعض الشعراء أو سجل جزءاً من المعانات يشبه ما نتحدث عنه اليوم:

    أحل الكفر بالإسلام ضيماً      يطول به على الدين النحيب

    فحق ضائعٌ وحمىً مباحٌ     وسيفٌ قاطعٌ ودمٌ صبيبُ

    وكم من مسلمٍ أضحى سليباً     ومسلمةٍ لها حرمٌ سليبُ

    وكم من مسجدٍ جعلوه ديراً     على محرابه نُصب الصليبُ

    دم الخنـزير فيه لهم خلوف     وتحريقُ المصاحف فيه طيب

    فقل لذوي الكرامة حيث كانوا     أجيبوا الله ويحكم أجيبوا

    أما لله والإسلام حقٌ      يدافع عنه شبانٌ وشيبُ

    1.   

    المسلمون والعرب في العقلية الغربية

    كيف ينظر الغرب إلينا؟

    المواطن الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي أو الغربي، كيف يتصورني أنا؟

    وكيف يتصورك أنت؟

    وبشكل عام كيف يتصور العربي والمسلم؟

    تحقيقات وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والأهداف منها

    أولاً: التحقيقات التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والدراسات، هي موجهة لعدة أهداف:

    الهدف الأول: الدفاع عن ما يسمى بـإسرائيل، فالغرب ينظر إلى إسرائيل على أنها معقل الحضارة الغربية في وسط الأدغال الإسلامية.

    ثانياً: من أجل الاحتفاظ بالذكريات الحية المخيفة عن الإسلام، وحضارته، ودوله، وآخرها الدولة العثمانية التي احتلت أجزاءً من أوروبا، ونحن نعرف مثلاً أن البوسنة والهرسك دخلها الإسلام أيام الدولة العثمانية.

    وهناك دراسة تحليلية كنموذج واحد فقط، لمضمون ثلاث مطبوعات غربية من أشهر الصحف قبل فترة، وهي: نيويورك تايمز، لوس أنجلوس تايمز، واشنطن بوست، وهي صحفٌ أمريكية، هذه الصحف كلها تتحدث بلهجةٍ مؤيدةٍ لـإسرائيل خلال الصراع السابق عام 67م، ونادت بأن على أمريكا ليس أن تؤيد إسرائيل، أو ما يسمى بإسرائيل دبلوماسياً وسياسياً فحسب، بل عليها أن تمدها بالمساعدات العسكرية.

    إذاً هم يعتبرون العلاقة بينهم وبين إسرائيل علاقةً تاريخية، وإستراتيجيةً وثيقة، وفي النهاية نجد أن أمريكا مستعدة لخوض الحرب مع إسرائيل جنباً إلى جنب ضد أي تهديد عربي أو إسلامي.

    الصورة التي يظهر بها العربي المسلم عند الغرب

    كيف يظهر المواطن العربي هناك؟ يظهر كالتالي:

    أولاً: إنسانٌ جائعٌ للجنس، منهمكٌ في استخدام واستغلال الفتيات المراهقات جنسياً، كل همه أن يشبع غريزته، وتظهر أفلام غربية تصور العربي بهذه الصورة فقط، وأنا أعجب حقيقةً، نحن نعرف عن أولئك الأقوام أنهم كالبهائم، يتسافدون في الطرقات، وفي الحدائق، والسيارات وفي كل مكان، ويرقصون عراةً أحياناً، ويمارسون ألوان الشذوذ الجنسي حتى مع الحيوانات، والجنس الجماعي، والشذوذ.

    وما أخبار الإحصائيات المذهلة عن مرض الإيدز إلا مؤشر واحد، يدل على ما وصولوا إليه من إباحية وتحلل، ومع ذلك هم لا يفتئون يذكرون ذلك عن المسلمين، حتى المواطن العادي منهم، تلاحظه في الشارع ينظر إليك، ويعتبر أن كل همك هو الجنس والجنس فقط!!

    وأذكر أنني سمعت من بعض الشباب العربي المسلم في فرنسا، أن بعض المحطات التلفزيونية الفرنسية تعرض فلماً عن إحدى الدول الخليجية، كل نصف شهر، وتكرر عرض هذا الفيلم حتى لا ينسى الانطباع السيئ عن المواطن العربي والخليجي حينما يظهر بغترته وعقاله، أميراً أو شخصاً عادياً أو ثرياً أو تاجراً أو غير ذلك، بالطائرة وهو ينظر بالمكبر؛ فإذا وجد في الطائر فتاة تعجبه في حسنها وجمالها؛ دعاها وأصبح يمارس معها الجنس في الطائرة، ويسكر، وبعد قليل يصطفون لأداء الصلاة.

    إمعاناً في إظهار التناقض لهذا الإنسان، وهم دائماً وأبداً يصورونه بصورة بشعة، تثير التقزز في نفس الطفل والمرأة والكبير والصغير والعامي وغيره.

    ثانياً: يصوروننا على أننا ساديون مصاصو دماء، كل همنا القتل وسفك الدماء.

    ثالثاً: نحن نطعن من الخلف، وليس لنا عهد ولا ميثاق.

    رابعاً: نحن شيوخ البترول والنفط الأثرياء، نملك الجمال والسيارات الفخمة الفارهة، ونهدد الغرب وأمريكا إذا زادوا علينا في قيمة السيارة، أن نستخدم ضدهم سلاح النفط.

    هذا تصويرهم للمواطن العربي والمسلم، هذه صورة تاريخية ليست جديدة، لا يستثنى منها حتى سيد البشر، سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن نعلم أي عقيدةٍ يحملونها عن الرسول عليه الصلاة والسلام، هم يعتقدون وأستغفر الله عز وجل أنه كاذب فيما أخبر، ومفترٍ على الله عز وجل وأن القرآن من وضعه واختلاقه، ويصورنه في أفلامهم صوراً بشعة أستعظم أن أتحدث عنها.

    الغرب يعزون أسباب هذه الشخصية لأمور

    ومنذ قديمٍ كان الرحالة الغربيون الذين يأتون إلى البلاد العربية والإسلامية ينقلون هذه الصور، فيصورون العرب على أنهم شحاذون، وقراصنة، ولصوص، ومستغلون، يتاجرون بالرقيق والبغاء والرذيلة، الكتب الشعبية عندهم هناك تؤكد هذا المعنى وتعزوه إلى أمرين:

    الأمر الأول: النفسية والعقلية التي يتكون منها العربي، فمن طبيعته العداء والاستبداد والعنف والقسوة والحدة.

    وثانياً: ينسبون هذا ويعزونه إلى القرآن والدين، الذي يحرض العربي على القتل وسفك الدماء، -هكذا يتصورون- ولا يعرفون من هذا الدين إلا ثلاثة أمور:

    الأول: الرق.

    الثاني: السيف والقتل.

    الثالث: تعدد الزوجات.

