إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. دروس ووقفات تربوية من السنة النبوية

دروس ووقفات تربوية من السنة النبويةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • انظر حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وتواضعه معهم ومشاركته في حل مشاكلهم، فيجب علينا تطبيق النص النبوي في واقعنا لما له من أهمية وعلينا استحضار هيبته. وقد اهتمت النصوص الشرعية بأمور كثيرة منها: المعاملات، والعبادات، والمناقب وبيان الأصول التي ينبغي الرجوع إليها، والدعاء وأهميته، والمظهر وحسنه والربط بين العقيدة والعمل والربط بين القرآن والسنة.

    1.   

    حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه

    حمداً لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعـد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أيها الإخوة.. أيها الأكارم.. أيها الفضلاء الذين مشيتم هذه الخطى إلى روضة من رياض الجنة وبيتٍ من بيوت الله، أسأل الله تعالى أن ينـزل من رحمته وبره وبركته على هذا المجلس ما يسعد به قلوبهم وينور به دروبهم، ويجعلهم به موفقين في كل أمورهم.. إنه على كل شيءٍ قدير، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وأعنا ولا تعن علينا، وانصرنا على من بغى علينا، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، إنك على كل شيءٍ قدير.

    أما بعد...

    فهذه المحاضرة المباركة -إن شاء الله- في هذا المسجد الكبير بهذه المدينة الطيب أهلها، في هذه الليلة: ليلة السبت العاشر من شهر صفر من سنة 1413هـ، وهي حول دروس ووقفات تربوية من السنة النبوية.

    من تواضعه صلى الله عليه وسلم

    لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ملكاً متجبراً، ولا ملكاً متعالياً، ولم يكن يعيش في برجٍ عاجي بعيداً عن الناس، ولكن كان يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، يعطف على مسكينهم، ويرحم فقيرهم، ويطعم جائعهم، ويعلم جاهلهم، كما وصفه بذلك أصحابه، فقالت أسماء رضي الله عنها وأرضاها لـعمر حينما قال لها: [[ نحن سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، قالت: كلا والله! كنتم قريبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، ونحن كنا في دار البعداء البغضاء، الحبشة ]].

    إذاً: هكذا كان هديه صلى الله عليه وسلم، فكان يراقب كل أمورهم، ولم يكونوا يقطعون أمراً دونه دق أو جل، دعك من كونه صلى الله عليه وسلم خطيبهم في الجمعة، ومقدمهم في الحرب، وإمامهم في الدين، ووسيطهم في الوحي، ينقل لهم خبر السماء بكرةً وعشياً.

    بل حتى أدق أمورهم كانوا يستشفعون به صلى الله عليه وسلم فيها، فربما وجد العبد الرقيق من قومه ومواليه أذى أو إثقالاً بالعمل، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليه، وربما أخذت الأَمَةُ بيده صلى الله عليه وسلم في أي سكك المدينة، فكلمته حتى ينتهي ما عندها، وربما أبت المرأة زوجها وكرهته، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشفع به إلى زوجه أن تقبله وتعيش معه، فكان صلى الله عليه وسلم معهم في كل أمورهم ومنقلباتهم.

    ولهذا لم يمت صلى الله عليه وسلم؛ حتى كان أكثر صلاته من الليل وهو قاعد بعد أن أصابه الإجهاد، لكثرة مجيء الناس إليه، وكثرة مشاكلهم وأسئلتهم، وكثرة ما يعانون ويواجهون، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم لحظةً لحظةً، وساعةً ساعةً، ويوماً يوماً في كل أمورهم، وفي كل أشيائهم، ولهذا كان منهم محل الروح من البدن، ومحل السمع والبصر، فلما دخل المدينة صلى الله عليه وسلم أشرق منها كل شيء، فلما مات صلى الله عليه وسلم ودفن، أظلم من المدينة كل شيء كما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    الرسول القدوة

    هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! مصلح المصلحين، وإمام الأئمة، وقدوة وليس غيره أحد يُقتدى به ويُتأسى، فعليه صلوات الله وسلامه، وجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ولذلك كانت حياته صلى الله عليه وسلم برنامجاً عملياً وافياً كافياً شاملاً للمسلمين، وكل مسلم إلى قيام الساعة إذا أمر أو نهى تذكر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الأمر والنهي هو من عند الصادق المصدوق، وكان قد طبق تطبيقاً عملياً في تلك الفترة النقية من حياة البشرية، فترة النبوة والخلافة الراشدة.

    التطبيق لمبادئ وأحكام الإسلام

    إذاً: ليس الإسلام أحلاماً طائرة، ولا أمثلةً خيالية، ولا دعواتٍ لا رصيد لها من الواقع، كما هي النظريات المنحرفة، حيث رفعت الشيوعية -مثلاً- شعار العدل والمساواة، فلم نجد إلا أنها ساوت الأغنياء بالفقراء، وجعلتهم جميعاً يعيشون حالةً من العوز والفقر دون مستوى الإعدام، ورفعت كثيراً من الدعوات شعار الحرية، فلم نجد في حقيقتها إلا أنها سحقت الناس، وصادرت حرياتهم، وقضت على إنسانيتهم، وجعلتهم أمثال البهائم والدواب، وزجت بهم في غياهب السجون، وشهدت الأمة العربية والإسلامية من ذلك الشيء الكثير، فالدعوات والأحزاب التي حكمت في بلاد الإسلام شرقاً وغرباً باسم البعثية والاشتراكية والقومية والناصرية والديمقراطية والحرية ماذا جنت منها الأمة الإسلامية؟

    جنت الفقر والذل والجهل والهوان والعبودية والقضاء على إنسانية الإنسان، وجنت الهزائم المتتابعة حيث أن الأمة لا تحسن شيئاً كما تحسن الهزائم على يد أولئك القادة الذين شرقوا بها وغربوا، ولكنهم لم يتجهوا بها إلى الكعبة، ولم يقولوا: ربنا الله ثم يستقيموا.

    لم تكن دعوة الإسلام دعوةً نظرية ترفع شعاراً وتطبق غيره، بل كان الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم -وهو يتكلم- يطبق في واقع الحياة، فيقِيْدُ حتى من نفسه، فإن طلب أحدٌ القصاص من شخصه الكريم نفذ عليه الصلاة والسلام. فقد كشف بطنه يوماً من الأيام لرجل من الصحابة اسمه سواد بن غزية: { وقال استقد يا سواد! -أي: خذ حقك- فأكب على النبي صلى الله عليه وسلم يقبله، ويقول: يا رسول الله! حضر ما ترى من أمر الحرب فأحببت أن يكون آخر العهد بك، أن يمس جلدي جلدك }.

    وسرقت امرأة من بني مخزوم، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حِبَّه وابن حِبهِّ، فكلمه أسامة بن زيد، فغضب الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: {أتشفع في حدٍ من حدود الله، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد صلى الله عليه وسلم يدها}.

    وقد كسفت الشمس، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقام عليه الصلاة والسلام وقال: {إنهما لا تنكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإنما يخوف الله تعالى بهما عباده} إنه بشرٌ رسول، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، هابه رجل من الأعراب، فاضطرب، فقال: {هَوّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة} فهو يأكل مع أصحابه، ويشرب ويجلس وينام معهم، حتى يأتي الرجل الغريب لا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم من غيره.

    كثرة جلوسه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه

    في حديث الهجرة -وهو في صحيح البخاري- قدم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر إلى المدينة فلم يعرف الأنصار الذين لم يبايعوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا إلى أبي بكر يطيفون به، ويجعلون وجوههم إليه يظنون أنه هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكرٍ يظلله بردائه فعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويأتي الرجل الأعرابي في ملأٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيقف فيهم، ويقول: أيكم محمد؟ لأنه لا يتميز عنهم بمجلس ولا ببزة أو ثوب ولا بِسِمَةٍ ولا بعلامة، وإنما كان صلى الله عليه وسلم غاية في الحلم والتواضع والإخبات إلى الله عز وجل حتى وهو في أعظم المواقف، ينـزل عليه الوحي من السماء، وأي إنسان ينـزل عليه الوحي؟ إنه لا ينـزل إلا على المختار من عباد الله عز وجل، على الرسل الكرام، ينـزل عليه الوحي فيكون أضعف ما يكون صلى الله عليه وسلم، حتى إنه ليتفصد من جبينه العرق في اليوم الشاتي، ويسمع له غطيط مثل غطيط البكر، ويحْمَرُّ وجهه صلى الله عليه وسلم، وهو بين ذلك في خيمة، فينظر إليه بعض أصحابه ويتعجبون منه صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23] فلحظة تنـزيل الوحي هي لحظةً من لحظات تحقق العبودية، وكمال الذل لله عز وجل، وهو كمال الإنسان، ورفعة الإنسان.

    ومما زادني شرفاً وتيهاً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    لحظة التعبد لله عز وجل وتمريغ الوجه بالتراب له تعالى، وهي لحظةٍ ضعف في ظاهرها وذل، لكنها لحظة كمال للإنسان، ولهذا قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19] أي: رسول الله، فلحظة عبادته لله تعالى ودعائه إياه: هي لحظة عبودية يتجلى فيها ما وهبه الله تعالى من خصائص الجمال والجلال والكمال.

    أفضلية كتب السنة والسيرة بعد القرآن

    أفضل الكتب بعد القرآن هي الكتب التي تحكي لنا سيرته صلى الله عليه وسلم وسنته وأقواله وأفعاله، فيقرأ الإنسان -مثلاً- صحيح البخاري أو صحيح مسلم فيجد فيه أنفاس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلماته وعباراته وأقواله وأفعاله وتقريراته وأحكامه وفتاويه التي لا يمكن أن يقارن بها كلام غيره من البشر، ولهذا قال القائل:

    أهل الحديث همُ أهل النبي وإن     لم يصحبوا نَفْسه أنفاسَه صحبوا

    وقال آخر:

    دين النبي محمد آثارُ     نعم المطية للفتى أخبارُ

    لا ترغبن عن الحديث وأهله     فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ

    ولربما جهل الفتى أثر الهدى     والشمس طالعة لها أنوارُ

    فهذه الكتب من أعظم الكتب وأولاها بالعناية وأحقها بالدراسة، ونحن في جلسةٍ مباركةٍ -إن شاء الله- مع بعض هذه الكتب، وإن الوقت لا يسعف بأن ندخل إلى مضمونات هذه الكتب من الأحاديث والنصوص، فهذا أمرٌ يطول، ولكننا سوف نطرق الأبواب فقط، ونقف عند الكتب فحسب، وسنجد فيها خيراً كثيراً إن شاء الله.

    1.   

    أهمية النص النبوي

    الدرس الأول في هذه الكتب هو أهمية النص النبوي، واعتماد المسلم على هذا النص في أحكامه وعقائده وعباداته ومعاملاته وفي سائر أموره.

