إسلام ويب

وقفات مع سورة قللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إثبات البعث ودرجات الإيمان به، والرد على منكريه نقلياً وعقلياً، تفاصيل البعث وحال المؤمن والكافر عند البعث، وأفضلية الإيمان المفصل على الإيمان المجمل، ولا بد من اتساع النظرة وعدم الانحصار في حدود الزمان والمكان، وأهمية الصبر للداعية والاستعانة بالله وعدم الاهتمام بالنتائج.

    1.   

    الحروف المقطعة

    بسم الله الرحمن الرحيم:

    ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15].

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

    فهذه السورة مكية، وهي موسومة باسم الحرف الأول منها تعرف باسم "سورة ق" وهو الحرف الذي بدأت به هكذا "ق" وشأن هذا الحرف كشأن غيره من الحروف المقطعة في أوائل السور كـ(الم) (الر) (كهيعص) (ص)... إلى غير ذلك.

    (ق) فيها أقوال كثيرة أقربها وأحسنها: أن يكون ذكر هذا الحرف إشارة إلى قضية الإعجاز والتحدي للعرب؛ أن هذا القرآن حروفه من جنس الحروف التي بها تنطقون، ومع ذلك فأنتم عن الإتيان بمثله عاجزون، بل بسورة من مثله، بل بشيء من مثله، فهذا أحسن ما قيل فيها، ولذلك غالباً ما يذكر بعد هذه الحروف المقطعة في القرآن مقروءاً أو مكتوباً: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص:1] ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] فهذا قد يدل على رجحان ذلك المعنى.

    1.   

    إثبات البعث

    ثم إن هذه السورة العظيمة تُعنى بإثبات وبيان عقيدة البعث التي كانت موضع شك وإشكال عند العرب الذي بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقضية البعث قضية جوهرية، وهي مفرق طريق بين الإيمان والكفر، وبين التزام الشريعة والانحراف عنها، فالذي يؤمن بالبعث سوف يدخل مسألة البعث ضمن حساباته.

    بمعنى أنه في كل مسألة تعرض له سيراعي عواقبها بعد البعث؛ لأنه يؤمن بالبعث ويعلم أنه صائر إليه، فسينظر في أي مسألة أو قضية تعرض له؛ هل هي تنفعه في يوم البعث أو تضره، والذي لا يؤمن لن يلتفت إلى ذلك أصلاً، بل يكون قصارى موضع النظر عنده الحياة الدنيا، فإذا وجد أن المسألة دنيوياً مربحة ومفيدة، فإنه يقدم عليها؛ لأنه ليس عنده حسابات أخروية، وبالتالي فالفرق بين المؤمن بالبعث والكافر بالبعث كبير جداً، بل هو فرق بين الإيمان والكفر.

    درجات الإيمان بالبعث

    الإيمان بالبعث نفسه على درجتين:

    هناك إيمان ذهني عقلي مجرد، مثل ما إذا إنسان نظر وحسب فوجد نتيجة الحسابات أنه لا بد من البعث، لكن هذه النتيجة التي توصل إليها عقله لم يستشعرها قلبه، فلم تتحول عنده إلى عقيدة، وإيمان، وخشية، وخوف، بل ظلت قناعة ذهنية مجردة، وكما يقتنع بأي نتيجة رياضية اقتنع بهذا، ولهذا فرَّق الله تعالى بينهما، فمثلاً وصف الله تعالى المؤمنين المصلين في سورة المعارج فقال: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ [المعارج:26] فهذا الأمر مجرد التصديق بأن هناك يوماً اسمه يوم الدين، ثم أعقبه بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج:27-28] فليست القضية مجرد تصديق، بل مع التصديق إشفاق وخوف من عذاب الله تعالى، ومن يوم الدين.

    وكلما ازداد الإنسان استعداداً ليوم الدين، زاد خوفاً منه، وكلما قل إعداده واستعداده قلَّ خوفه منه، ولهذا تجد أن المؤمن جمع إحساناً وخوفاً كما قال الحسن البصري -رحمه الله- وأما المنافق فجمع إساءة وأمنا، فتجد الإنسان المفرط يمني نفسه بالمنازل العليا في الجنة، ولا تتحرك في رأسه شعرة من ذكر العذاب، وتجد المؤمن، بل تجد المبشرين بالجنة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عنهم_ تجدهم يخافون أن تحبط أعمالهم.

    إذاً: الإيمان بيوم الحساب، والإيمان بالبعث على درجتين:

    الدرجة الأولى: الإيمان الذهني المجرد، وهذا قد نمثل له ببعض الذين عُرف عنهم الإيمان ولم يؤثر فيهم، مثل أمية بن أبي الصلت فـأمية بن أبي الصلت كل شعره تخويف من النار، وترغيب في الجنة، ومع ذلك آمن لسانه وكفر قلبه.

    الدرجة الثانية من درجات الإيمان بالبعث: أن يتحول هذا الإيمان إلى عقيدة في القلب، وخوف ووجل، وهذا هو الذي يردع وينفع، ويحدو الإنسان إلى العمل الصالح ويردعه عن المعصية.

    رد الله تعالى على من أنكر البعث

    إذاً فسورة (ق) تدور حول محور البعث، فأول آية فهيا بعد: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ[ق:1] تشير إلى عجب المشركين واستبعادهم البعث: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ[ق:3] فهم ينكرون البعث، والغريب؛ أن حجتهم في إنكار البعث هي مجرد تصفيف الألفاظ والاستبعاد العادي، ليس استبعاداً عقلياً، ولكنه استبعاد بحكم العادة: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ هو مستعبد، لكن على أي أساس.

    فلقد لهم أساس، ولهذا رد الله عز وجل على هذا الاستبعاد بردين:

    1.   

    الدليل النقلي الذي يرد على منكر البعث

    الأول رد للمؤمنين الذين يكفيهم أن يقرر، أو يبين الله تعالى مسألة ليؤمنوا بها، فلا يحتاجون إلى دليل آخر، بل أعظم دليل عندهم هو كلام الله، فكلام الله عندهم يستدل به ولا يحتاج إلى أمر آخر، فهؤلاء يكفيهم أقل الكلام، لأن قلوبهم مشرقة، فاكتفى بقوله: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] فهذه للمؤمن كافية، البعث حق ولا غرابة فيه، ولا بُعد، لأن الله تعالى عالم بكل شيء، حتى عملية أكل الأرض لأجساد هؤلاء الموتى: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً [ق:3] تحول الجسد إلى تراب أمر معلوم لله تعالى، ومسجل عنده: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] تأكل وتأخذ منهم شيئاً فشيئاً وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] وهو اللوح المحفوظ الذي سجل الله تعالى فيه مقادير الخلائق كلها، قبل أن يخلق السماوات والأرض، وهنا انتهى الأمر بالنسبة للمؤمن والمسلم الذي لا يحتاج بعد هذا الكلام الإلهي إلى دليل آخر، فهذا هو الدليل الذي نستطع أن نسميه الدليل النقلي: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] فإذا كان ذلك كذلك فلا بعد، ويكفي أن الله تعالى قرر ذلك وأثبته.

    ثم عقب الله ببيان أن الضلال الذي وقع فيه المشركون هو بسبب إعراضهم عن هذا الحق الذي قرره فقال: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] فهذا هو الحق الذي كذبوا به، كذبوا بالبعث، كذبوا بعلم الله عز وجل، وأن لديه كتاباً حفيظاً، كذبوا بالنبوة، فليسوا على قاعدة يستقرون عليها، فلذا قال: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] والأمر المريج هو المختلط المضطرب، مِنْ مرج الشيء: إذا دخل في شيء آخر، كما في قوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19] فالمروج يدل على دخول الشيء في شيء، ومعناه أيضاً الاضطراب والاختلاط، إذا دخل فيه، فقد اختلط به واضطرب هذا مع هذا، فهذه تصور حال المشركين ليس في زمن النبوة فقط، بل في كل زمان أنهم فقدوا القاعدة التي يستقرون عليها، وهي قاعدة الإيمان بوحي الله، فاضطرب أمرهم.

    وفي هذه الآية دليل على أن من ترك الكتاب والسنة فإنه لا يستقر على حال، ولا يهتدي إلى الخير، ولا إلى صواب، لأن النص الشرعي والوحي الإلهي هو أعظم نعمة أنعم الله بها على الناس، فإذا تركوها وأهملوها أو كذبوا بها، فيضطرب أمرهم، اضطرب أمر العلم عندهم -مثلاً- لأنه علم دنيوي مبني على الحدس والتخمين، لا على الحق واليقين، واضطرب أمر اجتماعهم، واضطرب أمر اقتصادهم، وأمر سياستهم، وحربهم وسلمهم، وعلمهم؛ لأنهم تركوا القاعدة اليقينية، وهي قاعدة الحق: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ [ق:5] الذي نـزلت به الكتب وبعثت به الرسل، وبالمقابل إذا كان الإنسان يقتبس من الوحي، فأمره مستقر، لأن الله تعالى بيّن كل شيء، فلا يكون عنده اضطراب.

    إذاً: اضطرب المشركون لأنهم كذبوا بالوحي، وكان من اضطرابهم استبعادهم للبعث بعد الموت استبعاداً مجرداً عن الدليل، لكن عقولهم لم تتعود على ذلك، فلما سمعته استغربت، فلما استغربت استنكرت وأنكرت.

    فهذا هو الدليل النقلي ثابت، فالوحي حق، والبعث حق: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] وهكذا هنا: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] هذا الكلام لا يقنع الكفار بطبيعة الحال، لأنهم يجادلون فيه هو -أيضاً- فهم يجادلون في الله، ويجادلون في آياته، ويجادلون في علمه، ويجادلون في اللوح المحفوظ فلا ينفعهم هذا.

    1.   

    إثبات البعث بالدليل العقلي

    ولذلك انتقل إلى ما يمكن أن نسيمه بالدليل العقلي على مسالة البعث، فذكر لهم أربعة أدلة:

    أولاً: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] فهذا الدليل خلق السماء بما فيه من قوة وجمال.

    ثانياً: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:7-8] فهذه الأرض أيضاً بما بسطها الله تعالى، ومدها، وجعل فيها من الاستقرار لصلاحيتها للحياة عليها، واستخدامها في البناء، وفي الإنبات والزرع، وفي غير ذلك.

    ثالثاً: وَنـزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:9-11] فالدليل الثالث هو إحياء الأرض بالمطر بعد موتها، وهي ظاهرة مرئية، فأنت ترى الأرض يابسة هامدة، فإذا أنـزل الله عليها الماء انقلبت إلى خضراء تهتز بألوان النباتات، فهذا اُستُدِلَ به في القرآن الكريم لأمرين:

    الأول: إثبات البعث كما أن هذه الأرض بالأمس كانت ميتة فنـزل المطر فأحياها الله تعالى به بعد موتها، فكذلك الإنسان يُحيا بعد موته، بل ويُحيا بالمطر، فقد جاء في حديث البعث: {إن الله تعالى ينـزل من السماء ماء فتنبت به جثثهم، فكل ما في الإنسان يبلى إلا عجب الذنب ... إلى أن قال: ومنه يعود مرة أخرى {فينبتون كما ينبت البقل } كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام فسواء بسواء كما تنبت الأرض بالمطر كذلك ينبت الإنسان بعد موته.

    الثاني: اُستدل عليه بهذا، وهو حياة القلب بعد موته، فإنَّ القلب يموت بالإعراض عن الله وآياته، حتى يظن الناس أن هذا القلب لا حياة فيه.