    الرسوم والصور، أو ما يسمى بالكاريكاتيرات التي تظهر في صحفهم، كلها تصور العربي دائماً وأبداً بعباءة، وكوفية أوطاقية أو غترة وعقال، وخنجر في الماضي، أو كلاشنكوف في الحاضر، وهو حافي القدمين، ومن وراءه تظهر آبار النفط، وهو يحتضن مالاً أو دولارات أو شيئاً آخر.

    وفي حرب 56م صورت إحدى الصحف البريطانية ستة عشر رسماً للعرب، على أنهم معتدون، وسفاكون للدماء، وعاجزون عن زراعة الأرض أو إحيائها أو الاستفادة منها، إضافةً إلى صورة الحريم التي لا تفارق العربي، فهو يجلس على الأرض أحياناً واضعاً ساقاً على الأخرى، وبكرشٍ كبير، وأنفٍ طويل مقوس، وعينان تموران بالجشع، وابتسامة شريرة، ومن خلفه إحدى عشر امرأة، كل واحدةٍ منهن ترفع يدها وتطالب بالطلاق ولكن هيهات!

    وأيضاً الأفلام وهناك فيلمٌ حاز على واحد من مائة فيلم من أشهر الأفلام، يسمونه: فيلم الشيخ، يصور العربي بالأسلوب الشهواني، حيث يخطف امرأة ويجبرها على أن تحبه وتقع في غرامه بالقوة، كذلك فيلم آخر اسمه: الريشات السبع. يصور العرب كأوغاد وتجار رقيق، وغدارين ومتعصبين ومتعطشين للدماء.

    أهم العوامل التي ساهمت في تكوين هذه الصورة عند الغرب

    وهناك عوامل كثيرة ساهمت في صياغة هذه الصورة البشعة للمسلم والعربي، في نظر المواطن الغربي العادي، منها الظروف التاريخية، والحروب التي قامت بيننا وبينهم.

    ومنها: الدين، وهو من أهم العوامل.

    ومنها: التعليم الذي يعلمهم هذه الصورة منذ نعومة أظفارهم.

    ومنها: الإعلام، وهو في الكثير الغالب إعلامٌ مستقلٌ غير مرتبط، ويركز على هذه الصورة.

    ويؤسفني أن أقول: إن الإعلام حتى مع الدول التي يعتبر معتدلة، وحتى في حالة الحاجة، لا يفتأ يتحدث عن هذه الدول بهذه الصورة، فمثلاً: أثناء حرب الخليج، كان الإعلام الغربي والأمريكي بالذات، يشن حملةً شرسة على هذه البلاد، وينشر من التقارير والصور والأفلام وغير ذلك في أجهزة إعلامه ما تقشعر منه الأبدان، ليس عن العراق، بل عن دول الخليج، ومصر وبلاد الشام وغيرها.

    الدول التي لم تقف ضده، بل وقفت معه ضد العراق، وضد عدوان العراق على الكويت.

    ومن المؤثرات: السيطرة الصهيونية واليهودية، والكلام في هذا الموضوع يطول.

    ولكن ينبغي أن تعرف أن الرجل الأوروبي العادي أو الأمريكي العادي ثقافته محدودة، جداً، دعك من المثقفين والساسة، المواطن العادي ثقافته محدودةً، تقول له: أنا عربي -أحياناً- لو كنت بغير الملابس الخاصة بأهل هذه البلاد، لا يعرفك، ولكن يقول لك: عربي من أي ولاية؟

    وربما لا يعرف أصلاً العربي، كلمة عربي أو أنه من دولةٍ معينة، مثلاً سعودي، أو كويتي، أو سوري، أو غير ذلك. هذا في الغالب ربما لا يعرف إلا مدينته، وحتى داخل مدينته يمكن يعرف الطريق إلى العمل الذي يذهب إليه والذي يرجع منه!! وبعضهم لا يعرف حتى اسم رئيس الدولة عندهم، هذا مؤكد، ليس أمراً مضطرداً، لكنه موجودٌ وبكثرة.

    فالمواطن العادي عندهم محدود الثقافة، ويتأثر كثيراً بما يشاهد في التلفاز، فمجرد صورة عربي بهذا الزي العربي -مثلاً- تستطيع أن توجِدَ عنده انطباعاً عميقاً لا ينساه أبداً. وأود قبل أن أغادر هذه النقطة أن ألفت نظر الإخوة إلى أن هناك كتاباً مفيداً، وهو كتاب علميٌ قويٌ جداً اسمه: صورة العرب في الصحافة البريطانية، وهو رسالة دكتوراه للدكتور حلمي خضر ساري، وهو من طباعة مركز الدراسات العربية، مطبوع ويباع في الأسواق، فيمكن مراجعته لمزيد من الاستيضاح حول هذه النقطة.

    المهم أن تدرك أن الغربي ينظر إلى العربي هذه النظرة السيئة السوداوية.

    1.   

    شهادة الغرب على نفسه

    النقطة الخامسة: هي عبارة عن شهادات.

    جاك بيرك، هذا مستشرقٌ فرنسي جاوز الثمانين من عمره، يقول في مقابلةٍ له مع جريدة الحياة: إن الغرب لا يزال يجهل الإسلام جهلاً كلياً، حيث يضع الإسلام في موقع التعارض مع العقل، ويندفع دائماً في معادلات مثل: الإسلام يساوي التعصب، هكذا يقول.

    أقول: هل المشكلة لدى الغربي مشكلة الجهل فحسب؟

    لا أعتقد ذلك، وأعتقد أن القضية ليست كذلك، وحتى لو افترضنا أن القضية قضية جهل، فالسؤال: متى سنفلح في إزالة الجهل عن شعوبٍ تعد بمئات الملايين، في حين أن إمكانياتنا محدودة، بل حتى عن تعديل الصورة لدى الغربيين الموجودين في بلادنا والذين يعيشون بين أظهرنا؟!

    يقول أحد الصحفيين الأمريكيين: إن الأمر -أي تعديل الصورة- سيستغرق وقتاً طويلاً؛ حتى يفهم الأمريكان ويتخلوا عن الصورة الجامدة التي يحملونها عن العرب. وأعتقد أن الأمر لن يكون أصلاً، قد يتم تعديل بعض الصورة، لكن أعتقد أن القضية ليست في طريقها إلى الحل، فعبر التاريخ الغربي كانت الصورة قاتمة.

    وهذا إدوارد سعيد باحث متخصص، معظم حياته في أمريكا، يقول في كتاب له مهمٌ اسمه: التغطية الإعلامية للإسلام، يقول كلمةً مهمة: لم أستطع أن أكتشف أي فترة في التاريخ الأوروبي والأمريكي منذ القرون الوسطى، نوقش فيها الإسلام هناك خارج إطار العاطفة والتعصب والمصالح السياسية. هذه شهادة مهمة جداً. كانوا يناقشون الإسلام عبر تاريخهم مناقشةً عاطفيةً متعصبة، تنطلق من مصالحهم السياسية ضد الإسلام.

