إسلام ويب

أحاديث غير عابرةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله بالكلام حول واقع الأمة الإسلامية اليوم، وعن أهمية الدين في الصراعات العالمية اليوم، ثم تكلم عن الوعي الموجود في أوساط المسلمين، وتحدث بعد ذلك عن ذكاء خطط المنافقين، وعن مبدأ احترام القوة، وعرج بعد ذلك على ذكر بعض جراحات الأمة، وتلا ذلك بالكلام حول العودة إلى الذات والتوبة ومحاسبة النفس، ثم وقف مع جريدة الندوة وذكر عليها بعض الملاحظات، وتكلم بعدها عن أهداف العلمانيين من التشهير بالدعاة، وقرأ رسالة موحية أرسلها إليه أحد الشباب المسلمين الدارسين في أمريكا، وختم المحاضرة بعد ذلك بقراءة بعض الأوراق المتفرقة.

    1.   

    دمعة على الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرًا.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:71].

    أما بعــد:-

    عباد الله: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، هذا المجلس (82) من سلسلة الدروس العلمية العامة، وهذه ليلة الإثنين (20/جمادي الثانية/1413هـ)، وعنوان هذه الجلسة: "أحاديث غير عابرة ".

    إن المتتبع لأخبار المسلمين في هذه الأيام، يكاد يمرض من هول ما يسمع، ففي كل بلد نكبة، وفي كل زاوية مصيبة، وفي كل بيت مأتم ونياحة، ومع أننا لا نملك دموعنا، ولا ندارى أحزاننا، إلا أن ثقتنا بالله عز وجل وإيماننا بوعده الصادق، الذي لا يتخلف أكبر من تلك المصائب والآلام.

    ولهذا يتفجر الأمل والثقة بما عند الله تعالى، من عمق المعاناة وقلبها، ففي الهند هدم الهندوس المسجد البابري، الذي كان من عهد المغول، وعمره أكثر من أربعمائة وخمسين سنة، كان طيلة هذه الأزمنة مكاناً للعبادة والصلاة والذكر وقراءة القرآن، وكم شهدت أرضه من مصلِّ وساجد، وباك بين يدي الله تعالى! وإذا به في هذا الزمن يسلط عليه أولئك المتوحشون من الهندوس، فينقضون عليه بمئات الألوف بأيديهم الفئوس والمعاول حتى سووه بالتراب، ليس هذا فحسب، بل ويقتل في أنحاء الهند ما يزيد على ألف قتيل، معظمهم من المسلمين، بسبب ما يسمونه بأعمال العنف، من الهندوس وغيرهم.

    إنها مصيبة وكارثة، ولكن في عمق هذه الكارثة بشائر اللطف الرباني من الله عز وجل، والدروس المهمة التي تتجلى من خلال هذه الوقفات.

    أهمية الدين في الصراعات العالمية

    أولاً: لابد أن ندرك أهمية الدين في الصراعات العالمية اليوم، وأن ندرك أثره في الأحداث التي تقع في كل مكان.

    إن العالم كله اليوم، يعيش فترة استقطاب ديني على كافة المستويات، في جميع الدول، فليست الصحوة فقط بين المسلمين، بل إن النصارى يشهدون صحوة قوية في كل العالم النصراني، وهناك جماعات إنجيلية، وجماعات أصولية نصرانية في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا وفي بلاد الروس، وفي غيرها، تتمسك بالنصوص الحرفية لأناجيلها وكتبها.

    وكذلك في شأن اليهود، فإن هناك جماعات يهودية كثيرة، تتمسك بحرفية نصوصها، التي تزعم أنها مقدسة، وتتحمس وتتعصب لدينها، وتطالب بالقضاء على المسلمين، وتحقيق ما يسمى بدولة إسرائيل الكبرى، بل يقول أحد كبار المسئولين في إسرائيل: إن أكثر الأحزاب الموجودة في التحالف القائم اليوم، أو التكتل القائم، إن أكثر تلك الأحزاب حمائمية وتساهلاً، لا يمكن أن ترضى بتسليم الأرض إلى المسلمين، التي احتلها اليهود.

    وهكذا الحال بالنسبة لأهل البدع، فإن جميع أهل البدع يوجد عندهم تعصب لدينهم اليوم، وإقبال على إحياء بدعهم؛ فلو نظرت إلى أحوال الرافضة، سواء في بلاد إيران، أو في العراق، أو في مناطق الخليج العربي كلها، وبدون استثناء، لوجدت أنهم قد تحمسوا لدينهم، وتعصبوا لبدعتهم، وبدءوا يعودون من جديد إلى الدعوة إليها، وتربية أولادهم وبناتهم عليها، والاجتماع على ضوئها، والمطالبة بالاعتراف بها إلى غير ذلك.

    ولو نظرنا إلى الإباضية، سواء في عمان، أو في الجزائر، أو في ليبيا أو في غيرها، من المناطق التي توجد فيها الأقلية الإباضية، وهم فئة أقرب ما يكونون إلى الخوارج، وإن كانوا يختلفون معهم في بعض جوانب الاعتقاد، لوجدنا أن هؤلاء تحمسوا من جديد وعادوا، وبدءوا يطبعون كتبهم، ويحيون تراثهم، ويقيمون الدروس والأعمال العلمية، ويحاربون كل من يخالفهم في ذلك.

    وإذا نظرنا إلى الأمة الإسلامية، وأهل السنة لوجدنا -بحمد الله- أن الله تعالى أنعم عليهم، هم الآخرين، بنعمة عودتهم إلى الدين، وانتشار الصحوة الإسلامية في أوساطهم رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، وهذه نعمة من الله تعالى نحمده سبحانه عليها.

    المهم أن قضية الدين اليوم، أصبحت قضية ذات أهمية كبرى، في الأحداث التي تجرى في العالم كله، ومن المحال أن يقبل المسلمون بتلك الدعوات التي تدعو إلى أن يعودوا علمانيين، وأن يتخلوا عن ولائهم للإسلام، وأن يتخلوا عن هذا التوحيد الذي ميزهم الله تعالى به، كيف والقرآن الكريم يدعوهم أن يعبدوا الله تعالى وحده، لا يشركوا به شيئا؟!

    كيف وهم يرون أن أهل الضلال تحمسوا لضلالهم، وأهل الكفر تحمسوا لكفرهم؟!

    فكيف يطالب أهل التوحيد، وأهل الإيمان، وأهل السنة بأن يتخلوا عن الحق الذي ائتمنوا عليه؟!

    ليكونوا علمانيين، يرضون بفصل الدين عن الحياة، وفصل الدين عن السياسة، وفصل الدين عن الإعلام، وفصل الدين عن الفن، وفصل الدين عن الأخلاق، وفصل الدين عن أمور المجتمع، ليكون الدين علاقة بين العبد وربه، تختصر في الصلوات وفي المساجد وحسب.

    إن هذا ما كان ولن يكون، فإن الله تعالى أنـزل كتابه مهيمناً على كل شيء، وأنكر وعتب على أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض الكتاب، فقال سبحانه: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    تزايد الوعي في صفوف المسلمين

    الدرس الثاني: تزايد الوعي الإسلامي، في صفوف المسلمين وغلبة الإسلام على رغم الكيد المدبر له.

    إننا نعلم أيها الإخوة، أن اليهود قاموا بحرق جزء من المسجد الأقصى، قبل بضع سنوات، وكانت جميع الدول العربية والإسلامية وقتها في حالة عداء معلن مع اليهود، على أقل تقدير، وكانت ترغب أن تثور ثائرة الشعوب الإسلامية، ضد هذا العمل اليهودي المجرم المتجني.

    ولكن مع ذلك كله كان رد الفعل الإسلامي، مع أنه تعرض للمسجد الأقصى، الذي بارك الله تعالى حوله، وذكره في كتابه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن: {الصلاة فيه بخمسمائة صلاة} كما في الأحاديث.

    ومع أنه مسجد تاريخي، مع ذلك كانت ردود الفعل الإسلامية لا تعدو أن تكون مظاهرات، وصخب إعلامي، وربما كانت الحكومات وراءه في الأعم الأغلب، ثم هدأ الأمر، وانتهى كل شيء.

    أما اليوم فمع أن الهجوم الهندوسي هو لمسجد لا يحمل قداسة خاصة عن غيره من المساجد، إلا أنه مسجد تاريخي، ومع ذلك فقد وجدنا أن المسلمين قد غضبوا لذلك غضباً شديداً، وثارت ثائرتهم، وسارت المظاهرات في الشوارع، في طول العالم الإسلامي وعرضه، وقامت الاضرابات في كل بلد، حتى تعطلت الموانئ في الهند وغيرها، وتكدست البضائع، ولم تجد من يحملها، ووقف المسلمون عن العمل، خاصة من الهنود في بلاد شتى.

    بل وهدمت معابد الهندوس في الهند، وفي باكستان، بل وفي لندن وفي برمنجهام وفي غيرها من بلاد العالم الغربي، غضباً للإسلام.

    بل إنني أعلم أن هناك أعداداً من الشركات والمؤسسات الإسلامية ورجال الأعمال والمسئولين في منطقة الخليج العربي، وفي غيرها قاموا بتسريح عشرات، بل مئات، بل ألوف من العمال الهندوس، الذين كانوا تحت كفالتهم، تعاطفاً مع إخوانهم المسلمين، وغضبا لله تعالى ورسوله، وهذه على كل حال، نعمة نحمد الله تعالى عليها.

    ونقول: إن هذه ظاهرة إيجابية في الجملة، بغض النظر عن الأساليب، التي عبر بها المسلمون عن سخطهم، وبغض النظر عن تحفظات أخرى، سوف أتحدث عنها، إلا أن مجرد هذه الظواهر وردود الفعل القوية، يدل على أن المسلمين يوجد في قلوبهم إيمان، ويوجد عندهم غضب للدين، وتوجد عندهم غيره، متى شعروا بأن دينهم مستهدف، وأن مقدساتهم محل نظر من أعدائهم.

    ذكاء خطط المنافقين

    الوقفة الثالثة: ذكاء خطط المنافقين، الذين أدركوا كيف يعبثون بالمسلمين، وعرفوا من أين تؤكل الكتف، فهم يحافظون على الشكل، ويسرقون اللب والمضمون، فهم يدركون مثلاً أن هدم مسجد يثير مشاعر البسطاء من المسلمين، ويحركهم ويزعجهم ويغضبهم.

    ولهذا قد لا يتعرضون للمساجد، بل ربما حموها وحفظوها، وحافظوا عليها لسبب أو لآخر، حتى إن منهم من يحافظ عليها بحجة أنها جزء من التراث، أو معالم سياحية يتردد عليها الناس، حتى يكون من جراء ذلك تنمية وتقوية للدخل، ولاقتصاد البلاد، وقد يحافظون عليها من منطلق حماية مشاعر المسلمين، أو لغرض آخر.