    وقبل يومين حدثني إنسان عن شخص، فذكر ما فيه من الضلال والانحراف، فقلت: لعل الله أن يهديه، قال: مستحيل أن يهتدي هذا الإنسان! قالها هكذا دون أن يفكر في معناها (مستحيل!) سبحان الله! نعم لو قلنا: إنك أنت الذي ستهديه ربما نصدق هذا، لكن إذا قلنا: إن الله يمكن أن يهديه فلا مستحيل على الله جل وعلا فقد هدى من هو شر منه، ولهذا تعرفون الموضع الذي نبه الله تعالى فيه على أنه كما تحيا الأرض بالمطر، كذلك القلوب تحيا بعد موتها بالوحي والإيمان، في سورة الحديد: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نـزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16] فهذه دعوة إلى إيقاظ القلوب بالخشوع لله تعالى وعدم القسوة، فأعقب ذلك إشارة إلى أنه كما أن الأرض تحيا بالمطر، فكذلك القلوب تحيا بالوحي، فلا ييئس الإنسان من إمكانية أن يعود ويؤوب قلبه إلى الهدى، ويلين بعد أن كان قلباً قاسياً أو منحرفاً... ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الحديد وغيره، وهو مأخذ حسن، وهاهنا في سورة (ق) ذكر الله تعالى إحياء الأرض بالمطر وَنـزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [ق:9-11] كل ذلك أتبعه بقوله: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] كما تحيا الأرض بالمطر وينبت منها هذا الخير الكثير، كذلك يكون خروج الناس يوم القيامة.

    من الأدلة العقلية للبعث قوله تعالى : ( كذلك الخروج)

    وقوله: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] يدل على أمرين:

    الأول منهما: إثبات البعث، فيكون هذا من باب القياس، قياس الأمر الخفي المستقبل الذي لم يحدث على الأمر الظاهر الواقع الحادث الآن، فقاس أمر البعث الأخروي على هذا الأمر المشاهد بحياة الأرض بعد موتها.

    الأمر الثاني: بيان صفة البعث يوم القيامة، وقد فصَّله النبي صلى الله عليه وسلم في {أن الله تعالى ينـزل من السماء ماءً، فينبت الناس منه، ثم ينفخ في الصور، فتطير الأرواح إلى أجسادها} فيكون قوله أيضاً: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] يعني من حيث الصفة.

    فهذه ثلاثة أدلة: السماء، والأرض، والمطر النازل من السماء للأرض، وهي أدلة متقاربة، فالدليل الأول يوجه أنظارهم إلى السماء فوقهم، والدليل الثاني يوجه أنظارهم إلى الأرض تحتهم، والدليل الثالث يذكر أمراً متراوحاً بين السماء والأرض، وهو المطر الذي ينـزل من السماء فتحيا به الأرض بعد موتها، وهذا الدليل يذكره الله كثيراً؛ وأنه حجة على البعث وهو دليل واضح، وإنما ذكره الله عز وجل لأنه مما لم يكن للإنسان فيه يد، فالله تعالى هو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً، وهو الذي يبسطه في السماء كيف يشاء، وهو الذي ينـزل المطر، وينـزل الغيث من بعد ما قنطوا، وهو الذي ينبت الأرض دون أن يضع الإنسان فيها الحب، والزرع، والبذر، فهي أعجوبة كبيرة وإن كانت مألوفة للناس، وكونهم ألفوها قد يقلل من وقعها عليهم.

    ولهذا تجد الناس إذا جاء وقت الربيع واخضرت الأرض، يمشون في مسافات بعيدة وطويلة خضراء، فيتعجبون من خضرة الأرض فقط، وهو أمر عادي عندهم، وقد يأتون إلى مدن وقرى ودول خضراء طول العام، فيمرون عليها وهم عنها معرضون، لكن لو جاء أحدهم للأرض في وقت الخريف، وقد يبست الأشجار، ثم وجد في وسط هذا الهشيم اليابس شجرة خضراء تهتز، تعجَّب واندهش وقال: سبحان الله! ما أعظم قدرة الله! فأدرك القدرة بهذه الشجرة لأنها مخالفة لمألوفه، أكثر مما أدرك القدرة بحياة الأرض كلها في وقت الربيع والخضرة، لأن هذا أمر مألوف عنده، وهذا من غفلة الإنسان التي تحتاج إلى إيقاظ، ولذلك تجدون الإنسان الذي يتعامل مع الأرض أحسن وأصدق إيماناً، وأقرب للفطرة من الإنسان الذي يتعامل مع بعض ما صنعه الناس، فالغالب أن الفلاح والمزارع أصدق إيماناً، وأسلم وأقرب للفطرة من الصانع، لأن المزارع يتعامل مع خلق الله تعالى مباشرة، فهو يلاحظ نـزول المطر، ويلاحظ انشقاق الحبة عن النبات، وانفراج الأرض عنها، ويلحظ في ذلك القدرة الإلهية: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88] فيكون في قلبه تعظيم لله عز وجل ومحبة، خاصة إذا اهتدى بهداية السماء، أما الصانع فهو يتعامل مع الأدلة التي هي من صناعة أخيه الإنسان، فبينه وبين التعامل مع ما يلاحظ فيه قدرة الله تعالى واسطة أو وسائط أحياناً تزيده بعداً عن الله، لأنه ينظر في هذه الأدلة فيرى فيها شيئاً عجيباً من الصنع، وهذا الصنع من عمل يد أخيه الإنسان، فتجده يتحول إعجابه إلى إعجاب بالإنسان الذي صنع هذه الآلة مثلاً، وقوة عقله وحدة ذهنه، وما أشبه ذلك لأنه يتعامل معها مباشرة، ولو أنه كان أكثر ذكاء ولو بدرجة، لتذكر أن هذه الحدة في ذهن الإنسان، وهذه القوة والذكاء حصل له من الله، فرجعت القضية إلى صنع الله الذي أتقن كل شيء، لكنها في الحالة الأولى حالة الزرع مباشرة، وفي الحالة الثانية في حالة الصناعة غير مباشرة.

    من الأدلة العقلية للبعث : الاعتبار بالأمم السابقة

    فالمقصود أن العرب كانوا أهل زرع وحرث، فكانوا يفقهون مثل هذه المعاني، ومع ذلك أصروا على ما هم عليه من الكفر ولم يؤمنوا، ومن عادة الإنسان أنه ينهمك أحياناً في الواقع المحيط القريب منه، فيتخيل الدنيا كلها من خلال الأوضاع التي تحيط به، فإذا أحاط بالإنسان جو معين أصبح هذا الجو يؤثر في نظراته وتصرفاته، -فمثلاً- أهل مكة -جاءتهم الرسالة- فإذا نظروا خاصة في العهد المكي وجدوا أن أكثرهم كافرون بالبعث غير مصدقين بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظروا إلى أهل المدينة وأهل الطائف والعرب في الجزيرة العربية، فإذا أكثرهم إن لم يكن كلهم على الشاكلة والطريقة نفسها، فلذلك أعطاهم هذا نوعاً من الإصرار على حرب الرسول عليه الصلاة والسلام، بل الضراوة في حربه عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: أنت أتيت بشيء لا يوافقك عليه أحد.

    نأتي لليهود والنصارى، اليهود والنصارى يؤمنون بالبعث، فيلتمسون أسباب خلاف بين الرسول عليه الصلاة السلام وبين ما كان عليه أهل الكتاب، ولهذا قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص:6-7].

    ويقصدون بالملة الأخرى النصرانية ففي مثل هذا الجو يوحون للسذج والعوام أن هذا لا يهمكم في شيء، هذا رجل يأتي بأمور غريبة والدنيا كلها ضده، والعالم كله يرفض هذه الأشياء التي يقولها، وقد أتى بشيء خالفنا ولم يوافق فيه أهل الكتاب، فلذلك هذا موضوع سينتهي قريباً، وهذه البلبلة الحادثة من جراء ظهور الدعوة في مكة سوف تحسم، وينتهي أمر الدعوة، وينتهي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام في زعمهم، فالله عز وجل ينقلهم وينقل المؤمنين الذين قد يؤثر فيهم هذا الكلام أيضاً إذا سمعوه، خاصة الذين يكون إيمانهم قريباً -حدثاء العهد بالإيمان- ينقلهم إلى ميدان أوسع وأرحب من مجرد التفكير في مكة وما حولها، أو حتى في العالم الموجود آنذاك، وأنه عالم كافر، ينقلهم إلى التاريخ، فقال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ [ق:12-14] وهذه ثمان حالات يُذكِّر الله تعالى بها كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:14] أي: أن السنة جارية، فالذي جرى على قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وغيرهم يجرى على كل المكذبين، ولهذا قال: فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:14] أي: حق وعيدي على هؤلاء المكذبين بالعقوبة الدنيوية والأخروية، والوعيد حاصل ولو تغيرت صورته، فإن الله تعالى دفع عن هذه الأمة عذاب الاستئصال الذي أهلك به أمماً من أمم الأنبياء السابقين لكفرها وتكذيبها.

    من الأدلة العقلية للبعث : الخلق الأول

    ثم قال سبحانه: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15] وهذا كالتعقيب على كل ما سبق، ففي الآية: أن الله خلقهم أول مرة -وهذا يمكن أن يعد دليلاً عقلياً رابعاً على أمر البعث- وهو خلق الإنسان أول مرة، فيضاف إلى أمر السماء والأرض والمطر الإنسانُ، وقد أشار الله تعالى إليه إشارة واضحة في آخر سورة (يس): أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77] ففيها موضع عجيب، أي أن الله عز وجل لم يذكر إلا البداية والحال، فالبداية من نطفة والحال الآن أنه خصيم مبين، وبين هذا مراحل، لكن الله تعالى طواها ليظهر العجب في الإنسان، فهو بالأمس نطفة، واليوم خصيم مبين لله جل وعلا: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77] وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] قبل أن يذكر المثل أتى بكلمة محت كل شيء -والمثل الآن لم يذكر في الآية- لكنه قال: وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] هذه الكلمة وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] جملة اعتراضية -كما يقولون- لكنها مسحت كل ما سيقوله الإنسان: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] ولو لم ينس خلقه ما قال هذا لأن مسألة الخلق واحدة، بل في مقياس البشر الإعادة أهون من البدء، فالذي بدأ فإن الإعادة أهون عليه، وإن كان الأمر بالنسبة لله جل وعلا كله هين كما قال في نفس السورة: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] فخلقه بالكلمة سبحانه: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] فأبرز قضية الاستدلال بخلق الإنسان أول مرة، على الاستدلال بإعادته مرة أخرى، وهاهنا في سورة (ق) قال: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ [ق:15] كلا بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15] أي: التبس الأمر عليهم بالخلق الجديد الذي هو إعادتهم بعد بعثهم.

    1.   

    فوائــد المقطع

    وفي هذا المقطع فوائد منها:

    عظمة القرآن

    لقد أقسم الله تبارك وتعالى بالقرآن، فقال: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1].

    الاستبعاد ليس دليلاً

    ومنها: أن مجرد الاستبعاد العادي للشيء ليس دليلاً على أمر من أمور الدنيا، أو الآخرة، فكم من شيء يستبعده الإنسان لأنه غير مألوف لديه حتى من أمور الدين!