    وأقول: إن وعي الغرب بالإسلام سيزيده حقداً وكراهيةً للإسلام، وخوفاً من الإسلام، فالإسلام الذي قد يقبلونه، أو يتأقلمون معه، هو الإسلام المهجن المدجن، الإسلام الأمريكي كما سماه بعضهم تجاوزاً، الذي لا ينافسهم على دنياهم، بل يتحدث كما قال أحدهم: عما تحت الأرض وما فوق السماء، عن القبر والموت والعالم الآخر، وعن الله والملائكة، أما الدنيا فإنه يدعها لـقيصر: دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

    ولهذا هناك دراسةٌ نشرت في صحيفة التايمز في هذا العام، تحدثوا فيها عن أن الإسلام قادمٌ لا محالة، بعنوان: سيف الإسلام. يقولون: الإسلام قادمٌ لا محالة، لكن علينا أن نختار إما الإسلام الأصولي المتشدد، وإما الإسلام المرن المتسامح. إن الغرب لم يكن أكثر وعياً بالإسلام منه اليوم، وفي نفس الوقت لم يكن أشد خوفاً وهلعاً وفزعاً من الإسلام مما هو عليه الآن، فالإسلام الحق يخيفه.

    1.   

    المخاوف من الإسلام

    النقطة السادسة: المخاوف من الإسلام.

    كان السفير الألماني في المغرب واسمه هوفمان، كان يستعد لإصدار كتابه الذي هو بعنوان: الإسلام هو البديل، عندما بعث إليه وكيل وزارة الخارجية هناك ببرقيةٍ سريةٍ عاجلة، يحذره فيها من الوضع الخطير الناشئ عن دعوته إلى الأفكار الإسلامية، ويحذره من تجاهله لوظيفته باعتباره ممثلاً لدولة غربية ديمقراطية وهي ألمانيا، وتلك الرسالة كانت تمهيداً لقرار استدعائه ومناقشته، وكان هذا الرجل قد أسلم منذ أكثر من ثلاث عشرة سنة.

    وفي جمعية دراسات الشرق الأوسط قبل سنوات، في خطاب لرئاسة الجمعية، يقول: إذا كان الإسلام لم يعط التغطية الكافية منذ سنوات -أي: لم يتم التعريف به، أو كان الجهل بالإسلام هو سمة الماضي- فإنه يستطيع الكثيرون الآن أن يؤكدوا أن الأمر قد تغير في السنوات الأخيرة، وكما قال أحد الزملاء: إن الصحوة الإسلامية، بل دراسة الإسلام والمجتمعات الإسلامية أصبحت مهنة نامية، والخبراء جاهزون وموجودون بكثرة، من رؤساء الدول، ووزراء الخارجية، ووزراء الدفاع، والصحفيين، والأكاديميين، ومن كل الأشكال والأحجام والألوان.

    ويقول هذا الخطاب أيضاً: إننا فهمنا المجتمعات الإسلامية في الماضي خطأً، لأسبابٍ منها:

    أولاً: الانسياق وراء العلمانية، وفصل الدين عن الحياة.

    ثانياً: أننا انخدعنا بالنخبة المثقفة المستغربة من العرب والمسلمين، وارتحنا إليها، وظننا أنها تمثل الإسلام والمجتمعات الإسلامية، وتجاهلنا دور العلماء الشرعيين والدعاة والمعاهد الإسلامية.

    وفعلاً عقدت ندوات كثيرة، وصدرت كتبٌ ودراسات عن الإسلام والصحوة الإسلامية، فماذا كانت النتيجة؟

    نتيجة علمهم ومعرفتهم بالإسلام.

    أمثلة على خوف الغرب من الإسلام

    إليك مجموعة سريعة من الأمثلة والنماذج:

    نشرت صحيفة واشنطن بوست، في (16) مارس من هذا العام، مقالاً عنوانه: مقارعة حكم الأصوليين الإسلاميين، وقالت: إن خصمنا الرهيب هو الإسلام، وإن كان يحلو للبعض أن يجعلوا خصم الغرب هو اليابان، ولكن الواقع أن الخصم الرهيب هو الإسلام، وأن مصطلحات الحرب الباردة التي كانت تستخدم ضد الاتحاد السوفيتي، أصبحت الآن تستخدم ضد الإسلام.

    فمثلاً: الاحتواء، أصبح الغربيون يطلقونه في شأن الجمهوريات الإسلامية في جنوب الاتحاد السوفيتي، محاولة احتوائها عن طريق تركيا وإدخالها في تيار العلمنة.

    أيضاً مصطلح الخطوط الحمراء ضد تصدير الثورة في السودان، أي أنهم يطالبون السودان، ويحذرونه من تصدير ثورته إلى الخارج، وأن يتعدى الخطوط الحمراء، كما كان هذا المصطلح يستخدم ضد الاتحاد السوفيتي.

    أيضاً: القبضة الحديدية. استخدموها ضد الإسلام في الجزائر، لما أوشك أن يصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات، فأطلقوا على الانقلاب لفظ القبضة الحديدية، وهذه كانوا يستخدمونها أيضاً ضد الاتحاد السوفيتي، ثم أثارت تلك الصحيفة إشكالية غريبة جداً، قالت: إن الغرب يريد الديمقراطية في بلاد الإسلام، ولكنه يخاف من الديمقراطية في بلاد الإسلام؛ أن تكون سبباً في إبعاد أصدقائه الموالين له والإتيان بالأصوليين، ولذلك فهو يعيش تناقضاً خطيراً بارزاً، كما هو الحال في الجزائر وفي غيرها من البلاد.

    وضربت الجريدة نفسها مثلاً بـالجزائر، فقالت: تناقض كبير في الموقف، لماذا لم تقف أمريكا مع الديمقراطية كما تدعي؟

    يقول أحد الباحثين الجزائريين -والكلام للجريدة- وهو باحث في جامعة غربية: إن الجزائر على مشارف التطور -هكذا يتمنى- ولكنه لن يصل إلى التطور إلا بعد أن يجرب الحكم الإسلامي ويثبت فشله.

    إذاً هو سوف يجرب الإسلام في الحكم، وسيثبت فشله، وحينئذٍ تنتقل الجزائر إلى التطور.

    تقول الصحيفة تعليقاً على هذه الأمنية: فكرةٌ جميلة، ولكننا لن نراهن عليها بالمزرعة. أي: ليس لدينا استعداد أن نجرب الإسلام ليثبت فشله، لأننا نخشى أن يثبت نجاحه كما ثبت نجاحه في أكثر من بلد.

    مثال آخر: عقد في ميونخ في أوائل العام الميلادي الحالي مؤتمرٌ للأمن، وقد عبر هذا المؤتمر عن قلقه مما يسميه بالقنبلة النووية الإسلامية، وأكد أن الأصوليين -كما يسميهم- ساخطون على الغرب، لماذا؟ قال: ليس سخطهم لأن الأصوليين متعاطفون مع العراق، ولكن سخطهم بسبب أن الغرب مصمم على تجريد العراق من أسلحته النووية وبرنامجه ومواده، في الوقت نفسه الذي يتجاهل فيه البرنامج النووي لإسرائيل.