    ولكن -نحن جميعاً- ندرك أن هدم مسجد، بل هدم عشرات المساجد، على خطورته أنه مما يُغضب الله تعالى، والله تعالى يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] وهدم المساجد خطير، ولكن قتل مسلم واحد أخطر وأعظم.

    لأن هذا المسلم هو الذي به إحياء المساجد، وعمارتها، وذكر الله تعالى فيها، والمساجد إنما أقيمت ليذكر الله فيها فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37].

    فهؤلاء الرجال أهم من المساجد، وأعظم حرمة عند الله تعالى منها، ولكننا نجد المسلمين اليوم يغضبون لهدم مسجد، أكثر مما يغضبون لا أقول لقتل مسلم، بل لقتل عشرات، ومئات، وألوف، وعشرات الألوف من المسلمين، في كل مكان، وهذا يدلك على عمق المكر اليهودي، والنصراني ضد الإسلام، الذي يتجنب الأشياء التي تثير مشاعر المسلمين ويتجه إلى تلك الأشياء التي تكون أقل إثارة، وأكثر فاعليه، وأعظم جدوى.

    بل إنني أقول: إن فتنة مسلم واحد عن دينه، وإخراجه عن الإسلام إلى الكفر والشرك والوثنية، أو إلى النصرانية، أو إلى اليهودية، أو إلى اللادينية والعلمانية، إن فتنة مسلم واحد عن دينه، هي أعظم عند الله تعالى بكثير من قتله، كما قال الله عز وجل: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191].

    وقال في الآية الأخرى، وكلا الآيتين في سورة البقرة: يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217].

    إن هذا المسلم القتيل قد يكون ولياً لله تعالى، فيكون قتله تعجيلاً له إلىجَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55] لكن هذا المسلم الذي ظل حياً بجسده، ولكنه ميت بقلبه، لا روح فيه، ولا إيمان، ولا تقوى، ولا دين، ولا توحيد، ولا شهادة أن لا إله إلا الله، ولا شهادة أن محمداً رسول الله، لا شك أن موته خير له من الحياة.

    إن سلب إيمانه، الذي به عزته وكرامته ونجاته في الدنيا، وفي الآخرة، وفتنة المسلم عن دينه أعظم بكثير من قتله، وكم من المسلمين يفتنون اليوم عن دينهم، بالتكفير، والتنصير، والتضليل، والتجهيل، وغير ذلك.

    إننا يجب أن نغضب لهدم مسجد في الهند وفي أي مكان، خاصة إذا تصورنا أن هدم هذا المسجد بـالهند، قد يترتب عليه هدم مساجد أخرى، وقد أعلنت صحيفة هندوسية.

    أن هدم هذا المسجد تمهيد لهدم ما يزيد على ثلاثمائة وسبعة وخمسين مسجداً آخر في الهند، فيجب أن نغضب لهدم هذا المسجد، لكننا يجب أن نغضب أكثر وأكثر، لهدم هذه الأجساد، التي تذكر الله تعالى، وتسبحه وتصلي له وتشهد له بالوحدانية في كل مكان.

    ينبغي أن نغضب لقتل المسلمين في كل مكان وإبادتهم، وينبغي أن نغضب أكثر من هذا ومن ذاك، لفتنة المسلمين عن دينهم، بإتاحة سبل الفساد لهم، وتحريضهم على الجريمة، ودعوتهم إلى التنصير، ومحاولة سلخهم عن دينهم، بكافة الوسائل، ذلك الموضوع الكبير الخطير الذي طالما تحدثت عنه، وتحدث عنه غيري.

    إنه ليس من العدل، ولا من الغيرة على دين الله تعالى، أن نهون الأمر بالنسبة للمسلمين، وأن نقول لهم: اطمئنوا، ناموا قريري العيون، فدينكم في أمان والمسلمون كلهم بخير! كلا إن المسلمين اليوم يتعرضون لعملية مسخ لعقولهم وقلوبهم، وإخراج لهم عن دينهم في كل مكان.

    وقد اطلعت هذا اليوم ببالغ الأسف، على خبر يقول لي فيه أحد الإخوة من بلاد الغرب: جاءنا في المركز رجل بريطاني نصراني، يريد أن يتعلم العربية، فسألناه لماذا؟

    قال: فتلكأ بعض الشيء، ثم دخلنا معه فإذا به يبوح لنا بالسر الدفين، إنني صديق لفتاة من دولة خليجية محافظة، واسم هذه الفتاة (م.ش) وقد تمكنت من دعوتها إلى النصرانية، وتنصرت، واتفقت معها على الزواج، وأن يعقد الزواج في كنيسة في بريطانيا، في ظل موافقة عائلية، ولكن حالت بعض الظروف دون ذلك، ولا زالت المراسلات جارية، ونحن بصدد التأثير على أخواتها الباقيات، وهناك نتائج إيجابية في هذا السبيل.

    إذاً: لا يجوز أبداً أن نتهاون بخطط أعداء الإسلام، في إخراج المسلمين عن دينهم، سواء أخرجوه إلى النصرانية، أو أخرجوه إلى الإباحية واللادينية والعلمنة، أو أخرجوه إلى المادية والاهتمام بالدنيا والغفلة عن الآخرة، والله تعالى وصف الكافرين بأنهم يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة.

    احترام القوة

    إن الحكومة الهندية لم تفعل شيئاً إزاء ثلاثمائة ألف هندوسي قاموا بهدم المسجد، بل وقفت متفرجة، وقال رئيس الحكومة: إنني قد بعثت بقوات إلى تلك المدينة، ولكن محافظ المدينة منع القوات من التدخل، وقام المسلمون يعربون عن غضبهم، فتصدت لهم قوات الأمن، وضربتهم وقتلت منهم من قتلت.

    أثخنوهم بالجراح      ثم قالوا لا تصيحوا     

    إن في هذا الصباح بعض ما يبغي الجريح

    ووعدهم بأن يعيدوا بناء المسجد من جديد.

    إن بعض الإجراءات التي عملتها حكومة الهند، لا تعدو أن تكون مدارةً للغضب الإسلامي المتزايد، وخوفا من أن تنجر منطقة الهند بأكملها، إلى أنواع وألوان من العنف المتبادل، بين الهندوس والمسلمين، وبقية الطوائف الأخرى.

    العالم اليوم يحترم القوة، وهو لا يؤمن بمبادئ السلام والعدل والإخاء والإنسانية، وإنما يتبجح بهذه الكلمات ليخدر بها مشاعر البسطاء والسذج من المسلمين، وإلا فالعالم اليوم يحترم القوة، ومنطق العالم هو منطق السباع:

    ودعوى القوي كدعوى السباع     من الناب والظفر برهانها

    هذا أحد الجراح.

    1.   

    الجرح الدامي في الصومال

    أما الجرح الثاني: ففي الصومال حيث تدخلت أمريكا، وأذلت المسلمين أيما إذلال، حتى أعرب بعض الغربيين الكفار، عن امتعاضهم من الطريقة التي يعامل الجنود الأمريكان فيها المسلمين هناك، إذ أنهم بمجرد أن يروا مسلماً يطلبون منه أن ينبطح على الأرض، دون أن يحرك ساكناً، وفي حالة إذا ما تردد، أو توقف أو تباطأ، فإن الأسلحة تصوب إليه، ليفعل تحت وطأة التهديد بالسلاح، ويجر المسلمين جراً، كما كان يفعل بأهل الكتاب، ويعاملون بذلة وصغار.

    بل إن من العجائب أنه وزع على الجنود الأمريكان كتاب من ثمان عشرة صفحة، يعلمهم كيف يتعاملون مع الصوماليين، ومن ضمن هذه التعليمات، يقول: إياك أن تقبل الفتاة الصومالية.

    الله أكبر ما أرخص أعراض المسلمين اليوم! فقد أصبحت بنات المسلمين في كل مكان، عرضة لاعتداء جنود الكفار عليهن بكل سهولة، وقد كان بإمكان ألفي جندي فرنسي موجودين في جيبوتي، حماية قوافل الإغاثة الموجودة في الصومال.

    وكما يقول أحد النصارى في جريدة الحياة، ولولا أن المقصود ترتيب الوضع في القرن الإفريقي كله، وحمايته والمحافظة على المكاسب الغربية في أثيوبيا وفي غيرها، وتحجيم دور الإسلام في إفريقيا كلها، بل القضاء على الإسلام فيها، لولا أن هذا هو المقصود، لم يكن ثمة حاجة بالدفع بأكثر من ثلاثين ألف جندي أمريكي إلى هناك.

    وقد أعلن الرئيس الأمريكي السابق، أنه يتراجع عن المدة التي حددها، وقال: إن ستة أشهر سبق أن أٌعلِنتْ غير كافية لتواجد الجنود الأمريكان في الصومال، إن هذا يذكرنا بكلمة سبق أن سمعناها، وهي أن النصارى يريدون أن تكون إفريقيا قارة نصرانية في عام (2000م).

    وكنت أتعجب من ذلك! وأقول كيف يقولون هذا وهم يرون أن النصرانية تزحف ببطء، وأن الإسلام أسرع منها وأقوى؟!

    فالإسلام يكتسح القبائل الوثنية، وهم يدخلون بحمد الله في الإسلام أفواجاً، فكيف يظنون هم أنهم سيحولون إفريقيا إلى قارة نصرانية عام (2000م)؟!

    أما اليوم فكأن الأمر بدأ يتضح بعض الشيء.

    أهداف أمريكا في الصومال

    إن تحويل إفريقيا إلى قارة نصرانية، كما يريدون ويرغبون، لا يلزم منه أن تتحول الشعوب كلها إلى شعوب نصرانية، بل يكفيهم أن تكون الحكومات نصرانية، وأن يكون عندهم هيمنة على إفريقيا، وأن يكون هناك نوع من الوصاية، والحماية الغربية على إفريقيا.

    فإن هذا يعني في مقاييسهم أن تكون إفريقيا قارة مسيحية، أما وجود مجموعات من القبائل المسلمة، أو شعوب مستضعفة لا تملك من أمرها شيئاً، فإن هذا لا يشكل عندهم خطراً يذكر.

    لقد قلت في محاضرةٍ سابقة: إن الخطر لا يتهدد الصومال وحدها، بل يتهدد الجيران كلهم، والقرن الإفريقي، بل ما وراء ذلك، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر.

    فقد أعلنت الأمم المتحدة عن إدانة لحقوق الإنسان في السودان، وأنتم تعرفون لماذا يدان السودان؟ لأن الذين وقع عليهم الظلم كما يدعون، هم النصارى في الجنوب، الذين حاربهم المسلمون وانتصروا عليهم، فثارت ثائرة الغرب، ووقف إلى جانبهم وتدخل، وأحد أهدافه دعم النصارى في الجنوب، وإعادة ترتيب الأوراق من جديد.