    تطبيق النص في واقعنا

    إن هذا النص يجب أن يكون هو الأصل الذي نبني عليه ونفرع عنه، فكل أقوال الناس وكتب البشرية جميعها لا تعد شيئاً مذكوراً بالقياس إلى هذا التراث العظيم الذي ورثناه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    إن كتاباً واحداً كـمسند الإمام أحمد يحتوي على ما يزيد على ثلاثين ألف حديث تقريباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلها نور وهدى وعلم، حتى قال أحد زعماء الغرب واسمه برناردشو: " لو كان محمد صلى الله عليه وسلم حياً لحل مشاكل عالم ريثما يشرب فنجاناً من القهوة ".

    ففي هذه الكتب تجد أحكام الصلاة والعبادات إلى جانب المعاملات، والعقائد، والأخلاق، والاقتصاد والبيع، والسياسة، والجهاد، والسير والمغازي، والفضائل… إلخ.

    وكل شيءٍ من أمور هذه الحياة تجده في هذه الكتب، وأولى بنا ثم أولى أن ننطلق من هذه الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فنجعل اقتصادنا قائماً عليها، وسياستنا منبثقة منها، ومعاملاتنا تدور حولها، وعباداتنا تنبثق عنها، ولا نتركها في صغيرٍ ولا كبير.

    استحضار هيبة النص النبوي

    ولا شك أن ذكر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استخراج الفوائد والعبر منه أولى من أن نذكر كلام الناس ثم نستدل له بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله.

    إننا يجب أن نضع لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم هيبة في النفوس، كما قال ابن عباس رضي الله عنه في صحيح مسلم: [[كنا إذا سمعنا أحداً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدرته أبصارنا]] رفعوا إليه عيونهم، واشرأبوا يريدون أن يسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم ناكسو الأذقان، مطرقو الرءوس، لا يتكلم أحدٌ منهم بشيء، لأنهم يريدون أن يسمعوا ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجهزة الاستقبال عندهم كلها في غاية القوة والانشداد والانصياع لهذه الأحاديث المأثورة عن سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

    فينبغي أن نعظم هذه الهيبة في نفوس الناس كبيرهم وصغيرهم، فنجعل الحديث أصلاً، ونجعل الفوائد والدروس والعبر والأحكام والاستنباطات كلها تفريعاً عن هذا الحديث، وليس العكس، ولهذا أقول: إن الأولى مثلاً بدارس الفقه أن يدرس الفقه على ضوء الحديث، فيقول مثلاً: باب النية، وعن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما الأعمال بالنيات...} في هذا الحديث فوائد وهي كالتالي.

    هذا أولى من أن نقول: قال فلان، وقال فلان، وذهب مالك، وذهب الشافعي، وذهب أحمد وذهب أبو حنيفة، ثم نسوق الحديث بعد ذلك، وإن كان هؤلاء الأئمة يحرصون لا شك على ألا يخرجوا عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم وتقريره قدر أنملة.

    فكلهم من رسول الله ملتمسٌ     غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

    وكثيرون اليوم يتمسكون بأقوال الرجال؛ لأنها سبقت إلى قلوبهم، فإذا جاءهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهدوا في تخريجه أو صرفه عن ظاهره، أو رده بوجهٍ من الوجوه؛ لأنه يخالف كلام فلان وكلام علان، وهذا ما شكا منه الأول حين يقول:

    عذيري من قومٍ يقولون كلما     طلبت دليلاً هكذا قال مالكٌ

    فإن عدت قالوا: هكذا قال أشهبٌ     وقد كان لا تخفى عليه المسالك

    فإن عدت قالوا: قال سحنون مثله     ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

    فإن قلت: قال الله ضجوا وأعولوا          وصاحوا وقالوا: أنت قرنٌ مماحك

    وإن قلت: قد قال الرسول فقولهم     أتت مالكاً في ترك ذاك المسالكُ

    فيجب أن نعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجعل له هيبةً في النفوس، وهكذا كان السلف، قال عمران بن الحصين رضي الله عنه، عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في مقدمة صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {الحياء من الإيمان} فقام رجلٌ يقال له بشير بن كعب العدوي وهو إمام جليلٌ من التابعين فاضلٌ نبيل، ولكنه قام وقال: يا صاحب رسول الله! إنا نسمع إن من الحياء خيراً ومنه ضعفاً -يقول: أنا سمعت في الكتب أن الحياء نوعان: حياءٌ محمود، وحياءٌ ناتج عن ضعف في الإنسان- فغضب عمران رضي الله عنه، وقال له: لا أكلمك أبداً، وتجهم في وجهه، وقالوا له: يا عمران هذا رجل من الصالحين، وهذا كذا وهذا كذا، فقال: أحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحدثني من كتبه؟!

    إذاً: احذر أن تواجه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولٍ من عندك، إن بعض العوام -مثلاً- تقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لك: (هين)، لا يا أخي! ليس بهين أنت الهين.

    إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقال له: هين، ولا يقال: دع هذا أو اترك هذا، إذا سمعت قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تشرئب وتخاف وتحذر وتفتح قلبك وأذنك لما يقال، وفي حالة ما إذا وجدت هذا الحديث يخالف حديثاً، أو علماً آخر عندك، فعليك أن تسأل بأدب، فتقول: لقد سمعت أحداً يقول: كذا وكذا، فهل ما قاله هذا الرجل صحيح أو ليس بصحيح؟ فتتلطف حتى في طريقة الاستفسار عن معنى الحديث، ولا تواجه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشعر بالرد، أو عدم القبول أو عدم التعظيم لما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    العبادات والمعاملات

    الوقفة الثانية: حول العبادات والمعاملات:

    التوقف في العبادات

    تجد أن في تلك الكتب وفي هذه المصنفات أبواباً خاصةً بالعبادات: بالصلاة، بالصوم، بالحج، بالعمرة، بالزكاة، وأبواباً أخرى خاصة بالمعاملات كالتجارة والنكاح، والطلاق، والصلح، والإجارة، وغير ذلك، وأنت تلاحظ فرقاً كبيراً بين هذين النوعين، فأنت تجد في مجال العبادات التفصيل.

    خذ مثلاً: كتاب الصلاة تجد أن الأحاديث فصلت لك كيف تتوضأ، وتغتسل من الجنابة، وتقف للصلاة، وكيف تُكَـبِّر، وكيف تركع، وما هي صفة الركوع، وماذا تقول، وكيف ترفع، ومتى ترفع يديك، وإلى أين ترفعهما، ومتى تضعهما، وماذا تقول، فستجد أنك مع الأحاديث منذ دخولك في الصلاة إلى أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله، بل وبعد ذلك: كيف تذكر الله، وماذا تقول من الأدعية، ومن الأذكار.. إلى غير ذلك.

    فتجد تفصيلاً دقيقاً جداً في مجال العبادات: في الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والعمرة، وذلك لأن هذه الأمور أمور تعبدية محضة مبناها على التوقيف، فلم نكن نعرف الصلاة والزكاة ولا الصوم والحج لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] فهذه الأمور مبناها على التوقيف، وعلى النص وعلى النقل، فلا يحق لأحدٍ أن يبتكر عبادة لم يأت بها الرسول صلى الله عليه وسلم أو أن يتصرف في غير ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الأصل في المعاملات الحل

    أما فيما يتعلق بالمعاملات فليس الأمر فيها كذلك، فالمعاملات الأصل فيها الجواز، ولا يشترط لمعاملة أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أذن فيها، بل الأصل الإباحة.

    وعلى سبيل المثال بيع المعاطاة والاستصناع، فكونك تأتي إلى البقال، فتضع له الدراهم ثم تأخذ مقابلها، دون أن يكون هناك إيجابٌ ولا قبول أو كلام أو أي شيء، هذا الأمر الأصل فيه الإباحة؛ لأنه لونٌ من ألوان البيوع التي أحلها الله تعالى، ولو لم يرد في هذا البيع بذاته نصٌ، فالأصل في المعاملات الجواز، إلا ما ورد النص على تحريمه، ولذلك تجد أن الأحاديث الواردة في أمر المعاملات: هي أشبه ما تكون بالقواعد العامة التي يستفيد منها الناس، وهذا من تيسير الله تعالى على عباده، فإن ربك تعالى حكيمٌ عليم، علم أن الزمان سوف يتغير، وسوف يستحدث الناس ألواناً كثيرة من البيوع والمعاملات والاتفاقات، وألوان التصنيع وغير ذلك مما لم يأتِ به نص، فجعل ثمة قواعد كلية عامة تقول للمسلم: هذه الأمور حلال، لأن الأصل فيها أنها حلال إلا ما استثني من ذلك أو دل الدليل على منعه، وتجد أن أمور المعاملات غالب الأحاديث الواردة فيها تتكلم عن أنواع المكاسب، وعما ورد النص على تحريمه، مثل: بيع الرجل على بيع أخيه، أو بيع المعدوم، أو بيع المجهول، أو الربا، أو ما أشبه ذلك مما ورد النص على تحريمه.

    التيسير

    كما أنك تلاحظ أيضاً في موضوع العبادات أمر التيسير، من الله تعالى على عباده، ويبرز هذا الأمر التيسير في تنوع العبادات، فالأذكار مختلفة ومتنوعة، بإمكانك -مثلاً- وأنت تقرأ دعاء الاستفتاح أن تقول:{سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك...} أو تقول: {وجهت وجهي للذي فطر السموات...} أو تقول: {اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب} إلى غير ذلك، ومثل أدعية الركوع والسجود والقعود والتشهد وأدعية ما بعد السلام، ومثل صفة صلاة الكسوف، ومثل: صفة صلاة الخوف، وألوانٌ أخرى كثيرة من العبادات تجد فيها تنوعاً كبيراً، وسع الله تعالى فيها على عباده.

    وأيضاً من التيسير الرخصة للناس في أشياء كثيرة: الرخصة في كذا، وفي كذا، وهذا موجودٌ في هذه الكتب من باب توسعة الله تبارك وتعالى على عباده في أمور عباداتهم، وفي أمور معاملاتهم.

    1.   

    المناقب

    الوقفة الثالثة:

    ذكر الخبر تفصيلاً

    في هذه الكتب الكثيرة العظيمة بابٌ خاصٌ يسمى: "باب المناقب" يذكرون فيه مناقب البلدان، والقبائل، والأمم والطوائف، ومناقب الأشخاص: الرجال، والنساء أي: يذكرون فضائلهم وممادحهم ومحاسنهم التي أثنى بها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فـالبخاري -مثلاً- بوب "كتاب المناقب"، ومثله أيضاً الترمذي، أما مسلم فقد جعلها باسم الفضائل، وأبو داود ذكر هذه الأشياء ضمن كتاب السنة في سننه، وابن ماجة ذكرها ضمن المقدمة، والنسائي ذكرها في سننه الكبرى، وأطال فيها كثيراً.

    وكتاب المناقب يذكرون فيه فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وفضائل الصحابة رضي الله عنهم: الخلفاء الأربعة، وسائر العشرة المبشرين بالجنة، وفضائل المهاجرين، وفضائل الأنصار، وفضائل أمهات المؤمنين، وفضائل … إلخ.

    ويبدءون بعد ذلك بفضائل الصحابة فرداً فرداً، ويذكرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه.