    لو أن إنساناً عامياً اطلع لأول مرة على حكم من الأحكام الشرعية ربما أنكره لأنه لم يتعود أن يسمعه، وهذا كل ما لديه من الدليل، ولهذا كان من أعظم الأصنام والطواغيت التي حورب بها الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ طاغوت العادة كما سماه الإمام ابن القيم وغيره، العادة التي كثيراً ما ووجهت بها الدعوة ووجه بها الحق، والمؤمن ينبغي أن يكون متجرداً، فليست العادة عنده دليلاً، وإنما الدليل عنده الوحي قرآناً وسنة، وهاأنت ترى المشركين أنكروا أمر البعث بناءً على مجرد الاستبعاد: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:3].

    الإقرار بالموت والحساب بعده

    وفيه: أن أمر الموت يتفق على الإقرار به جميع الناس حتى المشركون، ولكن هذا لا يكفي في الإيمان بالموت، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن عن علي رضي الله عنه: {لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع، وذكر منها الموت} فمعنى الإيمان بالموت هنا أمر أكثر من مجرد الإقرار بحصوله، بل يتعداه إلى معرفة أن الإنسان يحاسب بعد الموت، وينعم أو يعذب، ثم يبعث، وأن الأمر ليس تناسخاً للأرواح مثلاً -كما تزعمه طوائف من الناس- وأيضاً يكون هذا الإقرار بالموت عقيدة في قلبه تحدوه إلى العمل الصالح، وتزجره عن العمل الفاسد، فذلك كله يتحقق به الإيمان بالموت.

    كفر الأكثرية بالبعث

    وفيه: أن أكثر المشركين من العرب كانوا لا يؤمنون بالبعث، والدليل على ذلك: ما ذكره الله تعالى في كتابه في هذا الموضع وغيره عن موضوع البعث والاستدلال له وتوجيه النظر إليه، وحكى عنهم سبحانه أنهم أنكروا ذلك، كما قال: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7] وهذا لا يمنع أن يكون من بينهم أفراداً قلائل كانوا يؤمنون بالبعث، لما تسامعوا به من أخبار النبوات والرسالات السابقة، وما وصل إليهم من هدايتها، فيوجد عند العرب، وعند الأمم الأخرى الكافرة والوثنية أفراداً قلائل يؤمنون بالبعث، ولكن يؤمنون به بطريقة منحرفة فاسدة أيضاً.

    من تجاوز الحق فلا قرار له

    وفيه: أن من تجاوز الحق فإنه لا يركن إلى قرار، لقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] وأن من أراد طمأنينة النفس، وسكون القلب، وسلامة العقل والتفكير، فعليه أن يقبل على الوحي (القرآن والسنة) ليجد فيهما الجواب الصحيح لكل ما يعرض له من إشكالات عامة أو خاصة، ومن تجاوز هذا ضل: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً [طه:123-124] ولهذا لو نظرت اليوم إلى واقع العالم؛ رأيت مصداق هذه الآية: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5].

    أحياناً تقرأ ما يسمونه نظرية فيها كلام طويل، ودراسات ومناقشات، وبحوث وأمور، وتجدها مبنية على أمر تافه.

    على سبيل المثال الشيوعية كانت نظرية كبيرة، ولها أنصار يعدون بمئات الملايين في العالم، وألفت فيها من الكتب والدراسات عشرات الآلاف، وتبنتها دول وامبراطوريات كاملة، وظن أناس أنه لا زوال لها، وإذا بها تنتهي في لحظة، مجرد وجود سياسي انهار، انهارت معه النظرية، فمن الذي لا يستحيي الآن أنه يتكلم عن الشيوعية؟ أكثر الناس إخلاصاً وولاءً لها يستحيي أن يتكلم عنها، حتى ولو كان عنده شيء سيسكت لفترة حتى ينسى الناس الذي حصل ليتكلم على استحياء أيضاً، حتى إنهم يقولون في أحد المتاحف أو معارض الرسم في ألمانيا أحد الفنانين رسم صورة لـماركس الذي أنشأ هذه النظرية الفاسدة، وهو يعتذر إلى الرفاق -صورة خيالية- ويقول: أعتذر إليكم أنا كنت أمزح -كانت مزحة- يعني هذه النظرية التي ركضوا وراءها وهتفوا لها، وأقاموا عليها دول وكيانات، وحاربوا من أجلها، وأزهقت أرواح، وسالت دماء، وصارت أموراً عظيمة!!

    يقول: كانت مجرد مزح، وما ذلك إلا إشارة إلى أنها ليست مبنية على شيء، فهذه عاقبة الإعراض عن الحق، لكن تجد المسلم العادي البعيد عن العلم عنده من الخير والهداية الشيء الكثير الذي لا يملكه أحياناً علماء كبار بعدوا عن هداية الله عز وجل.

    استخدام الأدلة العقلية مع النقلية في النفي والإثبات

    وفيه: استخدام الأدلة العقلية مع الأدلة النقلية في النفي والإثبات، حيث نجد أن الله تعالى ذكر هاهنا الأدلة النقلية ثم أتبعها بذكر الأدلة العقلية التي قد تدعو الكافر إلى التأمل، وتزيد المؤمن إيماناً إلى إيمانه.

    استخدام القياس

    وفيه: استخدام القياس، كما في قوله تعالى: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11].

    فضيلة الرجوع إلى الحق

    وفيه: فضيلة الرجوع إلى الحق، وأن العبد إذا كان رجاعاً إلى الحق، فإن الله تعالى يؤيده ويسدده، لا يصر على الباطل، ولهذا قال: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8] والمنيب: هو الرجاع، ِمنْ أناب إذا رجع، فإذا كان من عادة الإنسان أنه إذا ظهر له الحق اتبعه، ولم يقدم عليه لا عادة ولا عرفاً ولا ميراثاً ولا غير ذلك، فإن الله تعالى يسدده ويوفقه للحق، ويرزقه في قلبه البصيرة التي يعرف بها الحق من الباطل: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8].

    1.   

    قضية البعث مرتبطة بقضية وجود الإنسان

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم:

    وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:16-35]

    الشرح: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

    فقد سبق في الكلام على أول السورة، أن الله تبارك وتعالى أقام الحجج على الكفار المكذبين بالبعث، وذكرنا أن هذه الحجج التي مرت في القسم الأول من السورة، تنقسم إلى نوعين:

    النوع الأول منها: حجج سمعية نقلية في مثل قوله: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] وهي الحجج التي ذكر الله تعالى فيها البعث في هذه السورة وفي غيرها، كما في قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] إلى غير ذلك، فهي أدلة شرعية نصية على إثبات البعث.

    النوع الثاني: أدلة عقلية على ثبوت البعث، منها: إيجاد الأرض وإحياؤها بالمطر بعد أن كانت هامدة، ومنها خلق السماوات، ومنها خلق الإنسان نفسه وإعادته في العادة أهون، وكل ذلك على الله يسير كما في أدلة أخرى، ولذلك البعث والنشور.

    فبناءً على هذه الأدلة من كان جاهلاً تعلم، وآمن أن الله تعالى يحيي الموتى وهكذا جاءت النصوص، ومن كان عنده شبهة أوشك زالت شبهته وزال شكه أمام الأدلة العقلية القاهرة القاطعة؛ لكن مع هذا وذاك قد يظل إيمانهم بالبعث مجرد اقتناع عقلي بارد، لو سألته قال: نعم. هناك بعث، لكن توقف الأمر عند هذا الحد.

    فأنت قد تختبر إنساناً، فتقول: هل يبعث الناس بعد موتهم؟ فيقول نعم، تقول: وما الدليل؟ فيقول: الدليل قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7] أو تأتي لإنسان آخر فتقول له: هل تؤمن بالبعث؟ يقول: أنا مقتنع بالبعث.. تقول: كيف اقتنعت؟ فقال: نظرت إلى السماء، والأرض، وحياة الأرض بالمطر والزرع، وخلق الإنسان، وأن إعادته أهون، وآيات كثيرة توصلت منها إلى أنه لا بد من بعث.

    أهمية التفصيل في أمور البعث

    ولذلك بعد أن ساق الله تعالى أدلة عقلية، وأدلة نقلية على ثبوت البعث ذكر الله عز وجل تفاصيل البعث وما يجرى فيه؛ من أجل أن يتحول هذا الإيمان إلى يقين في القلب، وعادةً أن الإنسان إذا سمع التفاصيل يتأثر أكثر مما يتأثر بالإجمال، فأنت مثلاً لو قيل لك: إنه حصل في بلد كذا وكذا مذبحة عظيمة راح ضحيتها عشرات الآلاف، قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لكن لو أن إنساناً شاهد عيان، جاء أمامك، وبدأ يتكلم لك عن الفظائع تفصيلاً فقال لك: رأيت امرأة بقر بطنها، ورأيت صبياً قطعت أطرافه، ورأيت شيخاً كبيراً ذبح كما تذبح الشاة، ورأيت، ورأيت، وأصبح يحدثك عن الفظائع بالتفصيل، تجد أنه يصيبك من الانفعال والدهشة والتأثر شيء عظيم لم يكن حصل لك من الخبر الإجمالي، بل ربما يزيد؛ فقد يفلح الإنسان في لفت نظرك إلى قتل عشرة أشخاص لأنه أعطاك تفاصيلاً أكثر مما يهزك مقتل عشرة آلاف لم تأخذ عنهم تفصيلاً وإنما أخذت الخبر الإجمالي، فالتفصيل عادةً له تأثير في النفوس، ولهذا ذكر الله تعالى في هذه الآيات تفصيل الأمر من بداية الدنيا إلى نهايتها، من أجل أن تعلم أن مسألة البعث هي المقصود الأساسي من الخلق كله، فابن آدم لم يخلق ليعيش في الدنيا، لكن خلق من أجل الدار الآخرة، كما قال بعض السلف: إن الله تعالى لم يخلق الإنسان للفناء، وإنما خلقه للبقاء، وإنما ينتقل من دار إلى دار، ولهذا بدأ هنا بالخلق فقال:وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ [ق:16] منذ خلق آدم (الإنسان الأول) وعبر الأجيال كلها.

    إحصاء الله لكل شيء

    ثم قال: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16] والمقصود من هذا العلم أولاً: إثبات العلم لله عز وجل لا شك، فالله تعالى عليم يعلم كل شيء، حتى مجرد الوسوسة التي في النفس، والتي قد يكون الإنسان نفسه -أحياناً- غافلاً عنها، فقد يسرح الإنسان في وسوسة أو تفكير وهو شارد الذهن، لكن ربك يعلم سبحانه، لكن المقصود مع العلم -أيضاً- كتابة هذا العلم: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] في لوح محفوظ، وقال تعالى عن الكفار: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49] وقال: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً [النبأ:29] يعني: مكتوباً، والعلم والكتابة هي من أجل الجزاء والحساب، ليقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14].

    إذاً قوله: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16] إشارة إلى أن كل شيء محصى على الإنسان للجزاء الأخروي، وهنا تبرز لك قضية البعث، أن خلق الإنسان والعلم به لكتابة ذلك ومواجهته به يوم القيامة ومجازاته عليه، إذاً رجعنا إلى قضية البعث والكلام فيها تفصيلاً، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] بعلمه تعالى، وبملائكته، وبإحاطته، وبعظمته، هو أقرب إلى الإنسان من حبل وريده.

