إسلام ويب

حوار مع الشبابللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب هم عماد الأمة ومصدر قوتها ونهوضها، ولابد من طرح قضاياهم ومحاولة دراستها وإيجاد الحلول لها، ومنها الوحشة بين غير المتدينين والمتدينين، وخطورة وسائل الإعلام ورفاق السوء والسفر إلى دول الكفر والفراغ العاطفي عليهم؛ وكذلك مواضيع أخرى مهمة كالزواج والانشغال بالتوافه.

    1.   

    ضرورة الحوار مع الشباب

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

    أما بعــد:

    عباد الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إن رقم هذا الدرس (93) وعنوانه كما كنت أسلفت لكم (حوار مع الشباب) هذه ليلة الاثنين، الرابع عشر من شهر صفر، من سنة ألف وأربعمائة وأربع عشرة للهجرة، ويأتي هذا الحديث ضمن سياق محاضرات ودروس حول الشباب، فقد ألقيت في المجلس السابق درساً هاهنا كان عنوانه: (يا شباب) أما اليوم فقد انتقلت من المحادثة إلى الحوار مع إخواني من الشباب.

    والحوار مع الشباب ضرورة، وأتمنى من قلبي أن نفلح في إقناع إخواننا من الشباب؛ أن يبوحوا بما لديهم من الأسرار والأخبار والمشكلات، وما يعانونه أو يواجهونه في حياتهم من العقبات، فإن ذلك ولا شك هو السبيل الأقوم والأسلم لحل هذه الأمور وتوحيد وجهة المجتمع.

    إنني قبل أن أبدأ في حواري معهم أو معكم، أشكر كثيراً أولئك الإخوة الذين راسلوني وواصلوني، فقد جاءني كم طيب من الرسائل والاتصالات والمحادثات الشفهية، التي كانت -بعد توفيق الله تعالى- هي عماد هذا الدرس الذي أقدمه لكم الآن، فلأولئك الإخوة الذين بذلوا مجهودهم وكتبوا إليَّ شيئاً قليلاً أو كثيراً، خبراً أو رسالة أو سؤالاً أو محادثةً أو نقداً، أو أي شيء يتعلق بالشباب، لهؤلاء مني جزيل الشكر وصادق الدعاء أن يوفقهم الله جل وتعالى لكل خير في دنياهم وأخراهم.

    إن أمامي الآن أكثر من عشرة عناوين:

    أولها: وجه عابر.

    ثانيها: ماذا عن شباب الهيئات.

    ثالثها: حديث عن العشق.

    رابعها: سؤال يطرحه أحد الشباب: متى أتزوج؟

    خامسها: موضوع عن الشباب والرياضة.

    سادسها: شلة الأصدقاء.

    سابعها: مسافرون إلى الخارج.

    ثامنها: كلام عن الإعلام والإعدام.

    تاسعها: عقبات في طريق الالتزام.

    وأخيراً: تجربة شخصية.

    1.   

    وجه عابر

    ولكن أيها الإخوة: عفواً؛ فأنا لا أريد حضور المحاضرات بعد الآن، ولا المشاركة في الدروس العلمية، ولا المجيء إلى هذه التجمعات الأخوية الخيرية، لقد أصبحت أضيق بها ذرعاً وأكره الحضور إليها، وأجد نفسي في ضيق وأنا بين رواد الدروس العلمية، والقادمين إلى المحاضرات والكلمات في المساجد أو المراكز أو غيرها.

    هكذا يتحدث أحد الشباب، وحين تسأله عن السبب، فإنه يقول لك: نعم، أنا أجلس في استراحة أو مزرعة مع مجموعة من أصدقائي صغيرة أو كبيرة؛ وأعترف أن في جلستنا بعض مالا يرضي، وبعض ما نعرف أنه إثم، ولهذا نستره عن الآخرين.

    فربما كان فيها جهاز التلفاز أو حتى الفيديو، وربما كان الدش منصوباً على سطحها يستقبل القنوات من الشرق والغرب، ولا تخلو تلك المزرعة أو الاستراحة أو المجلس أو حتى الشقة لا تخلو من الدخان أو الشيشة، وربما آلات الغناء والطبول وغيرها.

    كل هذا يجري ولكننا مع ذلك -بحمد الله- محافظون على صلواتنا حتى مع الجماعة، بعيدون عن ارتكاب الفواحش والموبقات والكبائر، التي نص الله على تحريمها في القرآن وحذر من مغبتها وسوئها، وكنت أطمع قبل ذلك في صلاح قلبي واستقامة حالي، وأن أجد نفسي منتظماً في سلك مجموعة من الشباب الملتزمين، في حلقة من حلق تحفيظ القرآن الكريم، أو في درس علمي أو ما شابه.

    لكن الأمر تغير، فإنني أصبحت أجد نفسي بين الإخوة الملتزمين كما لو كنت غريباً، تلاحقني النظرات والعيون الجائعة، العيون التي تسأل ما الذي جاء بك إلى هنا؟ لأي غرض أتيت؟ كما لو كان مجيئي إلى ذلك الدرس عاراً أو عيباً أو أمراً مستنكراً.

    لقد كنت أتوقع أن يفرح بقدومي الشباب الملتزمون، وأن يستقبلوني بالبشاشة والترحاب، وأن يعبروا لي عن أجمل المشاعر والفرحة والسرور.

    ولكني أنظر عيوناً زائغة، وأقرأ فيها أسئلة تقول: لماذا جئت؟ ما هدفك؟ هل أنت طالب علم؟ هل أنت راغب في الاستفادة أو في تغيير أو إصلاح؟ ولقد سمعت أكثر من النظرات؛ سمعت كلمات وعبارات تلاحقني وتقول لي: هذا الإنسان وجهه ليس بوجه محاضرات، ولا بوجه دروس علمية، ولا هو من روادها، فأي ذنب جنيته؟ نعم أنا مخطئ، لكن ربما يكون من ينتقدني هو الآخر مخطئاً بأمر آخر ظاهر أو خفي، وأعظم الذنوب ذنوب القلوب.

    إن هذه الكلمات والنظرات، التي واجهتني وصعقتني من إخواني الملتزمين؛ أبعدتني أمتاراً بل كيلو مترات عن مجال الخير والمشاركة فيه.

    حسن الخلق

    وهذا يقود إلى قضية: العلاقة بين الشباب الملتزمين المتدينين وبين غيرهم.

    إنها علاقة يغلب عليها طابع الجفوة والمباعدة والتوجس والترقب، والطرفان يتحملان جزءاً من المسئولية، ولا أريد أن أجعل من نفسي اليوم حكماً بين هؤلاء وأولئك، ولكني سوف أقدم للطرفين -من الإخوة الملتزمين ومن غير الملتزمين- سوف أقدم لهم مجموعة من الملاحظات، أرجو أن تسهم -كما يقال- في تذويب الجليد بينهم، وإزالة الجفوة، وإقامة الجسور المقطوعة؛ حتى يتمكن كل طرف من الاستفادة من الطرف الآخر، فإنه لا غنى لأحد الطرفين عن الآخر.

    حتى أنت أنت أيها الداعية أو الملتزم أو طالب العلم، إذا لم يوجد لك علاقة وصلة بآخرين، عندهم نقص أو خطأ أو انحراف تتمكن من دعوتهم، فأنت حينئذٍ تفقد معنى كونك داعية إلى الله عز وجل أو مجاهداً في سبيله.

    الملاحظة الأولى: أن حسن الخلق من الإيمان، وهو خير كله، وقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] قال له ذلك حينما كان يجهر بالدعوة في مكة، ويدعو الناس إلى الخير، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فكان عليه الصلاة والسلام ذا خلق عظيم مع كل الناس، حتى أولئك الذين يدعوهم كانوا كفاراً مشركين عبدة أوثان، ثم في المدينة كانوا يهوداً أو منافقين أو نصارى أو مشركين أيضاً، مع كل ذلك تذرع النبي صلى الله عليه وسلم إلى دعوتهم بالخلق العظيم. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    لقد كان عليه الصلاة والسلام مع أهله ومع أقربائه ومع أصحابه، على درجة عليا من الخلق الفاضل، لكن الأعجب أنه كان حتى مع خصومه وأعدائه على درجة من الخلق، {جاءه رجل فسله بثوبه حتى أثر الرداء في رقبة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد -بكل جفاء الأعراب وقسوتهم- مر لي بعطاء -أعطني مالاً- فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، فضحك النبي صلى الله علية وسلم وأمر له بعطاء }.

    إننا ينبغي أن نتذرع بالبشاشة مع أصدقائنا ومعارفنا وهذا لا شك فيه، لكن لماذا إذا اقتحم مجلسنا شخص جديد انقبضنا عنه وازوررنا، وتوقفت الكلمات، وقرظت الشفاه، وأصبح الجميع صامتون متسمرون لا يتحدثون ولا يبتسمون؛ كما لو كان دخل عليهم عنصر غريب، يتقون الحديث معه أو يتجنبونه.

    إن الشاب الملتزم يعتبر نفسه داعية إلى الله تعالى، وهو إن شاء الله كذلك؛ إذاً فالابتسامة والبشاشة والكلمة الطيبة والهدوء، هي المدخل الطبيعي إلى قلوب الآخرين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {وتبسمك في وجه أخيك صدقة} فإذا أردت أن تنادي أخاك أو تحادثه أو تدعوه إلى الله تعالى، فقدم بين يدي نجواك صدقة، ليست صدقة مال، لكن صدقة ابتسامة تعبر عن قلب رَضِيٍ نديٍ، لا يحمل للآخرين إلا الحب والود، وليس فيه أدنى رائحة من كبر أو عجب أو غرور أو أي معنى آخر يظنه الآخرون.

    كثيراً ما نسمع من ينتقد بعض الأخيار بأنهم مكفهرون، أو حواجبهم مقطبة، أو لا يبتسمون مع الآخرين، وقد يعبر عن ذلك بأنهم سوداويون أو ما أشبه ذلك.

    ونحن اليوم نسمع ضجيج الإعلام وصخب الإعلام العالمي والعربي على وجه الخصوص، يحاول أن يشوه صورة المتدينين، وأنهم إرهابيون ودمويون وأهل عنف إلى غير ذلك، أتدري أن ابتسامة صادقة تستقبل بها الآخرين؛ أنها كفيلة بمحو هذا الركام والزبد الذي ضل الإعلام يقذفه في عقول الناس وقلوبهم؟

    إذاً ماذا تخسر إذا ابتسمت للآخرين؟ إنك مأجور لأنك تتصدق حينئذٍ، ويكتب هذا في أجرك وثوابك وميزانك يوم القيامة.

    ثم أنت أيها الشاب الآخر، الذي يعتبرك الناس أو تعتبر نفسك؛ أنك غير ملتزم وغير متدين، لماذا تنكمش أحياناً وتكشر عن أولئك الإخوة من الملتزمين والمتدينين؟ لماذا تعتقد -لو جاءوك- أنهم جاءوا من كوكب آخر أو من عالم آخر؟ لماذا لا تتعامل معهم بشيء من الأريحية والكرم؟ هل تظن أن كل من جاءك يكون أتى لغرض لا تريده أنت أو لا تستحبه؟ هب أنه جاء ليدعوك إلى الله وأنك غير مهيأ الآن لقبول الدعوة، عليك أن تتعامل معه بالاستقبال الحسن، كما هو واجب في شريعة الإسلام، وكما هو عادة عند الإنسان العربي في كل زمان ومكان، ثم إذا دعاك إلى الله فإن وجدت خيراً فاقبل، وإن كانت نفسك لا تساعدك فرد رداً جميلاً، وربما يوفقك الله تعالى لقبول الحق يوماً من الأيام.

    سوء الظن

    الملاحظة الثانية: سوء الظن.

