إسلام ويب

مصير المترفينللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يوقظ اللهُ عز وجل به الأمَمَ هو إهلاك الجيران كما أهلك الأمم السابقة لنعتبر بها، والأخذ بالشدة والبأساء والضراء، وتنوع الأحوال من قحط إلى مطر والعكس، وظهور بوادر العذاب والاستدارج. والترف: هو الإغراق في النعم والاسترسال معها حتى تصبح كل هموم الإنسان -لا زينة الثياب والتزين والتجمل- والمترفون هم أعداء الرسل وهم سبب هلاك الأمم. ومن نتائج الترف: الغفلة، وعبادة الشهوة، والصراع على المكاسب، والعقوبات التدريجية وضياع الدنيا والآخرة.

    1.   

    الطرق التي يوقظ الله بها الأمم

    دعوة لمعاونة الدعاة:

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، لقد وافقت هذه الدعوة الكريمة التي تقدم بها الإخوة في مكتب الدعوة إليَّ لزيارة هذا البلد الكريم وافقت شغلاً في وقتي، ولكنني لم أكن لأستطيع أن أعتذر وأنا أسمع ما يقوم به الإخوة من جهد مبارك في هذا البلد، وما يبذلونه من أوقاتهم وجهودهم وإمكانياتهم في مجال الدعوة إلى الله والعلم والتعليم، وتحفيظ القرآن الكريم، وجمع الشباب على الكتاب والسنة، فرأيت أن مشاركتي في هذه الزيارة، وإن كانت مشاركةً محدودة، إلا أنها لا تعدو أن تكون تعبيراً عن ضرورة التعاون على البر والتقوى، ودعم مسيرة هؤلاء الإخوة.

    وإنني أقول بهذه المناسبة: إن من واجبكم -أيها الإخوة- أن تضعوا أيديكم في أيديهم، وأن تعينوهم على ما هم بصدده، وأن تدركوا أن من علامات المجتمع الصالح أنه يبارك ويوالي كل مجهود يبذل في سبيل الله عز وجل، وهذا بحمد الله ما لمسناه وسمعناه من الإخوة في تعاون إخوانهم معهم، ومدهم لهم بما يحتاجون وشدهم لأزرهم، وليس هذا بغريب، فإن أمة الإسلام هي التي حملت مشعل الإسلام أول مرة، وهي التي تفزع، وتقوم كلما نـزلت بالإسلام نازلة، فتشمر عن سواعد الجد، وتبذل ما تستطيع.

    أما عن مصير المترفين؛ وهو موضوعنا في هذه الليلة، فإن الكلام فيه يطول، وأرجو الله عز وجل أن يوفقني لإيجازه بما ينفع ولا يخل.

    إن الدنيا دار ابتلاء وامتحان يبتلي الله عز وجل فيها الأمم، والأفراد بأنواع الابتلاءات؛ ليعلم الله عز وجل من يشكر ممن يكفر؛ ومن رحمته وحكمته جل وعلا أنه يوقظ الأمم والأفراد من غفلتهم، بشتى الوسائل والطرائق.

    إهلاك الجيران للعبرة بهم

    فمن الطرق التي يوقظ الله بها الأمم، والأسباب التي يدفع بها عنها النقم أنه عز وجل يهلك جيرانهم حتى يعتبروا بهم، كما قال عز وجل: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27] فانظر إلى هذه الأمم والدول والشعوب التي أهلكها الله عز وجل، وتبصر بسبب هلاكهم حتى تتجنب هذه الأسباب، فالسعيد من وعظ بغيره، ولذلك كان من دعاء بعض الصالحين، أنه كان يقول: اللهم لا تجعلنا عبرة لغيرنا، لأنه كما أن الله عز وجل يهلك غيرنا لنعتبر، فلا مانع أن يهلكنا الله عز وجل، ليعتبر بنا غيرنا، فإنه ليس بين الله عز وجل وبين خلقه سبب إلا التقوى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27] وهذا السبب من الأمور التي قد رفعها الله عنا حتى الآن، فإننا نعلم في هذه الأزمنة المتأخرة أن هذه البلاد لا تزال محفوظة من المصائب العامة، والنكبات الشاملة على حين أن الأمم تتخطف من حولنا وكل يوم نسمع عن نكبة.

    فلسطين:

    قبل عشرات السنين سمعنا مأساة فلسطين، وكيف أن اليهود احتلوها ودخلوها، وشردوا أهلها ومزقوهم كل ممزق، وفعلوا بهم الأفاعيل حتى أصبح الفلسطينيون في أنحاء الدنيا، لا وطن لهم، ولا مستقر لهم بل هم مشردون، إما في أنحاء الدنيا، وإما مشردون في خيام ومخيمات تجود بها عليهم المنظمات العالمية، وشأنها كما قيل:

    في خيمة من نسيج الوهم لفقها      ضمير باغٍ على الإسلام يأتمر

    أوهى وأوهن خيطاً من سياسته     لو مسها الضوء لافقدت به الستر

    تعدوا الرياح بها نشوى مقهقهة     كأنها بشقوق الرمل تنحدر

    لا شيء يقيهم من الحر والقر، والريح ويتكففون هذه المنظمات العالمية أن تمدهم بما يحتاجون إليه من الكساء أو كسرة الخبز أو غيرها.

    أفغانستان:

    وبعد ذلك سمعنا بمآسي المسلمين في بلاد أخرى، كما سمعنا بمأساة المسلمين في أفغانستان، وكيف فعل بهم الروس وعملاؤهم من أهل البلد الأصليين، وكيف أن أكثر من مليوني مهاجر خرجوا هائمين على وجوههم لا يدرون إلى أين، أكثر من مليونين في باكستان، وربما عدد كبير في إيران، ودع عنك أعداداً غفيرة من الأفغان الموجودين في أنحاء الدنيا، حيثما يممت من بلاد الله وجدت ذلك المسلم الأفغاني لا مستقر له، ولقد ألتقيت بأحد كبار قادتهم منذ زمن ليس بالقصير في مناسبة الحج، وهو من الشيوخ، فكان يقول لي: والله إننا نعلم أنه ما أصابنا الذي أصابنا إلا بسبب تقصيرنا في أمر الله، وتركنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    لبنان:

    بعد ذلك جاءت، بل قبله وبعده ومعه، جاءت قضية لبنان، وتسامع الناس كيف أن الله تعالى أحرقها بنار الحرب التي لا تبقي ولا تذر، واستمرت على مدى أكثر من عشر سنين، حرب ضارية طاحنة أتت على الأخضر واليابس، وهذا البلد الذي كان ميداناً للسياحة بالأمس، وكان الناس يذهبون إليه في الاصطياف وللعلاج ولغير ذلك، وكانت مكان طباعة الكتب والتصدير إلى غير ذلك، هذا البلد أحرقتها الحرب، فأصبحت قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، ولا تزال الحرب تفعل فعلها في هذا البلد، ومثل ذلك في كشمير وغيرها، ولعل آخر العنقود وليس بالأخير هو ما جرى لـ الـكويت.

    ومن كان يظن أن ما جرى للكويت كان يجري، لو كان بالقياس العقلي، والنظر المجرد أن يقال لك: أن أهل الكويت وهم فيما هم فيه من النعيم والرفاهية والقصور الفارهة والأموال الكثيرة والأمن والأمان والرخاء ورغد العيش؛ لو قيل لك قبل أسبوع من الحادثة أن ما جرى سوف يجري لعددته ضرباً من المحال، ومن الطريف أنه في اليوم الذي يتلو، بل في اليوم الذي حصلت فيه الأزمة صلى معي رجل من الناس، فقال لي: هل سمعت ما جرى في الكويت؟ قلت له وماذا جرى؟ قال لي: إن العراق قد اجتاح الكويت، وطرد حكومتها وأهلها واحتلها، فوالله الذي لا إله غيره إني ما تجرأت على نشر الخبر أياماً، إلا أنني قلت: أن هذا أمرٌ فيه بعد، وأخشى أن يكون الذي أخبرني لم يتثبت، فلا أحب أن أتسرع بنقل الأمر، وقد لا يكون صحيحاً، لأن الأمر كان في غاية الغرابة، قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف:27] فهذا سبب من أسباب إيقاظ الله عز وجل للأمم لعلهم يرجعون.

    الأخذ بالمحنة والشدة والبأساء والضراء

    السبب الثاني: هو أن الله عز وجل قد يأخذ الناس بالمحنة والشدة والبأساء والضراء لعلهم يتذكرون ويرجعون إلى ربهم كما قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:42-43] وقوله: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ [الأنعام:42] البأساء من البؤس، وهي الشدة والفقر وقلة ذات اليد، والضراء من الضر والآفة والمصيبة والمرض وما شابه ذلك، فأخذهم الله عز وجل بالفقر، والشدائد، وبالآفات والأمراض، لعلهم يتضرعون ويشعرون بحاجاتهم إلى الله عز وجل، فينكسرون بين يديه، لكنهم لم يفعلوا بل قست قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، ويقول عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] فهكذا سنة الله عز وجل في كل القرى والأمم، وفي كل الشعوب إذا أصروا وكذبوا؛ عاقبهم الله عز وجل بالبأساء والضراء، وهذا من رحمته بهم، أنه لا يعاجلهم بعقوبة تستأصلهم وتنهيهم، كلا. ولا يمهل لهم، ويملي لهم في النعيم منذ البداية حتى يغتروا، كلا. بل البداية أن الله عز وجل قد يأخذ جيرانهم، فإذا لم يتعظوا، أظهر الله عز وجل لهم بعض الشدة وبعض البأساء لعلهم يضرعون.

    يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130] والسنين جمع سنة: وهي القحط والجدب والسماء لا تمطر، والأرض لا تنبت حتى تموت الزروع والضروع والحيوانات، ويصيب الناس القحط والجفاف هذه السنين: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130] بسبب القحط والجدب، وبسبب نـزع البركة، فتنقص الثمرات عندهم: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130] ويقول في آية أخرى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133] هذا نموذج مما أخذهم الله به من الآفات: وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133] ولكن مع ذلك كله استكبروا فهذه هي المسألة الثانية التي يأخذ الله عز وجل بها الأمم لعلهم يتضرعون، لأن هذا ليس عقاباً نهائياً ليبيدهم ويستأصلهم عن آخرهم، بل هذا عقاب مؤقت لعلهم يرجعون، ويتذكرون، فإذا أصروا واستكبروا، كما استكبر الذين من قبلهم، كما فعل قوم فرعون وسواهم، فإن الله عز وجل يعاملهم بأسلوب آخر.

    فإن الله عز وجل، قد يبتلي الأمم بالأمراض، وكم من أمة ظهر فيها من الآفات والأمراض ما لم يكن يظهر فيمن قبلهم، ولو نظرنا في واقعنا الآن لوجدنا أن الناس أصبحوا يتسامعون بأمراض لم يكن الأولون يعرفونها.

    ما يسمى بالجلطة: التي تصيب الإنسان وهو نائم أو قاعد أو يأكل أو يشرب في لحظة فينقل مغمى عليه، ثم غالباً ما يخرج من سرير المستشفى إلى نعش الموتى، كذلك لم يكن الناس يسمعون بالسرطان ولا يسمعون بالهربس والإيدز وغيرها من الأمراض الجديدة التي وقف الطب حائراً أمامها.

    فهذه ألوان من الآفات والمصائب، والمحن التي يأخذ الله بها الناس في كل زمن، ولها سبب كما سوف يتضح، وأحياناً يأخذ الله عز وجل الأمم بنقص البركات والثمرات، وهذا -أيضاً- مشاهد.

    والأمم الإسلامية اليوم بالذات تعيش تأخراً وتراجعاً في مسألة الاقتصاد، في يوم من الأيام كان عند الناس ما يسمى بطفرة اقتصادية، ولذلك كثير من الناس قاموا بمشاريع ومؤسسات وشركات، وأسسوا وعمروا وبنوا، لكن تأخر ذلك وتراجع كثيراً، وأنت لو تأتي إلى إنسان اقتصادي لقال لك: ذلك بسبب أمور، وذهب يعدد لك أسباباً كثيرة، وقد تكون هذه الأسباب صحيحة لكن نحن نقول وراء هذه الأسباب كلها السبب الشرعي قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] إذاً: تراجع الاقتصاد، والأمراض، والمصائب، واختلال الأمن كل ذلك من الأمور التي ينبه الله تبارك وتعالى بها عباده لعلهم يرجعون.

    تنوع الأحوال على الأمم

    الأمر الثالث: هو أن الله عز وجل قد ينوع الأحوال على الأمم، أي أنه يغير حالهم من قحطٍ إلى جدب ومن قحطٍ إلى مطر، ومن مطرٍ إلى جدب، ومن غنى إلى فقر ومن فقر إلى غنى، ومن صحة إلى مرض ومن مرض إلى عافية، وهكذا ينوع الله عز وجل على ابن آدم.

    لأن بعض الناس إذا ألفوا حالاً لا يعتبرون، حتى الشدة -والعياذ بالله- إذا ألفها الناس لم يعودوا يعتبرون، ولذلك يقول بعض الخبراء: أن الله عز وجل أصاب بلداً من بلاد الغرب المشهورة بالفجور والدعارة بالزلزال، فكان الزلزال يضرب في جنوب البلد، وأهل الشمال مواصلون فيما هم فيه من اللهو واللعب والخمر والرقص والفساد والفجور، فبعض الناس إذا استمرت عليه الحال حتى ولو كانت حال شدة قسا قلبه، فكيف إذا استمر عليه الرخاء فيقسو قلبه أكثر، ولذلك يغير الله عز وجل الحال على عباده، فيصيبهم بقحط، ثم برخاء، ويصيبهم بنعيم ثم بؤس، ويصيبهم بمرض ثم عافية؛ لعلهم يرجعون، ولذلك يقول الله عز وجل: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] بالحسنات والسيئات، الحسنات: جمع حسنة وهي ما يصيب الإنسان مما يحبه من الخير والرخاء والنعيم والسرور والصحة والعافية والسلامة، والسيئات: هي ما يكرهه الإنسان من القحط والجدب والجفاف والمرض والفقر والبؤس والهزيمة فأحياناً هكذا وأحياناً هكذا.

    قال تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:95] سبحان الله، الناس إذا قست قلوبهم كأنه لا حيلة فيهم، حتى حينما يغير الله عز وجل ما بهم، ويبدل أحوالهم حالاً بعد حال، ماذا يقولون؟ يقولون: هذا أمر طبيعي! قد مس آباءنا الضراء والسراء، ما هذه سنة الحياة وطبيعة الحياة، وهذا شأن الأولين، كما قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الشعراء:137-138] فيقولون: حتى آباؤنا قد مستهم الضراء والسراء.

    تنوع الأحوال وتبدلها ليس خاصاً بنا، فمثلاً: تأتي إلى إنسان قد بُدِّلَ نعيمه بشقاء وبؤس وعذاب، فتقول: يا أخي! تذكر، اتق الله، عد إلى الله، فيقول: يا أخي! هذا أمر طبيعي، الأمر الذي أصابني أمر طبيعي، قد مس آباءنا من قبل، قد أصاب أبي وجدي ما أصابني.

    إذاً: لا داعي لأن اعتبر واتعظ، فهذا الأمر الذي وقع لي قد وقع لغيري، والأمر الذي وقع لهذا الجيل قد وقع للجيل الذي قبله وهم يقولون: قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95] (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الشعراء:137-138].

    ولذلك يقولون: لا علاقة لهذا الأمر بطاعة، أو كفر، وهذا -مع الأسف الشديد- أصبح نغمة نسمعها اليوم، فأصبحنا نسمع كثيراً من ضعفاء الإيمان أو المنسلخين عن الدين يشككون في أن المعاصي هي سبب ما أصابنا وما أصاب الأمم من حولنا، ويعجزون عن ربط هذا الأمر بقضية الذنوب والمعاصي، يقولون: ما علاقة كون الناس يصلون أو يصومون باحتلال بلد آخر لهم؟! ما علاقة تعاطي الربا بالعقوبات التي تنـزل من السماء، أو تخرج من الأرض؟! وهذا الكلام في الواقع لا يقوله الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لأنك لو كنت تعلم أن الله عز وجل بالمرصاد، فإنه لا غرابة أن القوم إذا أطاعوا الله عز وجل وكانوا له على ما يريد فإن الله عز وجل يكون لهم بكل خير أسرع، فيدر عليهم عيشهم، ويبسط لهم رزقهم، وينعمهم في الدنيا بألوان النعيم، وإذا عصوه وخالفوا أمره وتمردوا على رسله فإن الله عز وجل يؤدبهم بألوان المصائب والنكبات، لا غرابة في ذلك، عندما يؤمنون بالله عز وجل، لكن من لا يؤمن بالله؛ فإنه يفسر الأمور كلها تفسيراً مادياً بحتاً، ولا قدرة لعقله على أن يتجاوز حدود هذه الدنيا لينظر فيما وراءها، فهم محجوبون بحجاب كثيف عن معرفة ما عند الله عز وجل، أما المؤمنون فيقرءون القرآن، فيجدون من خلاله أن هذه المصائب والنكبات إنما هي بذنوبنا وبما كسبت أيدينا قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    بوادر العذاب ومقدماته

    السبب الرابع الذي يوقظ الله عز وجل به عباده: أن الله تعالى قد يظهر لهم بوادر العذاب ومقدماته وأوائله لعلهم يعتبرون، ولعلهم يرجعون ويخافون، ثم يكشف عنهم ذلك، كما قال الله عز وجل عن بني إسرائيل: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ [الأعراف:135] أي أنهم لما نـزل بهم العذاب والرجز دعوا ربهم وقالوا: يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ [الأعراف:134] أن يكشف عنهم الرجز والعذاب، فلما كشف الله عنهم الرجز، نكثوا عهدهم وميثاقهم ووعدهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه، وهذا -والعياذ بالله- أمر قد تبتلى به -أيضاً- الأمم المنتسبة إلى الإسلام، فكم من إنسان إذا نـزلت به مصيبة؛ بكى وصرخ ووعد الله عز وجل أن يتوب، فإذا مد الله تعالى له في العمر ووسع له في الرزق نسى ما كان يدعو إليه من قبل، وعاد إلى ما كان عليه من الفساد والانحراف، وكذلك الحال بالنسبة للأمم والشعوب، ولا أدل على ذلك من أن هذه النكبة التي ابتليت بها الأمة الإسلامية في هذه الأيام لما حدثت وجدت من الناس بعض الإقبال إلى الله عز وجل؛ لأنهم اعتبروها بداية عذاب، وبادرة لما بعدها، فعاد بعضهم إلى الله عز وجل، وزاد عدد المصليين في المساجد، وأصبح بعض الناس يتساءلون هل لنا من توبة، ومنهم من أحرق ما عنده من الصور المحرمة، والأشرطة الفاجرة، ومنهم من تاب من أكل الربا، ومنهم من تاب من العقوق، ومنهم ومنهم...، فلما عادت الأمور واستقرت بعض الشيء رجع كثير منهم إلى ما كانوا عليه.

    إن هذا في الواقع من التشبه بالكفار والمشركين؛ لأنهم هم الذين لا يعتبرون ولا يتعظون، كما قال الله عز وجل عنهم، لما ذكر عنهم أنهم إذا عذبوا بالنار ورأوا الجحيم، قالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام:27] يقول الله عز وجل: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28] تصور كيف قسوة القلوب وكثافتها وغلاظتها وجبروتها: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] أي أن قلب إنسان يرى النار بعينيه، ويوقف عليها، ويسمع صوتها وزفيرها، ويرى لهبها يتقطع، ويرى سلاسلها وأغلالها، ويوقف عليها رأي العين وليس خبراً، فيقول: يا ليتنا نرد، فلو رد لعاد لما كان عليه قال تعالى: قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [عبس:17].