    ذكر الشر إجمالاً

    وهذا أمرٌ عجيب، فأولاً: هذه الكتب فيها المناقب والفضائل، ولكن لا تجد فيها المثالب والمعايب، فإن العلماء لم يتجهوا إلى جمع مثالب الناس، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم في حق بعض الأشخاص، وقد جاءه رجل، فقال: {ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، فلما دخل هش الرسول صلى الله عليه وسلم في وجهه وبش، فلما خرج قالت عائشة: يا رسول الله! قلت فيه ما قلت، ثم استقبلته فقال: يا عائشة! إن من شر الناس منـزلةً عند الله تعالى من تركه الناس اتقاء فحشه} فهذا ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم وذم غيره، ولكن العلماء لم ينشطوا إلى جمع هذه العيوب والمآخذ والمذام التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم في حق بعض الناس، وذلك لأن المسلم كريم فاضل نبيل طيب النفس، فهو ينظر إلى المحاسن أكثر مما ينظر إلى المساوئ، وينظر إلى الجوانب الإيجابية أكثر مما ينظر إلى الجوانب السلبية، فليس همه أن ينظر إلى الناس، ويبحث عن عوراتهم وسوءاتهم وزلاتهم، ثم يجمعها ويحشدها في حيزٍ واحد من أجل أن يحطم بها فلاناً، أو ينتقص بها من علان، إنما همّ المسلم ذكر الخير والثناء به على من هو أهله، وأما الشر فإنه يذكره إجمالاً، ولا يفصل فيه، ولا يجمعه في حيزٍ واحد.

    فهو يذكر الخير تفصيلاً، وأما الشر فيذكره إجمالاً.

    لماذا أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على هؤلاء الناس الذين أثنى عليهم؟

    أولاً: لأن هذا الثناء هو أحد وسائل التعبير عن الرضا عن عملٍ قاموا به، أو قولٍ قالوه، أو اجتهاد اجتهدوه، وهو بالتالي حثهم على المواصلة على الخير، فإن الإنسان دائماً وأبداً بحاجةٍ إلى الحث والترغيب.

    أهمية الثناء على من يعمل الخير

    هب أن إنساناً يعمل في إدارة حكومية، ويبذل وسعه وجهده، ثم يجد أن المدير لا يلتفت إليه، بل يوبخه دائماً وأبداً، ولا يهتم بما بذل، ويساويه بغيره، فستجده بعد فترة وقد فَتَر، وقال: أنا مثل غيري ولا داعي للاجتهاد، لكن لو أن هذا المدير كان ذكياً حكيماً، فقام وكتب خطاب شكر إلى هذا الموظف على الجهد الذي يقوم به، وقال فيه إننا نلاحظك؛ لوجدت أن هذا الخطاب -وهو لا يعدو أن يكون ورقة وبضعة أسطر وكلمات لا تكلف شيئاً- يكون له وقعٌ كبير على نفسية هذا الموظف.

    فالإنسان ليست حاجته -أحياناً- إلى أن تعطيه مالاً أو جائزة، وإنما مجرد التعبير عن الارتياح والشكر والثناء على عملٍ قام به يدعوه إلى مزيدٍ من البذل والمشاركة.

    ثانياً: أن هذا من العدل، فكما أن من المطلوب أن يقال للمسيء: أسأت، فالمطلوب -أيضاً- أن يقال للمحسن: أحسنت، وأن يثنى عليه، حتى يقلده غيره في عمل الخير.

    وثالثاً: أن هذا كان نتيجة الاطمئنان على أن المدح لا يغير من أحوالهم شيئاً -أي لا يضرهم- فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: {خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع} كان يعلم صلى الله عليه وسلم أن هذا المديح وهذا الثناء لا يضر أبا قتادة أو سلمة بن الأكوع، ولا يجعلهم يغترون بأنفسهم، أو يعجبون بهذا العمل الذي قاموا به، بل سوف يزيدهم إقبالاً على العمل الصالح، وحرصاً على الخير، وعلى البذل في سبيل الله عز وجل.

    ولهذا متى ما رأيت أن المدح والثناء والشكر يضر هذا الإنسان فتجنبه، ولذلك بوب البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام: (ما يكره من ثناء السلطان) وذلك أن الثناء على السلاطين عادةً ما يكثر، ويكون الناس حريصين عليه رغبةً أو رهبة، فيكون هذا سبباً في أن السلطان يستوحش من الناصحين، لأنه تعود ألا يسمع إلا الثناء والمدح بالحق والباطل والمبالغات، فإذا جاء إنسان يقتصد في المديح لم يعجبه، لأنه لم يقل الكلام الذي تعود أن يسمعه، وإذا جاء إنسان ينصح لم يعجبه أيضاً؛ حيث أن الناس كلهم يمدحونه وأنت وحدك الذي لم تمدحه، وإنما اتجهت إلى النقد والنصيحة، ولهذا يستوحش، من الناصحين: وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79] فلا يـَمْدَح عندما لما يكون المدح سبباً في ترك النصيحة، والإعراض عنها وكره أصحابها.

    ويكون المديح أيضاً حتى يُعرف لأهل القدر قدرهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يقول عن أبي بكر وعمر وقد أقبلا: {هذان السمع والبصر} ويشير لأصحابه أن هؤلاء من أخص أصحابي، فاعرفوا لهما قدرهما، لا تؤذوهما ولا تتعرضوا لهما، وقدموهما حينما يكونا موجودين، ولذلك لما تكلم بعض الصحابة، وحصل بينهم وبين أبي بكرٍ كلام غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: {هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ } يعني أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، وأثنى عليه الثناء الذي جعل الصحابة يعرفون أنه هو الأحق بالخلافة من بعده، وقد أمهم رضي الله عنه بالصلاة حينما مرض النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فالمدح حتى يعرف الناس لهم قدرهم ومكانتهم، فلم يكن المدح مجاملة كما يفعله البعض، كلا! وحاشى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجامل أحداً، وهو الذي كان يواجه الناس بالنصيحة، نعم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يواجه أحداً بما يكره في وجهه وفي ذاته، ولكنه كان يقول الحق، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي -وذكر قبيلة من قريش أو حياً من قريش- إنما ولييّ الله وصالح المؤمنين}.

    ومن العجيب أن العلماء والمحدثين، بل والرواة لم يذكروا اسم هؤلاء (آل بني فلان) بل ذكروه على سبيل الإبهام والإجمال، وذلك لأنه في مقام الذم، وهذا دليل على كرم المسلم، وكرم العالم والمحدث، وبعده عن التعرض للناس والوقوع في أعراضهم والولوغ فيها، ولأن هذا لا يليق بالإنسان الفاضل الكريم، فنقلوا الحديث، وتركوا مكان فلان بياضاً، لا يدرى من هو، أو قالوا آل بني فلان، ولذلك اختلف العلماء في المقصود بهذا الحديث.

    ومثله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: {خير دور الأنصار بنو فلان، فجاء بعضهم، وقالوا: يا رسول الله! ذكرتنا آخراً! قال: بحسبكم أن تكونوا من الأخيار} أي: يكفيكم أن تكونوا من المعدودين، ولو كنتم في آخر المعدودين من الفضل.

    1.   

    عناية كتب السنة ببيان الأصول

    الوقفة الرابعة: أن هذه الكتب وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت تعنى ببيان الأصول التي ينبغي على الإنسان الرجوع إليها.

    وأنت تجد الكثير من الناس اليوم يهتمون ببعض المسائل الجزئية، ويغفلون عن الأصول التي يمكن إرجاع هذه المسائل إليها.

    حرمة المسلم

    فمثلاً: بوب النسائي -رحمه الله- باب تحريم الدم، وذكر فيه الأحاديث الواردة في حرمة دم المسلم، وهي كثيرة منها:

    حديث أبي هريرة وابن عمر في الصحيحين وابن مسعود أيضاً: {لا يحل دم مسلم} إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبين حرمة دم المسلم وأن الإنسان لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً، وأن قتل المسلم من أكبر الكبائر عند الله عز وجل، فهذا أصلٌ أصيل وركنٌ ركين، وقاعدة عظيمة، ومشرعٌ كبير، لكن تجد البعض قد يغفلون عن هذا الأصل، ثم يعتدون على المسلم في نفسه وعرضه، بل وفي ذاته بالقتل -أحياناً- دون أن ينتبهوا إلى ذلك الأصل لمجرد أنه خالفهم في اجتهاد من الاجتهادات الفقهية، وهذا موجود مع الأسف في بعض مجتمعات المسلمين في أكثر من بلدن حيث يختلفون في مسألة فقهيةٍ أو حتى مسألة اعتقادية، فتجد أن السلاح سرعان ما يتحرك بينهم، صحيح أنه محدود، ولكنه موجود أيضاً، وينسون هذا الأصل الأصيل والركن الركين الذي هو باب تحريم الدم.

    حق الوالدين

    ومسألة حق الوالدين وطاعة الوالدين، وما ورد من بيان فضلهما ومكانتهما، ووجوب برهما، هذا أيضاً من الأمور الكبار التي تكلم عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال صلى الله عليه وسلم، في أفضل الأعمال: الإيمان بالله ثم ذكر بر الوالدين ثم ذكر الجهاد في سبيل الله.. فتجد أن الكثيرين قد يتعللون في معصية الوالدين بكافة الأسباب.

    فمرة يذهب أحدهم إلى الجهاد بدون إذن الوالدين، ويقول: الجهاد فرض عين، وينسى ذلك الأصل الكبير العظيم الذي جاء كل الرسل والأنبياء بالأمر به.

    ومرة تجد أنه يعصي والديه في أمر، ويقول: أنا ذاهب لطلب العلم، ومرة يقول: أنا ذاهب للدعوة، نعم نحن نقول: ينبغي للإنسان أن يقوم بالدعوة إلى الله، وأن يقوم بطلب العلم، وأن يجاهد في سبيل الله، لكن ينبغي -أيضاً- أن يعرف للوالدين حقهما، حتى لو ذهب إلى هذه الأعمال الخيرية، يذهب بعدما يرضي والديه ويقر عيونهما ويطيب نفوسهما، أما أن يقول شابٌ في مقتبل العمر: لا سمع لك ولا طاعة، أنا سوف أذهب إن رضيت وإن سخطت، فهذا المسلك ليس حميداً ولا سليماً.

    حسن الأدب في القول والعمل

    وكذلك أيضاً حسن الأدب في القول والعمل، ولذلك تجد الأئمة وضعوا للأدب أبواباً خاصة باسم: (أبواب الأدب) وذكروا فيه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ينبغي وما لا ينبغي من الأقوال، وما ينبغي وما لا ينبغي من الأعمال، وذكروا في ذلك أشياء عجيبة ودقيقة جداً، ومع ذلك تجد كثيراً من الناس يغلظ في القول، فإذا قلت له في ذلك قال: هذا يستحق أن يغلظ له؛ لأنه فعل كذا وكذا، فنقول له: لماذا تأولت هذا الموقف الخاص، ونسيت ذلك الأصل العظيم الذي هو وجوب الإحسان في القول للناس، قال تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] وقال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53] فضلاً عن النصوص النبوية الكثيرة التي تأمر باللطف في القول وحسن العمل.