    وسوء الظن مشكلة عند الجميع، لماذا تفترض أيها الأخ الملتزم أو الداعية -مثلاً- إذا رأيت عند شخص معصية -أياً كانت هذه المعصية- خصوصاً المعاصي الظاهرة، ليكن -مثلاً- طويل الثوب، أو ليس على وجهه شعر، أو أن عنده ذنب، أو أنه يسمع الغناء، لماذا تفترض أنه مجرم يرتكب الفواحش الأخرى الخفية؟ ولماذا لا تفترض أنه يمكن أن يكون عند هذا الإنسان نقاء في الفطرة وصلاح في السريرة.

    ولكن سوء التربية، أو مضرة قرناء السوء، أو التقليد الأعمى؛ جره إلى بعض ما رأيت، وأن هذا الانحراف الموجود عنده سهل الاندفاع قريب الزوال؟ فلا تطلق العنان لخيالك أن يتصور أن هذا الشاب الذي عنده بعض المعاصي؛ أن وراء ذلك ركام طويل من الذنوب والآثام والفواحش والمنكرات.

    وكذلك أنت أيها الشاب الآخر، إذا غشيك في مجلسك شاب متدين ظاهراً، فلماذا تفترض -مثلاً- أنه جاء ليوقع بك، أو يكتشف سرك، أو أن هذا الإنسان يبطن خلاف ما يظهر؟ لماذا لا تتعامل مع الناس بالظواهر وتدع السرائر لله رب العالمين الذي يعلم السر وأخفى؟ أيسرك -مثلاً- أن يقول عنك هذا الإنسان: من كان هذا ظاهره وهذا عنوانه فعنده من المعاصي الباطنة كيت وكيت، فيدعي عنك ما لم يعلم؟ حتى لو كان موجوداً فإنك تقول: سترني الله تعالى فلماذا تفضحني أنت.

    وإذا كان الأمر كذلك؛ فينبغي أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

    لماذا لا نجعل حسن الظن شعارنا ودثارنا؟ ولماذا لا نتعامل مع الآخرين دائماً ببساطة ووضوح وبعيداً عن العقد والمشكلات والأوهام والظنون؟

    التواضع

    الملاحظة الثالثة: التواضع وهضم النفس.

    إنها خصلة من أهم خصال المؤمن الصادق، الإنسان العاقل إذا لقي -ولو كان صالحاً- إذا لقي شخصاً كبير السن قال: هذا سبقني إلى الطاعات. وإذا لقي صغيراً قال: هذا سبقته إلى المعاصي. وإذا لقي مطيعاً قال: هذا أطوع لله مني وأقرب زلفى. وإذا لقي عاصياً قال: لعل عند هذا العاصي من الإخبات والانكسار وذل القلب لله جل وعلا؛ ما يجعله أطوع لله تعالى مني وأقرب إلى الرحمة، وربما كان في عملي الصالح من الغرور أو الإعجاب أو الرياء؛ ما يحبطه ويزيل أثره.

    فلا يرى إنساناً مسلماً كبر أو صغر إلا اعتقد أنه أفضل منه وأطوع وأدين لله تعالى.

    إنك حين تدعو شخصاً ما، لا يلزم بالضرورة أن تكون أفضل منه أو أتقى منه أو أعلم منه، قد تكون أعلم منه في هذه النقطة أو هذه المسألة التي دعوته إليها، وربما كان هو أعلم منك في أشياء أُخَر، وربما كان أفضل منك، وربما كان على خير هو لا يوجد عندك أنت.

    إنما الدعوة من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب التناصح، ومن باب التواصي بالحق والتواصي بالصبر كما أمر الله عز وجل، وهي نوع من المشاركة، فما منا إنسان إلا وهو داعٍ ومدعو في الوقت ذاته، وربما تجد الفائدة أو العلم أو الحكمة عند شخص لم تكن تظن أو تتوقع أن تجدها عنده.

    ولهذا روى أبو نعيم وغيره [[أن سلمان الفارسي رضي الله عنه، دخل في بيت امرأة نصرانية، فقال لها: هل هاهنا مكان طاهر أريد أن أصلي فيه؟ قالت له تلك المرأة: طهر قلبك وصلِّ حيثما شئت، فخرج سلمان وهو يبتسم ويتعجب من حكمة هذه المرأة، على رغم أنها كانت كافرة]].

    الجفوة

    الملاحظة الرابعة: من الملاحظ -فعلاً- أن هناك جفوة بين الأخيار وبين غيرهم، يقام مثلاً نشاط في مدرسة متوسطة أو ثانوية أو جامعة، فتجد هذا النشاط يقتصر على أربعين طالباً، بينما طلاب المدرسة يناهزون ثمانمائة طالب، أي أنه لا يتجاوز عدد المنتسبين إلى النشاط الخيري في المدرسة نسبة (5%).

    إذاً لمن نترك (95%) من شبابنا وفلذات أكبادنا، الذين هم عدة المستقبل وهم روح الأمة وهم سر قوتها وبقائها بإذن ربها؟

    هؤلاء الشباب الذين يملكون الاستعداد للخير وتقبل النصيحة، إذا وجدوا حسن الدعوة وحسن المعاملة وسعة الصدر والصبر عليهم، لمن نترك هؤلاء؟ هل نتركهم -مثلاً- لقرناء السوء! أو لتجار المخدرات، أو ضحايا الإعلام الفاسد؟! إن ذلك لا يحوز بحال، ألم يغش رسول الله صلى الله عليه وسلم نوادي قريش ومجالسها، ألم يغش خيام الحجيج في مكة ومنى وعرفات يدعوهم إلى الله، وكانوا على عصيان وعلى شرك وعلى عبادة الأوثان، وربما شربوا الخمور وتناشدوا الأشعار الجاهلية، التي ليس فيها إلا الفخر والخيلاء والكذب والزور، ومع ذلك كان يغشاهم عليه الصلاة والسلام بصبر عميق طويل، ويدعوهم إلى الله تعالى، فيرده هؤلاء ويرده أولئك، ولا يزال صلى الله عليه وسلم يضرب المثل في صبره وإصراره على دعوته.

    إذاً فلماذا لا نتصل بجمهور الشباب، في مدرجات الرياضة أو تجمعات السمر، أو الاستراحات التي يذهبون إليها في وقت الفراغ، أو في شوارع التفحيط، أو في الأرصفة التي يجلسون عليها حتى الهجيع الأخير من الليل، بل حتى طلوع الشمس أحياناً، أو في خيامهم التي ينصبونها في البر؟ لماذا لا نتواصل معهم ونتعرف إليهم بالود والمحبة والشفقة؟ نعاملهم معاملة الطبيب، الذي يحنو على المريض ويعمل على إقناعه بالعلاج بكل وسيلة، أو الأب الذي يبحث عن العافية لأولاده مهما كلفه ذلك من الصبر والمشقة، دون أن نشعرهم أبداً أننا نتعامل معهم معاملة الأستاذ، أو أننا نستعلي عليهم، أو أننا أكبر منهم، أو أننا أعرف منهم.

    لا أتعامل معهم من هذا المنطلق، بل أتعامل من منطلق أخوي بحت، محض نصيحة وود وإخاء لهؤلاء الشباب، الذي هم في الجملة أصحاب فطر سليمة وقلوب قابلة للخير والهداية.

    وكثير من هؤلاء -ويجب أن تثق بهذا- كثير من هؤلاء سيكونون في المستقبل خطباء جوامع، وأئمة مساجد، ورواد حلقات، ومدرسين ومدراء، وصالحين بكل حال إن شاء الله تعالى، وإنني أقول لكم عن تجربة وخبرة.

    أيها الإخوة: أتذكر زملائي الذين كنا معهم على مقاعد الدراسة؛ فأجد أن الذين برزوا منهم، برزوا دعاة إلى الله، أو خطباء أو معلمين أو مرشدين، أو عاملين في أي حقل من الحقول الخيرية، فأجد نسبة ربما تزيد على (50%) ممن كانوا على مقاعد الدراسة بهيئة وصفة أخرى مختلفة، ثم هداهم الله تعالى فكانوا نموذجاً للمهتدي، الذي آلى على نفسه وقطع على نفسه إلا أن يكفر عما مضى بأعمال صالحة عظيمة.

    لقد أفلح بعض إخواننا من الشباب في فترة مضت؛ أن يحولوا شارع الموت في الرياض إلى شارع يضج بالحياة، ويضج بالقوة والهداية والتوبة، والإقبال على الله عز وجل، وارتفعت فيه الأصوات، وبدأت فيه القلوب تهفو إلى باريها، وتتطلع إلى الخير والهداية، ولو أن حركة الدعوة دُعمت دعماً خفيفاً؛ لآتت أكلها كل حين بإذن ربها.

    بل أقول: لو خُلي بين الدعاة وبين الناس لرأينا العجب العجاب، وقديماً قال النبي صلى الله عليه وسلم:{يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيننا وبين الناس، فإن أظهر فعزي عزهم ونصري نصرهم وكانوا أسعد الناس بي، وإن أقتل فقد كفوا بغيرهم}.

    الفضول

    الملاحظة الخامسة: ألحظ أننا نتميز جميعاً -أهل هذا المجتمع- وربما أستطيع أن أقول: المجتمعات العربية والإسلامية على وجه العموم في كل البلاد، نتميز بنوع من الفضول في نظرتنا التي لا معنى لها في مجتمعاتنا.

    فالإنسان منا ينظر إلى كل أحد، هذا قَدِم، وهذا خرج، وهذا دخل، وهذا قام، وهذا قعد، وينظر نظرات طويلة، ثم بعد ذلك يصدر حكماً وكلاماً وتقريراً، فلان مع فلان شكله كذا ويعمل كذا، يقدم أحياناً ملاحظات دقيقة وعجيبة، فيقول أشياء، عن حال هذا الإنسان أو ملبسه أو طريقته في غاية الغرابة، مع أنه خلق مذموم، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه: {أن رجلاً نظر من ثقب الباب إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لو أعلم أنك تنظر -وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم مدرى، مشط يسرح به رأسه- فقال: لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر} أي: لا تجعل عينك تتلصص على الآخرين، تنظر إلى هذا وذاك، وتراقب هذا وتلاحظ القادم وتتلفت يمنة ويسرة وتطيل النظر، فإن هذه النظرات الفضولية عيب لا يليق بأي إنسان صادق.

    رأيت الناس -مع الأسف الشديد- في بلاد غربية، يلتزمون هذا الخلق أكثر مما يلتزمه المسلمون، قدمنا إلى تلك البلاد بملابسنا المعتادة وغترنا وثيابنا، وكان منظرنا مثيراً عندها، لأول مرة يشاهده بعض أطفالهم ورجالهم، فكان الأطفال -أحياناً- يتلفتون وينظرون ببساطة وبراءة، فكان الأب يجر ولده ويزجره وينهاه أن ينظر إلى الآخرين مثل تلك النظرات، مع أنه مشهد يعد مثيراً أو غير مألوفٍ عندهم.

    لو مر إنسان من أمام أحدنا، كان من الممكن أن يحدثك الآخر عن نوع ثيابه، بل عن عدد الأزارير الموجودة فيه، ولون الحذاء، وطريقة لبس الغترة أو الشماغ والطاقية، وصفة الشعر، وغير ذلك من التفاصيل، إنه نوع من نقص التهذيب الذي يحب أن نتدرج على تركه والابتعاد عنه، وأن نشتغل بالأمور الكبار ولا نضع أنفسنا لمثل هذه القضايا.

    إن البحث عن الآخرين لا معنى له، ولا قيمة لأن يكلف الإنسان نفسه عناء مراقبة الآخرين، ويترك مراقبة نفسه وضبط تصرفاتها.

    لنفسيَ أبكي لست أبكي لغيرها      لنفسيَ من نفسي عن الناس شاغل

    هذا إنسان غير ملتزم وغير متدين في الظاهر يشاهد شخصاً ملتزماً، فتجده ينظر إليه من أعلاه ومن أسفله ويصعد النظر ويصوبه، ثم يقول ويطرح سؤالاً: هل الالتزام أن يخرج هذا الإنسان وهندامه -كما يقولون- مقلوب، والثوب غير مكوي، والشعر غير مسرح ولا مرجل، هل هذا مما يأمر به الدين؟

    حسناً، لماذا أنت طرحت السؤال؟ طرحت السؤال لأنك تنظر إلى هذا النوع من الناس نظرة فيها كثير من المعاتبة، والبحث عن أي شيء يمكن أن يصلح للملاحظة.