    ثم إن الله عز وجل قد يستخلف أمة بعد أمم هالكة حتى يعتبروا بمن كان قبلهم من الأمم، كما قال الله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14] أي استخلفكم بعد أمم أهلكها ودثرها؛ لينظر كيف تعملون، أتعتبرون بخبرهم أم لا تعتبرون؟!

    وهذه الجزيرة -مثلاً- كم عاش فيها من الأمم، وكم قام فيها من الحضارات، وكم وجد فيها من الشعوب قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:6-9] وقال: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:15-17] كل هذه الأمم وغيرها عاشت في هذه البلاد، وعصوا وأخذهم الله عز وجل واستخلفكم في الأرض من بعدهم لينظر كيف تعملون، بل ما لنا نذهب بعيداً، ونحن نذكر أن هذه الجزيرة نفسها، وقبل سنين وقرون ليست بالطويلة أنها عاشت حياة من الفقر والرعب والخوف والشتات، كانت مضرب المثل فيه، وكان المعروف عند أهل هذه البلاد، أنها تلد ولا تطعم، فإذا ولد فيها المولود؛ ذهب ليأكل في السند أو الهند أو الشام أو مصر أو في غيرها من الفقر والجوع، ومن الخوف والشتات، حتى إذا أنعم الله علينا بهذه النعم، وأسرع إلينا بكل خير، ورزقنا رغد العيش، وأخرج لنا هذه الثروات من باطن، الأرض وأنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واستتب لنا الأمن إذا بقوم منا ينسون ويعرضون، فالله عز وجل يقول: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14] ويقول أيضاً: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ [السجدة:26].

    إذاً: هنا كل أرض وطأتها؛ قد مشى فيها قبلك أمم وأجيال وقرون وشعوب كانوا مثلكم، أو أشد منكم قوة، وأكثر منكم صحة، وأمتع منكم في الدنيا، تمتعوا واستمتعوا، أو أكلوا وشربوا وناموا ودرجوا ثم انتهوا وبادوا.

    الاستدراج بالنعم

    قد يستدرج الله تبارك وتعالى بعض عباده بالنعم بعد هذا كله، إذاً: الله تبارك وتعالى أهلك جيرانك وبدل عليكم الألوان، والأحوال من قحط إلى رخاء، ومن مرض إلى صحة، واستخلفكم عن غيركم، وصرف لكم الآيات ثم لم يعتبر المعتبر، ولم يتعظ المتعظ، هنا تأتي النهاية- ولننظر كيف تكون النهاية.

    النهاية: هي أن الله تبارك وتعالى يمد لهؤلاء القوم في الرزق، وينعم عليهم بأنواع النعيم؛ يستدرجهم من حيث لا يعلمون، كما قال الله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55-56] وقال: وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48] أمليت لها وهي ظالمة.

    ولذلك قال بعض السلف: إذا رأيت الله عز وجل يملي للعبد، وهو مقيمٌ على معصيته، فاعلم أن هذا استدراج. هذا هو المقياس: إن رأيت النعم تزداد والطاعة تزداد، فهذا من بركات الله تعالى، ومن بركات السماء والأرض، أما إذا رأيت النعم تزداد والمعاصي تزداد فاعلم أن ذلك استدراج قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182] وقال: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178] فيأخذهم الله عز وجل بالتدريج، حتى يسترسلوا مع هذا النعيم، فيأخذون أغفل ما كانوا، وأن الله عز وجل يأخذ الأمم على غفلة ولا يأخذ الأمم وهم في حالة صحو ويقظة، فيأخذهم إما بياتاً وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون، لأنهم في ألوان النعيم، كل ما يريدونه متوفر، ومع ذلك استرسلوا مع هذا النعيم، وانجروا وراءه وغفلوا، وماتت قلوبهم، أو كادت أن تموت، فأصبحت النذر من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ومن تحتهم، ومع ذلك قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فأصروا وأقاموا على ما كانوا عليه، فحينئذٍ يأخذهم العذاب، وهم أغفل ما كانوا، إما بياتاً وهم نائمون، أو ضحىً وهم يلعبون، فهكذا مكر الله، وتأمل هذا مما يخيف العاقل؛ لأن الأمم إذا مرت فيها النذر كلها، واستنفذت الأسباب كلها، ولم تعتبر ولم تتعظ لم يبق إلا العذاب والعياذ بالله، فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوقظ قلوبنا حتى يكون هذا وقاية لنا من عذابه.

    الدنيا لا تساوي شيء:

    روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} فالمرحلة مرحلة إملاء، فيملي، ويمد له ويمهله، ويعطيه الدنيا، والدنيا لا تساوي شيئاً عند الله عز وجل، وفي السنن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء} ويقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين {لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ويقول: {لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب} فالدنيا من آدم إلى قيام الساعة لا تساوي شبراً في الجنة، ولا تساوي جناح بعوضة.

    إذاً: ذلك لا يمنع أن الله عز وجل أن يملي ويمهل، حتى إنه يعطي الكافر، فتأتي إلى الكافر فتجده منعم، أصح مما كان، وأغنى مما كان وأقوى ما كان، ومع ذلك يكون، والعياذ بالله مثل الشجرة العظيمة التي إذا انجعفت وسقطت سقطت مرة واحدة لا عهد له بالسعادة، ولا بالنعيم من يوم أن يغادر هذه الدنيا وهو في شقاء أبدي سرمدي على النقيض من المؤمن فإنه قد يجد في هذه الدنيا بعض الكدر، لكن إذا غادر الدنيا فارق الأذى.

    إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى      وصاروا إلى موعود ما في المصاحف

    ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت، كانت فاطمة رضي الله عنها، تقول: كما في الصحيح: {واكرب أبتاه} ترى الرسول صلى الله عليه وسلم يتغشاه الكرب وتفصد جبينه من العرق، ويغطي وجهه بخميصة، فإذا أغتم كشفها، فتقول: {واكرب أبتاه فيقول لها صلى الله عليه وسلم: {ليس على أبيكِ كرب بعد اليوم} فهذا آخر ما عليه، وبعدها، ينتهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل الآلام، وبعدها لن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا السعادة والنعيم والسرور والفرح والروح والرضا، وإذا كنت تعلم أن عمرك في الدنيا سبعون، أو خمسون أو ستون سنة لكن لو افترضنا أنك عشت الدنيا من آدم إلى قيام الساعة كم الدنيا؟ بعضهم يقول: سبعة الآلاف سنة، ولكن هذا غيب عند الله، لكن لنفترض أنها كذلك عشرة آلاف سنة، أو عشرين ألف سنة، فقس الدنيا كلها إلى الآخرة، موقف الحساب فقط مقداره خمسون ألف سنة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] فما بالك بالآخرة.

    إذاً: الدنيا لا تساوي عند الله شيء، ولذلك قد يمد للإنسان، ويعطيه، وينعم الله ويوسع عليه بألوان الرزق وإن كان عليه ساخطاً، فإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولذلك قد تجد الكافر منعماً وقد تجد المؤمن كذلك، وقد تجد الكافر صحيح الجسم والمؤمن كذلك، وقد تجد الكافر غنياً والمؤمن كذلك، وقد تجد الكافر يملك السلطان والجاه والمنـزلة والبلاد العريضة وقد تجد المؤمن كذلك، فهذه الأمور ليست مقياساً، يعطيها الله تعالى المؤمن والكافر، والتقي والفاجر، لكن إذا أخذ الله الظالم لم يفلته، فهذه هي المشكلة: {إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته} فيخشى الإنسان إذا أملي ومد له، يخشى من هذا الأخذ، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    الغفلة عند هذه الأمة:

    ويا أحبتي -مرة أخرى- أقول: أليس من المحزن والمخيف أن هناك أناساً كثيرين لا يسمعون هذا الكلام ويعتقدون أن المقصود به غيرهم من الناس، نحن نريد أن نتحادث، فنحن الموجودين في هذا المسجد، كم واحداً منا يشعر أنه المقصود بهذا الكلام؟ هذا هو الأمر الذي يجب أن نفكر فيه، أما أن نعتقد أن المقصود بهذا أناس آخرون غيرنا، وكأن هذا الكلام لا يعنينا، هذا معناه أننا غافلون، والغفلة هي من أسباب العذاب بياتاً وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون، فينبغي للعاقل أن يدرك أنه هو المقصود بهذا الكلام قبل غيره، وأن عليه أن يتعظ بغيره، قبل أن يتعظ به غيره، فاللهم لا تجعلنا عبرة لغيرنا.

    أخرج الترمذي في سننه، وحسنه، وأخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: [[أن رجلاً قال والله لأجدن عهداً بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولأكلمنهم، فذهب إلى المدينة في عهد عثمان رضي الله عنه فوجد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرين في المدينة فسلم عليهم، وصافحهم وسألهم، وسمع منهم، ثم فقد عبد الرحمن بن عوف، فقال: أين عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: هو بالجرف -الجرف: مزرعة لـعبد الرحمن بن عوف هو مقيم فيها- فذهب إليه، فلما جاء إليه وجد عبد الرحمن بن عوف قد خلع رداءه وهو يزين الأرض، ويقود الماء بمسحاته، فلما رأى هذا الرجل استحيا منه، فتناول رداءه فلبسه، ثم جاء إليه فسلم عليه، فقال له هذا الرجل: جئت أريد أن أسأل عن أمر؛ فرأيت أمراً أعجب منه، قال له: وما ذاك يا ابن أخي؟ قال له: يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هل سمعتم ما لم نسمع نحن أو علمتم ما لم نعلم، قال: لا، قال: فإذا لم نسمع إلا ما سمعتم ولم نعلم إلا ما علمتم فما بالكم تزهدوننا في الدنيا، وأنتم ترغبون فيها، وترغبوننا في الجهاد وأنتم لا تخفون إليه، بل ربما تثاقلتم، وأنتم أشرافنا وسادتنا، وأصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم وأئمتنا، قال له عبد الرحمن بن عوف: والله ما سمعنا إلا ما سمعت، ولا علمنا إلا ما علمت، ولكنا ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر]] أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الواحد منهم يضع الحجر على بطنه أياماً من شدة الجوع كانوا يعتقدون أنهم أحسن منهم حالاً يوم أن فتحت عليهم الدنيا، ويوم أن كان -كما ذكر عتبة وسعد وغيرهما- أن الواحد منهم كان في بعض الأحوال يأتي لقضاء حاجته، فإذا حرك الأرض بيده سمع قعقعة شيء، فأخذه، فإذا يبس يأخذه ويحرقه على النار، ثم يستقوي ويشرب عليه الماء، فيستقوي عليه أياماً من شدة الجوع، ويوم أن كان صياح الأطفال، وصراخهم يسمع من وراء الشِعب من الجوع والحرمان، كانوا يحسون أنهم أقوى منهم من يوم أن فتحت عليهم الدنيا ووسع الله تعالى عليهم الرزق، فـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من تواضعه، وقوة؛ إيمانه كان يقول: [[ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر]] وهم رضي الله عنهم لم يغيروا ولم يبدلوا، لكن كانوا يحسون بأن ذروة إيمانهم في حال الشدة كانت أقوى وأعظم.