    وقال رئيس الأركان البريطاني في مقابلة: حتى المسلمون المعتدلون، يمكن أن يطرحوا مشكلات لنا، ويقول إن صواريخ دول الخليج يمكن أن تشكل تهديداً لنا، ويمكنها أن تضرب لندن إذا نقلت غرباً على طول ساحل الشمال الإفريقي، ثم أعرب عن أمله في أن تتمكن تركيا من نشر علمانيتها في الجمهوريات الإسلامية في جنوب الاتحاد السوفيتي.

    مثالٌ ثالث: صدر في أمريكا كتابٌ أثار ضجةً إعلامية كبيرة اسمه: قيام الدول العظمى وانحطاطها، وقد أبدى مؤلف الكتاب مخاوفه من الإسلام كأحد الأعداء المحتملين للديمقراطية الليبرالية الغربية.

    وصدر كتاب آخر عنوانه: نهاية التاريخ يرد على الكتاب الأول، ويؤكد أن الديمقراطية الغربية هي نهاية التاريخ، وأنها خالدة لا زوال لها.

    قال تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2] وأثار الكتاب الآخر أيضاً ضجةً كبيرة، وكان أحد الردود عليه كتاباً صدر من فرنسا ألفه أحد القسس النصارى، وتكلم عن انهيار الديمقراطية، وقد أبرز بقوة وشدة وعناية الخطر الإسلامي، وقال: إن المشكلة ليست تكمن في المتطرفين أو الأصوليين، أو الذين لا يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً.

    إنما المشكلة تكمن في الإسلام ذاته، وليس في خطأ المتمسكين به، وإن المتسامحين من المسلمين قليل، فأنا لا أعرف إلا ثلاثة من المتسامحين، وسماهم واحد ٌمنهم هو ابن جلون الذي قتل في المغرب، وآخر يقول منبوذ لا يلتفت إليه أحد، والمسلمون لا يستمعون إليهم، إنما يستمعون إلى الأصوليين والمتشددين.

    وأعاد إلى الأذهان أخبار الغزوات التركية التي وطأت أرض أوروبا، وآذنتْ بالسيطرة عليها، كما أبدى سخطه على العرب المهاجرين في فرنسا وبريطانيا، وأنهم يشكلون خطورة كبيرة على تلك المجتمعات؛ لصعوبة ذوبانهم فيها، وتأقلمهم معها، وتكاثرهم السكاني الكبير.

    مثالٌ رابع: أصدر نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق، كتاباً وهو الكتاب التاسع، تحت عنوان: انتهزوا هذه الفرصة أو الفرصة السانحة، وقد ترجم إلى العربية عدة تراجم، أحدها طبعتها دار الهلال، وقد عرضته أيضاً مجموعةٌ من الصحف والمجلات العربية، والكتاب عبارة عن خمسة فصول، يتكلم بطبيعة الحال عن أمريكا وأنها القوة العالمية الوحيدة، التي تسيطر الآن سيطرة كاملة على الحضارة، وتنفرد بقيادة العالم والبشريةَ جمعاء، ويؤكد هذا المعنى، ثم يتحدث في فصولٍ خمسة عن العالم كله.

    الفصل الخامس منه يوضح النظرة الأمريكية للمسلمين؛ بأنهم غير متحضرين، ولا يغتسلون، وبربريون، وهمجيون، وغير عقلاء، يجذبون اهتمامنا فقط، لأن بعض قادتهم لديهم ثروة كبيرة، ولأنهم يحكمون منطقةً تحوي -بالمصادفة- ما يزيد على ثلثي احتياطي النفط في العالم، ولا توجد -كما يقول- دولة ولا حتى الصين الشعبية، تحظى بصدارة سلبية، ونظرة قاتمة في الضمير الأمريكي، كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي.

    ويحذر بعض المراقبين -ولا يزال الكلام لـنيكسون- من أن الإسلام سوف يصبح قوة واحدة ومتعصبة، وأن تزايد عدد السكان والقوة المالية التي يتمتع بها المسلمون، سوف تشكل تحدياً رئيساً، وأن الغرب سيضطر إلى تشكيل حلف جديد مع موسكو، لمواجهة العالم الإسلامي المعتدي العادي في المستقبل.

    وتقول وجهة النظر هذه: إن الإسلام والغرب متناقضان، والمسلمين ينظرون إلى العالم على أنهم معسكران: دار إيمان ودار كفر، أو دار توحيد ودار شرك، وأن العلاقة بينهما علاقة حرب وتناقض ومناوئة.

    ويقول نيكسون: إن هذا الكابوس -أي: توحد العالم الإسلامي ومواجهته للغرب- لن يتحقق أبداً، لأن العالم الإسلامي كبيرٌ جداً ومترامي الأطراف، ومتناقض ومتباعد، ومن قوميات وعرقيات مختلفة، ولا يمكن أن يزحف ليقرع طبلاً واحداً.

    وأقول: بلى، يمكن أن يتوحد الإسلام والعالم الإسلامي، ربما يتوحد على وقع أقدام الغزاة، فحينما يشعر المسلمون بأنهم مهددون فعلاً، وأنهم على أبواب حرب صليبية قادمةٍ، بلا شك سوف ترتفع مشاعرهم، ويكون لديهم إحساس عميقٌ بالخطر الذي يمكن أن يوحدهم.

    أقسام العالم الإسلامي في نظر الغرب

    ثم ينصح هذا الكتاب صناع السياسة الأمريكية، أن يكونوا حينما يتعاملون مع المسلمين، أن يناوروا داخل وكر أفعى، ويقسم الاتجاهات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى ثلاثة أنماط:

    1- الأصولية وهي: مخيفة إرهابية.

    2- الديكتاتورية.

    3- التحديثية، أي: العلمانية، كـتركيا، ومصر، وباكستان، وإندونيسيا.

    ويقول: نتعاون مع الأصوليين ومع الديكتاتوريين تعاون تكتيك فقط، لا يتعدى متطلبات اللحظة الحاضرة، ويجب أن نتعاون معهم عندما تكسبهم قوتهم مكاناً على الطاولة، أما ما زاد عن ذلك فلا، ويجب ألا ندخل معهم في شركةٍ أبداً. أما بالنسبة للفئة الثانية وهم التحديثيون، فيجب أن نصنع معهم شركة وبالذات مع الدول الأربع.

    ثم يتحدث عن السلام، وضرورة التهديد الغربي للعرب بإقراره الآن، حيث ضعف الدول العربية يمكن إسرائيل من تحقيق ما تريد وما تطلب، وإذا لم يعترف العرب بإسرائيل الآن -يقول- وبعد أربعة وأربعين سنة؛ فإنهم يكونون غير مهتمين بالتسوية السلمية إذاً.