    وبالمقابل شخص ملتزم يعمل -كما يقولون- تشييكاً على آخر مر من عنده، فيقول: الطاقية إلى نصف الجبهة وهي منقطة، الشعر -كما يقول أحدهم- قصة مايكل جاكسون، الأزرار مفتحة إلى نصف الصدر وهكذا.

    إذاً لماذا يفعل هذا أو هذا مثل هذه الأشياء؟ لماذا ننظر إلى الآخرين دائماً وكأننا نتفقد عيوبهم، بل المؤسف أنها نظرة سطحية، تقتصر على النظر إلى الغترة أو الطاقية أو الثوب أو البدلة أو البنطلون الذي يمكن أن يلبسه الإنسان، وهذا الأسلوب عليه ملاحظات كثيرة، من أهمها: أنه يعبر عن قلة التفكير وسطحيته وضعفه؛ حيث أن الإنسان لا يتعدى نظره الثوب أو الغترة أو ما أشبه ذلك.

    الملاحظة الثانية: أنه يعبر عن العجز عن إصلاح النفس، فإن العادة أن الإنسان إذا عجز عن إصلاح نفسه، ربما يتجه إلى الآخرين لينتقدهم أو يلاحظ عليهم.

    الملاحظة الثالثة: أن هذا نوع من فرض الرأي على الغير، والجميع يطالبون -أحياناً- أن يكون للإنسان حرية في حدود المباحات في مثل هذه الأشياء، فلماذا تفرض على الآخرين شيئاً من غير وجه صحيح؟ هذه هي النقطة الأولى.

    1.   

    ماذا عن شباب الهيئات

    أما العنوان الثاني فهو: ماذا عن شباب الهيئات.

    إنهم رجال الحسبة، الشباب العاملون في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء كانوا عاملين في قطاعات رسمية، أو محتسبين لوجه الله تعالى في إنكار المنكرات بقدر المستطاع، أسمع كثيراً من الشباب وفي كثير من المجالس يتحدثون عن هذه النوعية من الشباب، وعن بعض الملاحظات على الأساليب والطرق التي يسلكونها.

    وأبرز الملاحظات التي يقدمها إخواننا الآخرون من الشباب؛ تتعلق بأسلوب المعاملة فيمن يوجد عليه تقصير أو معصية، وأن هذا الأسلوب يعتمد كثيراً على نوع من الشدة والعنف والقسوة في العبارة.

    وآخرون يقولون: إن هؤلاء الشباب -أو بعضهم- قد يطلق العنان لخياله ويقيس الآخرين بعضهم على بعض، فربما وجد إنساناً على معصية، فيتصور أن كل شاب يمكن أن يكون كذلك، ويتعامل معه من هذا المنطلق، وربما وجد أنه هو نفسه تثيره هذه الأشياء، لولا أنه يخاف الله تعالى وينهى النفس عن الهوى.

    فيقول في نفسه: إذا كنت أنا الشاب الملتزم المتدين تثيرني هذه الأشياء؛ فأجد رادعاً من ديني وخوفي من الله تعالى، وأولئك الشباب الذين يوجد ما يثيرهم، وربما لا يجدون رادعاً من خوف الله تعالى أو خشيته فيقعون في المعاصي.

    وأود أن أعلق على مثل هذه الأمور -فضلاً عن قضايا كثيرة تتعلق بهذا الموضوع- مثل بعض الأقوال وبعض القصص والأخبار والحكايات، التي أقول قد يصدق منها (10%) ولكن تبين لي أن (90%) من بعض القصص قد تكون من نسج الخيال، وقد سألت عدداً من الشباب عن قصص يتداولونها عن إخوانهم من العاملين في هذا المجال، فأقول له مثلاً: هل وقفت بعينك أو بنفسك على هذا الأمر؟

    فيقول: لا، لكن حدثني شخص موثوق، وربما لو أتيت إلى هذا الشخص الموثوق، لقال لك: لم أر هذا ولكن حدثني شخص آخر موثوق، وهكذا تكون السلسلة طويلة، وقد أذكر لكم أنني سمعت من ذلك أشياء، وبعد ما تحريت بنفسي؛ تبين لي أن بعض هذه الأشياء مختلق تماماً، وأن بعضها الآخر قد يكون لها أصل ولكنه كُبِّر، وأن هناك نسبة قد تكون (10%) أو قل عشرين أو حتى ثلاثين قد يكون لها أصل وقد تكون صحيحة، لكن:

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها     كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه<

    تعليقات على الأخبار المتداولة على شباب الهيئات

    وهنا لي مجموعة من التعليقات:

    أولاً: إن الدين يا أخي ليس ملكاً لفئة خاصة، الدين ليس ملكاً لشباب الهيئات، والدين ليس ملكاً للشباب الملتزمين، والدين ليس ملكاً للقضاة -مثلاً- والدين ليس ملكاً للدعاة، ولا ملكاً لطبقة معينة، الدين دين الله عز وجل، والكل مطالبون بتقوى الله ومطالبون بعبادته، ومطالبون بفعل الخير، ومطالبون بترك الشر، والجنة خلقت لكل مطيع، والنار خلقت للعاصي والكافر والمعاند، بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

    الدين دين الله عز وجل، ووجود فئة قلت أو كثرت صغرت أو كبرت؛ في نظرك أنت وفي ظنك وفي قياسك، باعتبارك أن هذا الفئة لا تمثل الدين أو لا تقوم به أو لا تطبقه تطبيقاً صحيحاً، أو أن أخلاقيات هذه الفئة أو أساليبها أو طرقها لا تمثل الدين، لا يعني ذلك أنك تنحرف عن الدين، كلا! بل الواجب عليك أن تكون أكثر تديناً وإخلاصاً وصدقاً؛ حتى تنجح أنت في تطبيق ما تقول إن الآخرين عجزوا عنه أو قصروا فيه.

    وهذه قضية أساسية، يقول الله عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] ويقول سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] حتى الثياب ما عليك ثياب وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكم [الأنعام:94].

    إذاً المسؤولية يوم القيامة مسؤولية فردية وكل إنسان يحاسب، قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:13-14] المطلوب من كل فرد أن يزكي نفسه، ويسعى في صلاحها، ويبعدها وينأى بها عن كل أساليب التجفية والضلال وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10].

    ثانياً: كل قطاع أو جهة أو مؤسسة أو شركة أو مجموعة من الناس، لا بد أن يكون فيهم أخطاء، اسأل نفسك سؤالاً: كم أخطاء رجال المرور مثلاً؟ كم أخطاء رجال الدوريات؟ كم أخطاء الشرط؟ بل اسأل نفسك: كم أخطاء الأجهزة الأمنية بشكل عام؟ أنا لا أتحدث عن هذا البلد فقط.

    أقول هذا البلد وكل بلاد الدنيا، البلاد الإسلامية خاصة، والبلاد العالمية كلها عامة كم يوجد فيها من الأخطاء والتجاوزات؟ بل أحياناً تصل إلى درجة الفضائح التي يتكلم عنها الإعلام، وتفرح بها الصحف، وتبدئ وتعيد حولها، ويستغلها بعض الخصوم أو بعض المعارضين.

    أصدقاؤك الذين تجالسهم وتتحدث معهم، كم تجد عليهم من الملاحظات، ربما تعتب عليهم كثيراً، وقد تقاطعهم، وقد تغضب من فلان أو تسخط من علان.

    إذاً لا يمكن أن تتصور أن مؤسسة أو هيئة أو جهازاً أو مجموعة من الناس، فئة الملتزمين -مثلاً- أو فئة المتدينين أو فئة الشباب الأخيار، أو فئة شباب الجمعيات في المدرسة، أو أي فئة من الفئات المنتسبة إلى الدين، ضع في اعتبارك أن من السنن الطبيعية أن هؤلاء بشر، وإذا كان الواحد منهم لا بد أن يوجد عنده خطأ على الأقل، فما بالك إذا اجتمعوا؟ لا بد أن يكون هناك مجموعة من الأخطاء.

    إذاً هناك أمر طبيعي لابد أن يوجد، لكن أعتقد أن هناك ميزة في أوساط المتدينين، وأنا لا أريد أن أبالغ في إثباتها ولكني أزعم أنها موجودة، وإذا كان ما أقوله خطأ؛ فأتمنى من إخوتي أن يصححوا لي ما أقول.

    أقول: إن الملتزمين بشكل عام أو المتدينين، سواء كانوا في أجهزة رسمية، أو كانوا محتسبين قائمين بالدعوة إلى الله والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يوجد لديهم إمكانية الحوار، وإمكانية التفاهم، وإمكانية معرفة الخطأ والتنبيه عليه والسعي في إزالته، أو على أقل تقدير الاعتراف بأنه خطأ، وأحياناً إذا أخطأ عليك إنسان ثم جاءك وقال: والله يا أخي أنا أخطأت وأعتذر إليك، ربما يكفيك هذا لأنك تقول: لا أريد منك أكثر من الاعتراف بالخطأ وإظهار الندم عليه، ولو كلف الإنسان نفسه عناء تجربة ذلك، فإنه لن يخطئ -إن شاء الله- من يظهر له الاستعداد في تصحيح الخطأ ومراجعته ومحاولة إيقافه عند حده.

    ثالثاً: لا تنسى أن الإنسان بطبيعته ذو هوى، وهو لا يحب من يمنعه من هذا الهوى، فإذا حيل بينه وبين ما يريد؛ فإنه لابد أن يجد في نفسه على هذا الإنسان، أو إذا تعرض صديقه أو قريبه أو جاره أو من يحب لموقف، حتى لو كان هو المخطئ، لابد أن يجد في نفسه على من تسببوا له في هذا الموقف، إنما تذكَّر أيها الأخ الكريم، كم من الوقت يبذله المخلصون الساهرون على حماية المجتمع، والمحافظة على أخلاقياته وعلى أمنه وعلى استقامته، وعلى حفظ نسائنا وأخواتنا وبناتنا وزوجاتنا وقريباتنا، كم من الوقت يبذلون؟ وكم من الليل يسهرون؟ في سبيل حماية المجتمع.

    ولعلك على -سبيل المثال- تعرف أنهم قد يتعرضون أحياناً للمخاطر، وربما ضُرب أحدهم، وربما هُدد، وربما أُوذي، وربما أُطلق على أحدهم النار، فجلس أياماً أو أسابيع طريح الفراش في المستشفى؛ وما كان السبب إلا لأنه وقف ضد جريمة يمكن أن تقع في المجتمع، ولعلك تعرف من الأخبار ما يقع اليوم -وفي هذه الأيام بالذات- ما يصدق ما قلته لك.

    إذاً ينبغي أن نضع الأخطاء في حجمها الطبيعي، وبالمقابل نعمل على تصحيحها بالمستطاع، ثم نلاحظ الجانب الآخر وهو الجانب الإيجابي، جانب العمل على وقاية المجتمع وحمايته.

    1.   

    قضية العشق

    ثالثاً: قضية العشق.

    إنها مشكلة كبيرة، وأعتقد أن تعلق القلب بإنسان، سواءً كان فتاة بنتاً أو كان شاباً صغيراً أمرد حسناً وسيماً، تتعلق به بعض قلوب الشباب وتركض وراءه، وربما أركبه أحدهم في سيارته ليل نهار، وسعى إلى تهيئة الفرص والأسباب بأن يجلس حوله في مزرعة أو استراحة أو شقة، وربما كان هذا الرجل أحياناً كبير السن أو متزوجاً أو ذا أطفال، ومع ذلك لا يقوم ولا ببعض الجهد لزوجته أو أطفاله، مثل: ما يقوم به لهذا الإنسان الذي استولى على قلبه، وأصبح يعتبره ولداً لهواه، يسميه ولد الهوى -مثلاً- أو محبوبه أو معشوقه، ويعتبره خاصاً به، ويسعى إلى إرضائه بكل المستطاع، وربما هجره هذا الإنسان؛ فجلس أياماً طويلة يبكي وينتحب كما تنتحب الثكلى.