    ولذلك -أيضاً- يذكر عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه أنه في مرة من المرات قُرِّبَ له عشاؤه، وكان عبد الرحمن بن عوف من أغنياء الصحابة رضي الله عنهم وكان فيه من ألوان الطعام ما فيه، فلما قرب إليه وضع خده على يده ثم تأمل قليلاً، ثم أجهش بالبكاء حتى رثى له من حوله، وقالوا له: ما لك يرحمك الله؟ فلم يستطع أن يخبرهم، وأمر برفع المائدة، فلما رفعت، وعادت إليه نفسه، قال: إني تذكرت أخي مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيراً مني، ومع ذلك مات ولم يأخذ من أجره شيئاً حتى إنهم لم يجدوا ما يكفنونه فيه حين مات إلا بردة لا تكاد تستره، إن غطوا رأسه ظهرت رجلاه، وإن غطوا رجليه ظهر رأسه، يقول: فأخشى أن تكون حسناتنا عجلت لنا.

    فهو يخشى أن الله عز وجل لم يقبل منه هذا العمل، فرده عليه، وأنعم عليه بهذه الدنيا، ولم يسغ طعاماً في ذلك اليوم.

    وبالمناسبة فإن القصة التي قد يتناقلها الناس أحياناً عن عبد الرحمن بن عوف أن عائشة رضي الله عنها، أخبرت أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إنه يدخل الجنة حبواً} هذه القصة باطلة لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الإمام أحمد ابنه عبد الله: أن يضرب على هذه القصة، وذلك أنها قصة لا تصح فينبه إلى ذلك، أقول هذا بمناسبة عبد الرحمن بن عوف.

    1.   

    الترف

    ومن هنا أنتقل إلى مسألة أخرى، أو نقطة أخرى وهي: ما معنى الترف إذاً؟ أقول: معنى الترف باختصار كما سمعتم الآن، ورأيتم: أن الله عز وجل قد يوسع على الناس ويمدهم ويستدرجهم بالنعم؛ فحينئذٍ إذا وسع الله على الناس من الرزق انقسموا إلى قسمين: قسم شكروا هذه النعم، وعرفوا قدرها، فعبدوا الله تعالى بها، وصرفوها فيما يرضيه سواء كانت مالاً، أو سلطاناً أو منصباً أو جاهاً أو ديناً أو غير ذلك، فهؤلاء لهم الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص: {نعم المال الصالح للعبد الصالح} فهؤلاء سعداء في الدنيا بما آتاهم الله عز وجل وسعداء في الآخرة.

    المترفون

    صنف آخر من الناس كفروا بهذه النعم واستعملوه بما يغضب الله عز وجل، واسترسلوا معها ونسوا حق الله فيها واغرقوا، فهؤلاء هم المترفون.

    إذاً الترف ليس مظهراً فقط، ليس الترف أن تأكل حسناً، أو تلبس حسناً، أو تركب حسناً أو تسكن حسناً لا ليس هذا هو الترف، ولذلك في الحديث الصحيح، الذي رواه أهل السنن وغيرهم أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أشعث الرأس عليه ثياب بذلة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {من أي المال آتاك الله، فقال له: من كل المال يا رسول الله! من الإبل والبقر والغنم والورق والذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده } فما دام أن الله أعطاك من أصناف المال، أظهر هذا، والبس حسناً واجعل نعلك حسناً، وثوبك حسناً، ومركوبك حسناً، وهيئتك حسنة، وفي صحيح مسلم: {أن أصحاب النبي سألوا وقالوا: يا رسول الله، إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله جميل يحب الجمال}.

    إذاً ليس الترف أن يكون ثوبك جميلاً أو سيارتك فارهة، أو فخمة، ليس هو بذاته الترف بل الترف، ما وراء ذلك.

    فالترف هو: الإغراق في النعيم والاسترسال معه حتى إنه يصبح همك هو النعيم، يعني الذي سيارته فارهة لكنه يستخدمها في الطاعة ذهاباً وإياباً في طاعة الله عز وجل، فهذا جعلها بمنـزلة الحمار الذي يركبه ويطؤها بقدمه، ويستخدمها ولا يخدمها، لكن الذي سيارته أصبحت كل همه، فهو من حين تطلع عليه الشمس، وهو يشتغل في السيارة وفي تغسيل العجلات، وتصليحها، وكل يوم يخرج بطريقة جديدة واليوم ستائر للسيارة وتغسيلها، ولو حسبت الوقت الذي يقضيه في تغسيل السيارة يمكن يقدر على الأقل خمس ساعات في اليوم، أذكر أنني ما مررت من عند شاب من أمام بيته إلا وهو يغسل سيارته، إما في العجلات أو في الزجاج أو في السيارة أو في المقدمة أو في المؤخرة، هكذا أصبحت السيارة ليست مجرد آلة، أو وسيلة يستخدمها فيما يرضي الله، لا! بل أصبحت هماً يهيمن عليه، وهذا موجود عند كثير من الشباب أي التفاخر بالسيارات وألوانها، ومراكبها والدوران بها، واستخدامها في معاصي الله عز وجل، فهذا يدلك على جانب من الترف، وهو أن تصبح الدنيا وأن تصبح النعم هدفاً ويسعى إليه الإنسان، يسعى في تحصيله بكل ما يستطيع، فهؤلاء هم المترفون وهذا هو الترف.

    المترفون هم المعارضون للرسل

    لم يرد الترف في الكتاب والسنة، إلا على سبيل الذم، أما في السنة: فإن الترف لم يذكر إلا قليلاً، أما في القرآن الكريم فقد ذكر الترف كثيراً بأنه من صفات الكافرين والمكذبين، فالمترفون في القرآن الكريم هم المعارضون لدعوة الرسل، وهم المعارضون للحق والعلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لماذا؟! لأنهم يريدون أن يسترسلوا فيما هم فيه من النعيم، ولا يريدون أحداً أن يكدر عليهم شيئاً من عيشهم، ولذلك قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] فالمترفون يتمسكون بعوائد الآباء والأجداد، ويرفضون دعوة الأنبياء والمرسلين قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [سبأ:34] فالمترفون الأغنياء الذين يفتخرون بأموالهم، أو جاههم أو سلطانهم أو منـزلتهم أو ما وهبهم الله عز وجل، يرون أن هؤلاء الذين يدعونهم إلى الله وإلى الدار الآخرة، أنهم مجرد أفراد عاديين لا قيمة لهم ولا شأن، فكيف نحن نطيع هؤلاء؟! ولذلك يتهمون الرسل بأنهم بشر مثلهم فيقولون: وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ [المؤمنون:34].

    إن الرسل فعلاً بشر، لكن هل هم بشر مثلهم؟ لا! ليسوا مثلهم، هم مثلهم في الأجساد، لكنهم يختلفون عنهم اختلافاً كبيراً في القلوب والعقول والأفهام والإدراك، فهم ليسوا مثلهم كثيراً، لكنهم يقولون: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ المؤمنون:33] بل هم يقولون أكثر من هذا: يأكل مما تأكلون، -بعض ما تأكلون- وأنتم أحسن أكلاً من هؤلاء، هذا يأكل الخبز اليابس، أو يأكل ما يقيم أوده وأنتم تأكلون ألوان الطعام وأطايبه، وكذلك الشرب هو يشرب الماء البارد القراح، وأنتم تشربون من ألوان المشروبات الجائزة والمحرمة ما لا يستطيع هذا الحصول عليه.

    فلذلك المترفون دائماً هم المعارضون لدعوة الأنبياء والمرسلين، وهذا يدلك على خطورة الترف وأثره في حياة الأمم والشعوب، قال تعالى:إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [الواقعة:45-46] الحنث العظيم: هو الشرك بالله، وهو أكبر الذنوب، سئل النبي صلى الله عليه وسلم: { أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قيل ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك}.