    كما إنني ذكرت من قبل قضية اليمن، وقد كنا نسمع عن تصعيد الأوضاع في اليمن، ووجود عدد من ألوان التفجيرات الأمنية، التي نسأل الله تعالى أن يكفي المسلمين شرها.

    في هذا القطر الإسلامي العريض، الذي يوجد فيه اليوم صحوة إسلامية عارمة، ويوجد فيه دعوة إلى الله تعالى، ويوجد فيه علماء مخلصون، ويوجد فيه دعاة غيورون، وتوجد فيه مراكز ونشاطات إسلامية، عمل أعداء الإسلام من العلمانيين وبقايا الشيوعيين على إزالتها، فألغوا المعاهد العلمية التي كانت تخرج طلاب العلم والدعاة والمصلحين، وكانت من مراكز الإشعاع والتعليم، وفرضوا التضييق والحصار على أهل الدعوة، وحاولوا أن يماطلوا ويسوفوا بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقاموا ببعض الأعمال الإرهابية، ونسبوا إلى المسلمين جرائم هم منها أبرياء.

    كل ذلك في محاولة لإغراق هذا البلد في بحر من الدماء، والحيلولة دون أن يحكم هذا البلد العريق بالإسلام، ونحن على وعد من النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: {الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية} ويقول عليه الصلاة والسلام: {أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة}.

    وفي قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري وقال: {هم هذا وقومه} أي أن أهل اليمن ممن يعودون إلى الإسلام إذا خرج الناس منه، ويحيونه إذا اندرس، ويعملون بالسنة إذا تركها الناس، ويقومون بالجهاد إذا غفل عنه الغافلون.

    فنحن على أمل كبير، وثقة بوعد الله تعالى، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يكفي الله تعالى هذا البلد العريق، شر الأشرار من المنافقين الموجودين في داخله، أو من أعداء الإسلام الذين قد يتناوشونه من الخارج.

    إن مما يثير الأسى أن يجتمع الطرفان المتحاربان في الصومال بوساطة أمريكية، وأن يتصافحا بعد سنة من القطيعة والحرب، وأن يصدرا بياناً مشتركاً لإيقاف الحرب، وإزالة الخطوط الفاصلة بينهما.

    بل أن يقوموا بدعوة الغرب إلى أن ينـزع السلاح من المتحاربين في الصومال كلها، إن هذا يؤكد على دور العلمانيين في بلاد الإسلام، وأنهم دائماً وأبداً ضد مصالح البلاد وضد استقلالها وضد اجتماعها على الخير، فهم بالأمس يتحاربون ويتقاتلون، وكل الأطراف المتحاربة من العلمانيين، ويتقاتلون بدعم من إيطاليا ومن الغرب.

    أما اليوم فهم يجتمعون -أيضاً- في ظل وساطة أمريكية، ويوحدون صفهم، ويعطون العدو الخارجي مبرراً ومسوغاً وسنداً للتدخل، حيث يطلبون منه التدخل والبقاء، وأن يقوم بنـزع السلاح من المتحاربين.

    وإن مما يؤسف أيضاً، أن يجتمع في كينيا أكثر من أربعين ممثل عن جمعيات صومالية، وقبائل وغيرها، وأن يستقبلوا السفير الإسرائيلي هناك، ليلقي عليهم كلمة، ويتحدث عن أن أمن الصومال مرتبط بأمن إسرائيل، وأن إسرائيل لا يتحقق أمنها إلا باستقرار القرن الإفريقي، والقضاء على بوادر الإسلام فيه، وأن أي فئة تدعو إلى الإسلام ولو كانت قليلة العدد، ضعيفة العُدد، ولو كانت في الصومال، فإنها تخيف اليهود والنصارى، وتثير الرعب في قلوبهم.

    المبشرات في أرض الصومال

    ثم إن من المبشرات أن السفير الأمريكي في كينيا حذَّر قومه من هذا العمل ومغبته، وقال: إن هذا تورط، وانتقد التسرع الذي فعلوه، وقال: إنكم قد دخلتم في عش الزنابير، وإذا كنتم أحببتم بيروت فسوف تعشقون مقديشو، يذكرهم بما جرى لقوات المارينـز في بيروت، حينما فُجِّرَ مقهى وقتل أكثر من مائتين وستين جندي، ويقول لهم: ما جرى في بيروت سوف يجرى لكم أكثر منه في مناطق الصومال.

    وهناك جماعات إسلامية مثل الاتحاد الإسلامي، وكذلك هناك جمهورية الصومال، التي استقلت وأعلنت استقلالها حديثاً، وغيرها من الأطراف قد أعلنت رفضها للتدخل الغربي، وأنها سوف تواجههم.

    ونحن نسأل الله تعالى أن يصدق ظن هذا السفير في إخواننا المسلمين في الصومال، وأن لا تمر هذه المؤامرة الكبيرة على المسلمين بسلام، فإن أعداء الإسلام قد جربوا منا الذل والصغار، ورأوا أن جميع أمم الأرض تدافع عن نفسها، وتدافع من منطلقات وطنية، ومن منطلقات عرقية، ومن منطلقات قومية أو قبلية أحياناً، كما حصل في فيتنام وفي غيرها.

    أما المسلمون فقد جرب العدو معهم أنهم مستسلمون، وأنهم لا يدافعون عن أنفسهم، لا نتيجة غيرة دينية، ولا نتيجة نخوة وطنية، فنسأل الله تعالى أن يرينا في هؤلاء الظالمين عجائب قدرته، ونسأل الله أن يسلط عليهم من جنده، إنه على كل شئ قدير.

    ومن المبشرات أيضاً: ذلك الحشد العالمي والعربي، الذي سعت الأمم المتحدة إلى أن يساهم في القضية، ولو بصورة شكلية رمزية، فإن القوى الدولية والعربية التي شاركت هي قوى رمزية، لمجرد إشعار المسلمين أن العملية ليست احتلالاً أمريكياً للصومال، وإنما هي قضية دولية تشترك فيها دول كثيرة، وأن الذي يواجهها يواجه العالم بأكمله.

    وهذا يؤكد أنهم يخافون اليوم من انفجار المسلمين، ومن وقوف المسلمين ضد هذه الأعمال التي تستهدف استقلالهم، وتستهدف إيمانهم، وتستهدف قوتهم، وتستهدف تحكيمهم بشريعة الله عز وجل.

    وإن من الأشياء التي نعتبرها من المبشرات أيضاً العودة إلى الاستعمار المكشوف اليوم، والوصاية المباشرة، فإن ذلك وهو يقع فعلاً في أكثر من مكان، يوحي بأن الغرب أدرك فشل الخطط السابقة التي تعتمد على وجود وكلاء وأوصياء، يقومون بالمهمة عنه.

    فالغرب اليوم لم يعد يثق بحلفائه الأصليين وهذه -أعني التدخل الغربي المباشر في مناطق الإسلام فقط، دون غيرها من المناطق العالمية- هي أحد الأسباب التي نظن بإذن الله تعالى، أنها سوف تؤجج مشاعر المسلمين، وتحرك فيهم روح العداء للغربي الكافر، وتجعلهم يدركون أنه لا ثقة بأعداء الله تعالى، مهما أرضونا بمعسول القول، ومهما خدعونا بعبارات الإنسانية، ومهما ادعوا أنهم علمانيون، وأنهم ديمقراطيون، وأنهم لا يتحركون لدين، إلا أن الواقع أنه لا ثقة بأعداء الله تعالى، طال الزمن أم قصر.

    1.   

    الجرح الدامي في مصر

    أما الجرح الثالث: ففي مصر، حيث سُنَّ قانون مكافحة الإرهاب، وباسم هذا القانون قتل آلاف من الشباب المسلم في الشوارع، دون تحقيق أو إدانة، وإن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا بذلك لمحزونون، حين نرى شباباً في سن السادسة عشرة، وفي سن السابعة عشرة والعشرين، يطلق عليهم الرصاص، فيردون قتلى دون أن يسأل عنهم أحد، وفي حي أمبابة في القاهرة، جندوا أكثر من عشرين ألف شرطي، بقيادة أكثر من ألفي ضابط لتمشيط هذا الحي، هذا في حي واحد فقط، يقولون: إنه مركز الأصوليين والمتطرفين والإرهابيين.

    ماذا يفعل هؤلاء الأصوليون؟

    ما هي جريمتهم؟

    قالوا: أحرقوا سبعة محلات للفيديو، ولو أحرقت محلات الفيديو في إسرائيل أوفي أمريكا أو في فرنسا، هل كان جزاؤهم أن يجند عشرون ألف جندي لتمشيط هذا الحي، ثم يعتقل حسب الإحصائيات الرسمية أكثر من ستمائة إنسان؟!

    وإذا كان الاعتراف الرسمي يقول ستمائة، هذا فقط في هذا الحي فضلاً عن ألف ومائتين قبله بأيام، فمعنى ذلك أن السجون قد امتلأت، ولابد أن الحكومة جادة في طلب الإعانات من دول مختلفة، لبناء سجون جديدة لمزيد من الشباب المسلم هناك.

    وقاموا بتمشيط من قبل في مدنٍ كثيرة في الصعيد، وحاصروا مساجد بأكملها، وكانوا يأتون إلى المسلمين وهم في صلاة الجمعة، فيكدرون عليهم صفو عبادتهم، ليأخذوا من بينهم أعداداً من الشباب بحجة التحقيق معهم، ومن ذا الذي سوف يسأل أجهزة الأمن، بأي ذنب قتل هؤلاء؟!

    وبأي ذنب اعتقلوا؟!

    وعلى أي قضية أوقفوا؟!

    إنه لا أحد يسألهم.

    موقف النظام المصري من المتدينين

    بل إن النظام هناك قد جند الإعلام والصحف والتلفاز والإذاعة والسينما وغيرها، من أجل تشويه صورة المتدينين، واتهامهم بكل نقيصة، ورسم الكاريكاتيرات التي تصورهم بأبشع الصور.

    إن الإنسان يعجز أن يتكلم في مثل هذه الأمور، لأنها أصبحت قضايا لا يفيد فيها مجرد الكلام، وأصبح مجرد صفحة واحدة في جريدة يتفطر لها القلب ألماً، فكيف إذا تصورت أن جهازاً إعلامياً متكاملاً مجنداً لتأييد ما تقوم به الدولة، وتشويه صورة المتدينين والملتحين.

    لماذا؟

    لأنهم يطالبون بحجاب المرأة مثلاً، أو لأنهم يقولون: إن الصورة حرام، أو لأنهم يطالبون بتحكيم شريعة الله عز وجل، أو لأنهم يحاربون الربا، أو لأنهم يعارضون السلام مع اليهود فيما يسمى بدولة إسرائيل، أو لغير ذلك: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:9].