    إن ذلك من أخطر الأمراض التي تودي بالإنسان إلى الهاوية في الدنيا وفي الآخرة، فهو يلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وأي مكان في القلب المشغول بحب ليلى وسلمى ولبنى، أو المشغول بحب فلان وفلان من المردان الحسان، أي مكان في القلب لذكر الله تعالى أو محبته.

    بل ربما يكون في حال عبادة مع الناس وهم في واد وهو في واد آخر، يذهب للحج فيبكي الناس في عرفة ويجأرون إلى الله تعالى وتنهل دموعهم، حتى العصاة والفساق والمقصرون؛ ترى عندهم من الانكسار والبكاء والنحيب والصياح -أحياناً- ما تتكسر له القلوب، ومع ذلك هذا الإنسان في واد آخر، يقول:

    وداعٍ دعا إذ نحن بالخيف من منى     فهيج أشجان الفؤاد ولا يدري

    دعا باسم ليلى غيرها فكأنما     أطار بـليلى طائراً كان في صدري

    أو يصلي فيسجد الناس ويرفعون لرب العالمين، يعفرون جباههم، ويستغفرون ويسألون الله تعالى، ويبللون بدموعهم خدودهم، أما هو فيبكي معهم، ولكن يبكي لشيء آخر مختلف تماماً.

    أصلي فأبكي في الصلاة لأجلها     لك الويل مما يكتب الملكان

    بل ربما أدى به ذلك إلى أن يعترض على قضاء الله، ويتبرم ولا يرضى بالله تعالى رباً وإلهاً ومدبراً، كما قال أحدهم:

    قضاها لغيري وابتلاني بحبها     فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا

    وربما تمنى هذا العاشق الوقوع في الفاحشة، لنفسه أو حتى لغيره من الناس، فأحب ما يكرهه الله تعالى ويبغضه، وأبغض ما يحبه الله تعالى ويرضى به، أبغض العفاف وأبغض الطهارة وأبغض النقاء، وأحب الفاحشة والمنكر والفساد، حتى يتحقق له ما يريد، كما قال محمد إقبال رحمه الله:

    لقد سئم الهوى في البيد قيس      ومل من الشكاية والعذاب

    يحاول أن يباح العشق حتى      يرى ليلاه وهي بلا حجاب

    يقول المجنون:

    فيا ليت كل اثنين بينهما هوى     من الناس والأنعام يلتقيان

    فيقضي حبيب من حبيب لبانة     ويرعاهما ربي فلا يريان

    إنه يتمنى أن يفضي كل محبوب إلى محبوبه، فيما يجد في نفسه من التعلل والتعلق الذي يصل إلى حد التعبد لغير الله عز وجل، إن هذا قد يفضي بالإنسان أحياناً إلى الشرك والكفر.

    روى ابن الجوزي، كما في كتاب تسجيل الأشواق، أن شاباً خرج فرأى جارية نصرانية، فعلق قلبه بها وأشرب حبها، وسهر الليل وتعب ومرض، وحيل بينه وبينها فلم يستطع؛ حتى أصيب بخبل في عقله وحمل إلى المستشفى، مستشفى الأمراض العقلية كان وقتها يسمى المارستان-.

    حمل هذا الإنسان إلى المستشفى، وكان له صديق يتردد عليه قال: فلما جاءه أحد المرات، قال له هذا الإنسان العاشق المريض: إني قد يئست من لقاء فلانة في الدنيا -وهي كانت نصرانية- قال: فأريد أن أتنصر لعلي ألقاها في الدار الآخرة، حتى ولو كان في نار جهنم والعياذ بالله تعالى.

    قال: فتنصر ومات من ساعته، ثم خرج هذا الإنسان فجاء إلى تلك الفتاة يوماً من الأيام، وإذا بها قد أصابها ما أصابها من الوله والعشق والتعلق بذلك الإنسان، ولم تدر ما خبره، فإذا بها تقول: إنني قد أيست من لقاء هذا الإنسان في الدنيا، وقد رأيته مسلماً وأنا أحب أن ألقاه في الآخرة، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    ثم أسلمت وصدقت ثم قبضت على الإسلام، فانظر كيف يمكر الله تعالى بمثل هؤلاء الذين فتنوا أنفسهم، وضلوا وأضلوا، والله تعالى قال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] فعلى العبد أن لا يأمن مكر الله أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99].

    علاج العشق

    العلاج: وإن كنت أود أن أقول: في الأسبوع القادم -إن شاء الله تعالى- سوف أتحدث بعنوان طالما وعدت الإخوة به، وماطلت وسوفت، وطلبوه وطلبوه حتى ملوا وسئموا وتركوا الأمر، وهو سيكون نهاية الحديث مع إخواني من الشباب في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى، وتحت عنوان: مصارع العشاق.

    لكن لا بأس أن أعرض الآن بسرعة ما دمت عرضت موضوع العشق، أن أشير إلى بعض ألوان العلاج باختصار:

    أولاً: غض البصر وحفظ الجوارح، الأذن وغيرها.

    قال الله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وكل هذه الجوارح هي عبارة عن سواقٍ وأنهار تصب في القلب، فما تراه بعينك أو تسمعه بأذنك أو حتى تتكلم به في لسانك؛ فإنه يظهر أثره في القلب.

    ثانياً: البعد عن مواطن الشبهة والشهوة والإثارة، وتجنب ذلك ما أمكن.

    ثالثاً: الفرار إلى الله تعالى واللجوء إليه، فإنه كما قال الله تعالى: وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة:118] وقال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

    رابعاً: الزواج للجنسين الذكر والأنثى، فإنه هو السبيل الشرعي لتفريغ هذه الشهوة والغريزة والعاطفة، بطريقة شرعية مباحة، تبني ولا تهدم وتعمر ولا تدمر.

    خامساً: شغل النفس بالأمور الشرعية، من طاعة الله تعالى، والصلاة، وطلب العلم، وقراءة القرآن وحفظه ومذاكرته، أو على أقل تقدير بالأمور المباحة التي تملأ العقل والقلب والوقت، كأن يشتغل الإنسان بالتجارة -مثلاً- أو الزراعة أو الدراسة أو الرياضة المباحة، أو ما أشبه ذلك مما لا يضر وربما ينفع.

    سادساً: استعمال العقل واستخدامه، فإن الله تعالى وهبك العقل حتى تميز به بين النافع والضار، والعقل بإذن الله تعالى يعصم الإنسان عن الشهوات وعن الشبهات، ففيما يتعلق بالشبهة يستطيع أن يصل إلى الحق بإذن الله تعالى متى صدق الله، وفيما يتعلق بالشهوة فإنه لو فكر في عواقبها لتركها، لو فكر في عواقب الشهوة، كم تورث من الحزن الطويل، وكم تورث من المرض، وكم تورث من القلق والتوتر، وكم تسبب من الأمراض النفسية، وكم تجني على العبد، وكم لها من الآثار والأضرار والعواقب الأخروية، التي منها: أن يكوى هذا الجسد الذي تلذذ بلذة محرمة في الدنيا، أن يكوى بالعذاب في الدار الآخرة جزاءً وفاقاً.

    ثم لو أنه أعمل عقله في حال معشوقه أياً كان ولداً أو بنتاً، ثم تذكر هذا الجسد الذي عشقه أنه جسد بشري، فيه نقائص البشر وعيوب البشر، ما قيمة أن يزين الإنسان ظاهره بالثوب الجميل المكوي، واللباس والهندام، والشعر المسرح المصبوغ، وغير ذلك، وألوان الطيب والزينة والجمال الظاهر، لكن هناك عيوب فطرية خلقية لا سبيل إلى دفعها بحال من الأحوال، فلا تغتر بلحظة تزين، وتذكر العيوب المختلفة الموجودة في هذا الإنسان.

    ثم تذكر حال هذا الإنسان وبشريته، هذا العرق الذي يخرج ويؤثر فيه، الإفرازات التي تخرج منه من أنفه ومن فمه، الفضلات التي مجرد سماعها أو تذكرها يثير الاشمئزاز.

    إن هذه الأشياء كلها عيوب جعلها الله تعالى في الإنسان؛ حتى يعتدل الناس في نظرة بعضهم إلى بعض، كما أن الله تعالى أقام الحجة على الناس بالنسبة للمسيح الدجال، لما ادعى الألوهية جعل الله فيه نقصاً فطرياً وهو أن إحدى عينيه طافية فهو أعور، حتى يعلم الناس أن هذه الدعوى العريضة التي يقولها؛ منقوضة بالصورة الحقيقية التي يشهدها.

    سابعاً: من الأشياء ومن العلاجات: تذكر الموت.

    فإنه يقطع كل لذة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد وأصحاب السنن، وهو حديث صحيح: {أكثروا من ذكر هادم اللذات} أي: قاطعها، فإن الموت كما قال عمر بن عبد العزيز [[: ما ذكرته في سعة إلا ضيقها عليك، ولا في ضيق إلا وسعه عليك]].

    ثامناً: تذكر الدار الآخرة والعقاب الذي جعله الله تعالى للعصاة والمفسدين قال الله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:17-19] وقال تعالى: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [الدخان:41] هذا يوم القيامة.

    1.   

    شاب يتساءل متى أتزوج

    العنوان الرابع: شاب يتساءل متى أتزوج؟

    أحد الشباب بعث إلي برسالة عقب درس المجلس السابق، ملخصها: أنه يبحث عن بنت الحلال، التي تعف فرجه وتغض بصره، وتملأ بيته سروراً وابتهاجاً وسعادةً وأطفالاً أيضاً، ولكنه لم يوفق ولم يجد البنت التي يبحث عنها؛ لأسباب كثيرة، منها:

    رفض بعض الفتيات بحجة مواصلة الدراسة أو غيرها، ومنها رفض بعض الأسر، ومنها عقبات قد تكون من قبل الوالدين أو غيرهم، وحول هذا الموضوع لابد من تعليقات سريعة:-

    دور الآباء

    أولها: دور الآباء.

    فإن على الآباء مسؤولية كبيرة في مساعدة أبنائهم على الزواج، بعض الآباء قد يكون ثرياً يملك أموالاً طائلة أو أرصدة في البنك، ولكنه مع ذلك يرفض أن يزوج ولده، أو حتى يساعده على الزواج، أو على أقل تقدير أن يعطيه سلفة من المال، أعطه مائة ألف ريال وقل له: هذه سلفة تردها متى أغناك الله عز وجل، حتى تبعث فيه روح البحث عن الرزق الحلال، وتشعره بالمسؤولية.

    وأقول: هذا واجب شرعي، على كل أب قادر مستطيع أن يسعى في تزويج أولاده وإعفافهم، ولا يحل لأب أبداً أن يمتنع من ذلك، وهو يرى أن الفتن تنـزل اليوم في البيوت والأسواق والشوارع وفي كل مكان؛ ومع ذلك يرضى أن يسلم ولده إلى مثل هذه الفتن التي قد تجره إلى الهاوية، وهو يملك أن يساعده في موضوع الزواج.

    وبعض الآباء قد يمتنع -ليس لهذا الغرض- لكن لاعتبار آخر، فلا يوافق ولده على الزواج، والواجب على الآباء أن يعملوا على إقناع أولادهم بالزواج، حتى في حالة إن كان الولد عازفاً عن الزواج، أو غير راضٍ أو غير موافق، ينبغي للأب أن يسعى في إقناعه بالزواج بالوسائل، ويسلط عليه من يستطيعون إقناعه حتى يتخذ قراراً بالموافقة، وليس أن يرغب الابن فيرفض الأب في وقت يطلب فيه الولد مثل هذا.