    إذاً أعظم الذنوب هو الشرك بالله عز وجل، وهو الحنث العظيم، فالذين يصرون عليه هم المترفون؛ لأنهم يظنون أنهم باقون، سبحان الله! قست القلوب، والله إن الإنسان يعجب أن الدنيا لم تشهد غيرنا، ولم تشهد قروناً وأجيالاً وأمماً عظيمة، كانوا أشد منا قوة، وأكثر أموالاً وأولاداً، ووسع الله عز وجل عليهم، بعضهم عاشوا مئات السنين، وبعضهم عاشوا في القصور الفارهة التي لا نستطيع أن نصنعها اليوم، والأموال الطائلة التي لا عهد لنا بها، ومع ذلك أخذهم الله عز وجل، فكيف يغفل الإنسان؟! كيف يظن أنه مخلد؟! أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ [المعارج:38-39] أنت تعلم من أين خلقت؟! هل تعلم أن أصل الخلقة التي ركبت منها تسوِّغ وتهيئ لك أنك ترزق النعيم في الدنيا وفي الآخرة بدون عمل أبداً، مخلوق من شيء معروف، خلق من ماء دافق، من مني يمنى، مخلوق من شيء ضعيف وأنت تعود إلى ضعف -أيضاً- إذاً لا قوة لك إلا بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    المترفون سبب هلاك الأمم

    إن هؤلاء المترفين هم الذين يصرون على كفرهم، ويعارضون دعوة الأنبياء والمرسلين، ويحذرون -أيضاً- الناس من ذلك كما قال الله تعالى: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ [المؤمنون:33-34] وهم -أيضاً- سبب هلاك الأمم والشعوب وذلك لأنهم يكفرون ويتسلطون كما قال الله عز وجل وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] في الآية ثلاث قراءات القراءة الأولى، أَمَرْنَا مترفيها، قيل معنى أمرنا: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وبالتقوى ففجروا، وبالإيمان فكفروا؛ فاستحقوا العقوبة فدمرهم الله عز وجل، نُقِلَ هذا القول عن ابن عباس وغيره، وقيل معنى أمرنا يعني أمرناهم أمراً قدرياً بالفسق والفجور، أي أن الله تعالى كتب عليهم ذلك، لما علمه منهم من أنهم متأهلون للفجور والفساد وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] حتى إذا حق عليهم القول بالمعصية والفجور دمرهم الله تبارك وتعالى تدميراً، أمرنا مترفيها، وفي قراءة أخرى أمّرنا مترفيها وهذه قراءة أبي العالية رحمه الله فإنه قرأها أمّرنا مترفيها، أي جعلناهم أمراء وسلاطين وحكاماً ففسقوا في هذه القرى فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا.

    إذاً إذا أراد الله عز وجل إهلاك أمة أو شعب أمّر مترفيها وولاهم وسلطهم، حتى يفسدوا ويفسدوا فحينئذ يحق القول عليهم وعلى الأمم التي جارتهم، فدمرهم الله تدميرا، لأن الله لم يهلك الظالمين فقط بل قال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء:16] القرية بأكملها حتى الفلاح والمزارع، وحتى التاجر، وحتى الكبير والصغير، والرجل والمرأة والطفل كلهم، بل حتى الحيوانات، وهذه سنة من سنن الله عز وجل: أن الله إذا أهلك قوم أهلكم عن آخرهم ثم يبعثون على نياتهم، لماذا ذلك؟ لأن الله تعالى يهلك الأمم لأنها تستسلم للمترفين، لماذا لم تقاوم؟ لماذا لم تقم بالواجب؟ لماذا لم تأمر بالمعروف؟ لماذا لم تنته عن المنكر؟ إن الله يسلط لا المترفين على الأمم؟ إلا إذا كانوا ظالمين، فإذا ظلمت الشعوب، سلط الله تعالى عليها من هو أظلم، كما قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] أي نجعل بعض الظالمين أولياء، ولاة على بعض؛ بما كانوا يكسبون.

    كما تكونوا يولى عليكم:

    لما كانت الأمم المصرية في عهد الفراعنة الأولين أمماً ظالمة فاجرة كافرة، فيها أمثال قارون وهامان وسائر المجرمين، سلط الله تعالى عليهم مثل فرعون الذي يسومهم سوء العذاب، يذبح أبناءهم ويستحي نسائهم، ويأخذهم بالقهر والغلبة والتسلط، ولما كانت الأمم فيها أمثال عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، قيض الله تعالى لهم أمثال أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يسوسونهم بسنة الله تعالى وسنة رسولهم صلى الله عليه وسلم، ويؤخذ الحق لضعيفهم من قويهم وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام:129] ففرعون، إنما كان فرعون لأنه حكم قوماً ظالمين، كما قال الله عز وجل: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف:54] ولذلك جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: ما شأن الناس اتفقوا على أبي بكر وعمر واختلفوا عليك، فقال: لأن أبا بكر وعمر كانوا يحكمون مثلي وأنا أحكم مثلك، فلذلك اختلف الناس عليَّ.

    إذاً بينهم ترابط وعلاقة وشيجة وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] القراءة الثالثة بالمد وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:16] أي كثرناهم كما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه، وأبي الدرداء، ونقل -أيضاً- عن ابن عباس وعكرمة: أن معنى أمرنا وآمرنا أي كثرنا مترفيهم، أي: أن الترف لم يكن في فئة خاصة، ولم يكن في القصور فقط، ولم يكن في الأغنياء فقط، إنما صار الترف شأناً عاماً للأمة، كما حصل في قرون كثيرة من التاريخ كما حدث للرومان -مثلاً- وكما حدث للمسلمين في الأندلس وكما حدث للأمم الإسلامية في هذا العصر خاصة، وفي الدول التي وسع الله عز وجل عليها، وأغناها بالمعادن وسواها، فإن هذا الترف لم يعد مقصوراً على جهة خاصة، أو طبقة خاصة، بل تحول الترف إلى ديدن للشعوب كلها، فأفسد الشباب والفتيات، وخرب الضمائر، وأمات القلوب، وأفقد الناس الرجولة والشهامة والمروءة والإنسانية التي كانت توجد عند الإنسان العادي، حتى ولو كان إيمانه غير قوي، وكل هذه المعاني المذكورة في الآية محتملة، فالمهم أن الترف هو سبب هلاك الأمم والشعوب، والمترفون: هم الذين يقودون ركب الأمم إلى هاوية الفساد والضياع والانحراف.

    1.   

    نتائج الترف في الأمم

    وأنتقل إلى نقطة ثالثة وهي: نتائج الترف في الأمم، أقول: لا شك أن للترف نتائج خطيرة على نفسيات الأفراد وعلى واقع الأمم والشعوب والمجتمعات ومن ذلك:

    الغفلة

    فمن أهم نتائجه وأعظمها الغفلة، لأن المال ينسي ويلهي، وكذلك الصحة تلهي، والشرف يلهي، والجاه يلهي، فيغفل الإنسان عن مصالحه الدينية وعن مصالحه الدنيوية، ولذلك يعتذر الأغنياء والمترفون عن الأعمال الجليلة العظيمة بسبب الانشغال بمالهم وأهلهم، كما قال المخلفون من الأعراب: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا [الفتح:11] انشغل بماله، وانشغل بأهله عن أعظم عمل يدعى إليه، وهو الجهاد في سبيل الله عز وجل، فليس عنده وقت للجهاد، وإن كان الجهاد عن نفسه، وعن عرضه وعن ماله، فإنه يقول: شغلتنا أموالنا وأهلونا، يشتغل بماله، حتى يأتي العدو، فيأخذ منه ماله كله، ويجهز عليه -أيضاً- وقد ينتهك عرضه، لكن الإنسان إذا غفل لا يكاد يكون فيه حيلة إلا ما شاء الله، ولذلك كان العلماء والعقلاء والمدركون يتعهدون الأمة خوفاً أن تنشغل بالترف والمال عن الآخرة وعن جلائل الأمور.

    قصة أحد علماء الأندلس:-

    ويروى أن المنذر بن سعيد البلوطي رحمه الله، وهو أحد علماء الأندلس، رأى أن أحد أمرائها، وهو عبد الرحمن الناصر، كان مشغولاً ببناء مدينة فخمة هائلة عظيمة، لا تزال آثارها ورسومها ومعالمها باقية، وتعرف بـالزهراء، ولها خبر عجيب معروف في التاريخ، فالمهم أنه كان يقوم بنفسه بالإشراف على بناء هذه المدينة حتى إنه تأخر يوماً من الأيام عن الجمعة بسبب انشغاله ببناء هذه المدينة، فلما جاء، وكان المنذر هو الخطيب فتكلم عليه، وتلا عليه آيات من القرآن الكريم، كما في قول الله عز وجل: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:128-135] وتلا عليه قول الله عز وجل قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً [النساء:77] وتلا عليه قول الله تبارك وتعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:109] وتلا عليه قول الله عز وجل: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] وقال له يا أمير المؤمنين: كيف أنـزلت نفسك منازل الكافرين، وآثرت الدنيا على الدين؟! ومازال يتكلم عليه ويوبخه، والناس قد خشعوا وبكوا، والخليفة مطأطئ رأسه، يتصبب جبينه عرقاً حتى إذا انتهت الصلاة، خرج الخليفة من المسجد وهو متأثر يمسح دموعه، دموع الندم، وبعدما هدأ دخل عليه ولده <1001458p=>الحكم

    ، فقال له: يا ولدي أسمعت ما قال الخطيب المنذر بن سعيد؟ قال: كذا، وكذا، ووبخني أمام الناس وقد ثقل ذلك عليَّ، وإن كان كلامه حقاً، ولكني أريد أن أعاقبه، قال يا أبت، وبماذا تعاقبه، قال والله لا صليت وراءه أبداً، هذه هي العقوبة، ما فكَّر أنه يفصله عن المنبر مثلاً، ولا أن يودعه في السجن فضلاً عن أن يهم بقتله، كلا، ولكنه قال والله لا صليت وراءه أبداً بعد الآن، ولن أصليَّ معه، فسوف أذهب لأصلي خلف خطيب آخر، فقال له: يا أبت ألا أبعدته عن المسجد، فقال له: يا ولدي والله لا أظن أننا نجد مثل هذا الرجل، وإني استحيي من الله عز وجل، أن يكون بيني وبينه غير المنذر، أي يقول: استحي أن أصلي خلف واحد غيره، إلا أنني قد حلفت على ذلك، فأريد أن أبر قسمي، ولماذا فعل المنذر بن سعيد هذا الموقف؟! لأنها بادرة خطيرة أن ننهمك في الدنيا حتى ننشغل عن صلاتنا، وننشغل عن جهادنا في سبيل الله، ننشغل عن جلائل الأمور ومعاليها.