    ثم إنهم جندوا أجهزة الدولة كلها لحرب المسلمين، وتأييد تلك الخطوات، ووأد الأصوات المخالفة، فقد قام أساتذة الجامعات باستنكار ما يجري، وقالوا: إنه تدمير لقوة الدولة وللمجتمع وغير ذلك، ولكن هذه الأصوات توأد في مهدها، ولا يسمح لها بالظهور إلا على استحياء وبصورة قليلة، أما الصوت الظاهر الغالب، فهو ذلك الصوت الذي يؤيد ويبارك تلك الخطوات، سواء داخل مصر أو خارجها.

    بل إن العالم الغربي المنادي بحقوق الإنسان، يتحدث عن ذلك بكثير من الارتياح والاغتباط.

    بل يتكلمون عن طرد أحد رجال الدعوة الإسلامية في مصر، وزعيم لإحدى الجماعات، وهو الدكتور الشيخ عمر عبد الرحمن، وهو رجل كفيف مقيم في أمريكا، لأنه مطرود من مصر أو هارب بالأصح، فيتكلمون عنه أنه سوف يطرد، لأنه يطرح آراءً مناهضة للسياسة الأمريكية.

    ماذا أجدت عشرات السنين من حرب الإسلام في مصر وفي غير مصر؟

    ماذا أجدت؟

    وماذا نفعت؟

    إن الإسلام لم يكن أقوى، ولا أرسخ، ولا أعمق، ولا أعظم منه اليوم في مصر، تعاطف من الشعب، وقوة في التوجه الإسلامي، وصدق، وفي مستوى الجامعات والأطباء والمهندسين، وفي جميع الدوائر وعلى كافة المستويات، يوجد ولاء قوي للإسلام.

    إن الشباب الذين يودعون في الزنازين والمعتقلات والسجون، إنهم يهتفون للموت، ويرتلون أناشيد الفداء، ليس عبر مكبرات الصوت، لكن داخل السجون وفي ظل ترقب أحكام الإعدام، وقد صدر في حق ثمانية حكم بالإعدام، ولكن محكمة الاستئناف رفضت هذا الحكم.

    وهذا يدل على مدى ما وصل إليه القضاء في مصر من التردي، لأننا نعلم أن رفض هذا الحكم لم يكن بالأمر اليسير، لولا أنهم تجاوزوا كل حد، ولم يقفوا عند مستوى معين، فثارت بذلك بذلك بعض المشاعر ورفض هذا الحكم.

    إن تدمير طاقات الأمة بهذه الصورة، جريمة لا ينساها التاريخ أبداً، فإن هؤلاء الشباب هم الذين يعمرون البلاد، وهم الذين ينقلون العلم، وهم الذين يدعون إلى الله تعالى، وهم الذين يعرفون في ميادين الجهاد، وهم الذين تقوم عليهم الأمم والشعوب والحضارات، في كل مكان، وكل أمم الدنيا اليوم، يهودها ونصاراها وكفارها، بل وعبدة البقر يهتمون بشبابهم، ويحتفلون بهم، ويوفرون لهم الخدمات، ويحاولون أن يرفعوهم إلى أعلى المستويات.

    أما في بلاد الإسلام فيسلط على شباب الإسلام التجهيل، والتضليل، والرياضة، والفن، والمسلسلات، وحفلات الرقص والغناء، لسلخهم من دينهم.

    أما الذين يصرون على التمسك بالإسلام، فتُعد لهم الزنازين والسجون والمعتقلات، ومقاصل الإعدام، فلا حول ولا قوة إلا بالله لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:197] قال الله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ [الزخرف:56].

    إننا على يقين أن هذه الأمة إذا لم تنتصر لدينها، وتغضب لربها، وتقف في صف دعاة الإسلام، فإنها معرضةٌ لعقاب الله عز وجل.

    إننا نتعجب أنه في الوقت الذي يضيق فيه على المؤمنين، يسمح ويمنح النصارى التسهيلات والفرص الوظيفية في مصر وغيرها! ويمكنون من ناصية الاقتصاد، وتقوم أجهزة الأمن بحمايتهم وحراستهم، ويمكن اليهود من العبث باسم السياحة، أوباسم الدراسات والبحوث الميدانية، ويقبض على مجموعات تتجسس لصالح اليهود، فسرعان ما يطلق سراحها.

    وأما المتطرفون فيكفي أن يتهموا بأنهم عاشوا في أفغانستان جزءاً من الوقت، أو تدربوا في السودان ليودعوا في السجون والمعتقلات، مع أننا نعلم أن هذه الأشياء هي أكاذيب.

    خطر الإعلام في تشويه الحقائق

    وإنني أريد أن أقول: إن الإعلام اليوم العالمي والعربي يكذب ويكذب، وشعاره يقول: اكذب واكذب واكذب عسى أن يصدقك الناس، إنهم يدركون أن تكرار الكذب ونشره في الجريدة، ثم في الإذاعة، ثم في التلفاز، ثم في الكتاب، ثم عبر الأخبار، وتكريره أن من شأن ذلك أن يوجد تراكمات في عقول الناس، تصدق ما يقال.

    ولكنني أقول: الحذر الحذر أيها الإخوة مما يروج إعلامياً، إن من الأمثلة الواضحة مثلاً، أن يتهم الدعاة بأنهم على صله بـإيران، وهذا كذب صريح، فإن دعاة الإسلام في مصر وفي غيرها، لا علاقة لهم بـإيران، وهم من أهل السنة وغالبيتهم يحاربون الرافضة حرباً لا هوادة فيها، وإنما يتهمون بأنهم عملاء لـإيران، لغرض أو لآخر.

    ولعل من الطرائف أنه قبض على اثنين في الأردن، بتهم شتى، منها أنهم عملاء لـإيران.

    وقام رجل وأدلى بشهادته قائلاً: إنني كنت وسيطاً في نقل بعض الأموال من إيران إلى هؤلاء، وبعد أيام إذا بهذا الشاهد يرسل إلى جريدة خضراء الدمن "الشرق الأوسط" مقالاً يقول فيه: إن شهادتي كذب وزور، وإنني أدليت بهذه الشهادة في ظل ضغوط معينة، والأمر مختلق لا أساس له، فكشف الله تعالى كذبهم وزيفهم، وبين باطلهم، حتى يعتبر الناس ويدركوا أن ما يسمى الآن بالأصولية، وهي في الحقيقة الدعوة إلى الإسلام، والعودة إليه، والصحوة أصبحت خطراً عالمياً يهدد الغرب، وإسرائيل، يهدد الدول والأنظمة العلمانية في جميع البلاد.

    ولذلك تحالف هؤلاء جميعاً، بل ويهدد العلمانيين، الذين يمسكون بأزمة الصحف، ووسائل الإعلام في كل مكان.

    ولأن هؤلاء جميعاً شركاء في العداوة لهذا الإسلام، أو لهذه الصحوة، أو الأصولية، أو التطرف أوالتشدد، -كما يسمونه ويعبرون عنه- فقد اتفقوا جميعاً على الكذب، وعلى تبادل الأكاذيب في هذا الشأن، وهم يعتبرونها تبادلاً للأخبار والحقائق، فأنا أحذر كل المستمعين من الإعلام في هذا الجانب خاصة، وفي غيره عامة.

    وأقول: قد تبين بما لا يدع مجالاً للشك، أن الإعلام يكذب كذباً بواحاً، صراحاً، منظماً، مدروساً، ولا يجد في ذلك غضاضة، فيجب أن نتلقى ما ينقل عبر وسائل الإعلام عن المسلمين، بكثير من الشك والريبة والتردد، بل والرفض، وأن لا نعتمد عليه فيما يتعلق بمثل هذه القضايا.

    1.   

    الجرح الدامي في المغرب

    أما الجرح الرابع: ففي بلاد المغرب، حيث القضاء على الوجود الإسلامي، باسم مكافحة الإرهاب، ففي تونس إعدامات سابقة بعد محاكمات صورية، وحرب للإسلام باسم الحرب على حزب معين، وهو حزب النهضة.

    ولكن الواقع أن الحرب إنما هي حرب على الإسلام، فالذين في السجون أكثر من خمسين ألفاً، منهم من جماعة التبليغ، ومنهم من الإخوان المسلمين، ومنهم من الجماعات السلفية، ومنهم من حزب النهضة، ومنهم من المتدينين الذين لا ينتسبون إلى جماعة، ولا طائفة، ولا حزب، بل ذنبهم الوحيد أنهم أطلقوا لحاهم، أو تدينوا.

    إن مجرد إعفاء اللحية، وتقصير الثوب، والتردد على المسجد في عرف أجهزة الأمن هناك تهمة يحاسب عليها، ويسجن بسببها.

    لقد أقفلوا أكثر من سبعمائة مكتبة، لماذا؟

    لأنه يوجد في ضمن ما تبيع بعض الكتب الإسلامية، ونـزعوا الحجاب من المسلمات في الشوارع، وأصبح المرء لا يستطيع أن يعفي لحيته، إلا بعد أن يأخذ ترخيصاً من أجهزة الأمن بذلك، ومُنع المتدينون رجالاً ونساءً من المدارس، لا يُدرِّسون ولا يُعلِّمون، وفصل أكثر من أربعة آلاف منهم، ومنعوا من الوظائف، وزج بهم في غياهب السجون، وقُتل منهم من قتل، وجُرحَ من جرح.

    وعندي صور وزعتها منظمات غربية، عن ألوان التعذيب التي يلاقيها المسلمون داخل السجون، وشرد منهم من شرد، وحطمت أسر بأكملها، وألصقت التهم بالأبرياء، وروج لها الإعلام فاتهموا فلاناً بأنه مدمن مخدرات، مع أنه رجل صالح من الأخيار، وصوروه في الصحف، وكتبوا هذه التهم، واتهموا فلاناً بأنه يغازل سكرتيرته الجميلة الحسناء، وصوروه وفبركوا كما يقال، أو صوروا صوراً خادعة.

    ونشروها في الصحف، في الوقت الذي يتسترون فيه على المجرمين الحقيقيين، فقد تكلم الإعلام العالمي، عن أن أخ رئيس هذه الدولة قبض في فرنسا، بجريمة ترويج المخدرات، فمنعت جميع الصحف الفرنسية من الدخول إلى تلك الدولة.

    أما المسلمون فيتهمون بالباطل، ويروج -بالباطل- عنهم مثل هذه الأكاذيب.

    ونـزع الحجاب بالقوة من الطالبات، ومن المؤمنات، في الوقت الذي تلزم فيه طالبات كلية الشريعة بجامعة الزيتونة بلعب كرة الطائرة، بملابس قصيرة مع الرجال.

    بل تلزم بالسباحة بالمايوه الذي لا يستر إلا العورة المغلظة، على مرأى ومسمع من الرجال، ومنعت دروس القرآن الكريم، والحديث الشريف، والعلم الشرعي، والفقه، والتفسير، ليسمح للمحطات الإيطالية، التي تبث أربعاً وعشرين ساعة الدعارة الصريحة المعلنة، والمحطة الفرنسية التي تبث أربعة عشر ساعة، ألواناً من أفلام الدعارة، التي تصل إلى عرض الجريمة عياناً سمح لها لتقوم بغسيل عقول المسلمين، وتغير أخلاقهم، وعُيّن الشيوعيون المحترفون المخترقون في أكثر من خمس وزارات مهمة، منها وزارة التربية والتعليم، في حين لا يسمح للمسلم المتدين بمجرد الحياة الكريمة.