    الاعتماد على النفس بعد الله تعالى

    ثانياً: ينبغي على الإخوة من الشباب أن يسعوا إلى الاعتماد على الله عز وجل، ثم الاعتماد على أنفسهم، فالشاب الذي في سن العشرين أو أكثر من ذلك، لماذا لا يسعى أن يعتمد على نفسه بعد الله تعالى، في طلب الرزق والوظيفة، في محاولة توفير المهر وإعداد البيت والمسكن وغير ذلك من الوسائل؟

    وأعتقد أنه مهما قلنا من الأعذار والوسائل والأسباب والأشياء، إلا أننا ينبغي أن نستسلم في النهاية إلى أن هناك فرصاً لطلب الرزق وكسبه، فرصاً شرعية مباحة موجودة في المجتمع، لو أننا تخلينا عن بعض الكبر الموجود في نفوسنا، وبعض الأشياء التي نأنف من ممارستها وعملها.

    حدثني رجل أثق به فقال: أعطيت شاباً مبلغاً من المال وقلت له: خذ هذا المبلغ تاجر به ولك نصف الربح.

    قال: فأخذ هذا المبلغ وجلس عنده زماناً طويلاً ثم لم يتاجر به، لماذا؟ لأنه يأنف أن يشتغل بالتجارة أو بغيرها.

    الجمعيات الخيرية

    ثالثاً: هناك جمعيات خيرية كثيرة لمساعدة المتزوجين، منها جمعية في منطقة القصيم وجمعية في الرياض وجمعية في جدة، وهناك جمعيات خارج المملكة في مناطق الخليج العربي وغيرها، تعلن المساعدة لكل من يرغبون في الزواج، سواء عن طريق الدعم المادي كهدية أو تبرع، أو عن طريق القرض الحسن، أن يقرضوه مبلغاً من المال يرده متى أغناه الله تعالى، أو يقتطع من راتبه أو بأي طريقة.

    وأقول: هناك أعداد كبيرة من الدعاة المعروفين في هذه البلاد، وطلبة العلم وأئمة الجوامع، لديهم استعداد -وإن لم يعلنوا ذلك- لدعم الشباب الراغبين في الزواج ومساعدتهم، أو على أقل تقدير الكتابة معهم إلى بعض الأثرياء وبعض المحسنين، ليقوموا بهذا الدور.

    وإنني أقول لإخوتي من الشباب: إنني مستعد أن أساهم بقدر وسعي واستطاعتي في هذا الأمر، دون نظر إلى أي اعتبار من الاعتبارات، أي أنه لا يهمني أن يكون الشاب -مثلاً- من هذا البلد أو من بلد آخر، من هذه المنطقة أو من غيرها، كل شاب مسلم يرغب في إعفاف فرجه، فحق علينا أن نسعى في إعانته بقدر ما نملك وما نستطيع.

    جمعيات البحث عن الفتاة الصالحة

    رابعاً: هناك جمعيات أخرى لتسهيل مهمة البحث عن الفتاة الصالحة، وهذه الجمعيات ينبغي أن يعتنى بها، أو حتى أشخاص مستقلون يقدمون خدمات في هذا المجال، إنني أقرأ في بعض الصحف والمجلات، فعندما تقرأ مجلة كـمجلة الوطن العربي؛ فتجد أنها تعلن -في كل عدد من أعدادها- عن مجموعة كبيرة من الشباب والفتيات ممن يسمونهم الجنس الآخر، كل واحد يعرض اسمه وعنوانه يطلب الزواج من فتاة، أو فتاة تطلب الزواج من فتى بشروط معينة.

    إن مثل هذا الأسلوب قد لا يكون أسلوباً سليماً قط، وذلك لأنه يتخذ -في أحيان كثيرة- وسيلة إلى نوع من الاصطياد -كما يقال- في الماء العكر.

    ولكنني أقول: هناك طرق سليمة يمكن أن تفلح، كإقامة جمعيات سليمة نظيفة منضبطة، أو وجود أشخاص يتبرعون بجهد في هذا السبيل، ويحتسبون أن يجمعوا بين قلبين على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن التهريج والتشويق والمبالغة والخداع، وما أشبه ذلك مما قد يقع في كثير ممن يبحثون عن الزوجات، أو بنات يوافقن على أزواج صالحين.

    مهمة الدعاء والخطباء

    النقطة الخامسة: مهمة الدعاة والخطباء في توعية الناس بقضايا الزواج، والعلاقات الزوجية، وتخفيف المهور وتخفيف التكاليف وغير ذلك مما نجد أن المجتمع قد ابتلي به كثيراً، إن علينا معاشر الخطباء والدعاة مسؤولية كبيرة في هذا الجانب، توعية الناس بهذا الأمر، ودعوتهم إلى التزام الحدود والضوابط الشرعية فيه، وعدم تعدي ذلك إلى المبالغة والمباهات والإفرط.

    ومن ذلك: أن لا يكون هناك ضرورة لقصور الأفراح، يكون الزواج في استراحة من استراحاتنا أو في بيوتنا، أو حتى في بعض المناطق الغير مبنية في الحي التي تستخدم كمراقص عامة، بحيث لا يكون ثمة حاجة إلى المزيد من التكاليف.

    الانتقال من الكلام إلى البرامج العملية

    النقطة السادسة: ضرورة الانتقال من الكلام إلى البرامج العملية التطبيقية.

    لماذا لا توجد برامج لما يسمى بالزواج الجماعي؟ أن يتم تزويج خمسين أو ستين في ليلة واحدة، وقد قرأت في صحفنا أن مجموعة من شباب الشيعة في المنطقة الشرقية فعلوا ذلك ونشرت أخباره في الجرائد، بل وفي التلفاز، وتحدثوا عنها كتجربة يعتبرونها إيجابية وسليمة.

    فلماذا لا يتم تعميم هذه الظاهرة على شباب أهل السنة في كل مكان؟ وفي منطقة الخليج العربي، وفي البحرين -مثلاً- قامت زواجات جماعية لشباب أهل السنة ناجحة بحيث تختصر التكاليف إلى أبعد الحدود.

    كذلك أمر آخر وهو: القدوة العملية، ما أحوج المجتمع إلى القدوة! سئمنا من الكلام عن تخفيف المهور، وإلقاء الكلمات، ونشر المقالات عن هذا الأمر، بقي علينا أمر واحد؛ أن يقوم بعض المحتسبين والمعروفين والأخيار، بعمل ميداني في هذا المجال، فيتم التزويج مقابل مهر معقول ومحدود، وحتى يتسامع الناس بذلك، ويسن لهم فيه سنة حسنة.

    ومثله أيضاً ما يتعلق بالوليمة والدعوة والعرس وغير ذلك، وأرجو الله تعالى أن يوفقني إلى أن أقوم مع بقية إخواني وزملائي من طلبة العلم بشيء من هذا السبيل، وأطلب من الإخوة أن يقترحوا علي بما يعتقدون أنه صورة مثلى لتحقيق مثل هذه البرامج العملية.

    واجب الفتيات

    النقطة السابعة: واجب الفتيات.

    فإن كثيراً من الفتيات يرفضن الزواج؛ بحجة مواصلة الدراسة أو غير ذلك، وهذا لا شك أنه خطأ، فإذا جاء للفتاة من ترضى دينه وخلقه؛ فعليها أن تقبل به لئلا يقع في المجتمع الفتنة والفساد العريض، الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وربما ترفض الفتاة شاباً صالحاً فلا يأتيها إلا من هو دونه، فعلى الفتاة أن لا تفرط بالشاب الذي يتقدم لها بل تسعى إليه، ولا مانع من مواصلة الدراسة وفق التفاهم بينها وبينه.

    دور المجتمع

    وأخيراً: دور المجتمع.

    فللمجتمع دور كبير، الإعلام مثلاً له دور كبير في إقناع بعض الفتيات بتأخير الزواج مثلاً، أو بعدم قبول فرد إلا بمواصفات معينة، الأسرة لها دور، فقد تشير على البنت أو على الولد بشيء أو تشير عليها بضده، وعموماً جهاز الدعوة في المجتمع.

    والدعاة -كما أسلفت- وخطب الجمعة، والكتب، والأشرطة وغيرها، لها دور كبير في مثل هذه القضية.

    1.   

    الشباب والرياضة

    النقطة الخامسة: الشباب والرياضة.

    وقت كبير جداً ذلك الوقت الذي نقضيه في الرياضة، حسبت -على سبيل المثال- إحدى المباريات، كانت المباريات قبل حرب الخليج يحضرها عشرات الألوف، ثم بعد الأزمة تقلص الحضور كثيراً، وأصبحنا نقرأ في الصحف عن ندرة الحضور وقلتهم، ومحاولات مستميتة لإقناع الشباب بالرجوع إلى مواقعهم في المدرجات.

    ومع ذلك هذه المحاولات -التي تصل إلى إعلانات وإغراءات وتسهيلات وخدمات وغير ذلك- مع ذلك لم تنجح في إعادة الجمهور كما كان، ولكن لنفترض أن مباراة نهائية حضرها عشرة آلاف متفرج، استغرقت المباراة وما قبلها وما بعدها من الوقت خمس ساعات، عشرة آلاف متفرج، اضرب في خمس ساعات، النتيجة خمسون ألف ساعة.

    إذاً من عمر الأمة والمجتمع وطاقتهم، ضيعنا في أمسية واحد خمسين ألف ساعة، آلاف الأيام وعدد من السنوات، كم كان يمكن في مثل هذا الوقت أن ينتج هؤلاء الشباب لدنياهم من الأرباح والمكاسب المادية؟ وكم كان يمكن أن ينتجوا لأمتهم ومجتمعهم، من الخدمات العلمية والابتكارات والاختراعات والتصنيع؟ ولو أنهم كانوا في ناد علمي -مثلاً- أو مختبر أو معمل أو حقل تجارب؛ لأفادوا واستفادوا كثيراً، ونموا عقولهم ومعارفهم وتقدموا بأمتهم وأنفسهم إلى الأمام.

    هذا فضلاً عن المشاهدين عبر الشاشة، وعبر الشاشة يشاهد -أقول وأنا متأكد مما أقول- أحياناً يشاهد مئات الألوف خاصة بعض المباريات الكبيرة، ويوم من الأيام نقل التلفزيون مباراة بين منتخب هذه البلاد ومنتخب اليابان أو كوريا، ونقلت عبر الشاشة.

    ففي تلك الضحوة بعض المدارس ما حضرها أحد، مدرسة بنات في إحدى المدن المقدسة حضرها تسع بنات من بين ثمان مائة طالبة، جامعات لم يوجد في الفصول أحد، أساتذة ودكاترة ربما لم يأتوا من أجل مشاهدة تلك المباريات، أي لهاث مسعور وراء مثل هذا الأمر! هؤلاء الناس كم كانوا سيرتقون بأنفسهم وأرواحهم وإيمانهم وقلوبهم؛ لو أنهم خصصوا جزءاً من هذا الوقت في عبادة الله تعالى أو طاعة أو قربة إليه عز وجل.

    أيها الإخوة، أيها الشباب: إلى متى الركض المحموم وراء الكرة، حتى إن مبانيها أحياناً تفوق أفخم المباني في بعض المدن والقرى، وربما تفتقر إليها كثير من المدارس والمؤسسات.

    تعليق على الانغماس في الرياضة

    إنني أعلق وبسرعة على هذا الموضوع بالنقاط التالية:

    أولاً: تقوية الجسم مطلوب، وأنا لا أعترض على أن يوجد فينا أقوياء في أجسامهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن المشكل أن الرياضة لا تحقق ذلك، إذ يلعب عشرون أو خمس وعشرون، أما هذه الألوف فهي مكدسة على مدرجات الملاعب، لا تلعب ولا تمارس الرياضة ولا تتحرك ولا تركض، إنما أعصابها مشدودة وأصواتها مبحوحة، وهي مشغولة تماماً بما تشاهد، إذاً الرياضة لم تحقق قوة جسمية إلا لفئة محدودة، أما الأكثرون فهم مجرد متفرجين، وربما أثر هذا على صحتهم وأبدانهم، بل إنني قرأت منذ أيام طويلة في بعض الصحف، أعداداً عن أولئك الذين ماتوا على المدرجات في هذا البلد وفي مصر وفي غيرها؛ بسبب هدف لفريقه أو هدف على فريقه.