    الانشغال بالدنيا:

    ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد، وهو حديث صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله تعالى عليكم ذلاً لا ينـزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم} تبايعتم بالعينة؟ لماذا تبايعتم بالعينة بالربا! لأن كثرة الأموال تجعلتني أشعر أنه لابد أن يكون عندي أموال هائلة طائلة وصفقات تجارية لا يمكن أن أفرط فيها، فضعف عندنا الخوف من الربا ومحاذرته، لأننا مشغولون بجمع الأموال، وليس مهماً من أين تجمع الأموال؟! المهم أن يكون عندك رصيد ضخم، { إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع} رضيتم بالزرع، وقد لا يكون الزرع أحياناً للمال فقط بل يصبح الناس يتباهون في المزارع والأموال الطائلة والأراضي الواسعة التي قاموا بزراعتها، لمجرد المتعة والمفاخرة بذلك، فضلاً عما يصيبهم من ورائها من الأموال والمغانم الدنيوية، {وتركتم الجهاد } فهذا الإنسان المشغول بصفقاته التجارية ومزارع وشهوات ليس من أهل الجهاد، إنما أمره مع الجهاد، كما قال الشاعر:

    يقولون جاهد يا جميل بغزوة      وأي جهـاد غيرهـن أريـد

    ما عنده وقت للجهاد! إلا الجهاد من أجل المرأة الحسناء ومن أجل المال ومن أجل الدرهم والدينار.

    لهذا تلحظون أيها الأحبة أن الأمة الإسلامية تعيش اليوم فترة تلهية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تعيش فترة تلهية لا يعلمها إلا الذين يقتربون من الشباب، وقد اقتربت من كثير من الشباب، خاصة الشباب الذين يعيشون بعيداً عن مجالس الذكر، وبعيداً عن المساجد، وبعيداً عن حلقات القرآن، فتسأل هؤلاء الشباب ما همومهم؟ ما هي الأشياء التي تشغل بالهم؟ ما أمانيهم؟! ما تفكيرهم؟! ما نظرتهم فتجد أنه مشغول في مجال ضيق يتراوح بين الكرة والرياضة ومتابعة المباريات ومتابعة دوري كرة الطائرة والقدم والبطولة للكبار والصغار والناشئين وغيرهم...!! لا ينتقل عن ذلك إلا إلى متابعة الفنانين، والحصول على إنتاجهم الجديد، الحصول على إنتاجهم أولاً بأول، سواء عن طريق محلات الغناء، أم عن طريق زملائه وأصدقائه، ولا ينتقل عن ذلك إلا إلى الكرة، إلا إلى سيارة فارهة فخمة، تكون معه -كما أسلفت قبل قليل- أو يتمناها على أقل تقدير، وهكذا مع شغل الوقت ومع الشغل بالتدخين، ومشاهدة البرامج والأفلام التي لا خير فيها ولا قيمة لها.

    فالمهم أن هذه حركة تلهية، واشغال كامل للأمة في أعز ما تملك، في شبابها لأنه إذا لهى الشاب، من الذي سوف يقوم على الثغور؟! ومن الذي سوف يصلح الأمور؟! ومن الذي سوف يحقق للأمة اقتصاداً متقدماً؟! ومن الذي سيحقق للأمة صناعة متقدمة؟! ومن الذي سوف يعود بالأمة إلى سواء السبيل؟! ومن الذي سوف يدفع عن الأمة شر الأعداء؟! والعمدة في ذلك كله بعد الله تعالى على شباب الأمة؛ فإذا لهى الشباب ضاع كل شيء، وقد يقول قائل أن الاشتغال بالرياضة يناسب تقوية الأجسام، خاصة ونحن في حال حرب مع عدونا الآن، فلا بأس من تكثير المباريات والدوريات وغيرها، حتى يتقوى الناس، ونقول: نعم لو كان الناس فعلاً يتقوون، لكن كم عدد الذين يلعبون في المباريات الرياضية؟ قل عشرة! عشرين، ثلاثين، أربعين! لكن البقية من الجماهير الهائلة محتشدة على مقاعد المدرجات لا هم لها غير الصفير والتصفيق والهتاف لفلان أو علان، وبعد ذلك تثور المعارك بينهم، ويخرجون وقد شحنت قلوبهم بالحب لفلان، والبغض لفلان، والمعارك، وإلى غير ذلك، وإيذاء الآخرين إلى ما سوى هذا.

    والانشغال الكبير بمثل هذه الأمور التي لا تعود على الأمة بخير أبداً، هذا هو اللهو، فهذه الرفاهية في الكرة والفن أشغلت الشباب عن قضايا الأمة وألهتهم عنها، وإنني لأتعجب حين أقرأ قصة ذكرها السيوطي في كتاب حسن المحاضرة عن الشهيد نور الدين، يقول: إن الفرنجة لما حاصروا بلداً في مصر وحاصروا دمياط وآذوا المسلمين ومنعوا عنهم المؤن وقتلوا منهم من قتلوا، وهتكوا بعض الأعراض، فحزن لذلك نور الدين حزناً شديداً وبعث صلاح الدين قائده يدفع الإفرنج ويصدهم عن هذه المدينة، فأثناء ما كان صلاح الدين يذهب إلى الفرنج ليقاتلهم، كان نور الدين في حالة من الهم والحزن لا يعلمها إلا الله عز وجل، حتى إنه يوماً من الأيام كان عنده طلاب يقرءون الحديث، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه فمن ضمن ما قرأوا حديثاً مسلسلاً بالضحك، ومعنى الحديث المسلسل أي يعني أن رسول الله تبسم، وقال: يا معاذ إني أحبك! -مثلاً-، وكذلك مثال: فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول كذا وكذا، فالراوي عن معاذ قال: هذا، والثاني، والثالث، والرابع، فهذا يسمى حديث مسلسل بقول: إني أحبك، وآخر مسلسل بالتبسم؛ لأن كل راوٍ تبسم، ثم روى الحديث، وكذلك أول الحديث، وكذلك أول حديث ليقال: هذا مسلسل بالأولية إلى آخره، هذا معنى المسلسل، فالمهم أن هذا الحديث كان مسلسلاً بالتبسم، فكل راوٍ يروي الحديث ويتبسم، فيقول: حدثنا فلان ويتبسم، فلما حدثوا نور الدين بهذا الحديث المسلسل بالتبسم، رغبوا إليه أن يبتسم حتى يكتمل التسلسل يقال مثلاً: حدثنا نور الدين قراءة عليه ثم تبسم، فما تبسم قالوا له: رحمك الله لو تبسمت، قال: والله إني لأستحيي من الله عز وجل أن أتبسم والنصارى الكفار يحاصرون بلاد المسلمين.

    فكم اليوم من مسلم -دعك من دهماء الناس- كم من مسلم يعرف مصائب المسلمين وآلامهم ونكباتهم ويضحك ملء فمه، ويأكل ملء بطنه، وينام ملء عينه، وكأنه لا هم له ولا حزن، يقضي ليله ونهاره في لهو ما بعده لهو، حتى كأننا أمة منتصرة، أقول: لأعداء الإسلام أن يستمتعوا بدنياهم، ويعملوا ما عملوا من ألوان اللذات الدنيوية، ويسترسلوا مع شهواتهم في كل ما يريدون، وإن كان هذا كله مما يكون عليهم عذاباً في الدنيا، ويعذبون به في الآخرة، لكنهم اليوم أمم منصورة ممكنة، فيحق لهم ذلك في نظرهم، أما نحن فأمم مغلوبة، أمم ضعيفة، أمم أحوج ما تكون إلى أن تجدد عهدها ونشاطها وحيويتها، وتحيي روح الإيمان والعزة والكرامة والحمية في شبابها، فينبغي أن نكون مثل نور الدين رحمه الله، نستحيي من الله عز وجل أن نضحك، ونلهو ونعبث، وأعداء الإسلام يحاصرون المسلمين في كل مكان.

    عبادة الشهوة

    النتيجة الثانية من نتائج الترف: هي قضية عبادة الشهوة، سواء في ذلك شهوة البطن، أم شهوة الفرج، وهذه القضية ظاهرة جداً، فإننا نجد أن المترفين من الرومان القدماء، واليونان كانوا يهتمون أشد الاهتمام بشهوات البطون والفروج، حتى إنني قرأت في بعض الكتب أنهم من شدة نهمهم وشهوتهم إلى الطعام كانوا يأكلون أنواع الطعام، ثم يتقيئونها من أجل أن يتلذذوا بأكل ألوان الطعام الطيب، وقل مثل ذلك بالنسبة لتلذذهم بالمشاهد المحرمة والفواحش والشهوات وغيرها، وأما في هذا العصر، فإنك ترى من مشاهد عبادة الشهوة، سواءً شهوة البطن والفرج أو غيرها الشيء العظيم.

    شهوة البطن:-

    حتى إننا نجد الأمم الرومانية الكافرة اليوم أصبحت قضية الطعام قضية أساسية عندهم، أي: التفنن في ألوان الطعام، وصناعة الطعام وطهيه، وألوان المأكولات والمشروبات، وأشياء لا تخطر على بال حتى أصبح هذا فناً قائماً بذاته، وله جامعات تقوم بدراسته، وتربية الناس عليه، وفيه قصص وأخبار في غاية الطرافة، فيما يصنعونه في مطاعمهم التي تستقبل الناس، وتقدم لهم ألوان الأطعمة بصورة غريبة جداً.