    قال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:17-18] نموذج تفصيلي للعلم، ملكان عن اليمين وعن الشمال، أحدهما للحسنات والآخر للسيئات، ما يلفظ من قول يقوله الإنسان إلا لديه هذا الرقيب العتيد الحاضر المهيأ الذي مهمته أن يكتب، لذلك بعض الناس يقول: الكلام يطير به الهواء، الواقع أن الكلام لا يطير به الهواء بل هو محفوظ مضبوط، وبعض الناس يسترسل في الكلام في الهاتف، ويقول لك: يا أخي! الهاتف الآن بالمجان، نسي أن هناك رقيباً وعتيداً: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] أنسيت هذا! فحفظت القضية الدنيوية ونسيت القضية الأخروية، هو مسجل عليك مثل فواتير الدنيا، وإن كان الأمر مختلفاً، وتواجه وتجازى به يوم القيامة.

    وقد اختلف السلف في أمر الكتابة، فقال بعضهم: يكتب كل شيء ثم يمحو الله تعالى ما يشاء، ويبقى ما يجازى عليه الإنسان من خيرٍ أو شر، وهذا هو الصحيح، حتى الكلام العادي يكتب، مثل: ذهبت، وجئت مما ليس فيه إثم ولا بر، وقال بعضهم: لا يكتب إلا الخير أوالشر، والواقع أن كل شيء يكتب لأنه قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

    أثر الإيمان بالبعث في الدار الدنيا

    إذاً تبين لنا أن قضية البعث مرتبطة بقضية وجود الإنسان في هذه الدنيا، وأن البعث ليجازى بما عمل، وهنا يبرز أثر الإيمان بالبعث في الدار الدنيا، فليس الكلام عن البعث كلام عن عالم آخر لا علاقة له، بل هو كلام عن عالم مرتبط بهذه الدنيا، وهو الوجه الآخر لحياة الإنسان، وفي الآية دليلٌ على أن الإنسان لا يؤاخذ بما حدثت به نفسه إلا إذا تكلم به، فالوسواس الذي يدور في القلب والصدر، والخواطر التي تمر، والشبهات التي يلقيها الشيطان على قلب العبد لا يؤاخذ بها الإنسان إلا إذا تكلم بها، أما إذا دفعها، واستعاذ بالله تعالى منها فإنها لا تضره، ولا يسأل عنها أصلاً يوم القيامة، ولهذا قال سبحانه: وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16] ثم قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] إذاً: ما ليس بقول ولم يتكلم به العبد ولا أقره؛ فإنه لا يضره، ولا يسأل عنه يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل}.

    1.   

    النقلة من الدنيا إلى الآخرة

    نحن الآن في دار الدنيا والناس يعيشون، يتكلمون، يعملون، يفكرون والملائكة يكتبون وهذا جانب، ثم ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي: النقلة من الدنيا إلى الآخرة: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] فالموت: هو عملية الانتقال في نظر المسلم من الدنيا إلى الآخرة، فما بينك وبين الآخرة إلا نفس يدخل فلا يخرج، أو يخرج فلا يدخل، وأكثر الذين ماتوا لم يكونوا متوقعين أنهم يموتون بتلك الطريقة.. ولا كانوا مستعدين للموت بما فيه الكفاية، بل كانوا يسمعون الكلام عن الموت، وكأنه يتعلق بأشخاص آخرين غيرهم، لا يخاطبهم أو يعينهم هم مباشرة.

    مفاجأة الموت

    يقول الله تعالى : (وجاءت) وهنا يلاحظ مسألة المفاجأة، وهنا الكلام عن خلق الإنسان، والعلم بما يوسوس، وقرب الله تعالى منه والملائكة الذين عن يمينه وعن شماله، بعد ذلك تجد مفاجأة: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] هكذا بهذه السرعة!! ففي ذلك دليل على قصر الحياة وسرعة زوالها، وأن الموت في الغالب يفاجأ الإنسان، وحين نقول، يفاجئه لا يعني بالضرورة موت الفجأة الذي يأتي للإنسان وهو صحيح شحيح فيموت في لحظة، في حادث سيارة مثلاً، أو بالسكتة القلبية! ليس هذا شرط، بل حتى الذي مات بمرض قد يكون مرضه استغرق أسبوعاً أو شهراً؛ لكنه كان يتوقع أنه يعيش زماناً طويلاً، ولذلك قد مد حبالاً طوالاً؛ فهذه العمارة تعمر، وعنده مشاريع طويلة، وعنده أشياء، ولهذا تجد الإنسان أحياناً يبرم عقوداً عجيبة فيتصبر بيتاً لمدة مائة سنة وشيء، أو مائتي سنة وشيء، وأكثر من هذا، هكذا الإنسان يظن أنه خالد، أو معمر في هذه الدنيا، فيأتي النص القرآني: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] وفي ذلك دليل على ما يعانيه الإنسان عند الموت من الشدائد، والأهوال، يبين هذا في قوله: (سَكْرَةُ) فهي صحوة من حيث أن الإنسان عقل ما لم يكن يعقل، لكن الله تعالى سمَّاها سكرة لشدة ما يعانيه الإنسان، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول وهو في مرض الموت: {إن للموت لسكرات، ويمسح العرق عن جبينه، وكان يضع خميصة على وجهه يتغطى بها، فإذا اغتم وثقل نفسه كشفها، حتى رأت فاطمة ما يعانيه، فقالت: واكرب أبتاه! فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم} فالموت كربة تهون عندها كل كرب الدنيا، فأين الملُك والجاه والمال والسلطان من إنسان مثل الفأر في المصيدة، قد قبض عليه والآن تنـزع روحه؟!

    1.   

    البعث من القبور

    ثم ينتقل إلى الأمر الثالث الذي هو موضوع السورة أصلاً، وهو أمر البعث، لهذا قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:20] ثم بدأ في التفصيل لأن هذا هو الموضوع الأساسي: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:21] من الملائكة: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] كشف الغطاء يبدأ من الموت، فعند الموت ينكشف شيء من الغطاء، فالإنسان إذا عاين الملائكة ورآهم قد تنـزلوا أدرك حينئذ؛ لكن بعد فوات الأوان، ولهذا تجد أن الإنسان في الدنيا إذا تذكَّر الموت وصحَّ تذكره صار عنده شعور فيقول: يا ليتني لم أفعل كذا، ولم أفعل كذا، لكن إذا غفل انطلق مع الحرام ومع الشهوة، ومع ما لا يرضي الله عز وجل، فإذا عاين الموت حقيقة، كان الأمر أعظم بالنسبة له، فإذا كان يوم القيامة انكشف له حينئذٍ كل شيء، ولهذا حتى الكفار يقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23] ويَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام:27] فالمقصود أن الأمر انكشف لهم، فلهذا قال: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] قوله: حديد أي: شديد، أو بعبارة أخرى: قوي حاد ينفذ، فأصبحت ترى ما لم تكن ترى، وتسمع ما لم تكن تسمع.

    ثم يقول: بِالْحَقِّ [ق:19] وفي ذلك دليل على أن الموت والاحتضار يبين للإنسان فيه بعض ما كان غائباً عنه، ويصدق ما كان مكذباً به، فسكرة الموت جاءت بالحق فكشفت للإنسان الحق، فالمكذب صدق، والكافر آمن، لكن لا ينفعه ذلك، والدليل على أنه لا ينفعه ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر} والدليل الثاني أيضاً من الحديث: {ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم يعني الروح قلت لفلان كذا، ولفلان كذا}.

    أيضاً من الأدلة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء:18] فإذا عاين الإنسان الملائكة فقد جاء الحق، لكن بسكرة الموت التي لا يقبل معها عمل، لأنه تحوّل حينئذٍ من إيمان بالغيب إلى إيمان بالشهادة، فقد رأى وعاين: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] تهرب عنه لكنه يلحقك، ولذلك تجدنا نكره حتى ذكر الموت، ولا نريد أن يكدر علينا، ولكن هذا لا يغير من الواقع شيئاً، فهذا هو الأمر الثاني وهو أمر النقلة من دار الدنيا إلى دار الآخرة، والإشارة إلى الموت تتضمن الإشارة إلى حياة البرزخ في القبور حيث الفتنة والسؤال عن الدين، وعن الرب، وعن الرسول عليه الصلاة والسلام، وحيث النعيم أو العذاب في القبر.

    حال الكافر العاصي

    ثم يذكر الله تعالى نوعاً من الكلام الذي يجري يوم القيامة: وَقَالَ قَرِينُهُ [ق:23] الإنسان الذي هو مناط التكليف -هناك جدل حوله الآن- له قرين من الملائكة: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] وله أيضاً قرين من الشياطين -كما هو معروف- كلهم حاضرون معه، فالآن القرين من الملائكة يقدم كشف الحساب أمام الله عز وجل: هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:23] يقدم أوراقه، وسبق أن الإنسان معه ملكان، فحينئذ يقول الله عز وجل للملكين: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق:24-26] هذا إنسان عاصٍ فاجر فجزاؤه جهنم.

    أما القرين من الشياطين فيتبرأ: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27] أي: لست أنا الذي أطغيته، إنما هو من نفسه كان محباً للشر باحثاً عنه، وقد ذكر الله تعالى براءة الشياطين ممن أطاعوهم: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] فهاهنا قال: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27] الإنسان بطبيعته لا يقر بهذا، بل يلقي باللائمة على الشيطان ويلومه ويعاتبه كما جاء في آيات أخرى، فالله عز وجل يقول لهم: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:28-29] فهذا الذي قيل له: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ [ق:24] هو صائر إلى النار، لأن أمر الله تعالى نافذ كما قال تعالى: (لا يبدل) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] ألقي فيها ثم ألقي ثم ألقي كما أمر الله، وكما قال عز وجل: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ [الملك:8] يعني يلقون فيها أفواجاً بعد أفواج، أمم: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ [الأعراف:38] حتى يقول الله عز وجل للنار: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] أي: أريد المزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {فينـزوي بعضها إلى بعض، وينضم بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، وعزتك يا رب} وبعضهم يقول: إن قولها: هل من مزيد، أنها تقول: لا مزيد على ما وضع وألقي فيّ، ويحتمل إن كان الأمر كذلك أن يكون هذا بعد أن يضع الله تعالى فيها قدمه، فهذه هي النتيجة الأولى، نتيجة الإنسان العاصي الكافر.

    حال المؤمن

    وبالمقابل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35] فهذه هي النتيجة الثانية للاختبار، نتيجة من أطاعوا الله تعالى، واتصفوا بصفات المتقين وتركوا المعاصي، واتقوا الكفر بالإيمان واتقوا المعصية بالطاعة، وصبروا في هذه الدنيا فكان مصيرهم ذاك، وما بينهم وبين أن يلقوا هذا المصير إلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19].

    ثم قال: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33] لماذا اتقوا؟ وهل تعتقد أن الإنسان التقي أقل من غيره طمعاً في الدنيا؟ أو أقل من غيره في وجود الدوافع الشهوانية لديه؟ أو أقل من غيره بصراً ومعرفة بسبل الوصول إلى ما يريد؟! لا، فأنت قد تجد المتقي في نفسه من الشهوة مثلما في نفس غيره أو أشد، وعنده من تذوق اللذائذ في الدنيا مثلما عند غيره أو أشد، وعنده من معرفة الطرق والأسباب الموصلة إلى ذلك في الدنيا مثلما عند غيره أو أشد، ولكنه فطم نفسه عن هذا كله، وهو يعرف -لو أراد- الطريقة إليها.

    إذاً لماذا حرم نفسه من ذلك كله؟ لأنه من المتقين، هذه هي التقوى.