    ثانياً: إن التعارف مطلوب بين الناس، بين المسلمين في بلادهم المختلفة، وبين المناطق، لكن التعارف لا يجب أن يكون بالضرورة في مدرجات الرياضة وملاعب الكرة، إنما يغلب على التعارف الذي يتم على ملاعب الكرة؛ أن يكون مقارناً بالعداوة والبغضاء، أو العلاقات المريبة بين مستويات مختلفة من الشباب الكبار والصغار، وكلنا ندري أن هذه الكرة ربما تفرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين الناس، وربما قرأ بعضكم في صحفنا أشياء غريبة في هذا الباب.

    ثالثاً: شغل وقت الفراغ واجب، لكن يشغل بما يفيد، ولو أن الرياضة كانت في حدود المعقول والاعتدال، وكانت في أوقات معينة لما كان لنا اعتراض عليها، أما أن تكون هي جل هم الشباب، وجل وقت الإعلام أن يشغلهم بذلك، حتى في أيام الاختبارات أحياناً، وحتى في أوقات المواسم، يأتي رمضان فتشغل لياليه بدوري يشغل الليل كله من أوله إلى آخر، تأتي الاختبارات وتأتي الإجازات، فنجد أن أثمن وأفضل ما نقضيه في مثل هذه الأشياء هو الرياضة، فلا شك أن العاقل يدري ويدرك -حينئذ- أن المقصود تلهية الناس وشغلهم عن الجد وعن الإقبال وعن الفهم وعن الوعي، واليهود يقفون وراء مثل هذه الأشياء في الغالب؛ لمحاولة تلهية الشعوب عن مؤامراتهم وخططهم، أما هم فمنهمكون ومنشغلون بالإعداد والتسليح والتقوية والتدريب، حتى بناتهم يدربونهن على الحرب وفنون القتال.

    رابعاً: المدربون واللاعبون الأجانب موجودون كثيراً في مجتمعاتنا وفي نوادينا، وأعني بالأجانب الكفار، بل ربما تعاقد البعض مع مدربين من صربيا التي تحارب المسلمين وتقاتلهم، وكثير من بلاد الغرب أو روسيا أو غيرها التي توجه سهامها وطعناتها للمسلمين؛ ومع ذلك نستقبلهم ونؤويهم ونبجلهم، ونصرف لهم أضخم الرواتب، ونصفهم بأضخم العبارات، ونقدمهم لشبابنا قدوة حسنة، وهم في الحقيقة قدوة سيئة، وبعض هؤلاء قد يكونون -أو كثير منهم كما أسلفت- من النصارى، فيعملون حركات، مثل حركة التصليب التي يفعلها بعضهم في الميدان وهو يلعب الكرة، وتنقل في التلفاز فيراها الشباب والكبار والصغار، ويقلدونها وهم لا يفقهون أن المقصود منها الإشارة إلى الصليب، حينما يشير إلى جبهته ثم صدره ثم جانبه الأيمن والأيسر.

    خامساً: المعسكرات الخارجية.

    نعم للمعسكرات التي تدرب الشباب، وتقوي أجسامهم وتقوي عقولهم بالثقافة، وتقوي إيمانهم بالصلاة والمحافظة عليها والدروس العلمية، لكن لا يمكن أن يقبل بتلك المعسكرات التي تضعف الرقابة عليها، وخاصة إذا كانت في الخارج، وربما تكون فرصة لبعض ضعاف النفوس في ارتكاب ما لا يحل.

    سادساً: إن من المعلوم أن المجتمع كلما زاد وعيه قل نصيبه من الرياضة، وكلما ضعف وعيه أصبح مشغولاً منهمكاً في متابعة الكرة، والركض وراء أخبارها ودورياتها وبرامجها وجداولها.

    سابعاً: لا أعني بكلامي قط؛ أن كل لاعب أو متابع أو مشجع أو مشغول بالكرة بعض الوقت أنه إنسان منحرف، كلا، وأرجو أن لا يسبق هذا الفهم الخاطئ إلى ذهن أحد من الناس، بل إنني أعرف من بين هؤلاء صالحين وأخياراً، أو على الأقل فئة أخرى فيهم خير وصلاح، وربما يقتصدون في ذلك بقدر معقول لا إسراف فيه ولا مبالغة، وإن كان هذا الأمر ربما أستطيع أن أقول إن ساعة أصرفها في هذا المجال أعتبر أنها خسارة.

    لكنني أقول: إنه يوجد من بين هؤلاء أبرار أخيار ولا شك، وهم يتحرون الحلال ويسألون عن الأحكام الشرعية، ولا يقدمون على عمل إلا بعد ما يستفتون في حكمه.

    ومن ذلك مثلاً: لما أعلن النظام الجديد الذي يسمى: نظام الاحتراف والتفرغ، أن الكثيرين يسألون قبل أن يقدموا عليه هل يجوز مثل هذا العمل؛ أن يكون متفرغاً موظفاً كلاعب في النادي يقبض منه مرتبه أم لا يجوز؟

    بماذا يكون الإنسان إنساناً

    نقطة أخيرة: إن الإنسان لا يعد إنساناً بجسمه فقط، وإنما يعد إنساناً بعقله وتفكيره وقلبه وروحه وفهمه وثقافته ولسانه قبل أي شيء آخر.

    لسان الفتى نصف ونصف فؤاده     فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

    وكائن ترى من صامت لك معجب     زيادته أو نقصه في التكلم

    فاللسان المعبر عن الإنسان، هو من علامات رجولة الإنسان ومعرفته وعلمه وثقافته، ويقول المتنبي:

    لولا العقول لكان أدنى ضيغم      أدنى إلى شرف من الإنسان

    ولما تفاضلت النفوس ودبرت      أيدي الكماة عوالي المران

    يقول: لولا العقول لكان الأسد أدنى إلى الشرف من الإنسان لأنه أقوى منه، ونعم لو كان إنسان ببدنه لكان الفيل أقوى منه، ولو كان الإنسان بماله لكانت الجبال أكثر منه ذهباً وفضة، ولو كان الإنسان بقوته الجنسية لكانت العصافير أقوى منه جنسياً، ولو كان الإنسان بشكله وهيئته وملبسه لكان الطاووس أجمل منه وأحسن مظهراً، إنما الإنسان بهذين الاثنين: بعقله وقلبه، وبما يعبر عنهما وهو لسانه.

    ينبغي أن أضيف أيضاً: إن هناك شغلاً للشباب بما يسمى بالفن، وسواء عن طريق متابعة الأشرطة، أشرطة الغناء أو أشرطة الفيديو والمسلسلات، أو الضرب بالطبول والتدرب على ذلك، والخروج إلى البراري والصحاري وعمل هذه الأشياء، وربما تكون هذه الأمور -أحياناً- مما يتزين بها بعض الشباب لبعض، أو يعمل على كسب إعجاب الآخرين وودهم.

    إنني لا أرضى لإخواني من الشباب أن ينهمكوا في مثل هذا الأمر، أو يغتروا بالصحافة التي تقدم بعض هؤلاء الشباب على أنهم مقبلون ناشئون أو واعدون، وتحاول أن تغريهم بكل وسيلة للمواصلة في هذا الطريق الذي لا يؤمن.

    1.   

    مجموعة الأصدقاء

    النقطة السادسة: شلة الأصدقاء.

    الشلة التي يقضي فيها ذلك الشاب وقته في الاستراحة، أو مع الفريق الرياضي أو في مجموعة السفر أو السمر، إنهم جزء كبير من حياة هذا الإنسان وكيانه، وهم بلا شك من أقوى العوامل على بقائه على ما هو عليه.

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وله شاهد من حديث أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: {مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة} فهذا يكشف عن أثر الجليس، وقديماً قيل:

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه      فكل قرين بالمقارن يقتدي<

    موافقة الشاب لجلسائه

    إن الشاب يتزين لجلسائه أياً كانوا، فيظهر الموافقة لهم على ما هم عليه، وربما أظهر الموافقة حتى ولو كانت بالكذب، ويتشبع بما لم يفعل، فإن كانوا أشراراً مجتمعون على معصية الله تعالى؛ فإنه يظهر لهم أنه مثلهم على معصية وعلى مخالفة ويفعل كيت وينوي كيت ويفكر كيت، على أقل تقدير من أجل أن لا يزدروه، ولا يعتبروا أنه معقد -مثلاً- أو أنه لا يعيش حياته وشبابه كما يجب، أو أنه محروم من بهجة الحياة الدنيا.

    ومثله أيضاً لو كان مع مجموعة من الأخيار؛ فإنه قد يتزين لهم بما يحبون، ويعمل على موافقتهم، ويظهر لهم بعض الأعمال الصالحة في أول الأمر، ثم يعتادها وتصبح جزءً من حياته.

    أما أولئك الرفقة من الأشرار، فإنهم يجرونه أولاً إلى السفر، مرة إلى الرياض وأخرى إلى جدة، أما في المرة الثالثة فإلى ما يعلم الله تعالى في مكان ناءٍ من الأرض.

    وعموماً الإنسان يختار من الأصدقاء من يوافقونه، فهو لن يبحث عن هؤلاء إلا لما يشعر أن هناك نوعاً من الالتزام والتواطئ بينه وبينهم، ولهذا كما قال مالك بن دينار وغيره: [[إنك ترى أن الطيور بعضها مع بعض]] فأنت تجد العصافير بعضها مع بعض، والصقور بعضها مع بعض، والحمام بعضها مع بعض وهكذا بنو آدم.

    ولذلك فيما يتعلق بالبشر انظر من هو صديق النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، انظر من هو قرين أبي جهل -فرعون هذه الأمة؟ إنهم عتبة وشيبة أبناء ربيعة وأمثالهم من الكفار المشركين، انظر من هو قرين فرعون؟ إنه هامان وقارون وأمثالهم من المستكبرين.

    ولهذا قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    الأقربون أولى بالمعروف

    إن الإنسان ربما يستميت مع جلسائه، ويطيل البقاء معهم، ويخدمهم ويهمل والديه، وربما ذهب الشاب بأمه إلى السوق -مثلاً- فأنـزلها وهو مسرع؛ لأنه على موعد مع بعض الأصدقاء أو مع من يعشق ويحب، فيذهب إلى هؤلاء راكضاً ويتأخر عن أمه.

    فإذا جاءت أصبح يتكلم معها بشدة وينهرها ويغلظ لها في القول، ويتعذر ويتعلل دائماً بأنه مشغول وعلى ارتباط وعلى موعد، ولو أنه صارح نفسه وكشف الأمر، لأدرك ودرى أن مثل هذا الأمر لا يدعو أبداً إلى أن يتعامل مع أهله بمثل هذه الطريقة، فيكون إمبراطوراً على أمه أو أبيه أو أخته أو أخيه، وأما مع أصدقائه فهو حملٌ وديع، فالأقربون أولى بالمعروف.

    البعض من الشباب يعيبونه إذا كان خاضعاً لإرادة والديه، أو كان والده مسيطراً عليه، ويعتبرون هذا دليلاً على نقصه وعدم قدرته على التخلص من الضغوط والاستقلال بنفسه، ولا يزالون يزينون له التمرد على سلطة الوالد؛ حتى يستطيعوا أن يتفردوا به ويذهب معهم كيفما شاءوا.