    شهوة الفرج:

    وأما فيما يتعلق بشهوات الفرج، فإنهم يتلذذون بألوان الإباحة الجنسية في بلاد الغرب بشيء كبير وعظيم، حتى إنهم أفضوا بذلك إلى الشذوذ، وألوان الشذوذ مثل: كون الذكر والعياذ بالله مع الذكر، والأنثى مع الأنثى، حتى الصبيان الصغار من أبناء سبع وثمان وعشر سنوات يدربونهم على هذه الأمور، حتى الحيوانات ويحرص على تقديم ذلك للناس، وهم أشد حرصاً على نقل مثل هذا الوباء، وهذه التعاسة، وهذا الانحلال إلى الأمة الإسلامية بكل وسيلة؛ لأنه يسوءهم جداً أن يروا أناسا يتطهرون -يعني: المسلمين- فهم لا يريدون أن يجدوا في بنات المسلمين فتاة تتزوج وهي عفيفة مثلاً، ولذلك لما قامت بعض الغربيات بإعداد دراسة في بعض المناطق القريبة منا، ووجدت -أن أكثر النساء إن لم يكن كل النساء- محافظات على بكارتهن أعدت تقريراً في غاية الذهول، لماذا؟ لأنهم في بلادهم الكافرة لا يعرفون للكرامة ولا للشهامة، ولا لحماية العرض معنى، ولا يمكن أن تجد امرأة منهم تتزوج وهي بكرٌ أبداً، حتى تكون قد ارتكبت فاحشة الزنا مع صديق لها، ويتلذذون بذلك ويتمتعون به ويتوسعون فيه حتى أصبحت -أيضاً- قضية الإباحة الجنسية، قضية في غاية الأهمية عندهم، ولها أجهزتها المتخصصة، وقنواتها المتخصصة وصحفها ومجلاتها وأماكن ممارستها بل وأسواقها إلى غير ذلك، يتوسعون في هذه الشهوات وهذا أمر طبيعي بالنسبة لهم لماذا؟! لأن غاية أمرهم هي هذه الحياة الدنيا، فلسان حالهم يقول:

    خذ من الدنيا بحظ قبل أن تنقل عنها       فهي دار لست تلقى بعدها أطيب منها

    هذا منطقهم، وهذا لسان حالهم، لا هم لهم إلا الدنيا، والآخرة عليهم والجنة عليهم حرام، ماتوا وهم فيما هم فيه من الكفر.

    فلذلك يحرصون على أن يعبوا عباً من شهوات الدنيا ولذائذها، ويغرقوا غرقاً في ألوان ترفها؛ لأنه لا حظ لهم إلا هذه الدنيا.

    وأذكر أن الأستاذ سيد قطب رحمه الله ذكر في كتابه الذي لم يطبع أمريكا التي رأيت ونقل هذا في كتاب آخر له الإسلام ومشكلات الحضارة، يقول: إنه رأى معلمة تعلم الطلاب والطالبات على ألوان الرذيلة والفاحشة، وكان من ضمنهم بنت عمرها أربع عشرة سنة، فيقول: قلت لها -ويريد أن يعرف السر- لماذا أنت تحرصين على هذه البنت التي عمرها أربع عشرة سنة تمارس الفاحشة والرذيلة، أليس الوقت بالنسبة لها مبكراً؟! قالت: لا، أبداً لأن الحياة قصيرة، وغير صحيح: أن الولد أو البنت يظلون جزءاً كبيراً من عمرهم لا يستمتعون بالشهوات؛ لأن العمر قصير، نعم العمر قصير بالنسبة لهم، لأنه ليس لهم آخرة، لهم النار في الدار الآخرة، ولذلك هم يأخذون من الدنيا بقدر ما يستطيعون؛ لأنهم يعلمون أنه لا حظ لهم في الآخرة، فهم عبيد لهذه الشهوات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش} فسماه عبداً لهذه الأشياء، عبداً للمال وعبداً للفرج، وعبداً للقمة العيش، وعبداً للكرسي، وعبداً للمرأة؛ لأنها أصبحت كل همه، حتى كان الشاعر يقول عن حبيبته، أو معشوقته:

    لا تدعني إلا بيا عبدها      فإنه أشرف أسمائي

    كما أن المؤمن يشرف بعبوديته لله عز وجل، ويفخر بذلك، ويقول كما قال عياض:

    ومما زادني شرفاً وتيهاً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا

    كذلك المشرك الذي أصبح لا يعبد الله، بل يعبد ليلى، ولبنى، وسلمى، ونجوى، هذا المشرك الذي عبد هذه التماثيل وهذه النساء أصبح يقول:

    لا تدعوني إلا بيا عبدها      فإنه أشرف أسمائي

    وعلاقة ذلك بالنـزف واضحة كما أسلفت، ولذلك جاء في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والقصة أصلها في البخاري ومسلم لكن في مسند أحمد بن حنبل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {مر على جبار منـزف} -هكذا الحديث في المسند- ومعه زوجته، وكانت زوجته حسناء جميلة فلما علم الملك الجبار المنـزف بها دعاها، وهو يريد أن يقع عليها، فدعت الله عز وجل، فشلت يده} والقصة معروفة، والمهم أن المترفون ليس عندهم مانع، وليس بينه وبين الشهوة إلا أن يريدها، فليس عنده مقياس، مثلاً الشرع يمنعك من هذا، ليس عنده مقياس، الحلال والحرام ليس له وجود في قاموسه، قاموسه هل يريد أو لا يريد؟! فهو يفترض إذا أراد حصل له ما أراد، مثلاً: إذا رأى امرأة جميلة ليس هناك ما يمنعه منها في ظنه ونظره، لماذا؟! لأنه يملك المال والقوة والقدرة فما الذي يمنعه؟! إذا رأى ما تطمح إليه نفسه أراده! فإذا أراده فلابد أن يحصل له في زعمه وظنه! ولذلك إذا منع منه أصابه من الهم والغم والكمد الشيء العظيم، لأنه يتحسر على فوت هذا الأمر، وعلى فقده، وعدم تحصيله.

    الصراع على مكاسب الدنيا

    والأثر الثالث من آثار ونتائج النـزف هو: الصراع على مكاسب الدنيا الدنيئة، المال والأرض والجاه والسلطة والمنـزلة والصراع على هذه الأشياء، لأن تصبح هم الإنسان وغاية مقصوده، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على حماية أصحابه، وأمته من هذا الأمر ولذلك في الصحيحين عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: {أتي بمال من البحرين -جزية جاءته من البحرين- فعلم بذلك الأنصار، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلوا معه صلاة الفجر، جاءوا فسلموا عليه، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، حين رآهم، وقال: أظنكم سمعتم بالمال الذي قدم من البحرين، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم} إذاً: بسط الدنيا يتبعه غالباً التنافس عليها ثم الهلاك من أجلها، ويذهب الإنسان صريع الدنيا، وشهيد الهوى، وليس في سبيل الله عز وجل، فهذا مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر منه أمته.

    وعنp=1000236عبد الله بن عمرو بن العاص

    رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: {إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال: عبد الرحمن بن عوف نقول كما أمرنا الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك، تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون} حتى إنه جاء في الحديث الآخر {أن يحمل بعضكم السيف على رقاب بعض} فهذا من شؤم التنافس على هذه الدنيا، ولذلك فإن الحل: يكون في الإعراض عن الدنيا في ذات النفس والأخذ بنصيحة الإمام الشافعي:

    ومن يذق الدنيا فإني طعمتها     وسيق إلينا عذبها وعذابها

    فما هي إلا جيفة مستحيلة      عليها كلاب همهن اجتذابها

    فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها     وإن تجتذبها نازعتك كلابها

    خذ بهذه القاعدة، والإمام الشافعي رضي الله عنه، كان يستقرء منهج القرآن والسنة، وكان يذكر لك تجارب الأولين في هذا الأمر، هذا بالنسبة لي ولك، أما الدنيا بالنسبة للكافرين، فإننا يجب أن نصارعهم عليها لأننا مطالبون بإنقاذ الأرض من الكفر وحمايتها، وأن نحكم الأرض باسم الله، وكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نعمل على ألا يكون للكفار سبيل على المؤمنين، بل ولا على غيرهم، وكذلك نحن مطالبون بأن نكون أقوى من غيرنا عدداً وعدة، مطالبون بأن نكون أقوى منهم اقتصاداً، وأقوى منهم تسليحاً، وأقوى منهم صناعة، وأقوى منهم تخطيطاً، وأقوى منهم علماً كل هذا نحن مطالبون به شرعاً لحماية ديننا، والتمكين له وليس لخظوظ أنفسنا.

    أما التنافس على مكاسب الدنيا: فإنه يفضي -والعياذ بالله- إلى عقوبة الله عز وجل، ولذلك جاء في مسند الإمام مسند الإمام أحمدو أبي يعلى، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عقوبة الله عز وجل} وقبل قليل ذكرت لكم مسألة عبادة الشهوة، فهذا الزنا عبادة الشهوة، فأصبح الإنسان همه شهوته، هذا الزنا وبعد ذلك، المسألة ليست مسألة حالة فردية، واحد استتر في بيته ووقع في معصية، ثم تاب، لا! بل ظهر وفشا وانتشر وأصبح معروفاً، وأخباره تتلى فلان فعل، وفلان فعل، وفلان فعل، بل قد يتطور الأمر إلى أكثر من ذلك: أن يصبح في بعض بلاد المسلمين، والعياذ بالله، أماكن للفحش والبغاء والدعارة - نسأل الله السلامة والعافية- أو تصبح هذه المظاهر بينة على الأرصفة في الشوارع، أو على شواطئ البحار أو ما أشبه ذلك هنا ظهر الزنا والربا.

    فالربا هذا نموذج للتنافس على الدنيا، والصراع على مكاسبها الذميمة؛ بحيث إن الإنسان أصبحت الدنيا همه وغاية مقصده بحلال أو بحرام، لا يهمه إلا أن يحصل عليها، {ما ظهر الربا والزنا بقوم إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله} وقد يقول بعضهم: أين عقاب الله؟! فأقول، كما قال أحد الباحثين المعاصرين، يقول: لا أعلم عقاباً أعظم من العقاب الذي نحن فيه الآن، إلا أن ينـزل الله تعالى علينا صاعقة فتحرقنا، هكذا يقول، وأقول: أسأل الله عز وجل أن يدفع عنا وعن المسلمين جميعاً عقوبته وأن يرزقنا التوبة النصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح.