    الحب في الله

    مثل ذلك مسألة الحب في الله والمؤاخاة، فيها أبواب وفصول، وأحاديث عظام جليلة، تدل على فضل المحبة في الله حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: {قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتباذلين فيَّ والمتجالسين فيَّ والمتزاورين فيَّ} وقال: {أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله} إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة، ومع ذلك تجد أن البعض يغفلون عن هذا المعنى العظيم، وهذا الأصل الأصيل الذي هو أصل الولاء للمؤمنين، ويتعللون على ترك حقوق الأخوة وترك المودة والزيارة، والهشاشة والبشاشة بأوهى العلل.

    فمثلاً: اختلاف المناهج الدعوية أو اختلاف الشيوخ الذين يتلقى عنهم، فلانٌ عن فلان، أو اختلاف القبائل أو البلدان، أو اختلاف الاجتهادات، كثيراً ما تكون سبباً في نوعٍ من المهاجرة والمباعدة، وتكبر في القلوب، وتمتلئ الصدور والنفوس؛ حتى يلقى المسلم بل يلقى الداعية أخاه فَيَزْوَرًُّ عنه ويعرض، وإن صافحه صافحه في غير بشاشة، وإن ابتسم في وجهه فهي ابتسامة لا تنم عن رضا، ولكنها ابتسامة متكلفة.

    أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد علمنا غير ذلك، علمنا أن: { المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه}.

    1.   

    الأدعية

    الوقفة الخامسة:

    قد صنف العلماء في الأدعية كتباً خاصة، كما أفردوا لها أبواباً وكتباً ضمن مصنفات السنة النبوية، فـالبخاري -مثلاً- جعل كتاباً خاصاً اسمه "كتاب الدعوات" ومسلم "باب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، والنسائي "كتاب الاستعاذة" وجعل فيه ما يزيد على خمسٍ وستين باباً: باب الاستعاذة من قلبٍ لا يخشع.. باب الاستعاذة من شر السمع والبصر.. باب الاستعاذة من الجبن.. من البخل.. من الهم.. من الحزن.. من المأثم.. من المغرم.. من العجز والذلة والقلة.. من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق.. إلى غير ذلك.

    هذه الهتافات الحارة الموروثة عن سيد المتعبدين صلى الله عليه وسلم، كان يستعيذ بالله تعالى من شر ذلك كله، وهي تعبر عن أهمية الدعاء في حياة المسلم، وأنه ينبغي للإنسان أن يجعل الدعاء زاده ورفيقه وألا يقلل من شأنه:

    أتهزأ بالدعاء وتزدريه     ولا تدري بما صنع الدعاءُ

    سهام الليل لا تخطي ولكن     لها أجلٌ وللأجل انقضاءُ<

    النصر بالدعاء

    ما يدريك أن تكون المكاسب التي حققها المسلمون في أفغانستان -مثلاً- أو الجزائر أو فلسطين أو في غيرها أو حتى ما نسمعه من بوادر تقدم للمسلمين في بلاد البوسنة والهرسك في يوغسلافيا، أن تكون هذه المكاسب هي بعض دعوات المخلصين الغيورين! بل أعظم من ذلك ما يدريك أن تكون هذه الصحوة التي عمت الآفاق وملأت البيوت والمساجد والمدارس والجامعات، وحيرت المختصين في الشرق والغرب، وأقلقت بال الساسة في بلاد أوروبا وأمريكا وأعجزتهم، وأفرحت قلوب المؤمنين، فهي تزيد الكافرين أسىً وغيظاً إذا نظروا، وترضي المؤمنين.. ما يدريك أن تكون هذه الصحوة المباركة أثراً من آثار دعوات الغيورين التي يرفعونها بالأسحار إلى الملك الجبار، فتفتح لها أبواب السماء، ولذلك ينبغي للإنسان أن يكثر من الدعاء ولا يزدريه.

    الدعاء منهج حياة

    الأمر الثاني: أن هذا الدعاء ينبغي أن يكون منهج حياة، إذ ليس جديراً بالإنسان أن يدعو الله تعالى وهو مقيمٌ على معصيته، مخالفٌ أمره، فإن هذا يوجد في قلبك وحشة من الله تعالى وبعداً، فلا تجد إقبالاً على الدعاء، ولا تجد في قلبك إخباتاً إلى الله تعالى، تبحث عن قلبك فلا تجده عند الحاجة إليه؛ لأنك ملأت قلبك بالذنوب والمعاصي، فاسود قلبك وصارت فيه وحشة من الله تبارك وتعالى، فإذا أردته ببكاءٍ أو دعاءٍ أو خشوع بحثت عنه فلم تجده، ولهذا ينبغي أن تدرك أن الدعاء يستوجب فعل الأسباب، ولهذا جاء ربيعة بن مالك الأسلمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم: {فقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون معك في الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعنيِّ على ذلك بكثرة السجود} ولما دعا المؤمنون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] بين الله تعالى في موضعٍ آخر أن الإمامة في الدين تتطلب فعل الأسباب، ومن الأسباب: الصبر واليقين، قال تعالى:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال سفيان: [[بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين]].

    إذاً: حين تدعو، وحين تستعيذ بالله من الجبن لا ينبغي أن تستعيذ بالله من الجبن وأنت تمارس كل ألوان الجبن، والخوف؛ كالخوف من المخلوقين، ومن الناس والسلاطين، والخوف من رجال الأمن والقوى العظمى، والخوف من اليهود، بل ينبغي أن تقول: أعوذ بالله من الجبن، وتربي نفسك على الشجاعة في الوقوف أمام الناس، وفي قول كلمة الحق، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشجاعة بالبحث عن العلم والسؤال عنه، فإنه لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر، والشجاعة في كل موقف، وألا تخاف إلا الله عز وجل، فإن أرزاق العباد وآجالهم وأموالهم وأنفاسهم بيد الله تعالى، لا يقدمون ولا يؤخرون، قالوا:

    قالوا تحفّظ فإن الناس قد كثرت     أقوالهم وأقاويل الورى محنُ

    فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا     أدين بالدجل إذ في دجلهم فتنُ

    وإنني مولع بالحق لست إلى     سواه أنحو ولا في نصره أهنُ

    دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً     من مات من غيظهم منهم له كفنُ

    فإن كلمة الحق لا تباعد من رزق، ولا تقرب من أجل، فينبغي للإنسان أن يربي نفسه وغيره على الشجاعة في الحق، والقوة فيه، وألا يخاف إلا الله: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ [الأحزاب:39].

    1.   

    المظهر والمخبر

    المظهر هو الزينة: اللباس.. الشعر.. النتعل.. الترجل.. التطيب.. فهذه كلها أشياء شكلية أو مظهرية، وقد اهتم العلماء بها تبعاً لعناية الإسلام وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام لها، فمثلاً: النسائي سمى باباً في كتابه "باب الزينة" والبخاري "باب اللباس" أما أبو داود فقد جعلها على ثلاثة أبواب، "باب اللباس"، "باب الترجل"، "باب الخاتم"، أما مالك في موطئه فجعل باباً خاصاً للشعر.

    فهذه الأحاديث المتعلقة بالشعر والزينة والملابس، وبكيفية لبس النعل وخلعه، والفضل في ذلك وفي التطيب.. إلى غير ذلك من هذه الأشياء تدل على أمور:

    العناية بالمظهر

    أولها: العناية بالمظهر في حسنه ونظافته وطيب رائحته، وأن ذلك مطلوب شرعاً، وهو من سنن الفطرة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها وحث عليها، وهو سبب في ارتياح الناس إلى الإنسان، وتأليف قلوبهم عليه ومحبتهم له، وهو دليلٌُ على تهذيب القلب، فليس من سمات المسلم أن يكون بذَّ الثياب متبذلاً، منتن الرائحة، بعيداً عن الزينة! كلا. بل هو حسن الثياب، حسن الهيئة والرائحة، وقد قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا رسول الله! إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جميلٌ يحب الجمال} فأقرهم على رغبتهم في حسن الثياب واللباس، وحسن الرائحة، بل: {جاءه صلى الله عليه وسلم -كما في سنن أبي داود- رجل أشعث الرأس سيء الرائحة، وسخ الثياب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: من أي المال أعطاك الله؟ فقال: من كل المال -من الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده- إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمته عليك- فذهب الرجل، وتطيب وتزين وسرح شعره ولبس ثوباً جميلاً، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا أفضل من أن يأتي أحدكم أشعث الرأس كأنه شيطان }.

    المسلم ليس عبداً للجسد

    فهذا الأمر مما هو مطلوب، وتدل هذه التبويبات والكتب على ضرورة عناية المسلم به، بشرط: أن تكون هذه العناية عناية معتدلة.

    فالمسلم ليس عبداً للجسد، وإنما الجسد عنده خادم للقلب الذي يسير إلى الرب تبارك وتعالى، لا يجعل الجسم معبوداً بل الجسم مستخدم.

    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته     أتعبت نفسك فيما فيه خسرانُ

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

    ولو أن الإنسان عني بمظهره أشد العناية لم يكن في مثل زهو الطاوس وجماله وحسنه، ولو أنه عني بقوته أشد العناية لم يكن في مثل قوة الفيل.

    إذاً: ليس الإنسان إنساناً بمظهره، ولكنه بنفسه وقلبه وروحه وإيمانه وعبادته، وطاعته لله عز وجل، ولكن مع ذلك يعطي المسلم هذه الأشياء قدراً من العناية والاهتمام، حتى لو لم تكن هذه الأشياء فاخرة أو غالية الثمن، ولكنها حسنة، فالثوب أو النعل الجميل، أو الطيب الحسن، ليس بالضرورة غالي الثمن، ولكن يكون نظيفاً وحسناً وطيباً، فهذا فيه الكفاية.

    1.   

    العقيدة والعمل

    صلاح الظاهر يدل على صلاح الباطن والعكس

    يظن البعض أنه يكفيه أن يتكلم عن صلاح الأعمال، وربما اتصل بي أناس، فقالوا لي: نحن مقصرون في الصلاة، نتركها أحياناً ونصلي أحياناً، ولكننا بحمد الله نملك قلوباً سليمة..!

    وهذا المقياس عجيب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب} والحديث في الصحيحين، فبين أن صلاح القلب يتبعه صلاح الأعضاء والجوارح، فإذا صلح القلب صلحت العين فلا ترى إلا ما أحل الله، والأذن لا تسمع إلا ما أحل الله، واليد لا تأخذ إلا الحلال، والرجل لا تمشي إلا إلى حلال، وصلح الجسد كله، وإذا فسد القلب فسد الجسد كله.

    إذاً الظاهر والباطن ليس بينهما فاصل في الإسلام أبداً، بل الظاهر دليلٌ على الباطن، وصلاح الظاهر دليلٌ على صلاح الباطن، وصلاح الباطن يصلحه صلاح الظاهر.

    تبويبات البخاري ربط بين العقيدة والعمل

    وقد لفت نظري جداً تبويب الإمام البخاري في صحيحه حينما قال: "كتاب الإيمان" والإيمان بلا شك يتعلق بالعقيدة، فلننظر ما هي الأبواب التي أدرجها تحت هذا الكتاب -كتاب الإيمان-.