    أما في الجزائر فقد صودرت الحريات، ومنع الناس من مجرد المشي في الأسواق، وحوصرت المساجد، وقتل الشباب المسلم في الساحات العامة، بمجرد الظن وأُغلِقت جميع الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإصلاحية، في اليمن، وفي طاجكستان، وفي أفغانستان، وفي البوسنة والهرسك، وفي غيرها، والله تعالى هو المستعان.

    1.   

    عودة إلى الذات

    إننا إزاء ما يجري، يجب أن نعود إلى أنفسنا، ونعلم أن ما أصابنا هو من عند أنفسنا، وبما كسبت أيدينا، وجزاء ببعض ما عملنا، ولو آخذنا الله وعاقبنا بكل ذنوبنا، لعذبنا وعذبنا ثم لم يظلمنا قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُون [الأنعام:65] هل نعي؟!

    هل نفقه؟!

    هل نعود إلى الله تعالى؟!

    قال العباس رضي الله عنه وهو يستسقي المطر من السماء: [[اللهم إنه ما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة]] فلنعلم أيها الأحباب، أن هذه الأحداث والمصائب ليست إلا بعض أعمالنا، وبعض ذنوبنا: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] وإنها ليست عقاباً فقط للشعب الذي أصيب بها، أو الفئة أو الجماعة، التي ابتليت بها، كلا إنها عقاب للأمة جميعاً.

    {فالمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا} كما قال الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

    فواجب علينا، يا معشر الذين آمنوا بالله ورسوله، هنا أو هناك، أو في كل مكان، أن ندرك هذه الضربات الموجعة، فهي دروس يجب أن نعيها، وعِبَر ينبغي أن نفقهها، وأنها بعض التأديب السماوي لنا على ذنوبنا، على معاصينا في أشخاصنا، وفي بيوتنا، وأموالنا، ومعاملاتنا، وأقوالنا، وفي تقصيرنا في عبادة الله عز وجل، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي فعل الربا، وترك مؤسساته وبيوته قائمة بلا نكير.

    بل وفي دعم الشر بألوانه، وعدم التعاون على البر والتقوى، وفي ألوان وألوان من الذنوب والمعاصي، الفردية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي يعاقبنا الله تعالى عليها بسببها.

    التوبة ومراجعة الذات

    فواجب علينا أن نتوب من جميع الذنوب، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]

    فرض على الناس أن يتوبوا     لكن ترك الذنوب أوجب

    والدهر في صرفه عجيب     وغفلة الناس عنه أعجب

    والصبر في النائبات صعب     لكن فوات الثواب أصعب

    وكل ما ترتجي قريب     والموت من كل ذاك أقرب

    وكان الأمام أحمد رحمه الله تعالى كثيراً ما يردد:-

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل     خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

    ولا تحسبن الله يغفل ساعة     ولا أن ما تخفي عليه يغيب

    لهونا عن الأيام حتى تتابعت     ذنوب على آثارهن ذنوب

    فيا ليت أن الله يغفر ما مضى     ويأذن في توباتنا فنتوب

    أيها الأحبة: توبوا إلى الله توبة نصوحاً واستغفروه، توبوا إلى الله توبة نصوحا، اصدقوا الله، أقبلوا على الله تعالى من كل قلوبكم، واذرفوا دموع الندم، وعودوا إلى الله تعالى عوداً حميداً.

    ويجب أن يكون هناك مواطئة بين القلب واللسان، فيكون باللسان استغفار، وبالقلب ندم صادق، وعودة إلى الله تعالى، وفي الجوارح تخلص من كل الذنوب والمعاصي، وإقبال على الطاعات، وفعل لما يرضي الله عز وجل.

    ولنكن على يقين مثل الشمس، أننا متى صدقنا الله تعالى، وأقبلنا عليه، وتخلينا عن ذنوبنا ومعاصينا، وتبنا توبة نصوحاً، أن الله تعالى سيسُدد نقصنا، ويغفر ذنبنا، ويعيننا على ما نعاني من أمر الدنيا والدين، وإن كل ما نجده من نقص في العلم، أو في السلاح، أو في المال، أو في القوة، أو في العدد.

    فإن الله تعالى سريع بكل خير إلينا، متى صدقنا الله تعالى، ومتى توجهنا إليه، وتخلينا عن كل ما يخالف أمر الله عز وجل، واعترفنا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فهو وحده القادر على كل شيء، له الأمر والنهي، وله الحول والقوة.

    فلا تحول للعبد من حال إلى حال إلا بإذنه، ولا قوة للعبد على فعل ما يرضى الله تعالى وترك ما يسخطه، إلا بقوته جل وعلا، فمتى نصدق الله تعالى؟!

    ومتى نخلص له؟!

    ومتى نتوب إليه؟!

    ومتى نتبرأ من ذنوبنا؟!

    ومتى نتخلص من معاصينا؟!

    بل متى ندرك أن ما أصابنا لا ينـزع ولا يرفع إلا بأن نصحح أعمالنا، ولا يتغير ما بنا إلا أن نغير أنفسنا؟!

    قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11] يجب ألا نحتقر ذنباً مهما صغر، ولا نتهاون به مهما قل، فإن الذنوب الصغيرة تجتمع على الرجل حتى تهلكه، وتورده الموارد.

    ويجب أن نعلم أن الذنوب هي المخالفات كلها، صغيرها وكبيرها، سواء كانت ذنوب أفراد، أو ذنوب أسر، أو ذنوب دول، أو ذنوب جماعات، أو ذنوب مؤسسات، فهذه كلها الذنوب يجب على فاعلها أن يتوب.

    دعاء

    ثم إنني رأيت أن نتجه إلى الله بقلوب صادقة بهذه الدعوات الحارة، التي أسأله جل وعلا أن لا يغلق دونها أبواب السماء: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    اللهم إن عبادك هؤلاء اجتمعوا في بيت من بيوتك، يرجون رحمتك، ويخافون عذابك، اللهم فحقق لهم ما يرجون، وأمنهم برحمتك مما يخافون، اللهم استجب لهم ما يسألون، اللهم فرج عن المسلمين في كل مكان، اللهم فرج عن المسلمين في كل مكان، اللهم فرج عن المسلمين في كل مكان، اللهم نفس كربهم، اللهم اهد ضالهم، وعلم جاهلهم، وعافِ مبتلاهم، وقوِّ ضعيفهم، واجمع شتاتهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، واحمل حفاتهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهي فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!

    اللهم يا بديع السماوات والأرض! يا أول! يا آخر! يا ظاهر! يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم، ومن هو على كل شيء قدير، يا من يقول للشيء: كن فيكون! يا من بيده مفاتيح كل شئ، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله، الطف بهذه الأمة المبتلاة، وارفع عنها البلاء والذل، يا حي يا قيوم!

    اللهم أعزها بطاعتك، ولا تذلها بمعصيتك، اللهم اكفها شر أعدائها، الظاهرين، من اليهود والنصارى والشيوعيين، اللهم اكفها شر أعدائها المستترين، من المنافقين والعلمانيين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه.

    اللهم أنـزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم أرنا في الظالمين عجائب قدرتك، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم انتقم منهم لدينك وعبادك يا حي يا قيوم! اللهم انتقم من الظالمين، اللهم احفظ على المسلمين دينهم، اللهم احفظ على المسلمين أخلاقهم.

    اللهم احفظ على المسلمين أعراضهم، اللهم احفظ على المسلمين أموالهم وثرواتهم، اللهم احفظ على المسلمين نساءهم، اللهم احفظ على المسلمين بلادهم يا حي يا قيوم، يا خير الحافظين.

    اللهم أدر لهم فلك النصر بحولك وقوتك يا ذا البطش الشديد، يا ذا الأمر الرشيد، يا فعال لما يريد، اللهم اكفهم شر اليهود والنصارى، اللهم اكفهم شر الهندوس، والكفار والمنافقين والعلمانيين، اللهم يا ولي الإسلام وأهله! من قام يدعو إليك، ويغضب لدينك، ويغار على شريعتك، اللهم انصره وأيده وأعلِ كلمته يا رحمن يا رحيم، اللهم ومن قام رياءً وسمعة، أو لأجل الدنيا، أو لأجل فلان وفلان، فاهده لما تحب وترضى، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم إن سبق في علمك أنه لا يهتدي فاهتك أستاره، اللهم اهتك أستاره وافضح أسراره، وأدر عليه دائرة السوء يا حي يا قيوم! اللهم إنا نناديك بقلوب قد أمضتها المصائب، وندعوك بأنفس أقلقتها المحن، ونهتف إليك بألسن أثقلتها الخطوب عن الخطاب، ونحن لا نملك لأنفسنا، ولا لغيرنا حولاً ولا طولاً.

    اللهم إن كنا حزنا للمسلمين، لأنهم عبيدك المنتسبون إلى دينك، لا لقرابة، ولا لمصلحة دنيوية، ولا لنعرة عصبية، اللهم بقوتك وحولك يا حي يا قيوم! أجب فيهم دعاءنا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    يا مالك يوم الدين! انصر إخواننا المسلمين في مصر، وانصر المسلمين في الجزائر، وانصر إخواننا المسلمين في السودان، وانصر إخواننا المسلمين في الصومال، وانصر إخواننا المسلمين في تونس، وانصر إخواننا المسلمين في اليمن، وانصر إخواننا المسلمين في إرتيريا، وانصر إخواننا المسلمين في الهند، وانصر إخواننا المسلمين في أفغانستان، وانصر المسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء.

    يا من يقول للشيء كن فيكون! يا واحد يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد!

    يا سميع الدعوات، يا قاضى الحاجات، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك وأنت الله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، أن لا تردنا خائبين، ولا من رحمتك مطرودين، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    وقفة مع جريدة الندوة

    أما النقطة الثالثة: فهي وقفة مع جريدة الندوة، عبر ثلاثة أعداد تكلمت هذه الجريدة، عن التطرف والمتطرفين، وكتب محررها يوسف دمنهوري مقالاً يحرض فيه على المتطرفين في كل البلاد، وأنهم يهددون مكاسب الأمة، وأن الشارع العربي كما يعبر قد ضرب المكاسب التي حققتها الأمة عبر عشرات السنين، ويحرض عليهم، ويطالب بالقضاء عليهم، في مصر وفي تونس، وفي كل البلاد.