    ويقول: إذا وافقت إسرائيل على السلام، فإنه يمكن في حالة وقوع هجوم تقليدي، أن يعامل وكأنه هجوم على الولايات المتحدة ذاتها، وعلينا أن نصر على تحجيم القوات العربية المجاورة. هذا الكتاب خطير وهو موضع حفاوة وعناية من الغرب.

    المثل السادس والأخير: في التايمز مقالٌ طويل، أسلفتْ الإشارة إليه عنوانه: سيف الإسلام، يقول: إن صناع السياسة الغربية مهتمون بدراسة الإسلام، وهل هو الخطر القادم؟!

    ويقول: إن أدوات نشر الفكر الإسلامي هي البندقية والقنبلة والرصاصة والتفجير والاغتيال.

    ويقول: إن المسلمين يشعرون بالغيظ للغرب والكراهية له؛ لأنه تسبب في سقوط حضارتهم وتأخرها.

    ويقول: إن الفكر الإسلامي فكر منغلق متحجر، ولا أدل على ذلك من موقف العالم الإسلامي من قضية سلمان رشدي، وهي قضية شهيرة معروفة.

    1.   

    عنصرية العالم الغربي

    النقطة السابعة: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]:

    هذه آيةٌ من كتاب الله تعالى، تجعل الكفر يساوي الظلم، وتجعل الكافر ظالماً، ويقول عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فلننظر عملياً كيف تحققت هذه الآية في الحضارات الغربية الكافرة. من العجيب أن نستغرب نحن انحيازها، أو نستغرب عنصريتها، أو نستغرب تجاهلها لإنسانية الإنسان في العالم الثالث، أليست حضارة غربية؟

    أليسوا حصلوا على هذا التقدم بأعمالهم، وبعقولهم؟

    فهل نتصور أن الأمريكي سيتعامل مع المسلم الصومالي مثلاً، أو المسلم في الخليج، أو المسلم في مصر، أو المسلم في أي بلدٍ، سيتعامل معه كما يتعامل مع الرجل الأبيض الأمريكي؟ كلا!

    فهم ينظرون إلى العالم على أنه هو الغرب، أما العالم الشرقي هذا، فهو عالمٌ في آخر الاهتمامات، ولولا وجود النفط فيه ربما لم يكن العالم الغربي يعلم بوجوده ولا يهتم له أصلاً، ولذلك تجد أن كثيراً من الدول يقع فيها معارك وحروب كثيرة، وتترك هذه المعارك تطحن في رحاها أعداداً غفيرة دون أن يلتفت إليها أحد وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].

    تصدير التلوث إلى العالم الثالث

    وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] اجتمع وزراء البيئة في دول أوروبا -واسمع هذه الأخبار- وكان أكثر الموضوعات التي طرحوها إثارةً للجدل: اقتراحٌ يدعو إلى تصدير التلوث إلى العالم الثالث، وبصورة أكثر وضوحاً، يدعو إلى نقل النفايات والمواد الملوثة إلى العالم العربي والإسلامي، وقبل هذا المؤتمر بأسابيع، كان هناك خبيرٌ اسمه: ألويس سومرز، وهو كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي، يقترح تصدير الصناعات التي ينتج عنها التلوث إلى دول العالم الثالث.

    وأستأذنكم أن أقرأ عليكم تقريراً منشوراً في غاية الخطورة عن هذه القضية، قضية نقل التلوث إلى العالم العربي والإسلامي، هذا التقرير نشر في عدد من الصحف، منها صحيفة المجتمع الكويتية، ومنها جريدة المدينة التي تصدر في هذا البلد، وهو تقرير -كما ذكرت- غريب وخطير في نفس ا لوقت.

    يقول -بعد كلامٍ طويل- يتكلم عن أن الغرب يصدر كل شيء ملوث إلى العالم الإسلامي دون تحفظ، ويقول: إن أمريكا اكتشفت أن هناك بعض البيجامات المصنوعة تسبب السرطان، وفوراً منع تداول هذه البيجامات، وفوراً قامت الشركة التي أنتجتها بتصديرها إلى دول آسيا وإفريقيا، وفي خلال تسعة أشهر بعد المنع، استطاعت أن تصدر ما يزيد على مليوني بجامة إلى أطفال هذا العالم آسيا وإفريقيا.

    رغم أن حكومة كارتر في الأسابيع الأخيرة، قد تيقظت أو تيقظت إنسانيتها فيما يزعمون، وطالبت بعدم تصدير أي مواد ملوثة إلى العالم العربي والإسلامي، إلا بعد أن يُخطَروا ويُخْبروا بذلك، أي: لا يصدر إليهم أي شيء ملوث دون أن يعلموا، بل ينبغي أن يخبروا أن هذه المواد ملوثة، وأنتم وشأنكم بها، رغم ذلك، وأن هذا تم قبل خمسة أيام فقط من انتهاء الحكم، إلا أن أول شيء فعله الرئيس ريجان بعده، وبعد وصوله إلى كرسي الرئاسة هو إلغاء القرار السابق، القاضي بعدم تصدير مواد سامة إلى العالم الثالث دون علمه.

    وصدر قرار ريجان بعد بضعة أيام من وصوله إلى الحكم، ولا تزال القوانين الأمريكية والأوروبية حتى هذه اللحظة تبيح تصدير جميع المواد السامة، والأغذية الملوثة، والمواد المسببة للسرطان، والمبيدات الحشرية الممنوعة في أوروبا وأمريكا، تبيح تصدير ذلك كله إلى أي دولةٍ من دول العالم الثالث، ودون أن تخبر هذه الدولة بالمواد السامة المرسلة إليها.

    ورغم وجود لجان لحقوق الإنسان في الكونجرس، وكثرة الحديث عنها في أجهزة الإعلام، إلا أنه يبدو أن تعريف الإنسان عندهم يختلف من بلد إلى آخر، فالإنسان الأوروبي أو الأمريكي أو الأبيض؛ هو فقط الجدير بهذه الحقوق، أما الإنسان المسلم، أو الإنسان الموجود في آسيا أو إفريقيا فليس إنساناً أصلاً عندهم، ولا يمكن أن تكون له حقوق، حتى مثل الكلاب.

    أقول: حتى الكلاب تتمتع في المجتمعات الأوروبية والأمريكية بحقوق لا يتمتع بها الإنسان هنا في نظرهم، لو أعطي كلبٌ في أوروبا أو أمريكا مواد سامة، لقامت المظاهرات والاحتجاجات، وقد حصل هذا فعلاً، مظاهرات ضخمة قامت، وكان يتقدمها أعضاء الكونجرس أنفسهم، وكذلك رجال الكنيسة، لماذا؟

    لأن هناك كلب أو كلبة اسمها (لايكا)، أرسلها الروس إلى الفضاء في أول رحلة فضائية، قبل أن يرسلوا أي إنسان، وسالت دموع رجال الكهنوت، وقامت لجان المدافعة عن حقوق الكلاب والخنازير، تحتج على إرسال الكلبة (لايكا) إلى الفضاء! ودموع التماسيح هذه ما سالت من أجل إرسال السموم إلى دول العالم الثالث، دول العالم الإسلامي.