    ثم قال: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [ق:33] أي: لأنه خشي الرحمن بالغيب، فخاف الله تعالى وهو لم يره، وأيضاً خاف الله تعالى وهو غائب عن عيون الناس، فهو لا يعمل العمل من أجل الناس فإذا خلا بمحارم الله تعالى انتهكها، ولكنه يخاف الله رب العالمين، فيراقبه في الملأ كما يراقبه في الخلا:

    إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل      خلوت ولكن قل علي رقيب

    ولا تحسبن الله يغفل ساعة      ولا أن ما يخفى عليه يغيب

    لهونا عن الأيام حتى تتابعت      ذنوب على آثارهن ذنوب

    فياليت أن الله يغفر ما مضى      ويأذن في توباتنا فنتوب

    وقد كان الإمام أحمد يتمثل بهذه الأبيات.

    ثم قال: وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33] وأنت تلاحظ في هذه السورة وفي غيرها كثرة وصف الإنسان الخيِّر بالتوبة، والرجوع والإنابة، حتى هنا قال: وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33] وقال: لِكُلِّ أَوَّابٍ [ق:32] أي: رجَّاع وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة:222] لأن الإنسان لابد له من زلات، ولابد له من أخطاء، ولابد له من غفلة، فالآيات هذه تحثه على أن يسارع بالتوبة، ويكثر منها أيضاً، ولا يقول: أخشى أن لا أصبر على هذه التوبة، بل يتوب ويرجو الله أن يثبته ويصبره عليها.

    التفصيل في إثبات البعث يزيد الإيمان

    قال تعالى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:33-35] فهذا السياق الآن ذكر فيه البعث ووقوف الإنسان بين يدي الله، والكلام والحوار الذي دار مع الملائكة الكرام الكاتبين، وكلام الشياطين القرناء، وتبرءهم من الإنسان، ثم ذكر فيه مصير أهل الجنة وما يلقون فيها من النعيم، ومصير أهل النار وما يلقون فيها من العذاب والنكال والجحيم، فهذا التفصيل ضمن الإجمال في إثبات البعث يقوي إيمان العبد بالبعث، فإن الإيمان يزيد وينقص -كما هو معروف- ومن زيادة الإيمان: الإيمان بالتفصيل، ولهذا قال الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً [التوبة:124].

    لماذا زادتهم هذه السورة إيماناً؟ كيف زادتهم إيماناً؟ لما فيها من الآيات والعبر، والأوامر والنواهي، فأدى ذلك إلى العمل بها هذا شيء.

    وهناك شيء آخر، لأن الإيمان يزداد بزيادة الشيء الذي آمنت به، فأنت الآن نـزلت سورة فآمنت بها فزاد إيمانك ثم نـزلت سورة ثانية فآمنت بها فزاد إيمانك، كلما آمنت بشيء جديد زاد الإيمان، ولهذا من رحمة الله أن يفصل لعباده في أمور البعث وغيرها لأنهم كلما آمنوا بشيء جديد زاد إيمانهم.

    فمثلاً لو لم يكن الإنسان يعلم إلا أن هناك بعثاً فقط فقال: آمنت بالله وصدقت رسله، وهذا إيمان قوي بالبعث، ثم وصل إلى الإنسان علم أنه بعد البعث هناك الجنة والنار فقال: آمنت بالله، بعد ذلك وصله علم جديد أن هناك الصراط المنصوب، والميزان الذي توزن به الأعمال فقال: آمنت بالله فزاد الإيمان، ثم وصل إليه أيضاً علم جديد في صفة أهل النار وما يلقون فيها من النكال فقال: آمنت بالله فزاد إيمانه، ثم وصل إليه علم جديد عن أهل الجنة وما يلقون فيها من النعيم، فقال: آمنت فزاد إيمانه، وهكذا كل شيء جديد وتفصيل ومعلومات جديدة تقدم للعبد فيؤمن بها، يزداد إيمانه بذلك.

    فهذا التفصيل الذي ساقه الله عز وجل في أمر البعث هو زيادة في إيمان العبد لزيادة التفصيل، وهو أيضاً ترسيخ وتقوية لهذا الإيمان، فَفَرقٌ بين الإيمان المجمل والإيمان المفصل.

    فوائد الإيمان المفصل

    الإيمان المفصل أقوى وأعظم تأثيراً في النفس، وأبعد عن أن ينساه العبد، وأبعد عن الشبهات، ولو أن إنساناً أُخبر بوجود بلد من البلدان العظام الآن في الدنيا، فآمن بوجود هذا البلد كان هذا إيمانا مجملاً، لكن إذا أعطي هذا الإنسان تفصيلاً، وقيل له: إن هذا البلد فيه عدد من المدن هو كذا، وعدد الولايات كذا، وعدد سكانه كذا، وجغرافيته كذا، وتربته كذا، وفيه من العجائب كذا، وفيه من الغرائب كذا، وصار ويسرد له التفاصيل، ويسرد، ويسرد... فإنه يتولد حينئذٍ عند هذا الإنسان من هذا التفصيل مزيد من اليقين، ولم تبق عنده كلمة غامضة، بل أصبحت كلمة بمجرد ذكرها تتداعى أشياء كثيرة.

    مثلاً: قيل له: أمريكا -إذا كان لا يعرف عنها أي شيء- وذكر أمريكا لا يوجد في ذهنه أي تداعيات، لكن إذا ذهب وزار البلد، ورأى فيه الخضرة، ورأى فيه الشلالات، ورأى فيه العجائب ثم رجع، فبمجرد ما يسمع كلمة أمريكا يتداعى إلى ذهنه -وهذا تركيب فطري عند الإنسان- صور عظيمة، فيتذكر في لحظة واحدة -والله جعل في العقل قدرة على هذا- كل الصور التي ذكرها والتي رآها، والتي سمع بها أو قرأ عنها، فتتداعى بمجرد ذكر كلمة واحدة.

    وهكذا المؤمن بمجرد ذكر كلمة يوم القيامة، وهي كلمة مكونة -مثلاً- من خمسة حروف، تجد أنه مباشرة يقفز إلى ذهنه صورة الصراط المنصوب، وصورة الميزان الموضوع، وصورة هؤلاء الخلائق الذين يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وصورة النار وهي تفور، وصورة الجنة وقد قربت للمؤمنين، تداعت كل هذه المعاني في ذهنه بمجرد ذكر يوم القيامة؛ لأنها من ضمن الإيمان بيوم القيامة، فهذا من فوائد الإيمان المفصل.

    كما أن الإيمان المفصل في أمر من أمور الدنيا، عندما تعطي تفصيل عن بلد تجد عندك رغبة ولهفة في زيارته، والانتفاع والاستفادة مما فيه، والوقوف على عجائبه، فكذلك الإيمان المفصل بالدار الآخرة يجعل عند الإنسان شوق، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: {وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة} فالإنسان الذي يرى في الدار الآخرة هذه الألوان من النعيم، ويرى فيها السلامة من الآفات، ويرى فيها رؤية الله عز وجل ولدينا مزيد:

    وهي الزيادة والحسنى التي ذكرت      وآخر الموعد المذكور في الزبر

    رؤية الله عز وجل والنظر إلى وجهه في جنة عدن، وألوان النعيم، والحور، والحبور، والقصور؛ يتولد عنده شوق إلى الدار الآخرة -وهذا أيضاً- من فوائد الإيمان المفصل، فأنت ترى الآن أن هذا السياق كله هو في صدد الكلام عن موضوع البعث الذي افتتحت به السورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:1-3] الجواب: سترجعون، وهذا هو التفصيل.

    تذكر القلب الواعي

    ثم قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] أي: أن من لم يتذكر فليس له قلب، نعم. فيه تلك المضغة الموجودة في الصدر، وهي موجودة عنده ولو لم تكن موجودة عنده ما حيي، ولكن قلب الوعي، وقلب البصيرة أمر وراء ذلك.

    ففي هذه الآيات والعبر ذكرى لمن كان له قلب، أما من ليس له قلب فهو لا يعتبر بذلك، حتى ميت القلب لو سمع سماع تفهم ربما حيي قلبه: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17] ولهذا قال هناك: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] ضع أذنك وفكر وقدر وتدبر، وربما يصحى القلب المريض، أو يحيا القلب الميت والله تعالى على كل شيء قدير: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الحديد:17] فنسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بذكره وشكره وحسن عبادته، ونستغفر الله تعالى مما فرطت به ألسنتنا، أو زلت به أعضاؤنا وجوارحنا، ونسأل الله تعالى أن يشملنا جميعاً بصفحه وعفوه إنه على كل شيء قدير، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    وقفات ومعالم

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:36-45].

    الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فهذا هو القسم الثالث من هذه السورة العظيمة سورة (ق) وفيه وقفات ومعالم:

    استغراق الكافر في واقعه

    الوقفة الأولى: في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق:36] فالله تعالى بعد أن أقام الحجة على كفار قريش بالأدلة العقلية والنقلية على ثبوت البعث وحصوله وإمكانه، ثم بيَّن لهم تفصيلاً ماذا يكون في البعث والنشور من الجزاء والحساب والمحادثة بين الإنسان وبين الملائكة وغير ذلك مما يدعم ذلك الإيمان ويقويه عقَّب بقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [ق:36] ففي هذه الوقفة إشارة إلى أن الكافر مستغرق في واقعه، لا يعنيه شيء بقدر ما يعنيه هذا الواقع، فإن أتيت إلى آماله وطموحاته وجدتها محصورة في واقعه؛ أن يأكل جيداً، ويلبس جيداً، ويشرب جيداً، ويركب جيداً، ويسكن جيداً، وهذا كل منتهى أمله، لأنه لا يفكر فيما وراء الحياة الدنيا.

    وكذلك إن أتيت إلى نظراته وتفكيره وآرائه وجدتها مرهونة بواقعه، فإذا قلت له مثلاً: الحق وانتصار الحق وزوال الباطل، قال لك: دعنا من هذا الكلام، هذا كلام لا حقيقة له ولا قيمة، المهم ما نراه بأعيننا، وما نسمعه بآذاننا، فنحن نرى أن الباطل منتصر والحق مغلوب، وأنكم أنتم يا أهل الإيمان لا شأن لكم، ولا وزن لكم، ومن قبل كانوا يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام كلاماً من هذا القبيل، فمثلاً ينظرون إلى الجانب المادي فيجدون الرسول صلى الله عليه وسلم عرياً من ذلك، لا مال ولا جاه -في أول الأمر- فيقولون منتقدين على الرسول عليه الصلاة والسلام: لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [الفرقان:8-9] أو ينظرون في كونه عليه الصلاة والسلام وحيداً فريداً أعزل ليس معه قوة، ولا سلاح، وليس له دولة في مكة فينكرون ذلك ويقولون: هذا إنسان فرد أعزل ليس معه قوة ولا سلطة، فلماذا نطيعه وهو مجرد رجل واحد ليس له وزن؟!

    هذا الكلام -أيضاً- قد يؤثر حتى في عقول، وقلوب بعض المسلمين، فإن من طبيعة الإنسان أن الواقع يؤثر عليه تأثيراً بليغاً.