    إنها أبواب كلها تتعلق بتهذيب النفس، وترقيق الأخلاق، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور والأعمال الصالحة، وخوف الإنسان على نفسه من أن يحبط عمله، وهو لا يشعر.

    إذاً: [[ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ]] كما قال الحسن البصري رحمه الله، ويروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يصح.

    والكثيرون يخدعهم الشيطان، فيظنون أنهم حراس الدين، وأنهم الذين يحمون الملة، فيشتغلون بالناس عن أنفسهم، ويظن الواحد منهم أنه ينبغي أن يرد على فلان، ويتكلم في حق علان، ويشتم هذا، ويسب ذاك، وينتقص من هذا، وهو يظن أنه يدل على صحة الإيمان والدين والعقيدة، وربما غفل هذا الإنسان عن نفسه، أو عن الأعمال الصالحة، أو عن تحقيق الإيمان في قلبه، فلننظر كيف بوب البخاري بعد كتاب الإيمان بعض أبوابه:

    كتاب الإيمان:

    باب/ "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" هذا من الإيمان.

    باب/ "من الإيمان إطعام الطعام".

    باب/ "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

    باب/ "حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان".

    باب/ "علامة الإيمان حب الأنصار".

    باب/ "من الدين الفرار من الفتن".

    باب/ الحياء من الإيمان، إفشاء السلام من الإسلام، قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، الجهاد من الإيمان، الصوم من الإيمان، الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان.

    باب/ الدين يسر.

    باب/ حسن إسلام المرء.

    باب/ اتباع الجنائز من الإيمان، خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، أداء الخمس، النية، النصيحة.

    وهذه أبواب كلها أبواب عملية توجهك إلى القول الحسن، والفعل الحسن، والنية الحسنة، وتبين لك ما يكون به الإيمان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل الإيمان دعوى في القلب أو في اللسان أبداً، ولكن جعل الأعمال هي التي تدل على صدق الإيمان، فإذا رأينا الإنسان يعتاد المساجد ويصلي فيها، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويغار لدين الله تعالى، ويتجنب المحرمات، ويصل رحمه، ويحسن إلى الناس، ويقوم الليل، ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويحب المؤمنين ويواليهم إلى غير ذلك، عرفنا أن هذا الإنسان مؤمن، أما مجرد الدعوى فكما قيل:

    والدعاوى ما لم يقيموا عليها     بيناتٍ أصحابها أدعياء

    كتاب العلم:

    ومن هذا الباب أيضاً "كتاب العلم"، فالعلم في نظر الكثيرين مجرد حلقات يحضرها الإنسان، أو أشرطة يستمع إليها، أو كتب يقرؤها أو يحفظها ويستظهرها، ثم يتزين بها في المجالس، ويمارس بها نوعاً من إظهار القوة على الآخرين أحياناً، وذلك إذا لم يصاحب العلم نية صالحة واحتساب لوجه الله عز وجل.

    ولكن الذي يدل عليه الحديث النبوي الشريف: أن العلم ليس زينةً في المجالس، وليس مفاخرة ومباهاة، بل هو سلوك وسمة وخلق ودين قبل ذلك كله، ولذلك كان كتاب العلم في صحيح البخاري جله يتعلق بالأدب.. أدب الجلوس للتعلم.. وأدب السؤال (سؤال العالم).. أدب الاستئذان.. أدب المراجعة والتصحيح.. أدب السمر.. أدب الحياء في طلب العلم.. ووسائل الحرص على التعلم... إلى غير ذلك مما يتعلق بآداب الإنسان وهو يطلب العلم.

    كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة:

    في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخاري، تجد أبواباً تتعلق بالاعتصام بالقرآن والسنة، لكنها تأتي بالشكل التالي:

    - باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع.

    إذاً: العلم وسيلة إلى محبة الله ومعرفته وعبادته وطلب ما عنده، فلا داعي للتعمق والمبالغة والتنازع والغلو والبدع؛ لأن هذه كلها تباعد عن الله ولا تقرب إليه.

    - (باب: لا تزال طائفة من أمتي) وهؤلاء هم العلماء العاملون المتمسكون بالسنة الداعون الناس إليها، وهم الطائفة المنصورة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم.

    - باب: قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] فيشير إلى التفرق والتنازع الحاصل في هذه الأمة، وأن هذا سوف يقع، وقد يكون هذا التنازع -أحياناً- بين العلماء، أو بين طلبة العلم، أو بين الدعاة إلى الله عز وجل، وهو في كل حال مذموم، وإن كان النص أخبر بوجوده، فوجوده ليس دليلاً على مشروعيته؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها مع أن هذا الأمر محرم، فليس الإخبار بأمرٍ قدري، دليلاً على جوازه أو حله.

    - باب: وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54] المجادلة في العلم، فلا تجعل العلم ذريعة للجدل والقيل والقال، وأن تُباري به العلماء، أو تُمارِي به السفهاء، أو تصرف وجوه الناس إليك.

    - باب: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ.. إذا كنت من طلبة العلم ومن المتبعين للسنة والحريصين على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تلم الناس إذا اجتهدوا فأخطئوا أو زلت بهم قدم، أو زلت بهم كلمة، أو أخطئوا في قول أو فعل أو اجتهاد، فإن الإنسان إذا اجتهد فأخطأ، فله أجر واحد، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

    - (باب كراهية الخلاف) إذاً: الخلاف مكروه ومذموم، وينبغي للإنسان أن يحرص على تجنبه، وأن يحرص على جمع الكلمة ووحدة القلوب بقدر ما يستطيع، وهذا من أفضل وأعظم ما دعا إليه الشرع، وهو من المبادئ والأسس الكبار، والأصول العظيمة التي يغفل عنها الناس ويتفطنون إلى جزئيات تتعلق بها، وهم يتعلقون بها -أيضاً- ويتمسكون.

    ولذلك تجد العلماء في كتب الحديث كثيراً ما يبوب أحدهم: (باب هل يجوز كذا؟) إشارة إلى أنه لم يجزم في المسألة، فلم يقل: لا يجوز كذا أو يجوز، بل قال: هل يجوز؟ فطرحها على شكل سؤال دليل على أن عند الرجل تردداً، هل يجوز أو لا يجوز؟! لأن الأدلة عنده محل نظرٍ وتنازع، أو يقول: باب/ الرخصة في كذا، أو يقول: (باب ذكر كذا وكذا) دليلاً على أنه لم يتبين له فيه رأي -أحياناً- فقد ذكره دون أن يجزم فيه نظراً لتنازع الأدلة واختلاف مآخذها.

    1.   

    القرآن ومثله معه

    الأئمة يربطون القرآن بالحديث، فإذا ذكروا القرآن فسروه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تجد هذا -مثلاً- في منهج الإمام الطبري في تفسيره ، أو منهج ابن كثير في تفسيره ، فإنه يسوق الأحاديث المتعلقة بالآية سياقاً حسناً جميلاً، يربط بذلك بين القرآن والحديث، وكذلك أئمة الحديث، إذا ذكروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربطوه بالآيات القرآنية وجمعوا بينهما، ولذلك تجد أن كتب السنة كلها جعلت باباً خاصاً للتفسير -كتاب التفسير- وساقت فيه الأحاديث الواردة في تفسير كلام الله تعالى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواءً كان هذا التفسير تفسيراً قولياً أم تفسيراً عملياً، ما هو التفسير القولي؟ وما هو التفسير العملي؟

    التفسير القولي والعملي

    أما التفسير القولي فمثل قوله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] إذ قال: { ألا إن القوة الرمي}.. أما التفسير العملي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد يفسر آيات القرآن الكريم بفعله، كما قالت عائشة رضي الله عنها لمن سألها: [[ كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: كان خلقه القرآن ]] صلى الله عليه وسلم، أي: أن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم كانت تفسيراً للقرآن في مثل قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وغير ذلك من الآيات التي مدح الله تعالى فيها رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانت أفعاله مطابقة لما في القرآن.

    ومثله قوله عز وجل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً [المزمل:2] فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، فكان يقوم الليل بصورٍ وصيغ مختلفة ذكرها أهل العلم، فكانت السنة تفسيراً للقرآن.

    عدم التعارض بين القرآن والسنة

    فالقرآن والسنة مجتمعان، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام بن معد يكرب وهو صحيح: {ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه} فهما مجتمعان لا يفترقان أبداً، أما أهل البدعة فإنك تجد أنهم يضربون القرآن بالسنة، ويضربون السنة بالقرآن، فإذا قلت لهم: هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: دعنا من هذا! القرآن يقول كذا وكذا.

    ولا شك أنه لا يمكن أن نعارض السنة بالقرآن، ولا أن نعارض القرآن بالسنة، بل هما يجريان معاً على سنن الوحدة والوفاق، وما جاء من عند الله تعالى فإنه لا يختلف، فالسنة وحيٌ غير متلو، والقرآن وحيٌ متلوٌ، وليس القرآن معارضاً للسنة، ولا السنة معارضة للقرآن.

    ولذلك تجد أن العلماء -كما قلت- يبوبون أبواباً للتفسير، وأبواباً لفضائل القرآن، وأبواباً لثواب القرآن، وأبواباً لفضائل السور، ليس هذا فقط، بل حتى وهم يتكلمون في أبوابٍ أخرى يسوقون الآيات المتعلقة به، وأبرز من يصنع ذلك هو الإمام البخاري حيث يصنع ذلك كثيراً في تفسيره، بل يجعل الآيات أحياناً عنواناً للباب، وعلى سبيل المثال لا الحصر في كتاب الجهاد مثلاً:

    باب: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52].

    باب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]

    باب: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ [آل عمران:169].

    باب: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95].

    باب: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:64].

    باب: فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [محمد:4].

    وما ذكرت الآن إلا الأبواب التي فيها نص آية، أما الأبواب التي فيها ضمن الترجمة آية، ولكن الباب من عند المؤلف فإنني لم أسقه، وهذا دليلٌ على أن المسلم أو طالب العلم ينبغي ألا يضرب القرآن بالسنة ولا السنة بالقرآن، ولكن هناك من يعني بالقرآن فقط ولا يعني بالسنة، وهذا خطأ كبير؛ فإن القرآن وضع القواعد الكلية والمعاني العامة، والسنة جاءت بالتفصيلات التي لا تجعل للمبتدع أو الضال أو المنحرف مجالاً للتدخل في معاني القرآن الكريم، وكذلك: هناك من قد يقبل على السنة ويغفل عن القرآن الكريم، وهذا -أيضاً- خطأ آخر؛ فإن الإنسان ينبغي عليه أن يهتم بهذا وذاك.

    أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم هداة مهتدين، وأن يجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

    1.   

    الأسئـــلة

    استقدام الخادمات النصرانيات

    السؤال: ما حكم استقدام الخادمة النصرانية مع وجود المسلمة؟

    الجواب: جاء في أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج المشركين واليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهذا يدل على أن الأولى بالمسلم ألا يستقدم في هذه الجزيرة خاصة غير المسلم، ولا يستعمله خاصةً مع وجود المسلم الذي يمكن أن يقوم بنفس الدور، وإذا تصورنا أن النصارى يحاربون المسلمين في بلادهم، في الفلبين -مثلاً- وتايلاند وسيلان وإندونيسيا، وفي بلاد العالم كلها، وأنهم يتقوون بهذا المال الذي تعطيه أنت للخادم أو للسائق أو الخادمة على إخوانك المسلمين أدركنا أننا نعين بذلك النصارى على إخواننا المسلمين، هذا من جانب.