    إن جميع البضائع والمنتجات التي تصدر للعالم الثالث، لا تخضع أبداً للمقاييس والشروط الموجودة في أوروبا وأمريكا، فلـأوروبا وأمريكا شروطٌ شديدة في السلامة، بينما المواد المصدرة إلى العالم الثالث تخلو من هذه الشروط.

    وقد نشرت مجلة نيوزويك في العدد (17) بحثاً طويلاً عن أخطار المبيدات الحشرية المرسلة إلى العالم الثالث، والتي تستخدم خاصة في الزراعة، وذكرت قائمة طويلة من المواد السامة التي ترسل إلى العالم الثالث، دون أي تحذير من الشركات المصدرة، وذكرت ما هي هذه المواد.

    وفي كل مجالٍ ترسل المواد السامة والخطرة، والمواد الغذائية الملوثة، وغير الصالحة، والأدوية الممنوعة، أو التي لا تزال على الأقل خاضعة للتجارب ولم يصرح بعد باستخدامها هناك، ترسل إلى دول العالم الثالث وبأثمان باهظة، وتدفع أثمانها هذه الدول الفقيرة من قوتها.

    أما الآلات والأدوات الكهربائية، والأدوات المنـزلية، والسيارات، والجرارات والجرافات وغيرها، ومواد البناء التي تصدر إلى العالم الثالث، فإنها جميعاً لا تخضع لنفس المقاييس المفروضة في أوروبا وأمريكا، حتى السجائر المصدرة إلى دول العالم الثالث، تحوي ثلاثة أضعاف ما تحويه مثيلاتها المصرح بها في أمريكا وأوروبا من النيكوتين والقطران.

    إنها صورة بشعة لحضارة ذلك الإنسان الغربي، حضارة الطين لا حضارة الإيمان والدين.

    نماذج لولا أنها حقائق تتكلم عنها الصحف؛ لظنها الإنسان ضرباً من الخيال والمبالغات.

    1.   

    خلاصات ونتائج

    أخيراً: أقف معكم مع بعض هذه الخلاصات والنتائج، وأذكرها باختصار لأنها جاءت في النهاية:

    الإسلام محارب في الغرب

    أولاً: الإسلام محارب في الغرب؛ لأنه الإسلام المنـزل من عند الله -تعالى- على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لا لشيءٍ آخر، واسترضاء أولئك القوم عبث، والله تعالى يقول: (وَلَنْ تَرْضَى) هم غير واثقين حتى بأوليائهم وحلفائهم، بل حتى بعملائهم.

    وجوب الدعوة إلى الله في وسط الكفار

    ثانياً: الدعوة إلى الله تعالى في أوساط الكفار واجبة، وتصحيح الصورة القائمة في نفوسهم عن العرب والمسلمين أيضاً واجب، ولا بد من ذلك، وينبغي أن يبذل المسلمون جهدهم في هذا وذاك، ولكن هذا لا يعني أن الغرب سيغير موقفه -والله أعلم- إنما يمكن أن يهتدي من أراد الله تعالى هدايته، والله تعالى ويهدي من يشاء، ويمكن أن يحيد من الغرب من يحيد، ويبقى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا [الأعراف:179] ويبقى: {يا آدم أخرج بعث النار }.

    الإسلام لا يرضيهم

    ثالثاً: الإسلام المنـزل من عند الله تعالى لا يرضيهم، لماذا؟

    لأنه يقول لهم: أنتم كفار، وأنتم حطب جهنم، وحصب جهنم أنتم لها واردون، جهادكم واجب؛ ما دمتم محاربين له، إذاً لإسلام المنـزل لا يرضيهم لأنه هكذا يقول، أما الواقع فهو لا يرضيهم أيضاً، لأنه واقع مؤسف من كل ناحية، لا أقول لا يرضيهم، لكنه وإن كان يرضيهم من ناحية، لكنه يعطيهم انطباعاً سيئاً عندما، يتصوروننا عاجزين مفرطين ضعفاء، فالتخلف العلمي، والجهل، والاستبداد السياسي، وعدم الشعور بالمسؤولية، والتوتر الدائم، والسلوكيات المتخلفة كل ذلك قائم، فكيف نريد من العالم أن يقدرنا ويحترمنا، ونحن لم نسع إلى ذلك بأنفسنا وبأعمالنا وأخلاقنا، وبسلوكياتنا وبسياستنا، وباقتصادنا، وعلمنا وإعلامنا؟

    الواقع مر، ولعل هذا الواقع يتجلى في تجمعات المسلمين.

    وأقرب مثال -زماناً ومكاناً-: الحج.

    فهو نموذج كبير للتجمعات الإسلامية العظمى، لو نظر الغربي إلى المسلمين، أو نظرت أي مؤسسة عالمية إلى المسلمين، وهم يؤدون مناسك الحج، ماذا تجد؟

    ستجد أن كثيراً من المسلمين لا يهتمون بالأخلاقيات، ولا يهتمون بحقوق الآخرين، ولا يهتمون بالنظافة، فيفترشون الأرض جوار القمامة، تصرفات صعبة وسلوكيات مريضة، وأوضاع شائنة.

    وهذا يرجع في جزءٍ منه -كما يقول البعض- إلى جوانب تنظيمية أو إلى تقصير، أنا أقول: نعم هذا يرجع في جزءٍ كبير منه إلى التقصير، ولكن أيضاً لا يمكن أن نتجاهل الجانب الثاني وهو سوء التربية لدى المسلم العادي، الذي لم يتربى على حسن الخلق والأدب والنظافة وعلى إتيان الأمور من أبوابها. ولذلك تجد التضارب والتصادم والأوضاع السيئة التي لا تحتاج إلى شرحٍ أو بيان.

    فمثل ذلك يعطي انطباعاً سيئاً لدى أي إنسانٍ عاقل، إذاً لا بد أن نصحح أوضاعنا حتى نفرض على العالم احترامنا، أما التناقض بين سلوكيات المسلم، وبين عقيدته فأمرٌ لا مفر منه، ولا ريب في أنه واقعٌ ويجب أن يزول، والمثال الذي ذكرته في الفيلم الفرنسي يتكرر في واقع المسلمين، فتجد المصلي يأكل الربا، وقد يتعاطى الحرام، ويغش ويكذب، وينقل الكلام على غير وجه، إلى غير ذلك من ألوان السلوك المحرم.