    أعرف بعض الشباب كانوا صالحين، وكان الشاب الصالح مطيعاً لوالده لا يخرج إلا بإذنه، فكان أبوه ربما يمنعه حتى من مجالس العلم والخير وحلقة القرآن، والخروج مع الأخيار في رحلة، أو المشاركة في المراكز الصيفية، ثم انحرفوا بسبب بعدهم عن الأخيار والحيلولة بينهم وبينهم.

    فذهبوا مع الأشرار، فكان الواحد منهم لا يلتفت إلى أبيه ولا إلى أمه، وربما نام خارج المنـزل، وربما لم يروه اليوم واليومين والثلاثة، ومع ذلك استسلموا له، ولم يعودوا يعاتبونه ولا يغضبون عليه؛ لأنهم يقولون نريد أن نصبر عليه لعل الله أن يهديه.

    وليتهم استخدموا هذا الصبر يوم كان شاباً صالحاً، وشجعوه على مقارنة الأخيار ومصاحبتهم؛ ليكون ذلك سبباً في هدايته وثباته.

    إن الإنسان مدني بالطبع -كما يقال- ولا بد له من مجالسة، فعليك أن تبحث عن البديل الصالح، إذا أردت أن تترك جلساء السوء فابحث عن الأخيار، ولما جاء ذلك الرجل التائب من بني إسرائيل إلى الرجل العالم وقال: {إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، اذهب إلى قرية كذا وكذا فإن فيها قوماً يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم} والحديث في صحيح البخاري.

    صفات الجليس الصالح

    إذاً إذا كنت تريد أن تعبد الله تعالى، وتبحث عن التوبة التي بحث عنها ذلك القاتل السفاح، فعليك أن تبحث عن العابدين لرب العالمين، وأن تلقي بنفسك بينهم، وأن تحرص على مصاحبتهم، وأن تتمسك بهم، فإنك الغريق الذي إذا لم يضع يده في أيديهم، يُخشى عليه أن يذهب إلى القعر ويهلك هناك، ثم عليك قبل ذلك، أن تعتصم برب العالمين وتسأل الله تعالى أن ينقذك من كل إثم وسوء.

    بعض الشباب كتب إلي ورقة يسألني عن جليس يقول إنه لا بأس به، ولكنني إذا جلست معه أشعر بضعف في إيماني ورقة في ديني، فهل أجلس معه أو لا أجلس؟ أقول: مثل هذا لا يحتاج إلى سؤال، قال عيسى عليه السلام لأصحابه من الحواريين: سوف يوجد بعدي قوم يدعون النبوة.

    قالوا: يا نبي الله، كيف نعرف هؤلاء؟ كيف نعرفهم وكيف نميزهم؟ فتبسم عيسى وقال: من ثمارهم تعرفونهم. وهذا أصبح مثلاً يضرب: من ثمارهم تعرفونهم. لكي تعرف هل جليسك صالح وينبغي أن تجالسه أو غير ذلك، انظر ما هي ثماره وآثاره على نفسك.

    1.   

    السفر إلى الخارج

    النقطة السابعة: مسافرون إلى الخارج.

    السفر إلى الخارج -مع الأسف- أصبح ظاهرة عند بعض الأسر وبعض الشباب، بل الكثير الكثير من ذلك، وهناك مغريات كثيرة تدعو إلى ذلك الأمر.

    منها: الدعايات في وسائل الإعلام المختلفة، التي تعرض مناظر في بعض الدول وأشكالاً وصوراً وفنادق وغير ذلك.

    ومنها: الدعايات التي تقدمها الخطوط، سواء الخطوط السعودية أو غيرها، والتي تقدم الرحلات المتتابعة والمنظمة، وتعلن عن الفنادق وعن الأماكن الرئيسية، ويا ليتها على الأقل تعلن مع ذلك عن المراكز الإسلامية والتجمعات الخيرية لمثل هؤلاء المسافرين.

    ومنها: التسهيلات من خلال وكالات السفر والسياحة، التي تعلن باستمرار في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، عن رحلات منظمة وسياحة كاملة، تقوم هي بتوليها لمن لا يجيدون ذلك، أو ليس لهم خبرة مقابل مبلغ من المال.

    ومنها: الأصدقاء الذين يغرون صاحبهم بالسفر، ويحاولون أن يزينوا له السفر إلى الخارج.

    ومنها: التخفيضات التي تقدم للشباب لتذاكر السفر، وتسمى تخفيضات الشباب أو الطلاب.

    واعتياد السفر يجعل الإنسان -والشاب خاصة- ينتظر الفرصة أو الإجازة ليذهب إلى هنا أو هناك.

    مفاسد السفر إلى الخارج

    المفاسد المترتبة على هذا كثيرة منها:

    أولاً: -وهو أهمها- تدمير الأخلاق من خلال المناظر والمشاهدات والاختلاط الذي يراه الإنسان، يراه في الفندق، ويراه في المطعم، ويراه في الشارع، ويراه على شاطئ البحر، ويراه في أي مكان، فضلاً عمن يبحثون عن مثل هذا الأمر في النوادي الليلية والملاهي والمراقص وغيرها. الإغراء بالرذيلة، من تعاطي المسكرات والمخدرات وارتكاب الفواحش والمحرمات.

    أقول: ليس كل المسافرين كذلك، هناك كثيرون يسافرون للدعوة إلى الله، وهناك الكثيرون يسافرون للتجارة، وهناك الكثيرون يسافرون لأعمالهم، وهناك من يسافرون للعلاج، أو للدراسة، إنما أنا أتحدث عن فئة مخصوصة، ممن يسافرون لهذا الغرض الذي تحدثت عنه وبحت به.

    ثانياً: من أضرار ذلك: القضاء على الحيوية والصحة والشباب، فما قيمة الشباب والقوة، إذا كان سوف يريقها على أماكن الرذيلة والعهر والفساد، في بلاد لا تعرف الحياء ولا العفاف.

    ثالثاً: إضعاف الثروة الاقتصادية للبلاد.

    إن السياحة من أهم مصادر الدخل في بلاد كثيرة منها بلاد عربية كـمصر وتونس وبلاد المغرب، ومنها بلاد أجنبية مختلفة على سبيل الخصوص بلاد جنوب شرق آسيا، إنها بلاد الرذيلة؛ بلاد الإيدز، وبلاد الأمراض الجنسية، وبلاد الإعلام المكشوف السافر؛ الذي تراه في الفندق، وتراه في البقالة، والصيدلية، والشارع، ومع الأسف توجد شوارع معروفة بأسماء العرب، تعلن عن الرذيلة بشكل صريح مكشوف.

    رابعاً: التهديد السياسي والأمني لوجود شبكات استخبارات من "الموساد"، الاستخبارات اليهودية أو غيرها، تسعى إلى تجنيد شبابنا من خلال الكأس والغانية، ومن خلال توريطهم في فضائح، فتجندهم ضد دينهم وضد بلادهم وضد مصالح أمتهم وتستخدمهم لهذا الغرض، أو على أقل تقدير من خلال شبكات ترويج المخدرات، التي تجند هؤلاء الشباب وتلقي بهم في أتون الرذيلة.

    وقد ذكر تقرير نشر في بعض الصحف قبل سنوات؛ أن بعض الشباب من شباب دول الخليج العربي، في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة في عمر الزهور، يذهبون إلى هناك -مع الأسف الشديد- ويتورطون في قضايا المخدرات والفساد، وقد رأيت شباباً أصيبوا بمرض الإيدز في هذه البلاد، وهم في مثل تلك السن، لا زالوا في قوة شبابهم وفي أول أعمارهم، فمن المسؤول عن هؤلاء؟

    الحلول لمشكلة السفر إلى الخارج

    أصبح من يريد الفساد اليوم يجده، الذي يريد الشر يجده، فلم يبق إلا التوعية الصادقة المباشرة للشباب، ومخاطبتهم وتجنيدهم في أعمال الخير، ودعوتهم إلى الله تعالى، وتحريك الخوف من الله تعالى في قلوبهم، فإن ذلك هو الرادع والوازع، قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    إنني أعرف أعداداً كبيرة من الشباب ذهبوا إلى بلاد الغرب للدراسة، فكان الواحد منهم أول ما ذهب يسأل عن جامعة تكون قريبة من شاطئ البحر، أو جامعة تكثر فيها النوادي الليلية، أو جامعة في بلد يتمتع بالحرية، فيذهبون إلى هناك؛ فإذا ذهبوا تغيرت عقولهم واستقاموا وصلحوا والله العظيم، ثم تغير الواحد منهم ورجع مرة أخرى يقول: أريد جامعة يقرب منها مركز إسلامي، وفيها مسجد، وفيها أكثرية أو جالية إسلامية يمكن أن أتعاون معهم.

    إن السبب في ذلك التغير؛ هو أنهم خوطبوا بالدعوة إلى الله تعالى، في جو حرية كاملة، ولكنهم دعوا إلى الله وذكروا بالله؛ فتحركت قلوبهم وعادوا إلى رشدهم، فينبغي أن نخاطب هؤلاء الشباب.

    أمر آخر: أن نجند الشباب إلى السفر -إن كان ولابد- إلى البلاد الإسلامية المنكوبة، إلى الصومال -مثلاً- أو أفغانستان، أو إلى بلاد البوسنة والهرسك، أو إلى طاجكستان أو إلى غيرها من البلاد؛ إما أن يذهبوا للدعوة إلى الله، أو يذهبوا للتربية أو يذهبوا للأعمال الإنسانية، من المساعدات والخدمات وغيرها، ولا شك أنهم سوف يتأثرون نتيجة مشاهدتهم، أو يذهبون للتعليم أو لغير ذلك من الأغراض.

    1.   

    خطورة الإعلام

    النقطة الثامنة: الإعلام والإعدام.

    الفتنة في التلفاز أصبحت طاغية اليوم، عند الكبار والصغار والرجال والنساء، فقلَّ بيت يخلو من هذا الجهاز، التلفاز يعرض الرياضة للجنسين، يعرض المسلسلات الفاضحة العربية والأجنبية، والتي ليس لها أي معنى سوى عرض الجميلات من الممثلات وإغراء الشباب بهن، وهناك صور ونماذج موجودة عندي.

    أقول: إنها مؤذية جداً وغريبة ومستنكرة، لكني لا أطيل بها لضيق الوقت، ولأني سوف أقدم للإخوة موضوعاً خاصاً، عنوانه إن شاء الله تعالى: كلام في الإعلام.

    أما البرامج الدينية أو العلمية فهي أقل من القليل، ويؤسفني أن أقول: إن التلفزيون في هذا البلد يقدم برامج دينية أقل حتى مما تقدمه دول خليجية أخرى كـقطر أو غيرها، وهذا نتيجة إحصائية منشورة في مجلة سعودية هي مجلة قافلة الزيت، وهي موجودة عندي، مع أن كثيراً من البرامج العلمية والدينية تفتقد الجاذبية والإثارة والقدرة على مخاطبة الجمهور، فأكثر الناس يعرضون عنها أو يغلقون الجهاز عند ظهورها.

    الدش موجود في البيوت والاستراحات، يقول البعض: إنه يتابع الأخبار، في الواقع أن معظم القنوات التي تبث تبث بلغة غير العربية، ومعظم الذين وضعوا هذا الجهاز لا يحسنون إلا اللغة العربية، أيضاً لم يبلغ مستوى الوعي والمتابعة الإخبارية عند الناس إلى هذا الحد، ولهذا لا تجد عندهم عناية في أحاديثهم وأقوالهم وتفكيرهم ونظرتهم، للمتابعات الإخبارية ومعرفة المجريات، إنما الغالب أن الدافع هو الإطلاع على عروض الأزياء، وعلى الرياضة، والرقص، والمسلسلات الغربية، والبرامج المنحلة.

    وأقول: لقد سمعت بأذني برنامجاً في إذاعة "هنا لندن" يتكلم عن جهود الحكومة البريطانية، في وقاية الشعب البريطاني من البث الخليع الذي يأتي عن طريق هذه القنوات، والتفكير في الحماية الأخلاقية للمجتمعات الغربية، مع أنهم قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون دين الحق.