    أ/ حال الناس هذه الأيام:

    وقد تأملت أحوال أكثر الناس فوجدت أنهم مستغرقون في واقعهم، لا يتعدى تفكيرهم حدود هذا الواقع القريب المحدود في الزمان والمحدود في المكان، فلو نظرنا في واقعنا نحن الحاضرين -مثلاً- دعك عن الغائبين، لوجدنا أن الكثيرين منا لا يفكر إلا في حدود الناس الذين يراهم بعينه، أو يعايشهم في حياته، فإذا تكلم قال: الناس بخير، فمعنى ذلك أنه يصف أولئك الناس الذين يعايشهم، ويختلط بهم، وإذا قال ضد ذلك فهو يقصدهم -أيضاً- وإذا فكر تجد أنه يفكر في حدود منطقته، أو إقليمه، أو بلده، أو حتى حيه أحياناً، لكن القليل من الناس من يضيف في تفكيره بُعد الزمان، وبُعد المكان، فينظر مكاناً، فيجد أن خلق الله أعظم من ذلك، وإذا كان سكان بلدك الذي تعيش فيه ألف أو مليون، فسكان هذه الأرض أعداداً كبيرة، والمسلمون منهم يقدرون بألف مليون، وقد تجد في دولة واحدة مائة مليون، ومائتي مليون، فلماذا لا تضيف هذا الرقم إلى تفكيرك أيضاً؟

    مثال: لو أن حاكماً طاغية سُلِطَ على مجموعة من المسلمين في بلد من البلدان؛ قد يكون عددهم عشرة ملايين، أو عشرين مليون؛ لوجدت أن كل إنسان ينظر إلى هذا ويتعجب، ويقول: كيف سُلِطَ عليهم وما أشبه ذلك!!

    ونسي أن هذا الحاكم مهما طغى واستبد؛ فإنه لا يتعدى حدود هؤلاء العشرين مليوناً، وأن غيرهم بمنجاة من ظلمه، وبطشه، ويستطيعون أن يتخلصوا من كيده ومكره، فلذلك إذا أضاف الإنسان عنصر المكان ووسع تفكيره، وجد أنه تغير نظره، فقد تفعل أنت شيئاً لا يرضي من حولك، ولكنه يرضي أضعاف أضعافهم ممن لا يراهم الإنسان بعينه، أو يسمعهم بأذنه، أو يحسهم بجوارحه، فلا يكون محط اهتمامه فقط هم من حوله؛ بل لا يكون أصل قضية رضاهم وسخطهم هي كل شيء عنده، فالمهم أن يرضى الله تعالى عنه.

    كذلك مسألة الزمان: بأن تضع في اعتبارك الواقع الذي تعيشه الآن، لكن لماذا لا تفكر -أيضاً- في قرون وأجيال ذهبت؟! وقرون وأجيال سوف تأتي؟!

    الإنسان الذي يُفكِّر في حدود يومه فقط ينظر في المصلحة القريبة، وقد يفعل ما هو خطأ أو يترك ما هو صواب؛ لأنه يناسب يومه، لكن إذا فكَّر في أن هناك قرون وأجيال، وأنه هو حلقة ضمن سلسلة طويلة تغير تفكيره، فقد تجد أن هناك شيء لا يرضي من حولك في هذه الأيام، لكنه سيكون بالتأكيد له أثر عظيم في قرون وأجيال مستقبلة، فيزيد الإنسان قوة، ودائماً عَيْبَ الإنسان هو أنه يغرق في لحظته الحاضرة، وفي مكانه الحاضر، فهو مأسور بحدود الزمان وحدود المكان.

    وكثيراً ما كان الكفار يحتجون على الرسل بالواقع، قد يقولون: أنت يا محمد -عليه الصلاة والسلام- الآن في مكة، أنت الآن تقول مبعوث للعالمين، أنت الآن في مكة لا تأمن على نفسك، أو في المدينة وليس لك أتباع، وليس لك قوة، وليس وليس... فتجدهم يحتجون عليه بالزمان وبالمكان، لكن ينسون أن الزمان يتغير، والمكان يتسع، فلهذا ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية جانباً يتعلق بهذين الأمرين، فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق:36] أي: لماذا ينظر كفار قريش فقط إلى واقعهم الآن؟! وإلى أن الله تعالى قد أمهلهم؟! وحلم عليهم فلم يعاجلهم بالعقوبة؟! ألا ينظرون إلى أزمنة ممتدة طويلة من قبلهم! فيها أناس مثلهم كذبوا فأهلكهم الله تعالى ولم يبق منهم باقية، ولم يكن لهم مهرب ولا ملجأ من عقوبة الله تعالى لهم! فلو فكروا في هذا لاعتبروا، أو فكروا في الزمان القادم -أيضاً- والأيام المقبلة تفكيراً سليماً لاعتبروا.

    ب/ أبو طالب عم رسول الله:

    انظر مثلاً: أبو طالب حيث كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم -كما هو معروف- ويعظمه ويجله، وله في ذلك أقوال مشهورة مثلما هو معروف في قصيدته:

    ولقد علمتُ بأن دين محمد      من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة      لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    وصدقتني وعلمت أنك ناصحي      ولقد بررت وكنت قبل أمينا

    ويقول أيضاً:

    لقد علموا أن ابننا لا مكذب     لدينا ولا يعنى بقول الأباطل

    فو الله لولا أن أجيء بسبة     تجر على أشياخنا في المحافل

    لكنا اتبعناه على كل حالة      من الدهر حقاً غير قول التهازل

    إذاً السؤال ما هو السبب الذي كان يمنع أبو طالب من الإسلام؟ أبو طالب مجرد مثال لأعداء غفيرة من الناس، وليس هو الوحيد، لماذا امتنع أبو طالب عن الإسلام، مع أنه مؤمن ومصدق، وكان يحب أن يفرح قلب النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا لم يسلم؟! لأنه كان يراعي حال قومه في الزمان والمكان، ففي مكة كان إسلام أبي طالب سبباً لأن يُسب أبا طالب، ويعاب، ويعير، وينتقص، وهو من شيوخ قريش، فيقال: إن أبا طالب على كبر سنه وجلالة قدره وجاهه، يذهب حتى يتبع ولداً من أولاده، ويصدقه، ويوافقه، ويطيعه فيما يأمر، وفيما ينهى، فكان يرى في حدود المحيط الذي يعيش فيه شيئاً من العار والعيب والمسبة، فتثاقلت نفسه عن الاستجابة لدعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه لا يرى حوله ما يشجع على هذا.

    كذلك بالنسبة للزمان: يتوقع أبو طالب لأنه حكم على الغائب حكمه على الحاضر أي: قاس الغائب على الحاضر، فتوصل إلى أن القضية ستستمر، وبالتالي أبو طالب سيكون في المستقبل لو أسلم مسبة تجر على أشياخه في المحافل، ونسي أبو طالب أنه كان بذلك أسيراً لحدود زمانه ومكانه، ولو أنه انعتق من هذه القيود لأدرك شيئاً آخر؛ لأدرك أن إسلامه هو الخير له في الدنيا قبل الآخرة، فلو أسلم أبو طالب لكان أهل التوحيد، وأهل الإسلام عبر هذه القرون الطويلة التي مضت -الآن أربعة عشر قرناً- كلهم كانوا يحبونه ويمدحونه، ويدعون له، ويثنون عليه، أما الآن فلا يجرؤ مسلم على مدى هذه الأزمنة المتطاولة، أن يقول عن أبي طالب: رحمه الله! أو غفر الله له، لأنه مشرك، ولأن الله تعالى يقول في حق أبي طالب أولاً، وحق من مثله ثانياً: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] إلى آخر الآيات.

    إذاً حسابات أبي طالب كانت صحيحة خاطئة قطعاً، فلو أسلم لكانت مديحة تعلن في المحافل، والمجالس في هذا الوقت، لكن الله تعالى غالب على أمره: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] فها أنت ترى الكافر محدوداً بحدود الزمان، فينظر فيمن حوله، وحدود المكان، فينظر في الناس الذين يحيطون به، وهذا ليس خاصاً بالكافر فقط؛ بل حتى المسلم قصير النظر تجده محدود بهذه الأشياء، فهو قد يعمل عمل الخير، لكن في حدود الناس الذين حوله، ولا يُفكِّر في الأفق الأبعد، ولا يفكر في الزمان، والمكان.

    جـ/ شيخ الإسلام ابن تيمية:

    شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: هو نموذج للعالم المجدد الذي تجاوز حدود الزمان، وحدود المكان؛ يفكر تفكيراً أوسع من الرقعة التي يعيش فيها، أو الفترة التي يعيش فيها، فلم يأبه ابن تيمية بأن يخالف بعض فقهاء عصره، ممن كانوا على غير الصراط المستقيم، ولم يأبه ابن تيمية أن تُصدر ضده الفتاوى، ولم يأبه ابن تيمية أن يودع في غياهب السجون، أو يمنع من التدريس، أو يحال بينه وبين طلابه، أو حتى يُضرب، أو يُؤذى، أو تُحرق كتبه، أو يُمنع من التدريس والفتوى، أو يسجن، مع أن هذه الأشياء لو نظر الإنسان إليها بالمقياس القريب ربما تغير في النظرة، فالواحد منا يستحي -أحياناً- أنه يسجن، ألا يستحي، أحد منكم أن يودع في السجن -ونسأل الله لنا ولكم العافية- لكن لمجرد إيضاح المثال، فإذا أودع في السجن ألا يشعر -أحياناً- بأن العيون تنظر إليه، وأنه موضع نظر من الناس، وربما بعضهم يشفق عليه، وبعضهم يعتب عليه، وبعضهم يثور عنده علامات استفهام، وبعضهم وبعضهم، فتجد أن هذا الإنسان يمشي بين الناس وكأنه مجرم، ولو كان سُجِنَ في سبيل الله وفي ذات الله، هذا يحصل لأن الإنسان مأسور بزمن وبمكان؟!!

    لكن لو أن الإنسان فكر مثل تفكير شيخ الإسلام ابن تيمية، فلم يكن يأبه بذلك، لأنه أولاً: يعلم أنه إذا كان هذا في رضوان الله تعالى، فلا يبالي الإنسان بما يصيبه؛ بل هو مأمور بالصبر على ذلك، لكن حتى بالمقياس القريب الدنيوي فهذه الأشياء تزول، فالآن الناس إذا ذكروا ابن تيمية وأنه سجن هل يعتبرونه عيب على ابن تيمية أنه سجن، وهل هناك أحد يعتبر من مثالب ابن تيمية وسيئاته أنه أودع السجن؛ لأنه أصر على فتوى يعتقد أنها حق؟!، هل هناك من يعيب بهذا؟! هل هناك من يعيب ابن تيمية أنه ضُرب في سبيل عقيدته الصحيحة؟! لا، هل هناك من يعيب ابن تيمية لأن كتبه أحرقت؟! لا، فأنت تجد أن ابن تيمية -رحمه الله- يعيش هذا الأفق الأوسع في الزمان وفي المكان؛ ولذلك لا ينظر في الأعمال التي تواجهه في حدود وقته؛ بل ينظر إليها أنها وإن كانت اليوم في نظر الناس شيئاً يضر، إلا أنها شيء ينفع في المستقبل كثيراً، وينفع في الواقع في بلادٍ أخرى أيضاً، فيتخلص الإنسان من رق وأسر المكان المحدود الذي يعيش فيه، والزمان المحدود الذي يعيش فيه.

    ولو أن كل واحد منا فكر في هذا لتغيرت موازينه -هذه وقفة؛ قضية التخلص من أسر الزمان والمكان- ولذلك قال سبحانه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً [ق:36] لماذا لا ينظرون إلى الزمان الذي قبلهم وما مضى فيه؟

    جاءت أمم أخرى كثيرة جداً قبل قريش، وكان موقفهم كموقفهم، تكذيباً بالرسل، وعناداً وإصراراً واغتراراً بما أعطاهم الله تعالى، ثم أهلكهم الله تعالى، فما ترى منهم من أحد: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم:98] أفليس لهم في ذلك مدَّكر ومعتبر؟! بلى لو كانوا يعتبرون، لكنهم في الواقع أسرى لزمانهم ومكانهم، فكلُّ همهم وتفكيرهم هو هذه الساعة التي يعيشونها، وهذا المكان المحدود الذي يعيشونه.