    ثم تكلم في العدد الثاني والثالث، عن الحوار مع من؟

    وأين؟

    ورَّد فيه حسب ما يزعم على الدكتور الشيخ صاحب الفضيلة/ سفر بن عبد الرحمن الحوالي -حفظه الله تعالى- ثم أدخل فضيلة الشيخ عائض بن عبد الله القرني أيضاً في الحلبة، وتكلم بكلام غريب، وقد استاء منه الناس، وهذه بادرة خير.

    حتى إنني لا أحصي الذين اتصلوا بي عن هذا الموضوع، والذين أوصلوا إليَّ تلك القصاصة يعدون بالعشرات، وقد ساءهم ما حصل، فإن الرجل قد أطال لسانه، وتكلم بكلام غريب.

    وفي المقالة الأولى كان يواري ويداري، أما في بقية المقالات فقد صرح بما ينطوي عليه قلبه، ووصف فضيلة الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي، بأنه هو وجماعته من المتطرفين، الذين يعتقدون أنهم يتقربون به إلى الله تعالى، والذين قد غيرت عقولهم،وتكلم بكلام شديد، واستغل موقعه في الجريدة للتنفيس عن بعض ما في قلبه من الضغينة والحقد.

    ورمى الآخرين بكلمات متطرفة متشجنة، تنم عن عدم توازن وعدم اعتدال.

    ملاحظات على كلام الدمنهوري

    وقد لاحظت في هذه المقالات المتعددة عدة أمور:-

    الأول: أن الرجل يطالب بالحوار، ويقول: يجب أن يكون حواراً هادئاً متزناً عقلانياً بعيداً عن التشنج، ولكنه هو كان يرمى الناس بالحجارة، وبالخشب، وبالعصي، وبالعبارات النابية، وأقل ما يرمي به أمثال المشايخ الفضلاء، بأنهم متطرفون، وأنهم يرتقون باسم العلم، وباسم الدين، وهم ليسوا من أهل العلم، ولا يستحقون مثل هذه الأمور، ويتكلم بلهجة متشنجة، هي أبعد ما تكون عن الهدوء، وأبعد ما تكون عن الحوار.

    ثانياً: أن الرجل يتهم المشايخ والعلماء والدعاة، بأنهم يسعون إلى تمزيق المجتمع وتفريقه، وهذه تهمة قديمة، هو يردد كلاماً قيل من قبل، ولكن الغريب أن الرجل في الوقت الذي يتهم فيه الآخرين بتقسيم المجتمع إلى مسلمين وعلمانيين.

    وهذه حقيقة قائمة شئنا أم أبينا، فإن الإسلام لا يقسم الناس على أساس دولي أو وطني، أو هذا -مثلاً- من بلد وذاك من بلد، إنما يقسمهم على أساس الدين، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة:67].

    فهذا مقياس شرعي لابد منه شئنا أم أبينا، ولكن الغريب أن الرجل في الوقت الذي يتهم فيه الدعاة، بأنهم يسعون إلى تفريق المجتمع وتمزيقه، إلا أنه هو عمل على تمزيق المجتمع بطريقةٍ جاهلية، حيث إنه وصف الدعاة والمختصين والصادقين بأنهم من المتطرفين، وأنهم يتعاطفون مع إخوانهم المتطرفين في كل مكان، وأنهم قد احترقوا وهلكوا بدعم حسن الترابي، وراشد الغنوشي وغيرهم، من رجال التطرف كما يقول.

    فهذا لون من تمزيق المجتمع، والإسلام لا يعرف معتدلاً ومتطرفاً، الإسلام يعرف مسلماً صادقاً أو كافراً، والمسلم قد يكون مقصراً كما هو الحال بالنسبة للكثيرين، لكن ما عهد أن المسلم المقصر، أو المخطئ، يعيب ويتهم أولئك المسلمين الصادقين المجتهدين المخلصين، وينتقد عليهم صدق إيمانهم، وصحة يقينهم، وعظم بلائهم وجهادهم.

    الأمر الثالث: أن الرجل يقوِّل العلماء ما لم يقولوا، ويتمسح بأسمائهم، فقد ذكر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بغير مناسبة، ثم ذكر سماحة الوالد عبد العزيز بن باز، بغير مناسبة أيضاً.

    بل إن من الطريف المضحك المبكى، أنه نقل كلاماً للشيخ عبد العزيز بن باز قاله الشيخ دفاعاً عن الشيخ سفر الحوالي وأمثاله من الدعاة، والله تعالى يشهد على ذلك، وأنا ممن وقفوا على هذا بنفسي، أن ذلك البيان المشهور، صدر دفاعاً عن مجموعة من الدعاة، فالرجل جعل هذا المقال الذي كتبه الشيخ دفاعاً عن الدعاة، جعله كلاماً ينتقده فيه، أويجيره ضد خصومه.

    الأمر الرابع: أن هذا الرجل يقول في أحد المقالات: إن الشارع العربي حطم مكاسب الدول العربية والإسلامية، أي أن الشارع العربي تحول إلى شارع أصولي، شارع متطرف، وبتعبيرنا نحن، تحول إلى شارع التدين، فهو مستاء من أن نتدين، لم يعد حكراً على طائفة من الناس -في المسجد مثلاً- وإنما أصبح الشارع كله -يعني جمهور الناس- أصبحوا متدينين.

    فهو يقول: إن الشارع يحطم مكاسب الدول، ويشير بذلك إلى ما يجري مثلاً في الجزائر، ومصر، وفي تونس، في عدد من البلاد التي جمهور الناس فيها ضد أي إجراء يعملونه ضد المسلمين، وفي الوقت نفسه كتب هذا الرجل في العدد الأخير، يقول: إن المواطن يقف مع رجل الأمن جنباً إلى جنب، في مقاومة التطرف.

    فسبحان الله! المواطن الذي بالأمس يقول: إنه أصولي وإنه متطرف، وإنه يحطم مكاسب الدول.

    كيف تحول في لحظة واحدة، إلى أن يقف جنباً إلى جنب مع رجل الأمن؟!

    إننا نعلم أن رجال الأمن في مصر مثلاً، جاءوا إلى أحد المساجد، بهدف القبض على بعض الشباب، وقت صلاة الجمعة، فواجههم الناس كلهم جميعاً ووقفوا ضدهم.

    وقالوا: لا يمكن أن تأخذوا أحداً وإذا أصررتم على البقاء، فسوف نقاتلكم، فاضطرت أجهزة الأمن إلى الانسحاب، وهذا الخبر قرأته بنفسي في جريدة الحياة، وقد سمعنا ورأينا أن هناك مسيرات تسير في شوارع الخرطوم وغيرها، قوامها أحياناً أكثر من مائتين وثلاثمائة وأربعمائة ألف، تأييداً للمكاسب والانتصارات الإسلامية.

    وهذا يدل على أن الشعور الإسلامي أصبح شعوراً متزايداً متنامياً في العالم الإسلامي كله، وما يجرى في الهند هو نموذجٌ جديد أيضاً، كيف استطاع الرجل أن يتجاهل كل هذه الحقائق! وجريدته إحدى الجرائد التي تذكرها أحياناً، ليقول: إن المواطن يقف جنباً إلى جنب مع رجل الأمن، إنها ظاهرة غريبة، لقد تكلم أحدهم قبل سنوات، أثناء حرب الخليج، وألَّف كتباً عن بعض الدعاة، وأصدرها في كتيب بعنوان "حتى لا تكون فتنة" وكان لتلك الكتابة ظروفها، التي جعلت قائلها يحاول أن يتنصل منها في إحدى المقابلات معه، في جريدة إسلامية، تصدر في أمريكا.

    أما أن يحدث اليوم في صحيفة محلية سيارة، وفي مثل هذه الظروف الهادئة نسبياً، أن يستغل منصبه الوظيفي والصحفي، في التشفي من خصومه، فهذا عمل غير شريف، إنه بالتأكيد لن ينشر أي رد، حول هذا الموضوع، يكتب من قبل بعض المخلصين الغيورين، بل إنه اليوم لا يرد حتى على الهاتف، ولا غيره، فأين الشجاعة إذن؟!

    من أهداف العلمانيين عبر الصحافة

    أيها الأحبة: إنني لا ألومكم، ولا غيركم، على أن تغضبوا حينما تقرءوا في صحف تصدر في هذه البلاد، ومثل هذا الكلام، في الوقت الذي تتكلم فيه بكثير من الحفاوة عن الفنانين، وعن رجال السياسة، وعن رجال الاقتصاد الغربيين منهم والشرقيين.

    ولكنني أقول: ما الذي يمنعك أن تقوم بزيارة إلى بلد الله الحرام، وتعتمر فتكسب أجر العمرة، وتطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ويكون لك بذلك أجر كبير، ثم تُعرّج على هذا الرجل وتقف معه؟!

    وتعطيه من فمك مباشرة دون واسطة، ما الذي يمنعك من ذلك؟!

    إن من حق الأمة أن تغضب، وأن تبتئس لذلك، لكن من حقها -أيضاً- أن تسأل ماذا وراء الأكم؟

    إنني أخشى أن يكون وراء ذلك تحريض على أهل الخير في هذه البلاد، ويتزامن هذا الطرح الذي نشرته جريدة الندوة، يتزامن مع طرح أمريكي غربي مكثف، عن الصحوة في هذه البلاد.

    وآخر ذلك، أن إذاعة صوت أمريكا أذاعت البارحة، وهذا الشريط معي الآن، أذاعت تقريراً وتحقيقاً عن الصحوة في الجزيرة العربية، وتكلمت عن عدد من الدعاة، وأذاعت جزءاً من شريط سبق أن ألقي في هذا المكان، بعنوان: لماذا نخاف من النقد؟

    سبق أن أصدر برنامج تلفزيوني لمدة ساعة ونصف هناك، وهناك صحف كثيرة تكتب، وأظن أن ذلك كله على سبيل التحريض والإثارة، ولفت الأنظار.

    لقد أصبح من السهل أن يقال في الإعلام كله -ومع الأسف الشديد! إعلامنا المحلي يشارك في هذا الوزر- أصبح من السهل أن يقال عن فلان إنه أصولي، أو متشدد، أو متطرف، أو حتى إرهابي.

    أيها الأحبة: لقد أصبح من السهل أن يتهم فلان بأنه ينتسب إلى الجماعة الفلانية، أو يدعو إلى تلك الجماعة، أو يتعاون معها، وأصبح من السهل أن يتهم هذا الداعية أو ذاك، بأن له اتصالات خارجية، وأن هناك أموراً أنت لا تدري عنها، لكن يعرفها الخبراء ويعرفها المختصون، ويعرفها الخبيرون ببواطن الأمور.