    العناية بإبراز الجانب الأخلاقي

    رابعاً: من الضروري أن يُعنى الدعاة الإسلاميون بإبراز الجانب الأخلاقي من الإسلام، والتركيز عليه والعناية به؛ لعظم تأثيره في مثل هذه المجالات، وشدة وقعه في نظر الإنسان الغربي، وأنه يمكن أن يلفت نظرهم إلى الإسلام، ويحدوهم إلى دراسته، فهو من أوجه وأساليب دعوتهم إلى دراسة الإسلام وتأمله، وقد يهتدي منهم من يشاء الله تعالى له الهداية كما أسلفت. وكذلك الجانب العقائدي، وكذلك العلمي، وكذلك الجانب الحضاري.

    العناية بأوضاع المسلمين وتصحيحها

    خامساً: لا بد من العناية بأوضاع العالم الإسلامي وتصحيحها، وتوجيه الدعوة إلى الأمة الإسلامية كلها- جماهير الأمة- لأن هجمة صليبية شرسة؛ تعد الآن ضد المسلمين، فالأمة كلها مستهدفة، في أخلاقها، وفي عقيدتها، وفي سلوكها، وفي اقتصادها، وفي أمنها، وفي سياستها، بل وفي وجودها.

    ويجب أن يعي الناس هذا الأمر، ويخاطبوا خطاباً جماهيرياً عاقلاً قوياً رشيداً، يربطهم بالدين والعقيدة والنص والقرآن والسنة، ويكشف لهم حقيقة العداوة القائمة بينهم وبين اليهود والنصارى.

    الاستعداد للمنازلة مع الأعداء

    وأخيراً: لا بد من الاستعداد للمنازلة مع خصوم الإسلام.

    وأقول: هذا ليس حلماً، وإن كان هذا الأمر حلماً الآن، فإن أحلام اليوم هي حقائق الغد، ونحن ندعو كل مختصٍ أن يشارك في هذه المعركة الكبرى معركة الإسلام الكبرى.

    أسأل الله تعالى أن ينصر الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وحزبه، وأن يجعلني وإياكم من أنصار دينه إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئـلة

    المراكز الصيفية أحد أوجه النشاط

    السؤال: هل من كلمة لهذا الجمع المبارك تدعوهم فيها إلى استثمار أوقاتهم في المراكز، ومنها هذا المركز الذي نسأل الله أن ينفع به الجميع؟

    الجواب: المراكز الصيفية -كما أسلفت- هي أحد أوجه النشاط التي يمكن أن يستفاد منها في هذه الإجازة، وفيها حفظٌ لوقت الشباب، وتنميةٌ لمواهبهم وقدراتهم.

    التصويت لصالح الإسلاميين

    السؤال: أنا من أحد الدول المجاورة المسلمة التي فتحت باب الحزبية، فتحزب بعض المسلمين فيها، وبعد شهورٍ ستقام الانتخابات، فهل أشارك في هذه الانتخابات مع المسلمين، علماً أن معتقدي سلفي ولله الحمد ما دخلت الحزبية؟

    الجواب: أرى في مثل هذا الواقع، أن على الإنسان المسلم إذا كان مخيراً بين أن يصوت لصالح إسلاميين -ولو كان يخالفهم في بعض الأمور- أو لصالح أناسٍ آخرين، أو يسكت، أن الأولى أن يصوت لصالح الإسلام والمسلمين.

    الدش ونقل التعاسة الغربية

    السؤال: نرجو أن تتكلم عن الدشات وآثارها على المجتمع، وتنبيه الخطباء إلى الكلام في هذا الموضوع؟

    الجواب: هذه أحد وسائل الحرب الغربية على الإسلام، ونقل التعاسة الغربية إلى عقول المسلمين وبيوتهم وقلوبهم، وقد يحتج البعض بأنها تنقل بعض الأخبار مصورةً ودقيقة، وهذا صحيح؛ ولكنه يشكل نسبة محدودةً من مجموعة ما يبث عبرها، وقد أشرت إليها البارحة، وأدعوا الخطباء إلى تناول هذا الموضوع.

    الدعوة إلى الجهاد

    السؤال: ألا تظنون أن إعلان الجهاد على أرض البوسنة والهرسك من قبل أئمة المسلمين، أمثال الشيخ ابن باز، وحث كل من يستطيع الجهاد بالنفس والمال إلى الذهاب إلى هذه الأرض، ألا تظنون أنه كفيل لإرعاب الصليبيين؟

    الجواب: هم يخافون الآن من هذا، وأعتقد أن الغرب الآن ينتظر سقوط سراييفو والقضاء على هذه الدولة الإسلامية؛ خوفاً من أن تكون أفغانستان أخرى.

    آخر الأخبار عن مجاهدي الأفغان

    السؤال: ما هي آخر أخبار إخواننا المجاهدين الأفغان؟ ولماذا هذه المشاكل التي نسمع عنها؟

    الجواب: آخر الأخبار أن الأستاذ برهان الدين رباني تولى الرئاسة، والأستاذ عبد الصبور فريد تولى رئاسة الوزراء وباشر عمله، أما المشاكل فأعتبر أنها في الجملة لا بد منها، لكن الأمر الذي نتمناه وندعو إليه، هو أن تتوحد الجبهات والأحزاب الإسلامية المتقاربة فيما بينها ضد الشيوعيين، وضد الشيعة، وضد الميليشيات، وضد الأعداء الخارجيين.

    مؤلفات الشيخ مجموعة ومطبوعة

    السؤال: سمعنا أن أحد طلاب العلم قد جمع مؤلفاتك، وأنها قد تطبع فيما بعد، فما صحة ذلك؟

    الجواب: نعم جمعها، أما أنها ستطبع فيما بعد فهي مطبوعة أصلاً.

    إنهم قادمون خيال لا حقيقة

    السؤال: أسلمت امرأة بريطانية عجوز، فسألها أحد المسلمين: ما موقف قومك وجماعتك من إسلامك؟ فردت عليه قائلة: إنهم قادمون، فكيف نخاف من الغرب مع علمنا بأنهم قادمون، فقد ضاع عليَّ القياس أيها الشيخ الفاضل؟

    الجواب: نعم يا أخي، قد يسلم عشرة أو مائة أو ألف، لكن أن نتوقع أن العالم الغربي سوف يتحول إلى عالَمٍ مسلم، أنا أعتبر هذا ضرباً من الخيال، لأن الغرب إذا قوي الإسلام، فسوف تقوم القوى الشريرة في داخله وتطالب بالوقوف في وجه الإسلام، وسوف تقام السجون -لو حصل هذا- للمسلمين هناك.

    النظرة الناضجة لواقع الجهاد الأفغاني

    السؤال: هناك بعض من إخواننا الدعاة يشكك في نجاح الجهاد الأفغاني، ويشكك في بعض القادة، ويقصد أن وصول هؤلاء إلى قمة السلطة نتيجة غير مرضية للجهاد الطويل في أفغانستان؟

    الجواب: بعض الإخوة ينظرون نظرة مثالية، ويريدون أن تقوم دولة إسلامية راشدية بين عشية وضحاها، وأقول: هذا أمر بعيد ومخالف للسنة، فنحن الآن نرضى بدولةٍ إسلامية في أفغانستان، أو السودان عليها مآخذ وفيها تقصير، ونعتبر أنها -بإذن الله تعالى- ذريعة ووسيلة إلى مزيد من النضج في قيام دولة إسلامية ناضجة ومؤمنة، سلفية ملتزمة بالكتاب والسنة.