    فما بالك بالمسلمين، إنهم أولى أن يقوموا بهذا الأمر، ولقد أعجبني كثيراً ما نشرته الصحف أن قطر قامت بمنع تركيب الدشوش وحاربتها وصادرتها، وهذا خبر مؤكد، وينبغي على جميع البلاد أن تسعى حذوها في منع التأثير الأخلاقي والديني والعقائدي على شعوبها؛ فإن ذلك يحمل أعظم الخطر عليها.

    الفيديو: لقد ضعف دور الفيديو نوعاً ما بوجود الدشوش، لكن لا يزال هناك مجال من خلال الاشتراك، أو شراء ومتابعة أحدث الأفلام والمسلسلات؛ وما يحدثه ذلك من الأثر الكبير في نفوس المشاهدين أو المستمعين.

    آثار أجهزة الإعلام الفاسدة

    إن من أعظم الآثار:

    أولاً: ضحالة الثقافة والمعلومات، فأنت تجد هؤلاء المتابعين ليس لديهم أي ثقافة يعتزون بها، ولا معلومات حقيقية، إنما هم خطافون يجتمعون أو يشاهدون، وقد تقلصت معلوماتهم وضاع وقتهم.

    ثانياً: القضاء على الوقت، فلم يعد عند الإنسان وقت يذكر للقيام بأمور جادة، لا يقرأ ولا يكتب ولا يعمل في دنياه، ولا يقوم بأي عمل مثمر.

    ثالثاً: وهو من أهم الأشياء وأخطرها: تغيير الأفكار والأخلاق، فإن الإنسان يتأثر بما يشاهده ويسمعه قطعاً ويقيناً، بعض الإخوة والأخوات يقولون لا نتأثر، أقول: هذا غير صحيح، وأضرب لذلك مثالاً: لو فرضنا أن هناك مسرحية أو تمثيلية مؤثرة ومبكية؛ ألا تجد أن الإنسان يبكي وتدمع عينه، مع أنه يعرف أن الأمر تمثيل.

    لو كان هناك مسلسل عنف وإثارة؛ ألا تجد أنه يتابعه وأعصابه مشدودة؟ بلى. مع أنه يعرف أن القضية تمثيل، إذاً الإنسان يتأثر بكل ما يشاهد وبكل ما يسمع، ومع الوقت يتعود الإنسان -مثلاً- على أن كون الرجل مع امرأة أجنبية ما يضر، وكذا ركوبها معه في السيارة، والمغازلة، والاتصال الهاتفي، وظهور الأوراق واكتشافها، وكلام الحب والغزل والغرام.

    هذه المدرسة دربت بناتنا وأولادنا على كثير من أنواع الاتصالات المحرمة، والعلاقات الغير نظيفة ولا شريفة، إنها مدرسة كبيرة اسمها: مدرسة التلفزيون.

    رابعاً: تمزيق الشخصية بين ما يعيشه الإنسان في مجتمعه، ويدرسه في مدرسته، ويسمعه في المسجد من التعاليم الدينية الشرعية، وبين ما يراه عبر الشاشة من المخلفات.

    خامساً: التهييج والإثارة، وأعني بذلك على سبيل الخصوص: التهييج والإثارة بما يتعلق بالعواطف والغرائز. نعم، كلٌ بحسبه، حتى صورة تلك المرأة التي تعرض في مسلسل عربي، إنها ربما تكون -أحياناً- أكثر إثارة أو تهييجاً من صورة في مسلسل أجنبي، أو حتى مما لو كانت أمراً مكشوفاً يتعاطى فيه الجنس علانية، فإنها قد تتفنن في وسائل الإغراء والإثارة، وربما يكون المستور أحياناً أكثر إثارة من المكشوف.

    سادساً: ملء ذهن الإنسان وعقله بالأمور الفارغة: التعلق بالصور، والتعلق بالأشكال، والمفاهيم الخاطئة، والنظرات القصيرة إلى غير ذلك.

    حلول فساد الإعلام

    من الحلول:

    الأول: الإقبال على القراءة.

    فهي جزء من الإعلام، وسماع الأشرطة الإسلامية، ولها دور كبير في مثل هذا المجال، لتوعية الإنسان وملء عقله وقلبه. قد يقول الإنسان: أنا خرجت من المدرسة، تريدني أن أرجع لأقرأ -مثلاً- وأضيع وقتي في القراءة!

    أقول: نعم، القراءة غير المدرسة، فأنت تختار ماذا تقرأ، وفي أي وقت تقرأ، وأي لون من المعلومات، تقرأ قصة أو رواية أو تاريخاً أو شعراً أو مجلةً مفيدة أو علماً نافعاً أو ما أشبه ذلك، أو تستمع إلى شريط ينفعك في دينك أو دنياك، أو ينور لك الطريق، أو يزيد في خبرتك ومعلوماتك.

    1.   

    عقبات في طريق الالتزام

    النقطة العاشرة: عقبات في طريق الالتزام: السفر عقبة، الأصدقاء عقبة، التعلق بالرياضة أو بالفن عقبة.

    عقبة العادة

    هناك عقبة إضافية وهي: عقبة العادة.

    أن تكون عادات الإنسان عادات سيئة، كما يشتكي الكثيرون -مثلاً- مما يسمونه بالعادة السرية، قد تصبح المعصية عادة أياً كانت، اعتاد الإنسان التدخين أو شرب المسكر أو السفر أو ممارسة الحرام، أحياناً يمارسها لمجرد العادة دون أن يجد لها لذة، ودون أن تتطلع نفسه إليها إلا لمجرد أنه إذا وجد وقت فراغ، انصرف تلقائياً إليها، الذي تعود على المعاكسات الهاتفية، في كل وقت فراغ يجد أمامه جهازه يحركه دون أن يوجد هناك أي دافع إضافي إلا دافع العادة فحسب، أما اللذة فقد ذهبت مع المكالمات الأولى أو مع الاتصالات الأولى.

    فهذه الأشياء كما قيل: أولها لعب وآخرها عطب.

    وبالمقابل أصبح الإنسان لا يجد -بسبب عاداته السيئة أو المحرمة- أصبح لا يجد رغبة نفسية مثلاً في الصلاة، وربما يضيق بالأذان، وربما يذكره ذلك بشيء يريد هو أن ينساه، أو يشعره بالذنب وينغص عليه لذته العابرة التي يقضيها الآن، أو يجعله يقارن نفسه بتلك الفئة الملتزمة المهتدية من الأخيار والصالحين، ولا يجد أدنى دافع يفتح المصحف أو يقرأ شيئاً من القرآن؛ مع أن القرآن علاج وشفاء، كما قال الله جل وتعالى: هُدىً وَشِفَاءٌ [فصلت:44] مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57].

    الوحشة من الطاعة وأهلها؛ من أعظم آثار الذنب والمعصية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {الخير عادة} من الممكن أن يكون الخير هو العادة التي تدرب نفسك عليها، فتعتاد على أداء الصلاة في أوقاتها، أو قراءة الورد اليومي صباحاً ومساءً، أو المحافظة على السنن الرواتب والوتر أو سنة الضحى، أو سماع الأشرطة أو قراءة الكتب، أو ملازمة حلقة القرآن والذكر؛ بحيث تكون هذه عادة لك تنـزعج لتركها.

    ولهذا لما ذكر الله تعالى المنافقين قال: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:13-14].

    إذاً الفتنة جاءتك من الداخل فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ [الحديد:14] تربصتم: أي انتظرتم وقلتم العمر طويل، نحن شباب، إذا كنا مثل فلان وفلان في السن نتوب إن شاء الله، هذا هو التربص. وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:14-15].

    عقبة الفراغ

    عقبة الفراغ:

    لقد هاج الفراغ علي شغلاً     وأسباب البلاء من الفراغ

    نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، من أنجح الأساليب التربوية عند الآباء الواعين الفاهمين، أن يشغلوا أبناءهم بالأمور الجادة منذ الصغر، مذاكرة، أو مشاركة في تجارة أو عمل، أو إدارة، أو زراعة، مع منح المغريات والمكافآت التي تحدوهم إلى هذا العمل وترغبهم فيه، القيام بالخدمات في المنـزل، تربيتهم على الاستقلالية في شخصياتهم، وأن لا يكونوا تبعاً لغيرهم، أو تربيتهم على القدرة على اتخاذ المواقف السليمة وتحمل المسئوليات.

    1.   

    الأسئلة

    خبر مزعج للغاية

    السؤال: خبر مزعج للغاية، في الواقع يقول أحد الإخوة: أطرح هذا السؤال لإرساله إلى أهل الزوجين حتى ينكروا المنكر، آه ثم آه لما حصل في بلدنا قبل ثلاثة أيام في أحد قصور الأفراح، حيث أتى الرجال مع النساء، واستمر الغناء والموسيقى حتى الساعة الثالثة ليلاً تقريباً، والله ثم والله قد حصل هذا، وفي زواج آخر دخل الزوج مع زوجته بين نساء أجنبيات عنه، فإلى متى تبقى هذه المظاهر وتستمر هذه المنكرات؟ فاتقوا الله يا شباب الأمة. ونرجو أن تخصص موضوعاً لمنكرات الأفراح؟

    الجواب: سبق أن خصصت موضوعاً عنوانه: تنبيه الناس على ما يقع في الأعراس.

    أما هذا الخبر فإذا كنت أنت أو غيرك ممن يسمع هذا السؤال ومتأكد من حصوله فينبغي أن ينكر هذا في وقته ويثبت، ويمكن أن يتم إنكاره بطريقة يمكن أن يتأكد بها -إن شاء الله- من عدم تكرار مثل هذا العمل الشنيع الفضيع، وفعلاً والله أصبحت تصلنا الآن رسائل واتصالات في غاية الإزعاج مما يقع في الزواجات.

    أخبرتني امرأة أن هناك زواجات يستأجرون قصر الأفراح بمائة وخمسين ألف ريال فقط؟ بل خمسمائة ألف ريال لمجموعة من الشباب؛ وأخرى بل مجموعة أثبتن أنه يتم رقص نساء شبه عرايا، عليهن ملابس لا تستر إلا إلى نصف الفخذ، هذا يوجد حتى بين الفتيات الغير متزوجات؛ وربما رقصت الزوجة مع زوجها أمام الرجال والنساء، سبحان الله! فتن يرقق بعضها بعضاً، أصبح مجتمعنا يصل إلى مثل هذه الأمور، ونحن في كثير من الأحيان نقف موقف المتفرج.

    نوع المساعدة على الزواج

    السؤال: قلتم إنكم على استعداد لمن يريد مساعدة للزواج؟

    الجواب:أنا ما قلت على استعداد المساعدة من يريد الزواج، لأنه قد يظن أني على استعداد لمساعدته في البحث عن الفتاة، ومثل هذا العمل لا يمكن أن أورط نفسي به، لكني على استعداد لمساعدته فيما يتعلق بالمساعدة المادية إذا كان ذلك ممكناً.

    كتاب عن أهل الحسبة

    تنويه: يقول: هناك كتاب للشيخ محمد الدويش يتكلم ويجيب على أسئلة عن أهل الحسبة وهو يجيب على أسئلة كثيرة مطروحة، اسمه أهل الحسبة، فلذلك نلفت الأنظار.

    طريقة التوبة

    السؤال: أنا شاب أتيت مع أخيار، ولأول مرة أحضر محاضرة، لي بعض الأخطاء الصغيرة والكبيرة، ما هي نصيحتك لى حيث أني أريد أن أتوب إلى الله؟

    الجواب: نصيحتي أن تسمع شريط "أريد أن أتوب ولكن" الذي ذكرته لكم قبل قليل.

    فنترك بقية الأسئلة ونجيب على المهم منها في فترة قادمة إن شاء الله تعالى، في الأسبوع القادم سأقوم بإعداد موضوع مصارع العشاق، وهو الحلقة الأخيرة في سلسلة الحديث مع إخواني الشباب.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.