    إنني أقول لكم والله على ما أقول شهيد، أقول: مع أننا لا نُحَارب الجماعات الإسلامية المخلصة، الملتزمة بمنهج السلف الصالح، والسنة والجماعة، البعيدة عن الانحراف، بل نعتبرها نموذجاً من النشاط الإسلامي الشرعي، الذي يؤيَّد ويُصحَّح، كما هو منهج والدنا الشيخ عبد العزيز بن باز -ولعلي أقرأ لكم فتواه بعد قليل- إلا أننا نرى أن الأفق الواسع الرحب للمسلمين جميعاً، دون أن نقيد أنفسنا بقيد هذه الجماعة أو تلك، أو نقصر أنفسنا في إطار هؤلاء أو أولئك، فكلهم ما داموا من أهل السنة، كلهم إخواننا على حد سواء، ونحن لا نحصر أنفسنا في إطار معين، ولا في انتساب خاص.

    أما الاتصال بالخارج، فمع أننا لا نقر بالفواصل أصلاً، والحدود الجغرافية والسياسية بين المسلمين، بل نعتز بأي مسلم في أي مكان كان، ونعتبره أخاً لنا، وصوتنا جواب لصوته، وحديثنا رجع لحديثه، ومشاعرنا هي خفق قلبه، ونحن أيضاً ندعو إلى مساعدته، والتعاون معه على البر والتقوى، كما أمر الله عز وجل، إلا أننا نستنكر هذه التهم الملفقة المدروسة، بالانتماء إلى فئات معينة، أو الاستمداد منها، أو التنسيق معها، أو الاتصال بفئة في الداخل أو الخارج.

    إنه كذب مُفترى، وإنه كلام يروج له اليوم، من أجل التشهير بالدعاة إلى الله تعالى، من أجل الحيلولة بين الدعاة وبين المجتمعات الإسلامية، لأن الناس ربما يصدقون أو يتصورون أن هناك أشياء، ومع كثرة الكلام، اكذب واكذب واكذب عسى أن يصدقك الناس، والترويج الإعلامي المتواصل الذي تؤيد الصحف فيه الإذاعة، ويؤيد التلفاز الصحف، ويؤيد هؤلاء وأولئك الفحيح الإعلامي الذي لا يتوقف، إنه ربما يهز قناعات المسلمين، أو يؤثر فيهم.

    وهدف هؤلاء أن يحولوا بين المسلمين وبين دعاة الإسلام، أولاً: لئلا تتأثر الشعوب الإسلامية بالدعاة، ولا تتقبل منهم شيئاً، ثانيا: ليسهل القضاء على الدعوة والدعاة في غفلة الأمة وغيبتها.

    1.   

    رسالة موحية

    النقطة الرابعة: وهي رسالة موحية: لقد بعث إليَّ بعض الإخوة من الخليج، وكانوا قد أقاموا مؤتمراً إسلامياً في أمريكا، بعثوا إليَّ لمشاركتهم، ونظراً لبعض الظروف الخاصة، فإنني لم أتمكن من المشاركة إلا برسالة بعثت بها إليهم، ورد عليَّ مجموعة من الإخوة، وكان هذا أحد الردود التي أثلجت صدري، وأحيت مزيداً من الأمل في قلبي، فأحببت أن أشارككم، أو أشرككم في هذه الرسالة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وبعـد:-

    قبل عدة ساعات سمعنا رسالتكم الهاتفية، التي بعثتم بها إلى مؤتمر الطلبة الكويتيين، فحركت في نفوس الحاضرين المعاني الكثيرة، خاصة أن الشيخ أحمد القطان قد ألقاها، وحركت في نفسي أن أكتب لكم هذه الرسالة، التي كانت تجول في ذاكرتي منذ أمد.. تكلم الأخ بعد ذلك عن مشاعره تجاهي، وتجاه إخواني من الدعاة، فأعتذر عن قراءتي ذلك.

    يقول: وأودُّ أن أعبر لك عن جل مشاعري تجاه أمتي وديني ورسالتي، فأنا مسلم عربي من أرض الجزيرة، يجري في عروقي شيء اسمه همّ الإسلام، لا تغادر مخيلتي صباحاً ولا مساءً تلك المآسي، التي تعصر قلوب المسلمين في شتى بقاع الأرض، حتى صدق قول الشاعر:-

    أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد     تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

    كم صرفتنا يد كنا نصرفها     وبات يملكنا شعب ملكناه

    ثم إني أبعث لطلابك بتحية إعجاب وتقدير، فبلغهم إياه وقل لهم إن الأمة في انتظاركم، فأنتم أملها بعد الله تعالى، وأنتم الورثة الشرعيون لأمجاد أبي بكر، وعمر، وخالد، وسعد، أما نحن الذين قضينا السنين الطوال في علوم الطبيعة -الهندسة- فلسنا إلا مكملين لكم، ولا قيمة لنا بدونكم.

    ثم إني أردت أن أبشرك كما بشرنا المصطفي صلى الله عليه وسلم، بأن المستقبل في العالم كله هو مستقبل الإسلام، وأود أن أصور لك شيئاً من هذا المستقبل، كما التزم به أنا، أستسمحكم العذر في أن أتكلم عن نفسي، وليس هذا -والله تعالى يشهد- حباً في الذكر أو المديح.

    وإنما لكي يعلم علماء الأمة، أن في عامة الأمة عروقاً تنبض، تنبض بالحياة، فأنا كما أسلفت أدرس الدكتوراه في أحد التخصصات الهندسية، ومن المتفوقين في الكلية، ثم إني حريص على تلاوة القرآن يومياً، ومطالعة بعض الكتب المفيدة، في السنة والسيرة، ثم إني حريص على التصدق في سبيل الله، وأكفل من اليتامى اثنين، وأُمِّثل إحدى الجمعيات الخيرية لجمع التبرعات في مدينتي، وأحرص على أداء الصلاة في أوقاتها، وجماعة كلما أمكن، كما إنني أعتقد جازماً، أنه لا عودة للإسلام إلا على منهاج النبوة، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث {ثم تكون خلافة على منهاج النبوة} وأرى أن وعد الله لن يتخلف، إذا التزم المسلمون بتعاليم دينهم، وأقاموا أوامره واجتنبوا نواهيه.

    وأعلم أن رسالتي في التعليم هي إعداد المهندسين المسلمين، الذين يحملون بين أضلعهم قلوباً تهندس للإسلام، وتعمل من أجله، ثم إنني ألمس من زملائي هنا، أكثر مما قلت عن نفسي، وتصور أن أحدنا وهو طالب الدراسات العليا في الهندسة أيضاً، يشغل وقته بدراسة الجامع الصحيح للبخاري، والعقيدة الواسطية للشيخ الإمام ابن تيمية، وآخر يصدر نشرة شهرية تطبع بالمئات، توزع في مشارق أمريكا وفي غيرها.

    وذلك بمجهوده الشخصي فقط، وهو طالب دكتوراة أيضاً، ومرة أخرى أبلغ تلاميذك الذين يكبون على ركبهم في الدروس، بأن يتقنوا علمهم، وأن يتقنوا الحديث، وأن يستعدوا أن يدرسوا سواهم أو أبناءهم القرآن والتفسير والحديث، لا أقول في بريدة أو جدة، وإنما في دمشق وفي الخرطوم، وفي إسلام آباد، بل وإن شاء الله في واشنطن دي سي، وما ذلك على الله بعزيز.

    وفي الختام أبلغكم أن السواد الأعظم من المبتعثين هنا، يحبون العلماء والدعاة، ويدعون لهم ولطلابهم بالتوفيق، وهم معهم، ومع علمائنا هنا ملتحمين معهم، كما يلتحم اللحم بالعظم، والله تعالى يحفظ ويرى، ويسدد الخطا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأعتذر عن كتابة اسمي، حتى لا أكون مرائياً، التوقيع: طالب مسلم.

    هذه أحد البشائر، وأحد الأخبار المبهجة، التي تعيد الأمل إلى القلوب، وتؤكد قرب تحقق ما أخبر عنه الله تعالى، وأخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، من نصر هذا الدين.

    1.   

    أوراق متفرقة

    وهذه بعض الأوراق المتفرقة:

    أولاً: هذه الفتوى التي أحلت إليها، نشرت في مجلة الحرس الوطني، عدد جمادى الآخرة.

    السؤال: هل تعتبر قيام جماعات إسلامية في البلدان الإسلامية لاحتضان الشباب وتربيتهم على الإسلام من إيجابيات هذا العصر؟

    الجواب: وجود هذه الجماعات فيه خير للمسلمين، ولكن عليها أن تجتهد في إيضاح الحق مع دليله، وألا تتنافر بعضها عن بعض، وأن تجتهد في التعاون فيما بينها، وأن تحب إحداها الأخرى، وتنصح لها، وتنشر محاسنها، وتحرص على ترك ما يشوش بينها وبين غيرها.

    ولا مانع أن تكون هناك جماعات إذا كانت تدعو إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم أن يترسموا طريق الحق ويطلبوه، وأن يسألوا أهل العلم فيما أشكل عليهم، وأن يتعاونوا مع الجماعات فيما ينفع المسلمين، بالأدلة الشرعية، لا بالعنف ولا بالسخرية، ولكن بالكلمة الطيبة، والأسلوب الحسن، وأن يكون السلف الصالح قدوتهم، والحق دليلهم، وأن يهتموا بالعقيدة الصحيحة، التي صار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضى الله عنهم.

    انتهت فتوى الإمام الشيخ عبد العزيز.

    وإنني أقول: إن هذه الفتوى بحروفها هي ما ندين الله به، وهو ما يعلمه الله تعالى من قلوبنا، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا في ذلك بصيرة، وأن يتوفانا عليه وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق.

    هذا خبر نشر في الحياة قبل ثلاثة أسابيع، ثم نشر أيضاً في خضراء الدمن قبل أسبوعين.

    يقول: مع إعلان تأسيس مركز البحرين للتحكيم في فبراير، دول الخليج تستعد لتطبيق القانون النموذجي للتحكيم التجاري، وهو يتكلم عن محكمة تقام في البحرين.

    خلاصة الخبر: وسوف تستعد دول الخليج كلها للتعامل مع هذه المحكمة، التي سوف تنفذ وتطبق قانون التحكيم التجاري.

    ولا شك أن هذه إحدى الخطوات الخطيرة، لفرض القوانين الوضعية، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم، وهذا يؤكد ما سبق أن تكلمت عنه في موضوع التنصير، من أن النصارى بدءوا الآن محاولة أن يقدموا النصرانية للمسلمين في ثوب إسلامي.

    وقلت لكم: إنهم حاولوا تقديم الإنجيل بصورة القرآن وبناء الكنائس بصورة المساجد، وتقديم إذاعة البرامج الدينية بصورة شرعية، وقد جاءتني قصاصة وصورة فيها كتابة للإنجيل على شكل كتابة الآيات القرآنية، ومفصول بينها بفواصل وأرقام، ومكتوبة، وفيها أشياء مثيرة.