    آيات الله معروضة في الكون والنفس

    قال بعدها: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] وفي هذه الآية الوقفة الثانية.

    وهي أن آيات الله تعالى معروضة في الكون وفي النفس: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت:53] ولكن العبرة بمن يتلقى هذه الآيات، ويستمع إليها أوينظر إليها بجوارحه، ثم يعتبر فيها بقلبه.

    فالشمس آية من آيات الله، ولو تصور الإنسان الجرم الهائل لهذه الشمس، وكيف أن الله تعالى بقدرته جعلها تطلع من المشرق، ثم تذهب إلى المغرب بهذا الانتظام، لرأى أمراً عجاباً، فهذه الشمس ينظر إليها المؤمن فيزداد إيماناً وقوةً ويقيناً وثقة بالله عز وجل، وينظر إليها الكافر فلا تحدث عنده شيئاً مع أنها هي هي، وما الفرق إلا لأن هذا لديه أجهزة استقبال صحيحة (عقل وقلب وحواس) وأما الكافر فقد عطَّل هذه الأشياء، مع أنه قد يكون خبيراً أكثر من المسلم بهذه الأمور، فقد تجد الكافر عالماً فلكياً عنده أرقام وإحصائيات، وكم حجم الشمس، وكم جرمها، وكم بعدها عن الأرض، وما هي طبيعة حركتها، وما علاقتها بالأرض، وعلاقتها بالقمر، وعلاقتها بالأجرام الفضائية الأخرى، وفي وقت الصيف، وفي وقت الشتاء... إلى غير ذلك، فقد تجده عالماً بالأفلاك ومع ذلك لم يستفد، أو تجده عالماً بالإنسان فهو يتكلم عن جسم الإنسان، وعن أعضاء الإنسان، وعن الأجهزة الموجودة فيه، وعن قوتها وعملها، وما فيها من الآيات والعبر، ولكنه يتكلم عنها كما لو كان يتكلم عن مسألة رياضية لا تحرك في قلبه ذرة من الإيمان، ولا من المحبة لله عز وجل، ولا من الخوف منه، لماذا؟! لأن أجهزة الاستقبال عنده معطلة، فالحواس التي أعطيها السمع والبصر وبقية الجوارح لم يستثمرها، وكذلك القلب لم يستثمره، فهو يشتغل بعقله لا بقلبه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    فلا بد للإنسان من أمرين: الأول: أن يكون له قلب، فالذي ليس له قلب لا ينتفع من سمعه ولا من بصره ولا مما يرى، فيرى العجائب والغرائب فيما خلق الله، وفي المصائب التي تنـزل في الناس، وفي والحوادث وفي غيرها ولا يلتفت إليها، ويسمع بأذنه من العبر، والدروس، والأخبار، والوعد، والوعيد، والقرآن أشياء كثيرة، فلا ينتفع من هذا ولا من ذاك، لأنه ليس له قلب.

    الأمر الثاني الذي لا بد منه للإنسان هو: هذه الجوارح التي هي منافذ ومعابر إلى القلب، فالله تعالى قد امتن على الإنسان بالسمع وبالبصر وبغير ذلك من القوى التي يتمتع بها، كما قال: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] وكما قال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ [الإسراء:36] أي: القلب: كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] فلابد من هذا وذاك، ومن لم ينتفع بقلبه لم ينفعه سمعه ولا بصره، ولهذا قال الكفار يوم القيامة اعترافاً: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10-11].

    1.   

    أهمية الصبر للداعية ووسائله

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:40].

    قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق:39] وهذا فيه تصبير، وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من أذى قريش وتكذيبهم، وتعزية للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه بيان أن الداعية لا بد أن يواجه من أسرى أنفسهم، وشهواتهم، وحدود زمانهم ومكانهم العناد والتكذيب، فلا بد له من الصبر، ومن لم يصبر لا يدعو أبداً، لأنه سيجد ما يثبطه ويقعد عزيمته.

    فالناس يقولون له: يا فلان! لماذا أنت تخالف واقعك الذي تعيش فيه؟ ولماذا تتمرد على زمانك؟ ويظلون يحاربونه حتى يقعد إذا لم يصبر، ولهذا أوصى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر في آيات كثيرة، منها قوله تعالى هنا: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:39] وهناك آيات أخرى كثيرة أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً [المزمل:10] وقال أيضاً: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:7] وقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الكهف:28] وقال: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:127] وقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60] وقال في مواضع: وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65] وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] الداعية الذي لا صبر له لا يمكن أن يستمر على دعوته، لأن من طبيعة الدعوة أن تواجه الناس بما لم يألفوا، ولم يعرفوا، فستجد من يقول: لست بملزم، دع هذه الأمور التي تشغل نفسك بها، وستجد من يخطئك على هذا الشيء الذي تقول، وستجد من يعارضك، وستجد من يؤذيك، بل ستجد حتى ممن يحبك من يشفق عليك فيقول لك: لا تعرض نفسك للأذى، والزوجة تقول: لمن تركتنا؟! والولد يقول: لا تدعنا؟! والأم تعرب عن خوفها وقلقها عليك! والقريب... وهكذا! فستجد من القريب والبعيد من يحاول أن يثنيك عن طريقك، فإن لم يتذرع الإنسان بالصبر فلا يمكن أن يدعو إلى الله تعالى حقاً، والصبر نفسه يحتاج إلى صبر؛ لأن الواحد قد يصبر أو تصبر يوماً، أو يومين، أو شهر أو شهرين، لكن إذا كثر الطَّرْق عليه تراجع وأثّر هذا فيه ضعفاً وقعوداً، وتركاً للدعوة إلى الله تعالى، أو طلب علم، أو التعليم، أو الجهاد في سبيل الله.

    الاستعانة بالله أقوى وسائل الصبر

    ولا شيء يقوي صبر الإنسان مثل أن يستمد العبد العون من ربه جل وعلا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا قال هنا: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق:39] فليس صبرك أنت لأنك مجبول على القوة، ولا لأنك إنسان حديدي -كما يقولون- ولا لغير ذلك، بل الصبر منحه من الرب جل وعلا، فإذا استعان الإنسان بربه، وأكثر من ذكره، أعانه الله تعالى ورزقه الصبر، ولهذا قال بعدما أمر بالصبر: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:39-40] وقبل طلوع الشمس المقصود به صلاة الفجر، وقبل الغروب: صلاة العصر، ومن الليل فسبحه: المقصود الثلث الأخير من الليل، والعشاء والمغرب فإنهما في الليل وقيام الليل هذا ذكر وتسبيح.

    ولا شك أن أعظم الذكر هو أداء الفرائض، كمافي الحديث: {وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه} وتدخل في ذلك النوافل -أيضاً- كقيام الليل، والوتر، والسنن الرواتب وغيرها، وأدبار السجود المقصود به تسبيح الله أدبار السجود أي: بعد الصلوات المفروضة.

    هناك جواب ثانٍ: هو أننا حين نقول أدبار الصلوات المكتوبات فهل بالضرورة إنه بعد الصلاة؟ لا. بل حتى في صلب الصلاة في آخرها، ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول: دبر كل صلاة مكتوبة، كما جاء في أحاديث وليس بالضرورة بعد السلام، يمكن أن يقول قبل السلام في آخر الصلاة، فهذا من أدبار السجود، وكذلك الذكر الذي يقال بعد السلام هذا من أدبار السجود، ففيه الأمر بذكر الله تعالى في آخر الصلاة أيضاً، فكل هذه وغيرها مواضع يذكر العبد فيها ربه، ويسبحه، ويستعين به على الصبر على أمر الدعوة.

    وأنت تجد الآن في هذه الآية أن الله تعالى أمر بالصبر، وأمر بالتسبيح، فها هنا تبين لك أن العبادة في الإسلام ليست أمراً منفصلاً عن طلب العلم، والدعوة، والتعليم، والجهاد في سبيل الله.

    اليوم قد تجد من المسلمين من يتعب، ويقوم الليل، ويصوم النهار، ولكن لا يغار على حرمات الله، ولا يهتم بأمر المسلمين، ولا يدعو إلى الله، بل -وأعرف حالات من هذا القبيل- قد يكون أولاده في منـزله على حال لا ترضي الله، ولا يأمرهم ولا ينهاهم، وهو من أهل قيام الليل، فانفصل عنده معنى العبادة عن (معنى الشعائر التعبدية) عن معنى الدعوة إلى الله، مع أنه بالنسبة للصحابة لم يكن هناك فاصل.

    الصحابة رضي الله عنهم ليس عندهم هذه التقسيمات فهم يعبدون الله بالدعوة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما يعبدوا الله بقراءة القرآن، والذكر؛ لكن المتأخرين آثروا الأعمال اليسيرة التي لا مشقة فيها لأنه لا أحد يمنعهم من الذكر، حتى كفار قريش أذنوا لـأبي بكر أن يعبد ربه في داره ولا يستعلن بذلك، كما هو معروف في صحيح البخاري لكن لو أن أبا بكر مشى في السوق وقال: { يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا } فلن تسمح له قريش، فبالنسبة للمسلم الحق ليس عنده انفصال بين الشعائر التعبدية التي يتقوى بها على الصبر، وبين الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، إذاً من أقوى وسائل الصبر الاستعانة بالله عز وجل.

    الاعتبار بحال الأمم من وسائل الصبر

    من الوسائل التي تصبر الإنسان الاعتبار بالأمم السابقة واللاحقة والموجودة الآن؛ ممن لا يقع تحت سمعه وبصره، أي أن ينعتق الإنسان من حدود الزمان وحدود المكان، افترض مثلاً أن من حولك يعارضونك ويؤذونك، لكنك تعرف أن المسلمين في بلاد أخرى قريبة وبعيدة ونائية وغير ذلك معك على ما أنت عليه، ألا يعتبر هذا تقوية وتسلية وتصبيراً للإنسان؟ بلى، بل حتى لو تصورت أن الناس ضدك، لو تذكرت أن ملائكة الله عز وجل يؤيدونك، وينصرونك، ويدعون لك، ويستغفرون لك، ألا يكون هذا تقوية وتصبيراً للإنسان؟ بلى، ومثله أيضاً الزمن المقبل، فلو وجد الإنسان أنه الآن يؤذى، ولكن الله تعالى سينصره بعد حين لصبر على ذلك، لكن حتى لو تصور أن الله سينصره ولو بعد موته، ويظهر حقه على باطلهم لصبر على ذلك، فهذا من وسائل الصبر التي بينها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    البعث والنشور

    ثم قال سبحانه: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:42] فهذا عودٌ إلى المعنى العظيم البارز في السورة، والموضوع الذي استغرق معظم آياتها، وهو موضوع البعث والنشور، وكأن الأمر قريب وهو كذلك، فالله تعالى يقول: (استمع) فكأن إنساناً وضع أذنيه يتسمع متى ينادي المنادي (من مكان قريب) فلا تغتر ببعد المكان، ولا بطول الزمان، فالأمر آتٍ ولهذا قال: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1] وقال سبحانه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] وقال عز وجل: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء:1] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {بعثت أنا والساعة كهاتين} وقال عليه الصلاة والسلام: {ويل للعرب من شر قد اقترب} فلماذا يهلكنا الواقع الذي نعيشه ولا نمتد إلى أبعد من ذلك، فنرى الساعة وقد قامت، ونادى المنادي من مكان قريب، ونسمع الصيحة بالحق، ونرى الناس وكأنهم يخرجون من قبورهم: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43] فيعطي هذا الإنسان صبراً وقوةً وإصراراً، ويعطيه معاني عظيمة.