    المجالس النيابية والولاء والبراء

    السؤال: كنتم قد سئلتم في محاضرة الولاء والبراء، ومفهومه في الإسلام: هل يجوز الدخول في المجالس النيابية؟

    وقلت إن المسألة محتاجة إلى البحث والاستماع لرأي العلماء في هذا الموضوع، وبينتم منهج أهل السنة والجماعة في قضية الولاء والبراء، ودساتير هذه الدول مستمدة من الشرق والغرب ولا تحكم بما أنـزل الله، فهل من جديد في المسألة؟

    الجواب: الحقيقة ليس لدي جديد، ولا زلت أعتقد أن المسألة بحاجة إلى مزيد من البحث في هذا الموضوع؛ لأن فيه جوانب عديدة وفيه مجال للنقاش والحوار.

    خطة للتقتيل

    السؤال: ألا ترى أن قصر المساعدات الإسلامية لإخواننا في البوسنة والهرسك على المواد الغذائية فقط، ومنع مساعدتهم بالسلاح خطة لتقتيلهم على مرأى من إخوانهم؟

    الجواب: نعم هذا خطأ، وينبغي أن يساعدوا بالسلاح قبل أن يساعدوا بالإغاثة والإعانات الإنسانية، ومع الأسف أن بعض الإعانات، نشر في جريدة الشرق الأوسط أنها سوف توصل إليهم عن طريق شركات ومؤسسات ألمانية نصرانية، تقوم بإيصال مساعدات المسلمين إلى المسلمين.

    أفغانستان الثانية

    السؤال: هل يتوقع أن تكون يوغسلافيا c= 3000076>أفغانستان الثانية؟

    وهل بالإمكان المشاركة في الجهاد؟

    الجواب: نسأل الله تعالى أن يبرم للإسلام هناك أمر رشدٍ، وأن ينصر الإسلام ويجمع كلمة المسلمين على الحق.

    الفرق بين المصلحين والصالحين

    السؤال: قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] وهناك حديث عائشة: {أنهلك وفينا الصالحون...} كيف نوفق بين هذا وهذا؟

    الجواب: لا اختلاف، لأن الآية: وأهلها مصلحون، وفي الحديث: وفينا الصالحون، ما قالت وفينا المصلحون، ولهذا قال: {نعم إذا كثر الخبث} لا يكثر الخبث والمصلحون قائمون يعملون ويجتهدون، لأن صوت الحق قوي، ويكتسح الساحة إذا ظهر.

    واجب الجهاد

    السؤال: يقول: ما دورنا؟ وهل علينا واجب الجهاد؟

    الجواب: علينا واجب الجهاد في موضوع البوسنة والهرسك، بالمساعدة المالية والدعاء لإخواننا هناك، وأيضاً المساعدة بدعوتهم إلى الله تعالى، وتربيتهم على الإسلام؛ لأنهم محتاجون إلى ذلك.

    المؤمن للمؤمن كالبنيان

    السؤال: من منطلق قول الرسول عليه الصلاة والسلام: {من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم} نأمل تحديد دورنا في هذا العصر المليء بالفتن، وماذا علينا نحن الشباب تجاه المسجد الأقصى والمسلمين في أنحاء العالم؟

    الجواب: الحديث فيه ضعف، ولكن ا لرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {المؤمن للؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه} والحديث في الصحيح، وفي الصحيح أيضاً: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى}.

    فعلى المسلمين أن يعوا قضايا إخوانهم في كل مكان، وأن يتعاطفوا مع قضايا المسلمين في فلسطين والمسجد الأقصى، وأفغانستان، والسودان، والجزائر، والأردن، ومصر، ويوغسلافيا وكل مكان.

    كتاب وملاحظة

    السؤال: ما رأيك في كتابات محمد أحمد الراشد، وخاصة كتابه: صناعات الحياة؟

    الجواب: الحقيقة كتاب قيم، وجدير بالقراءة، ومع ذلك عليه ملاحظات.

    في كل بلدٍ آلام

    السؤال: لا يخفى عليكم نظام الحكم في ليبيا، وما فيها من محاربة للإسلام والمسلمين، فما هو واجب المسلمين هناك، أيفرون بدينهم ويهاجرون؟

    الجواب: يا أخي، في كل بلد يواجه المسلمون هذا، وأرى أن يبقى المسلمون في بلادهم، وأن يبذلوا وسعهم في الدعوة إلى الله تعالى.

    قراءة كتب السلف والكتب الفكرية المعاصرة

    السؤال: كيف يوفق طالب العلم بين قراءة كتب السلف، والكتب المعاصرة وخاصة الكتب الفكرية؟

    الجواب: لا تناقض بين هذا وذاك، فيقرأ الكتب العلمية السلفية؛ لما فيها من تأصيل العقيدة والعلم الشرعي الصحيح المؤصل، ويقرأ بعض الكتب المعاصرة لما فيها من بيان الواقع، وبيان بعض الظروف، وبعض المتغيرات، والأفكار الهدامة، والرد عليها وما أشبه ذلك.

    مكة نموذج العالم الإسلامي

    السؤال: يعاني أهل البلد الطيب من سلبية عجيبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل من كلمة؟ لعل فيها إحياء للقلوب.

    الجواب: مصيبة كبيرة جداً، هذا بلد الله الحرام، هذا نموذج لبلاد العالم الإسلامي، والناس يحتجون بها -وقد رأيتهم في إندونيسيا، وفي بلاد العالم- يحتجون بما يجري في مكة، رأيت اختلافاً بينهم في أذان الفجر الأول.

    والثاني، وهل يؤذن أولا يؤذن؟

    ومتى يؤذن؟

    فوجدتهم يحتجون بما يقع في هذا البلد الحرام.

    فالمسلمون يحملون لهذا البلد قدسية وتعظيماً، ويعتبرون ما يجري فيه نموذجاً وقدوة وحجة، هذا هو الواقع، وإن كان هذا ليس بصحيح، فينبغي على أهل هذه البلاد أن يخافوا الله تعالى في هذا الأمر، وأن يكونوا خيراً من غيرهم من المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة وغير ذلك.

    الصحف والاستهزاء بالدين

    السؤال: إلى متى هذا الاستهزاء بديننا، وهذه الصحف تدخل إلى هنا وهاهنا جريدة الحياة عدد السبت، وفيها اثنان: واحدٌ منهما ملتحي والآخر كأنه جندي عليه خوذة، فهذا يمسك لحية هذا، وهذا يمسك خوذة هذا، كأنه إشارة إلى معركة بين الطرفين!

    الجواب: الله المستعان لو اطلعت على أشياء لرأيت أمراً عجباً غير هذا.