    ومن جانب آخر: فإنه عقد مؤتمرٌ للنصارى قبل أشهر وتكلم مسئول نصراني في الشرق الأوسط وقال: لقد اتخذنا قرارات حاسمة وضرورية لنقل النصرانية إلى منطقة الجزيرة العربية خاصة، وإلى البحث عن موطئ قدم في هذا البلد المغلق، وأن أعظم وسيلة سوف نستخدمها لذلك هم السائقون والخدم والممرضات ونحو ذلك ممن يمكن أن يتسللوا إلى البيوت وإلى العقول وإلى المسلمين، ويؤثرون على عقولهم ويقنعونهم بالديانة النصرانية عاجلاً أو آجلاً.

    ولذلك لا تستغرب أن يوجد من بين الممرضات والخدم والسائقين، والعمال الذين تستقدمهم الشركات أو المؤسسات -رسمية، كانت أو غير رسمية- أن يكون من بين هؤلاء أعداد كثيرة ممن جندتهم الكنيسة للدعوة إلى النصرانية، والتأثير على عقول المسلمين وقلوبهم، خاصة وأننا نسلمهم أطفالنا وفلذات أكبادنا.

    تقول إحدى اللجان التي تجاهد في سبيل الدعوة إلى الإسلام: أتينا إلى بلد في نيجيريا فوجدنا فيه مسجداً، فسألنا: من بناه؟! فقال لنا إمام المسجد: بناه نصرانيٌ جاء من فرنسا! فتعجبنا وقلنا: سبحان الله! نصرانيٌ يبني مسجداً! قال: نعم. وزيادةً على ذلك قد بنى مدرسة لأولادنا بجوار هذا المسجد، قال: فذهبنا إلى المدرسة فلم نجد فيها أحداً من المدرسين، ولكننا وجدنا فيها الطلاب الصغار -أولاد المسلمين وفلذات أكبادهم- قال: فسألنا هؤلاء الأطفال، وكتبنا لهم على السبورة: من ربك؟ فرفعوا أصابعهم واخترنا أحدهم، فقام وقال: ربي المسيح!

    ووجدنا أن عدداً من الخادمات في البيوت تحمل معها -أحياناً- صلباناً، بل تحمل معها أصناماً تعبدها وتقيم أعياداً وثنيةً، وأعياداً شركية، وقد يشارك بعض أهل البيت في ذلك، وتؤثر على الأطفال تأثيراً كبيراً بليغاً، ألم تعلموا بخبر تلك النصرانية التي قتلت سيدها في هذه البلاد في يوم من الأيام؟ وكانت قد ضربته هو وزوجته وأطفالهم بالساطور وقتلتهم جميعاً، وبعد التحقيق في القضية قالت: قتلتهم لأنهم يستهزئون ويسبون الصرب النصارى، فثأرت هذه الكافرة المعاندة لبني قومها من الصرب؛ لأن هؤلاء يسبونهم...!

    والمسلم الآن -مع الأسف- لا يثأر لإخوانه المسلمين المقتولين في البوسنة والهرسك مع أنهم لا يسبون أو يشتمون، وإنما يسحقون ويقتلون ويبادون، بل جاءت آخر الأخبار: أن أطفال المسلمين تصنع أجسادهم المسحوقة أعشاباً وأعلافاً للحيوانات، وجاءت أخبار أن هؤلاء الصغار يحملون على الطائرات إلى إيطاليا مركز الصليبية وإلى ألمانيا وغيرها، من أجل أن يربوا على الكنيسة النصرانية، والله المستعان..!

    الكرة مالها وما عليها

    السؤال: مباريات رياضية تقام بين بعض الفرق، ونظامها يقوم على أن يدفع كل فريق مبلغاً كاشتراك في هذه الدورة، ويشترك فيه عدد من الفرق، والكأس الذي تلعب عليه هذه الفرق يدفع للفائز فيها كما أنه هناك خمسمائة ريال تدفع كتأمين إذا انسحب الفريق، يقول: نرجو بيان وجهة النظر في مثل هذا الأمر؟

    الجواب: أولاً: هذا العمل لا يجوز، لأنه من السبق المحرم لكونهم يدفعون مالاً، ثم يأخذه من فاز منهم، اللهم لو كان هناك جائزة يدفعها طرف أجنبي للفائز كهدية أو جُعْل لكان هذا شيئاً آخر، لكن أن يدفع كل فريق منهم شيئاً، ثم يأخذه الفريق الغالب فهذا لا يجوز.

    وثانياً: ماذا صنعت وفعلت بنا الكرة؟! لقد شتت شملنا، وفرقت وحدتنا، وجعلت من أبناء القبيلة والأسرة الواحدة -بل والبيت الواحد- شيعاً وأحزاباً، فهذا يشجع هذا الفريق، وذاك يشجع فريقاً آخر، وربما تغاضبوا وربما طلق الزوج زوجته، وربما غضب الأب على أولاده، أو عق الأولاد أبيهم نظراً لاختلاف الميول والانتماءات، فأي شيءٌ هذا يكون؟! أين الولاء والبراء في الدين؟! أين الأخوة الإيمانية؟! لقد حلت هذه الكرة من بعض شبابنا محل الروح من الجسد، فأصبحت شيئاً كبيراً في واقعهم، وأصبح الواحد منهم لا يعنيه أمر انتصار الإسلام، ولا يعنيه أمر المسلمين، ولا يعنيه أمر التقدم العلمي والصناعي للأمة الإسلامية، ولا يهمه أمر طلب العلم الشرعي، إنما يعنيه أن يفوز هذا الفريق، ولو هزم فريقه لوجدت أنه يعيش حالة من اليأس والإحباط والقلق لا يعلمها إلا الله، بل الأمر أكبر من ذلك، فقد قرأت يوماً من الأيام في جريدة الجزيرة مقالاً عنوانه " ضحايا الكرة " وتحدث عن مجموعة من الناس يموتون على مدرجات الكرة فرحاً بهدفٍ جاء لفريقهم، أو حزناً من هدفٍ جاء على فريقهم.. ومن مكر الله تعالى بهؤلاء الذين خالفوا أمره أن هذا الهدف الذي فرح من أجله فلانٌ فمات، لم تنته المباراة حتى جاء هدفٌ آخر، وانتهت المباراة بالتعادل، وصار موت هذا الإنسان على غير شيء.

    هؤلاء هم ورثة وأحفاد علي بن أبي طالب البطل الشجاع، وصلاح الدين وطارق بن زياد وأمثالهم فالله المستعان؟!

    كثرة المساجد في القرية الصغيرة

    السؤال: كثرت الزوايا والمساجد، بل إن البعض يبني له مسجداً لوحده، وتفرق الناس، ففي القرية الصغيرة يمكن أن يوجد أكثر من تسعة مساجد، فما رأيكم ونصيحتكم؟ وكذلك هل بالإمكان أن يقام بإزالة هذه المساجد؟

    الجواب: أما إزالتها فأعتقد أنه قد يكون صعباً بعدما أقيمت، لما يترتب على ذلك من المفاسد والفتن، ولكن ينبغي أن ندرك من أجل ماذا تقام المساجد، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عثمان، وهو في الصحيح: {من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة} فتبني مسجداً لله تعالى، لا لمفاخرة أو لمباهاة ولا من أجل شيء آخر.

    وأيضاً: كثرة الُخطا إلى المساجد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط} فأن تمشي خطوات إلى المسجد، ويكون الجمع أكثر، والبركة والرحمة أقرب، هذا أولى من كثرة المساجد وتعددها وتفرق الناس حولها، خاصةً: إذا دخل في ذلك -أيضاً- أمر المباهاة والمفاخرة والمنافرة والمباعدة.

    فمثلاً: أنا لا أذهب إلى هذا المسجد، لأنه لبني فلان، فهذه من أعظم الأخطاء، فإن صلاة الجماعة أصلاً من أسباب وحِكَم مشروعيتها تقريب القلوب وجمع النفوس وإزالة البغضاء والعداوة بين المؤمنين، فإذا صارت المسألة أن تبني مسجداً وأبني مسجداً، فهذه كارثة! بل رأيت في قرية سكانها قليلون جداً مسجدين للعيد، وقال لي الإخوة: إن هذين المسجدين أقيما بسبب ما بين أفراد تلك القرية من التناحر والتباعد.

    التحذير من جريدة الشرق الأوسط

    السؤال: هناك منشور يحذر من جريدة الشرق الأوسط، والمنشور باسمك فهل كتبته أنت مع أنه يوزع في كل مكان؟

    الجواب: أما هذه الجريدة -حضراء الدمن الشرق الأوسط- فهي من الجرائد السيئة التي حاربناها، وما زلنا نحاربها، ولم نسالمها منذ حاربناها؛ لأنها جريدة أخذت على عاتقها تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والدعوة إلى العلمانية والنيل من المسلمين ومن الجماعات الإسلامية، واتهامها بكل نقيصة، وتشويه الأخبار المتعلقة بالمسلمين، إضافةً إلى ما فيها من إفساد الأخلاق والقيم ونشر الأخبار السيئة المرذولة.

    ولذلك دعونا -وما زلنا ندعو- إلى مقاطعتها ومحاربتها، فلا تباع، ولا تشترى، ولا تتداول، وأن يعمل كل إنسان على نشر هذه الدعوة، فإننا واثقون -بإذن الله- أن الأخيار إذا قاطعوها، فإنها سوف تضطر إلى أن تصفي نفسها، كما فعلت أختها بالأمس جريدة الصباحية.

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخراب لها أعدى من الجرب

    وأنا أدعوكم مرة أخرى إلى ذلك، وقد كلمنا سماحة الوالد الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في أمر هذه الجريدة مرات كثيرة، كان آخرها ليلة الخميس الماضي، وكان قد وعد حفظه الله تعالى أن يكتب هو فتوى في مثل هذا الأمر وتوزع على المسلمين، ولكنه قبل ذلك كتب إلى المسئولين، لعله يمكن منع هذه الجريدة، وألا تدخل إلى البلاد، فإن أمكن ذلك فبها ونعمت، وإن لم يمكن فلعله أن يكون هناك بيان من سماحته في هذا الخصوص.

    فأما المنشور فإنني لم أكتبه، ولكن بعض الشباب فيما يبدو لي فرغوه من بعض الأشرطة، ونشروه بين الناس، وأنا أقول جزاهم الله تعالى على ما فعلوا خيراً.