    حتى أنهم قد قاموا بتشكيل الحروف، وفيه باب السكينة مقدسى، سبعة وعشرين، هذه وضعت كما توضع أسماء الصور في المصحف، ثم بسم الله الرحمن الرحيم (1) قل يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تؤمنون بالله حقا، فآمنوا بي ولا تخافوا، إن لكم عند الله جنات نـزلا (2) فلأسبقنكم إلى الله لأعدها لكم، ثم لآتينكم نـزلة أخرى (3) وأنكم لتعرفون السبيل إلى قبلتي العليا، فقال له تومى الحواري: مولانا إنا لا نملك من ذلك علما (4) فقال له عيسى: أنا هو الصراط إلى الله حقا، ومن دوني لا تستطيعون إليه سبيلا (5) ومن عرفني فكأنما عرف الله...الخ ما ذكر.

    لقد أصدروا هذا على شكل القرآن، حتى يضللوا المسلمين ويخدعوهم عن الدين، ويجب أن تعلم أن المسلمين بسطاء وسذج ومغفلين، وقد وجد اليوم مجموعة يسمون أنفسهم بالعيسويين المسلمين، وهي دعوة جديدة في وسط المسلمين، المسلم العيسوي هو: الذي يقبل أن يكون نصفه مسلماً ونصفه نصرانياً.

    ونحن في ديننا وعقيدتنا نعلم أنه ليس هناك حلول وسط، إما مسلم وإما كافر كما سبق، ولكنهم حاولوا أن يضللوا بسطاء المسلمين بذلك المسلم العيسوي، وهي دعوة جديدة بدأت تجد لها رواجاً في أكثر من بلد إسلامي، وهذا يدعو إلى مزيد من بذل الجهد في مقاومة ومواجهة النصارى، وبالمناسبة فإنني أقول: إن من الواجب علينا أن نسعى في نشر جميع النشرات التي تبين وتحذر من التعاون مع النصارى، أو من المشاركة لهم في أعيادهم.

    ثالثاً: ومن ذلك الفتوى الذي سبق أن أفتى بها الشيخ محمد بن صالح العثيمين، عن تحريم مشاركة النصارى في أعيادهم، وهناك فتوى أخرى للشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله، فينبغي أن نسعى إلى نشر هذه الأشياء، وإشاعتها بين المسلمين.

    هذه أيضاً فتوى للشيخ عبد الله بن جبرين، وقد سئل عما يتعرض له إخواننا في بقاع الأرض من التعذيب والتشريد والتقتيل وهتك الأعراض.

    ومن ذلك ما جرى ويجرى لإخواننا في الهند، على يد الهندوس عليهم من الله ما يستحقون، والتي كان من آخرها ما هز مشاعر المسلمين في العالم أجمع، بهدم المسجد البابري، وهو يزيد كيدهم يوماً بعد يوم.

    ونحن نرى في بلادنا الكثير من الطائفة مستقدمين -يعني: من الهندوس- مستقدمين للعمل فيها، فما الحكم في استقدامهم، بل وفي استقدام كل من هو على ملة الكفر إلى هذه الجزيرة؟

    أفتونا سدد كم الله وبارك الله فيكم.

    الجواب: قال فضيلة الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:-

    فإن الكفرة والمشركين في كل زمان ومكان يكيدون للإسلام وأهله، ويبذلون قصارى جهدهم في إذلال المسلمين وإهانتهم، والقضاء على معالم الدين، حيث علموا أن الإسلام قضى على أديانهم الباطلة، وحاربهم وأباح قتلهم، واستولى على بلادهم ورقابهم.

    ولذلك نصبوا العداء لجميع المسلمين في كل مكان، فكان من الواجب على أهل الإسلام، أن يأخذوا حذرهم، وأن يتفطنوا لكل كافر، وأن يجتمعوا جميعاً على إذلال الكفر وأهله، ولا يجوز إكرامهم، ولا رفع أعلامهم، ولا استخدامهم بما فيه إعزاز لهم، مع وجود المسلمين، الذين يقومون مقامهم.

    ثم بعد هذه الحادثة التي ذكرت في السؤال على المسلمين في كل البلاد، أن يقاطعوا هذه الفئة من الهندوس والسيخ وغيرهم من الكفرة، وأن يقطعوا الصلة بهم، ويردوا إليهم العمالة التي تعمل في بلاد المسلمين، حتى لا يعينوا الكفر على الإسلام،وذلك من الجهاد في إظهار الإسلام وإذلال الكفار، والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، في (15/6/1413هـ) عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.

    وأود أن أقول للإخوة أن هذه الفتوى، وفتاوى الشيخ الأخرى، وبعض الأوراق المتعلقة بـالنصارى، والتوعية لهم، وكذلك تحريم مشاركتهم في أعيادهم كلها، موجودة لدينا، وممكن أن نصورها لمن أراد، ومن أحب أن يحصل عليها أيضاً من مكتب الدعوة، ومن اللجنة العلمية في مكتب الدعوة فبإمكانه الحصول عليها إن شاء الله تعالى، وهذا كله من باب التعاون على البر والتقوى.

    هذه قصاصة مفتى الجمهورية أجاركم الله في مصر، وقد سبق أنه أفتى بإباحة الفوائد الربوية من البنوك، وأفتى بالمؤاخاة مع النصارى، والحوار معهم، هاهو اليوم يقول: حماية السائح واجب إسلامي حتى لو كانت دولته معنا في حرب، ثم يقول: الاعتداء على السياح عمل غير أخلاقي، يؤكد نذالة وخسة فاعله.

    فأسال الله تعالى أن يهدي هذا الرجل إلى سواء السبيل، ولا أقول أكثر من ذلك، لا أريد أن أطاوع لساني، فأسال الله تعالى أن يهديه، وهذا الرجل في الوقت الذي يتكلم فيه عن مجموعة من السواح الفرنسيين، الذين يقال أنهم تعرضوا للضرب من بعض من يسمونهم بالمتطرفين، وجد غيره حماساً للسواح والسياحة، ووصف هؤلاء بأنهم أخساء وأنذال، أو نسب إليهم ذلك على الأصح.

    لأننا لا نصدق أجهزة الإعلام، أين هو من أعداد غفيرة من الشباب المسلمين، الذين يقتلون في الشوارع، ألا يخاف الله، ألا يتقى الله؟! أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:4-6].

    أسأل الله أن يولي على المسلمين خيارهم، وأسال الله أن يهدي المسلمين حكاماً ومحكومين، أفراداً وشعوباً إنه على كل شيء قدير، وأسأل الله أن يهدي علماء المسلمين، إنه على كل شئ قدير.

    هذه جريدة خضراء الدمن التي سبق أن حذرناكم منها مراراً، ولا زلت أطالبكم بمزيد من الحصار عليها، بعد ما تبين لنا أن الحصار قد فعل فعله.

    وقد كتبت في عدد الأربعاء (29/2/1992م) مقالاً تقول فيه: إقبالٌ واسع لسيدات الأعمال على رياضة الجولف، وتكلمت عن هذه الرياضة وتعميق أواصر الصداقة، وعقد الصفقات التجارية والترويح عن النفس بين السيدات، وتشجيع النساء على ممارسة رياضة الجولف، وصورت في الجريدة لاعبة الجولف الأمريكية في انتظار دخول كرتها إلى الحارة.

    وكذلك كتبت في عدد آخر مقالاً عنوانه " مخاوف من انتشار الأفغنة " وذلك في يوم الخميس (29/6/1413هـ) تكلمت فيه عن مخاوف انتشار الأفغنة أي الاتجاهات الإسلامية القوية، في الجمهوريات السوفيتية وفي أفغانستان، وفي باكستان وفي مناطق المغرب العربي، بل وفي منطقة الخليج العربي.

    ونقلت كلاماً لمتحدث إسرائيلي عن خطر ذلك على بلاده، وأن بلاده تملك السلاح النووي، وأنه لابد أن تدافع عن نفسها، وقال المتحدث الإسرائيلي: إن بلاده تمتلك بالفعل السلاح النووي، وقال: إن أكثر الأحزاب حمائمية في الائتلاف الحاكم الآن، وهو حزب لرتس، ليس على استعداد لمناقشة فكرة نـزع السلاح النووى...إلخ التقرير والمقال.

    وسبق أن ذكرت لكم الجهاز الذي يغير الصوت من رجل الى امرأة، ومن كبير إلى صغير، وأن هذا الجهاز يباع، وهو يباع فعلاً، ولكن هذا تعميم لبعض مراكز الهيئات في القصيم، يطالب فيه رئيس الهيئة سابقاً، المكلف الشيخ إبراهيم بن عبد الله الضالع، بسحب هذا الجهاز، بناءً على التعليمات الصادرة من مصلحة الجمارك، لعدم السماح لدخول مثل هذه الأجهزة، واتخاذ الإجراءات النظامية لمن وجدت لديه، ومع ذلك ومع شكرنا للهيئة على جهودها الكبيرة، إلا أننى أقول: إن هذا الجهاز لا يزال يباع في أماكن عدة في جدة والرياض وغيرها.

    هذا أيضاً ضمن ما يتعلق بـخضراء الدمن،فقد كتبت مقالاً في الوقت الذي يذبح فيه المسلمون، كتبت مقالاً عنوانه "بنات روسيا يبحثن عن فتى الأحلام في أمريكا".

    وذكرت الجريدة كتلوجات تصور البنات الروسيات الجميلات، وصورت نموذجاً من ذلك، من أجل إغراء الرجل الأمريكى بالزواج منهن، وكأن المسلمين ليس لهم قضية، وهى معنية كثيراً بمثل هذه الأخبار، التي تثير الشباب وتحرك غرائزهم.

    هذه قضية تتعلق بأوضاع المسلمين في الفلبين، فإنه أحد الجراح الكبيرة، وقد جاءنى في الأوقات الأخيرة أوراق كثيرة، تتحدث عن ضربات موجعة، تمارسها حكومة الفلبين ضد جبهة تحرير مورو الإسلامية، وهى جبهة إسلامية مستقيمة في الجملة، وعلى منهج الكتاب والسنة.

    وقد زارها مجموعة من إخواننا، من طلبة العلم، وجاءنى منهم أيضاً أوراق، واطلعنا على بعض مناهجهم، وهم في الواقع بحاجة أولاً إلى الدعاء منكم، كما أنهم بحاجة الى الدعم والمساندة المادية،

    إذ أن الكثيرين ينقلون عن إخوانهم، وعن أوضاعهم.

    كما أنه لا يفوتنى أن أتكلم ولو بصورة مختصرة وسريعة، عما يعانيه إخواننا في إرتيريا، فإنهم يواجهون الأمَرَّين، داخل إرتيريا، في ظل الحكومة الجديدة، التي يقوم عليها اسياسي أفورقي هذا، ومن يدعمه ويساعده، وهناك نشر للرذيلة والفساد، ومحاربة المجاهدين المسلمين، وهناك تضييق عليهم في بعض الدول المجاورة، وهم بأمس الحاجة، إلى الدعم من إخوانهم وتبني قضيتهم، وسوف أتحدث إن شاء الله تعالى عن هذه القضية، في مناسبة خاصة، وعسى أن يكون هذا قريباً.