    1.   

    ليس عليك هداهم

    إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:43-45] في الآية الأخيرة في قوله عز وجل: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق:45] قوله: (بجبار) معناها أي: تجبرهم على الإيمان، فعلى هذا يكون المعنى، كقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99] وكقوله تعالى في موضع آخر: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22] فمهمة الرسول تتلخص في النذارة، والتذكير فقط، والتبليغ، أما اهتداء الناس أو عدمه فهذا ليس شأنك، إنما هو شأن رب العالمين: قال تعالى: لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد:31] وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام:107] وقال: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] فها هنا قال: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق:45] وفي ذلك تسلية للداعية، لأن المؤمن ربما لشدة غيرته وفرط حماسه وإشفاقه عليهم، يصبه من ذلك هم شديد، ويحزن فيرى أن يدعوهم إلى النجاة، ويدعونه إلى النار، ومع ذلك يواجهونه بالكيد والحرب، والتكذيب وغير ذلك.

    فالله تعالى يقول: لا تحزن عليهم: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3] وقال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف:6] لا تحزن، وقال: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] ما عليك إلا مهمة إذا قمت بها فنم قرير العين، هذه المهمة هي أن تدعوهم إلى الله عز وجل.

    الفرق بين الغضب لله والغضب للنفس

    وأنت تعلم ماذا لقي الرسول عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في الصحيحين لما عرض النبي عليه الصلاة والسلام نفسه على أبناء عبد ياليل بن عبد كلال وهم في الطائف فردوه رداً قبيحاً، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مهموماً لماذا؟ هل كان يطلبهم ملكاً، أو جاهاً، أو سلطاناً، أو زوجة ينكحها؟ كلا. ليس ذلك كله، إنما كان يطلبهم هذه الكلمة قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، فردوه رداً قبيحاً، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهموم على وجهه حتى لم يستفق كأنه كان في ما يشبه الغيبوبة عما حوله إلا وهو بـقرن الثعالب وإذا هذه السحابة قد أظلته، ومع شدة ما أصابه منهم صلى الله عليه وسلم هذا ملك الجبال، ثم يسلم ملك الجبال: (مرني بما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) لو كان غيره صلى الله عليه وسلم لقال افعلها، ويكونون عبرة لغيرهم، لكن من شدة الإشفاق والحرص قال:{لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً} الفارق بين دعوة النبي عليه الصلاة السلام وأخلاقه وغيره!

    الآن أنا وأنت لو كان عندنا جار لا يصلي تصبر عليه خمس سنوات، يمكن ندعوه أو لا ندعوه، ونقول: لعل الله يهديه، ونتلطف له بالقول، ونبذل له المستطاع، لكن لو أنك لقيت هذا الجار في الشارع يوماً، فقلت له: يا فلان لا نراك في المسجد، فقال: يا أخي! ليس لك علاقة، وأنتم أشغلتموني، أشغلكم الله، وكل يوم واحد واقف عند بابي، وأنتم فيكم وفيكم، ولا تستحون، ولا تخجلون، وصار يتكلم عليك، تجد أنك تغضب لنفسك اليوم، الشيء الذي صبرك خمس سنوات عليه لا يجعلك تملك نفسك هذه الساعة لأنه قد نيل من شخصك، فتجد أنك تغضب، ثم تبدأ تستعيد أشياء ماضية، وهذا فيه وفيه، وتجمع كل ما عليه، ليس ديناً الآن، وإنما غضبت من أجل نفسك.

    قصــة ذكرها الغزالي

    يذكرون في الأمثال ما ذكره أبو حامد الغزالي ذكر قصة يقول: إن رجلاً خرج لقطع شجرة ومعه فأس، فلقيه الشيطان في الطريق، وقال له: إلى أين تذهب، قال: أذهب إلى شجرة كذا، شجرة تعبد من دون الله فأقطعها، قال: لا تستطيع، فأمسك الإنسان بالشيطان وهو لا يدرك؛ لأنه لا يدري أنه الشيطان، أمسك به حتى خنقه ثم طرحه أرضاً وقعد على صدره فقال: افعل ما شئت، فقام الرجل، ومضى في سبيله ليقطع هذه الشجرة، فعارضه الشيطان في موضع آخر، فقال: إلى أين تريد؟ قال: أريد أذهب إلى شجرة في مكان كذا وكذا تعبد من دون الله فأقطعها، قال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قال: وما هو، قال: أن تترك هذه الشجرة الآن؛ لأنك لو قطعتها الآن عبد الناس غيرها، وأنا أتكفل لك أن أضع تحت وسادتك كل يوم عشرين ديناراً، تأكل وتطعم المساكين، وأبناء السبيل، وتتصدق، وتنفق على نفسك وأولادك، ففكر الرجل فأعجبته الفكرة، وقال: حسناً، وعاد إلى بيته!

    نام الليلة الأولى فوجد تحت وسادته عشرين ديناراً، فأخذها وتصدق بها، وفي اليوم الثاني نظر تحت وسادته فوجد عشرة دنانير فأخذها، وفي اليوم الثالث وجد دينارين فأخذها، وفي اليوم الرابع لم يجد شيئاً، فأخذ فأسه ومشى في الطريق يريد أن يقطع هذه الشجرة، وغضبه هذه المرة من أجل الدينارين! فوقف له الشيطان وقال: إلى أين؟ قال: أريد هذه الشجرة أقطعها، فقال: هيهات، فأمسك به الشيطان وطرحه حتى كان بين يديه كالعصفور، فقال له الرجل: عجيب! أخبرني لماذا غلبتك أمس وغلبتني اليوم؟! قال: لأنك بالأمس خرجت غضباً لله فلم يقم لغضبك شيء، وأما اليوم فخرجت غضباً للدينارين فغلبتك.

    فأنت تجد الكثير اليوم يتحملون الأذى ممن يدعونهم إذا كان أذى دينياً، مثل التقصير في أمر الدين، أو سماع الغناء، أو ارتكاب الفواحش، ويصبرون على المدعوين زمناً وهذا أمر حسن، ولا لوم، بل ينبغي أن يصبروا عليهم ويحلموا لعل الله تعالى أن يهديهم، لكن الواحد منهم لو أوذي في شخصه لغضب لنفسه غضباً.

    وأنا أدعوكم إلى ملاحظة هذا في سلوككم، فقد رأيته عياناً في نفسي وفي غيري من الناس، ورأيت الكثيرين لا يغضبون غضباً شديداً إلا إذا نيل من أشخاصهم، أو تعرض لهم هذا المدعو بشيء يمسهم هم في ذاتهم، فإذا غضبوا لأنفسهم حشدوا بعد ذلك الأمور الدينية كلها، مع أنه غضب لنفسه، لكن تجد أنه يقول: يا أخي! هذا خبيث، وهذا لا يصلي، وقد يكون السبب أنه رآه لم يسلم عليه، أو لم يحترمه، أو ما أشبه ذلك، ففرق بين الغضب لله والغضب للنفس.

    فالمقصود أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوذي فصبر، وفي أشد المواقف التي تعرض فيها للسخرية من بني عبد ياليل حتى قال: أحدهم: أما وجد الله غيرك، يعني: ما لقي واحداً أحسن منك يـبعثه، وقال آخر: أنا أمزق ثياب الكعبة إن كنت أنت مبعوث، وقال ثالث: ما ينبغي لي أن أكلمك إن كنت نبياً، فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت تكذب على الله، فأنت أهون من أن أكلمك، فما تركوا شيئاً إلا ألصقوه به، وخرج مهموماً -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- ونيل منه ومع ذلك في هذا الموقف: (إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) فيكون جوابه عليه الصلاة والسلام: {لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا } أي: حتى لو ماتوا هم على الكفر، فربما يكون من ذراريهم من يعبد الله ويوحده، فهذا صبر الداعية، ولا غرابة أن يصبر هذا الصبر والله تعالى يقول له هنا: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ق:39] ويقول له: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ [طه:104] وفي الآية الأخرى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] ما معنى قوله تعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)؟ المعنى على مرأى منا، كما قال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] وقال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14] فقوله هنا: (نحن أعلم) هذا من أعظم أسباب التصبير فكل ما يقع فالله تعالى يعلمه، وأمضاه لحكمة.

    وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق:45] فتجبرهم وتكرههم، لا تملك ذلك فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] ففي ذلك دعوة للإنسان إلى ألا تذهب نفسه حسرات على المدعوين، بل ينبغي أن يدعوهم ويبذل وسعه ويصبر، ويعلم أن ذلك كله بعلم الله جل وعلا ورؤيته.

    ليس عليك إلا الدعوة

    قال تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق:45] أي هذه هي مهمتك، فهذا كقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21] أو قوله: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد:7] وقوله: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى:48] أو قوله: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل:35] إلى غير ذلك من الآيات، فحصر مهمة الرسول بالدعوة، قد يموت الرسول أو الداعية ولم يستجب له أحد، ولم يغير من الواقع شيئاً يذكر، والنبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي يأتي ومعه الرجل والرجلان فهذا لا يعني أنه فشل.

    إن نجاحه في قيامه بما أوكل الله تعالى إليه، فإذا قام بدعوته فسواء استجاب الناس أو ردوا، صدقوا أو كذبوا، استطاع الرسول أن يقيم له دولة ودعوة وأن يتبعه الناس، وأن يتغلب على أعدائه فهذا من فضل الله، وإن لم يستطع فهذا قضاء الله وقدره، والدنيا ليست مقياساً، ولهذا الله تعالى في هذا الموضع وقبله أيضاً يقول: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [ق:41].

    هب أنك قضيت دنياك كلها شريداً طريداً لم تقبل دعوتك فالأمر يسير، انتظر قليلاً، وتسمع المنادي ينادي من مكان قريب، وفي زمان قريب أيضاً، أو يسمعون الصيحة بالحق ويخرجون من الأجداث سراعاً، وحينئذ يتبـين الحق من الباطل، فالدنيا ليست دار قرار، وإنما هي دار ابتلاء واختبار، أما التمحيص والتمييز وظهور الحق الواضح، فهذا يوم القيامة، أما في الدنيا فقد يلتبس الأمر على الناس، وقد يغلب الحق وينتصر الباطل، وقد يكون صاحب الحق شريداً، وقد يكون أسيراً، وقد يكون سجيناً، وقد يكون مؤذى، وقد يكون وحيداً فريداً لا يتبعه أحد، وهذا لا يضره.

    إذاً لا يعرف الحق بغلبته وانتصاره وكثره أتباعه، إنما يعرف بعلاماته وأماراته، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

    1.   

    الأسئلة

    اجتماع القلب والسمع

    السؤال يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] (أو) ما معناها؟

    الجواب: حسب ما ذكرنا (أو ألقى السمع وهو شهيد) هل يكفي أحدهم دون الآخر؟ الأقرب -والله أعلم- من كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد أن (أو) بمعنى الواو لأن صاحب القلب ينفع بما يسمع إذا كان له قلب وسمع الموعظة اعتبر وازدجر.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.