    فضيلة الشيخ عايض القرني

    السؤال: لقد سمعنا ما حصل لفضيلة الداعية الشيخ عائض القرني الذي يسمعه الكبير والصغير والرجال والنساء، فما هو الواجب علينا لكي يرجع الشيخ إلى ما كان عليه خطيباً وداعياً يهز أعواد المنابر؟

    الجواب: إن شاء الله سوف يعود الشيخ بإذن الله تعالى، فإن الداعية وإن توقف لفترةٍ فإنه يظل لديه من القدرة والإمكانية على أن يواصل المسير ويستمر في هذا الطريق بعون الله تعالى وبإذن الله عز وجل الشيء الكثير، فإن المؤمن لا يستمد قوته من كونه يتحدث إلى الناس أو يخطب بينهم أو يخاطبهم, وإنما يستمد هذه الطاقة من شعوره بأنه مؤتمن على رسالة يجب أن يؤديها، ومن شعوره بأن الله عز وجل قد أعطاه من العلم شيئاً ينبغي أن يقوله للناس، ومن شعوره بحاجة الأمة إلى الوعظ والتذكير، ومن شعوره -أيضاً- بأن هذا الإقبال الكبير الذي تشهده الدعوة الإسلامية في كل مكان حريٌ بالحفاوة، ومن الحفاوة به أن نقدم له ما نملك، ولو لم نملك إلا الكلمة الطيبة أو الخطبة الهادفة أو النصيحة أو الكتاب، فإن ذلك نافعٌ أيما نفع، وعلينا جميعاً أن ندعو الله تعالى بقلوبٍ صادقة أن يعيد الشيخ داعياً وخطيباً ومجاهداً في سبيل الله.

    كما إنني أقول للإخوة: ينبغي أن نكون دائماً وأبداً على اتصال بعلمائنا ومشايخنا، ليس فقط في المناسبات، بل أن يكون لنا اتصالٌ دائم بالعلماء، سواء كان هذا الاتصال مباشراً، أو من خلال الهاتف أو الرسالة، أو البرقية أو غير ذلك، ونحدثهم بشئوننا وشجوننا وما نجد وما نرى وما لا نرى، فإن الاجتهاد يخطئ ويصيب، والعالم عندما يسمع كلام الناس ويرى تأثرهم قد يطرأ عليه ما لم يكن في باله من قبل، وقد يحرص على الأمر أكثر مما كان حريصاً عليه من قبل، كما أننا ينبغي أن نحفظ لعلمائنا مكانتهم وسمعتهم وفضلهم، ونثق بأن دافعهم دائماً وأبداً هو حب الخير والرغبة في الإصلاح وبذل الجهد، ولا شك أن هذا هو الحق الذي لا نقوله مجاملةً، وإنما نقوله لما نعلمه من واقع هؤلاء الشيوخ وتاريخهم وجهادهم وبلائهم وصبرهم، ولكن هذا اجتهاد، وإذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد.

    وقد كتب فضيلة الشيخ عائض لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز وللجنة الخماسية خطاباً جيداً جميلاً، أثنى عليهم فيه، ودعا لهم وشكرهم، وقال: لست بالذي يقبل حكمكم على الناس، ويأبى حكمكم على نفسه، وإني أدعو الله إن كنتم مصيبين أن يمنحكم أجرين، وإن كنت مخطئاً أن يغفر لي إلى غير ذلك من الكلام الطيب الذي أعجب الشيخ عبد العزيز أيما إعجاب ودعا للشيخ عائض دعاءً كثيراً، وكذلك قُرئ الخطاب على المشايخ أعضاء اللجنة فسرهم ذلك.

    ولكنني أقول: ينبغي أن يكون لنا اتصال ومحادثة مع هؤلاء المشايخ العلماء، فإذا لم نتصل نحن بعلمائنا، فبمن نتصل؟! وإذا لم نتصل نحن بهم، فمن الذي يتصل بهم إذاً؟!

    وأيضاً غير العلماء: كل من تعتقد أن الاتصال به قد ينفع أو يدفع، فليس هناك أبواب مغلقة، والحمد لله، بل الأبواب مفتوحة، وإمكانية الاتصال متيسرة.

    غلاء المهور

    السؤال: أنا شاب تقدمت إلى إحدى الأسر طالباً خطبة ابنتهم فاشترطوا أن يكون المهر خمسين ألف ريال، بالإضافة إلى قيمة هدايا للمخطوبة، فقد يكلف زواجي ما يقارب مائة وعشرة آلاف ريال سعودي، وأفيدكم بمقدرتي على دفع مثل هذا المبلغ، لكن سؤالي الذي يشغل بالي يتمثل في: هل مثل هذا المبلغ يدخل في باب التبذير المنهي عنه؟! مع العلم أن المخطوبة لن ينالها من مهرها سوى قيمة الذهب واللبس، والباقي يوزع هدايا لأقاربها بصريح كلام أبيها لي، وشرعاً المهر من حق العروس، وأفيدكم أنني لم أرد على ولي أمرها حتى الآن، فهل لكم أن توجهوني: هل أقبل أم لا أقبل مثل هذه الزيجة؟

    الجواب: هذه من المصائب في الواقع، مائة وعشرة آلاف ريال من أجل الزواج! هذا فضلاً عن البيت الذي سوف يؤثثه، وتكاليف السيارة، وأجرة البيت، ومشاكل أخرى كثيرة، وأنه حتى إذا كان هذا الإنسان يستطيع فبقية الشباب لا يستطيعون، والشاب مجبولة ومفطورة ومركوزة فيه هذه الغريزة، فكيف يستطيع وهو يرى الفتن والمغريات والشهوات تواجهه في البقالة والمتجر والطائرة والسيارة وفي السوق والبر والبحر وفي التلفاز والفيديو وفي كل مكان، كيف يستطيع أن يعف نفسه؟! وهو يرى هذه المغريات تدفعه دفعاً إلى الحرام من جهة، فيبحث عن طريق الحلال، فيجد هذه العقبات الكبيرة التي تتمثل في أمور عديدة، منها عشرات آلاف الريالات مهراً، فضلاً عن التكاليف الأخرى، ألا نخاف الله؟! ألا نتقي الله عز وجل؟! إن خير النساء وأفضلهن وأعظمهن بركة أيسرهن مئونة.

    والمرأة: إذا تزوجها الإنسان بهذا المبلغ الضخم، فهذه أول بوادر الفشل، لأنه حينئذٍ يشعر بأنه تعب من أجل المرأة كثيراً، فكلما أساءت إليه، أو قصرت في حقه صار في قلبه شعور: امرأة دفعت من أجلها كل شيء، وأنفقت من أجلها هذا المال الكثير، وفي النهاية هذا كلامها لي؟! أهذا تقديرها لي؟! أهذا موقفها معي؟! فيظل قلبه يجمع ويجمع ويجمع، حتى في الأخير ربما طلقها، بل ربما طلقها بطريقة أخرى، لا يطلقها هكذا، بل يقول: لابد أن أسترد هذا المال، فيؤذيها ويضايقها ويضارها، من أجل أن يضغط على أهلها أن تطلب هي الطلاق، من أجل أن القاضي بحكمه يرد إليه المهر الذي دفعه إلى أهلها، ويكون بذلك خلعاً، لأنه كان بطلب من المرأة.

    وكثير من المشاكل والحوادث التي حصلت هي بسبب مثل هذا الأمر، فينبغي أن نعتدل في أمر المهر، وأن نحرص على القصد فيه، ولا شك أن مثل هذا المبلغ فيه قدر من التبذير خاصةً وهو طلب من الأهل، كون الرجل دفع ما دفع هذا شيء، لكن كون الأهل يطلبون مبلغاً يصل في مجموعه إلى مائة وعشرة آلاف ريال مهراً لابنتهم، هذا كيف يكون؟!

    أما بالنسبة للأخ فكونه يقبل أو يرد هذه قضية شخصية، وينبغي أن يستشير من حوله، أو حتى لو اتصل بأحد، وشرح له ظروفه وأوضاعه، فهذا موضوع آخر، لكن المهم هو القضية العامة في مثل هذا الموضوع.

    تعظيم المصاحف

    السؤال: هناك بعض الإخوة يجلسون هنا في المسجد، وأظهرهم على دواليب المصاحف جاعلين القرآن خلفهم، نرجو إذا كان في الأمر شيء التوجيه بذلك؟

    الجواب: الأولى ألا يجلسوا إذا كانت المصاحف مكشوفة وظاهرة.

    الصلاة بين السواري

    السؤال: كثيراً من الناس يجلسون بين السواري، وقد يؤدون الصلاة، فأرجو التنبيه لهذا؟

    الجواب: الصلاة بين السواري مكروهة إلا لحاجة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الصلاة والصف بين السواري، إلا أن يكون محتاجاً إلى ذلك، وعلة النهي قال بعضهم: لأنها مكان الجن، وهذا لا يصح، والواقع أنها تكون سبباً في عدم اتصال الصفوف.

    واجب الناس في تصحيح الأوضاع

    السؤال: سيفتح في مدينة القنفذة معهد صحي للبنات، فما هو واجبنا نحو ذلك، وخاصة شباب الصحوة؟

    الجواب: أي أمر يوجد في واقع الناس ينبغي أن ينظر فيه، فإذا كان هذا الأمر فيه ما لا يرضي الله عز وجل، فينبغي أن يدرك الإنسان أن واجبه حينئذٍ يتلخص في كلمتين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة وبالاتصال بالمسئولين ودعوتهم إلى تصحيح الأمور، وتصحيح الأوضاع، والدعوة إلى كذا، والتبديل إلى ما هو أفضل وأحسن وما هو خير، وكذلك الاتصال بمن يكونون عوناً على مثل هذا الأمر ودعوتهم، ولو أننا بذلنا كل ما بوسعنا وتعاونا لا شك أن هذا المجتمع سيتحسن وتصلح أحواله، ما رأيكم في مجتمع تتظافر مئات الأيدي والسواعد والأكف والقوى والإمكانيات لإصلاحه وتصحيح أوضاعه؟ لابد أن هذا المجتمع سيصلح.

    أماكن القبور التي يخاف عليها من العبث

    السؤال: يوجد قبر في منطقة سياحية على ساحل البحر وهو بارز، ويُخاف عليه من العبث، فما هو الحل لهذا القبر وحمايته؟

    الجواب: هذا يرجع فيه إلى القاضي في المنطقة القريبة من هذا القبر ليجتهد وسعه في ذلك وينظر في أمره.

    إدخال الخادمات إلى الأماكن المقدسة

    السؤال: أدخل رجل خادمة نصرانية إلى مكة عندما كان ذاهباً للعمرة، ومن ثم إلى جدة، فماذا عليه؟

    الجواب: ما دام يعلم أن هذا الأمر حصل، فإنه ليس عليه شيء، لكن عليه أن يتوب إلى الله عز وجل من مثل هذا العمل، ولا يكرره مرة أخرى، خاصة في مكة المكرمة، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28].

    الصلاة مع الإباضية

    السؤال: أنا موفد خارج المملكة، وذلك للتدريس في إحدى الدول الإسلامية، ومذهب هذه الدولة هو المذهب الإباضي، هل يجوز لي أن أصلي وأصوم معهم، علماً أنهم ينكرون رؤية الله تعالى يوم القيامة، كما أنهم يقولون: إن المسلم إذا أذنب ذنباً فهو مخلد في النار؟

    الجواب: الإباضية هي إحدى فرق الخوارج، وهي موجودة في عمان، وموجودة على قلة في الجزائر والمغرب وليبيا وبعض البلاد، وإن كانت إباضية الجزائر والمغرب، غير إباضية المشرق، وعلى أية حال، هي إحدى فرق الخوارج، فإذا علمت أن الإمام مبتدعٌ مثل هذه البدعة الغليظة، فلا أرى لك أن تصلي وراءه، خاصةً ونحن نعلم أن هناك مسلمين سنة في تلك البلاد، وأنهم يعانون من المضايقة الشيء الكثير، فينبغي للإنسان أن يبحث عن جماعة من أهل السنة ويصلي وراءهم.

    سفر المرأة

    السؤال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يصح لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة بريدٍ دون محرم، قيل: وما البريد؟ قال: ما يعادل واحداً وعشرين كيلو متراً} ما صحة هذا الحديث؟

    الجواب: هذا ليس بصحيح، وهو حديثٌ موضوع، وإنما الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم} بمطلق السفر، فكل سفر لا يجوز للمرأة أن تسافره إلا مع ذي محرم.

    صلة الرحم

    السؤال: هل من كلمة حول صلة الأرحام؛ لأنه يوجد في هذا المجلس من هجر، وما زال هاجراً لقرابته، ربما أكثر من سبع سنوات؟

    الجواب: نسأل الله السلامة من ذلك، قطيعة الرحم من الكبائر، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة قاطع } أي: قاطع الرحم لا يدخل الجنة -والعياذ بالله- مما يدل على أن فعله من كبائر الذنوب، وعلى الإنسان أن يدرك أن صلة الرحم أمرٌ سهل، لا يتطلب أكثر من الانتصار على شهوة النفس وهواها، فهذا القريب الذي قاطعته، قاطعته وأنت تقول: هو المخطئ وهو الظالم والآثم وهو كذا وكذا، لكن لو تذكرت ما عند الله تعالى يوم القيامة، ثم قلت: أتغلب على نفسي وأنتصر وأذهب إلى هذا، حتى لو آذاني وطردني واعتدى عليَّ، فإنني سوف أفعل، فذهبت إليه واعتذرت منه، وقلت: أصلح ما بيني وبينك، وليس بالضرورة أن نتحول إلى إخوة أصدقاء نتزاور بكرة وعشية، المهم أن يزول ما بيننا، ويكون بيننا روابط الأخوة العامة والصلة الدينية، ويسلم بعضنا على بعض، ونلتقي في المناسبات، فإن هذا يكفي، وإذا قلت له ذلك، فإن قبل فبها، وإن رد كان حينئذٍ هو الذي باء بإثمها.

    الأضحية بالبدنة

    السؤال: سمعنا أن أحداً أفتى: أن البدنة لا تجزي إلا إذا كان الأشخاص عددهم سبعة، وإذا كانوا أقل من ذلك، فإنها لا تجزي؟

    الجواب: الواقع أنها تجزي وإن كان العدد أقل من ذلك، فإنها تجزي عن هذا العدد فما دونه.

    صلة الرحم للعاصي

    السؤال: كيف تكون صلة الرحم إذا كانوا يعصون الله تعالى، ويتركون الصلاة في المساجد إلا قليلاً؟

    الجواب: تكون صلة الرحم بزيارتهم، وتحري الأوقات التي لا يكونون فيها على معصية، والتحبب إليهم بحسن الخلق، والكلمة الطيبة، والبسمة في وجوههم، ومن صلة الرحم دعوتهم إلى الله تعالى بالكتيب والكتاب والشريط والاتصال والرسالة، ولا تغلظ عليهم بالقول، ولا تقس عليهم، ولا تيئس منهم، بل اصبر وصابر وثق بأن الله تعالى سوف يكتب لك أجر هدايتهم بإذن الله عز وجل.

    التحذير من أجهزة البث المباشر

    السؤال: كما تعلم انتشار أجهزة البث المباشر، وما يسمى بالدش، وأنه يباع علناً بالمحلات التجارية دون رادعٍ أو منكر، فنحملكم إبلاغ ولاة الأمر عن هذا المنكر، ووضع رقابة على هذا الجهاز، ومنع بيعه، حرصاً على مصلحة المجتمع، وردعاً للدعارة والفساد الموجود في مثل هذا الجهاز؟

    الجواب: هذا الجهاز من أخطر ما ابتليت به المجتمعات الإسلامية، لأن بعض هذه الأجهزة قد يستقبل أحياناً ما يزيد على خمسين محطة من أنحاء العالم، بعضها محطات -فعلاً- تعرض الدعارة صراحة عياناً، وبعضها قد تعرض الرقص الفاسد والرقص المختلط، وبعضها تعرض الأزياء وعارضات الأزياء، وأما الغناء والرحلات المختلطة والأفلام، فحدث ولا حرج، بل بعض هذه الأفلام، وبعض هذه القنوات موجهة خصيصاً للشرق الأوسط خاصةً بعض المحطات التنصيرية، ويوجد عشرات المحطات التي تقوم عليها الكنيسة، وهي موجهة لتغيير عقائد المسلمين في المنطقة بالذات، ومحاولة تحويلهم إلى نصارى، وهذا خطر داهم يهدد بلاد المسلمين، وقد تكلمت عنه مرات في الدروس العلمية، وتكلم عنه عدد من المشايخ، وكلمنا فيه سماحة الوالد، وأصدر -جزاه الله خيراً- فيه بياناً لعله وصل إليكم أو يصل إليكم بعد حين، وقد تكلم فيه عن تحريم هذا الجهاز، وتحريم بيعه واقتنائه ووجوب العمل على إزالته، وأن الواجب علينا التعاون على ذلك، فإنه من التعاون على البر والتقوى، ومن النصيحة التي أمر الله بها ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    فينبغي أن نبذل الوسع في ذلك؛ مخاطبةً للخطباء والدعاة أن يتكلموا عن خطره، ووجوب توعية الناس منه، فإنه ينبغي أن نوعي الناس بخطره، حتى على فرض أن هذا الجهاز ظل موجوداً بينهم؛ فنبين خطره على الأشخاص وعلى النساء، وعلى المراهقين، بل خطره على أمن هذه البلاد، وعلى أخلاقياتها وسلوكياتها وسياساتها، فإن الناس سوف يطلعون من خلال هذه الأجهزة على فضائح سياسية من أنحاء العالم العربي، وسوف يطلعون على وسائل كثيرة، وسوف يطلعون على أساليب وأخبار ربما لم يكن أحد فيما مضى يرغب في أن يطلعوا عليها، فضلاً عما فيه من تدمير الأخلاق والتنصير وغير ذلك.

    بعض العادات السيئة في العرس

    السؤال: يوجد في بعض القرى عادة توجب على ولي أمر العروس دفع مبلغٍ من المال عندما تزف خارج القرية، ويسمى المكسر، وعند عدم دفعه يقوم أهل القرية بمقاطعته، فما الحكم؟

    الجواب: لا شك أن هذا ليس شرعاً، ولا أصل له في الدين، وينبغي القضاء على مثل هذه العادات، والمسئولية أولاً على الخطباء والعلماء والقضاة والدعاة أن يتكلموا عن مثل هذه الأمور، وكذلك ينبغي معالجة هذا الأمر معالجة واضحة وقوية وصريحة للقضاء عليها.

    الصلاة في مسجد فيه قبر

    السؤال: ما حكم الصلاة في مسجد فيه مقبرة قديمة؟

    الجواب: إذا كانت هذه المقبرة موجودةٌ قبل المسجد، فيجب هدم هذا المسجد، أما إذا كان المسجد بني أولاً، ثم وجد فيه القبر، فينبغي أن يزال القبر ويوضع في مكانٍ آخر، أما أن يصلى فيه مع وجود القبر فلا.

    الإيفاء بالنذر

    السؤال: أنا شابٌ نذرت على نفسي عندما أكمل الدراسة الجامعية أن أعمل وليمة للأصدقاء والأقارب، ولكن مضى عدة سنوات، ولم أنفذ هذا النذر، هل يمكنني أن أتصدق بالمال؟

    الجواب: لا. بل ينبغي أن توفي بنذرك، فتعمل وليمة وتجمع لها الأصدقاء والأقارب.

    أخبار المسلمين

    السؤال: ما هي أخبار المسلمين في أفغانستان والجزائر ومصر بصورة مختصرة وسريعة، وذلك لنطمئن على أحوال إخواننا في تلك البلاد؟

    الجواب: هناك أخبارٌ توجب عليكم أن تتابعوها، فإن أقل حق للمسلم على أخيه أن يتابع أخباره، فإن رآه على خير بكى فرحاً، وإن رآه على سوءٍ بكى ألماً، أو يدعو له بظهر الغيب دعوة صادقة، وقد ذكرت جوانب من أخبار المسلمين في هذه البلاد في درس حديث الركب، فلعلك تراجعه، فيغنيني عن إعادته هنا.

    خطر المسلسلات الخليعة

    السؤال: هناك مسلسل يعرض، وهو مسلسل فرنسي تظهر فيه المرأة بصورة سيئة؟

    الجواب: نعم هذا صحيح، والمسلسلات أصبحت اليوم كثيرة، وأصبح من المعتاد أن تظهر المرأة بثيابٍ إلى نصف الفخذ وما فوق ذلك، ومع الأسف الشديد أن الأولاد والبنات يشاهدون ذلك، ويتعلمون منه الكثير، أكثر مما يتعلمون من الخطيب أو من المدرس، وأقول: أين واجبنا؟!

    هذا الجهاز موجود في بيتك، يتحلق حوله أولادك وأهلك وبناتك وأخواتك، لماذا لا تقوم بدور التوعية في المنـزل؟!

    لماذا لا تقوم بدور إيجاد البديل في المنـزل من الكتاب والشريط، والأجهزة المفيدة النافعة، وإقامة الحلقات العلمية، والدروس داخل المنـزل، والدعوة إلى الله ورسوله وتحصينهم ضد هذا الشر والفساد؟!

    ثم: لماذا لا تقوم بواجبك، بإنكار المنكر؟! هل كتبت تقريراً عن هذا المسلسل ابتليت بمشاهدته، ورفعته إلى طلبة العلم أو العلماء، أو خاطبت وزارة الإعلام بذلك؟! لو أن عشرة أو عشرين فعلوا ذلك فأنا متأكد أن مثل هذا المسلسل سوف يوقف، وقد أُوقفت بعض المسلسلات بعدما عرضت؛ لأنه وجد اعتراض عليها من بعض المشاهدين، فلماذا نكتفي بمجرد التشكي والتلاوم ولا نقوم بدورنا؟! أو نعتقد أحياناً أن دورنا لا يمكن أن ينفع شيئاً، فمجرد رسالة أو كتابة لا تنفع شيئاً.

    يا أخي هذه تنفع الكثير، وتصور أنك تقوم بهذا الدور، وغيرك يقوم به في بلدٍ آخر، وفي مكان آخر، فالمجموع يتكون منه رأيٌ عامٌ قوي يؤثر تأثيراً كبيراً في مجرى الأحداث.

    نسأل الله تعالى أن يبارك لنا ولكم فيما نقول ونسمع، ويجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.