    العقوبات التدريجية

    والأثر الرابع من أثار النـزف هو: العقوبات التدريجية، وهي من آثار الماضي، ومن آثار الزنا والربا، والشهوة والتنافس على الدنيا، وعبادة المادة، فمن آثارها بداية العقوبات التدريجية، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه تحذيراً صريحاً، قوياً، واضحاً، صحيحاً من ألوان العقوبات، ففي الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة وهو حديث صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: {يا معشر المهاجرين خمس خصال إن ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن} ما هي هذه الخصال الخمس؟ {لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا} والفاحشة، والزنا، واللواط والشذوذ الجنسي بألوانه إلا ظهرت فيهم الطواعين والأوجاع، الطواعين: الهربس، الإيدز، أمراض الزهري، السيلان، ما يسمى بالأمراض الجنسية، وهي من أخطر وأفتك الأمراض الموجودة اليوم، وهي أخطر من جميع الأمراض الموجودة التي عرفتها البشرية، فهذه آثار الفواحش والإعلان بالفواحش وقال: {ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان} نقصوا المكيال والميزان -هذا أيضاً- من النـزف، أي كون الإنسان أظهر الفاحشة هذا من النـزف، كونه أنقص المكيال والميزان هذا من شدة تعلقه بالدنيا؛ لأنه مع أن الله عز وجل وسَّع عليه تجده بخيلاً، شحيحاً بالمال لا يخرجه إلا في الحرام، ولا ينشط في إخراجه إلا في الحرام على مائدة قمار، أو مكان خمر أو لهو، فقد ينفق الأموال الطائلة لكن تطلب منه مائة ريال لجمعية خيرية، أو لمساعدة مجاهد، أو لأسرة محتاجة، أو لعمل طيب؛ لربما بخل بها أو أعطاك إياها وهو يمن عليك بذلك، فهذا من آثار النـزف والبخل والشح والتعلق بالدنيا، حتى ينقص الإنسان المكيال والميزان فيعامله الله بنقيض قصده، فيبتلى بشدة المؤنة والسنين {إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عز وجل عليهم عدواً من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم} يعني من الأرض، من المال، من الناس وهذا حاصل الآن بالنسبة للمسلمين، كما هو معروف، مشاهد، {وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل، ويتخيروا مما أنـزل الله إلا جعل الله عز وجل بأسهم بينهم} وهذا الحديث: ناطق بما عليه واقع المسلمين اليوم في كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وفيه دليل على العقوبات التي يبتلي الله تعالى بها هذه الأمة إذا أعرضت عن كتاب الله عز وجل، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، عن زينب {أن النبي صلى الله عليه وسلم نام يوماً ثم استيقظ فزعاً، وهو يقول: لا إله إلا الله؛ ويل للعرب من شر قد اقترب، قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث} انتشر النـزف بين الناس، واظهروا الفاحشة، وبخسوا المكيال والميزان، وحكموا بغير كتاب الله، ومنعوا زكاة أموالهم، ونقضوا عهد الله وعهد رسوله، حينئذ حقت عليهم عقوبات الله عز وجل ما دام قد فشت فيهم هذه الأمور، وإن كان فيهم قوم صالحون قليل، ولذلك يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] هذان شرطان: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33] يعني ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم موجود فهو أمنة لأمته، فإذا مات بقيت سنته، فما دامت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في الأمة فهي آمنة لها من العذاب، ما دام الناس يعملون بالكتاب والسنة هذا أمنة لهم، ما كان الله ليعذبهم وهم يعملون بالكتاب والسنة، ولذلك أنصح إخواني بالحرص على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في أدق أمورنا: في صلاتنا، في ثيابنا، في هيئاتنا، في أشكالنا في دخولنا في خروجنا نحرص على أن تكون السنة خير رفيق لنا في كل هذه الأمور، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أكثر من قول { استغفر الله وأتوب إليه، ربي إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم } بما يدفع الله تعالى عنا العقوبة والعذاب؟ باستغفار الصالحين قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لكن ما بالك إذا أهمل الناس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهملوا العمل بها وبالقرآن، ثم مع ذلك لجوا في طغيانهم يعمهون، حتى إنهم لا يستغفرون ربهم عز وجل، قال تعالى عن المنافقين: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون:5] حينئذٍ يحق عليهم عذاب الله لا محالة، وإن وجد فيهم الصالحون، وإن وجد الأخيار، وإن وجد الذين يقومون الليل، ووجد الذين يصومون النهار فإن عذاب الله عز وجل إذا نـزل أخذهم جميعاً، ثم يبعثون على نياتهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة وغيره.

    ضياع الدنيا والآخرة

    ثم الأثر والنتيجة النهائية الخامسة هي: ما يتلخص في ضياع الدنيا والآخرة على أولئك المترفين، هذا مصيرهم فوات الدنيا والآخرة، إذا نظر في يديه لم يجد فيهما شيئاً، الدنيا كلها ضاعت والآخرة كذلك لحقتها، أما ضياع الدنيا فيكون بأحد أمرين: إما أن يسلب الإنسان دنياه، وهو صحيح يرزق، فيأخذ الله عز وجل ما أعطاه من مال أو جاه أو سلطان أو منصب أو قوة أو صحة أو شباب، يأخذ الله عز وجل ذلك منه ويعوضه عنه بفقر أو بمرض أو بضعف أو بخوف أو بذل أو بسجن أو بغير ذلك، فيسلب الله الدنيا من هذا الإنسان ويبقى بلا دنيا، وهذا كثير، وإما أن يبقى الإنسان، ثم يسلبه الله عز وجل من دنياه، أي أن يسلط الله عز وجل عليه الموت، فيأخذه من بين أهله وولده وحشمه وأعوانه وإخوانه، ويبقى في قبره وحيداً فريداً، ليس معه إلا عمله الصالح، ولابد من أحد الأمرين إما أن تفارق الدنيا أو تفارقك الدنيا وكلاهما أمر -كما يقال- أمران أحلاهما مر، خاصة بالنسبة للمتعلق بالدنيا.

    حكايات عن ضياع الدنيا:

    أما مسألة الموت، فيحكى أن ملكاً من الملوك بنى قصراً وشيده وزينه، وقال: لجنوده من عاب منه شيئاً فأصلحوه، وأعطوه درهمين، أي إنسان يقدم ملاحظة على هذا القصر، فأصلحوا الملاحظة، وأعطوا هذا الإنسان درهمين على أنه دلنا على عيب في القصر، فجاء رجل فقير ضعيف في آخر الناس، فقال: هذا القصر ليس فيه إلا عيبان فقط، قالوا: ما هما، قال: إن هذا القصر يتهدم ويموت صاحبه -فالقصر يتهدم وصاحبه يموت- والبقية تمام ما شاء الله تبارك الله، فأتوا للملك وأخبروه، فبكى الملك، وذكر حاله، وخرج من هذه الدنيا؛ حتى كان من الزهاد العباد المعروفين.

    ومما يحكى في ذلك -أيضاً- أن رجلاً من الصالحين العباد مر على باب ملك من الملوك، مشيد مزين فنظر إليه، وقال: باب حديد، وموت عتيد، ونـزع شديد، وسفر بعيد، هذا إذا كان المال حلالاً، فما بالك إذا كان المال حراماً، ما بالك إذا كان من حظوظ اليتامى والفقراء والمساكين، أو كان مال شبهة، أو كان ربا أو سرقة، أو غصب أو غش أو نهب؛ كيف ترى يكون العقاب؟

    ويحكى أنه لما رجع محمد محمود بن الملك شاه، وكان قد حاصر بغداد وهو حاكم قوي جبار فحاصر بغداد، وآذى أهلها واعتدى عليهم، ثم رجع إلى همذان، فأقام بها فأصابه مرض السن ولم ينج من هذا المرض، وتوفي في ذي الحجة، وقبل وفاته بأيام: طلب أن يجمع عنده كل ما له من الخدم والحشم والأعوان والجيش وغيرهم، فجمع له الجنود بكامل هيئتهم وزينتهم وسلاحهم، وجمع له عبيده، وجمع له الجواري الحسان وجمع له الأولاد وجمع له الأموال جمعوا كلهم له في صعيد واحد فلما نظر إليهم صفق بيديه وبكى، وقال: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] لو كنت أستطيع أن أفتدي ملك الموت بعبيدي لأعطيتهم إياه، أو بمحظياتي لأعطيتها إياه، ولو كان يقبل مني ملكي لسلمته له، لكن لا حيلة في ذلك، ثم بكى، وأخرج كثيراً من هذه الأموال، ثم قدم إلى ما عمل.

    هكذا الإنسان في لحظاته الأخيرة، يظهر على حقيقته أصغر بكثير مما يتصور الإنسان، يكبر في عين نفسه -أحياناً- فينتفخ ويعظم نفسه ويعظمه الناس، ويرى أنه، وأنه، وأنه، لكن في النهاية يجد أنه لا شيء، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94]

    يقول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ [المؤمنون:64-65] إذاً: المترفون لهم موعد، وذلك الموعد إما أن يأتوه هم، أو يأتيهم هو لا محاله، وقد يسلب منهم الأمر؛ حتى وهم في حال الحياة، فيبتليهم الله عز وجل بزوال ذلك، كما يروى أن بنت النعمان -وهو ملك الحيرة- دخلت على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فقال لها: أخبريني عن حالكم كيف كنتم وكيف صرتم، فقالت: أطيل أم أقصر؟ فقال لها: بل اقصري -اختصري أوجزي الكلام- فجعلت تقول: لقد أمسينا وما حي من أحياء العرب إلا وهو يرجوا برنا، ويخاف منا، فأصبحنا وما من حي من أحياء العرب إلا ونحن نرجوه، ونخافه، لأنه ليس بأيديهم شيء، لا مال، ولا قوة، فأصبحوا يرجون الناس ويخافون من الناس أيضاً هذا حالهم باختصار ثم أنشدت تقول:

    وبينا نسوس الناس في كل بلدة     إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

    فأف لدنيا لا يدوم نعيمها     تقلب تارات بنا وتصرف

    فبعد أن خرجت الدنيا من يدها، تأفف على الدنيا، وهذا يذكرنا بما كان يقوله المعتمد بن عباد لما سلب، وكان في سجنه، وفي قيده، ورأى بناته في الذل كان يقول:

    من بات بعدك في ملك يسر به      فإنما بات بالآمال مغروراً

    لا تغتر بدنياك، بما لك، بكلام الناس، بالسمعة، بالجاه، بالمنـزلة كل هذه الأشياء والله الذي لا إله غيره إن لم تغادرك هي، فإنك سوف تغادرها أنت، مالك إلا أحد حلين، فانظر -بارك الله فيك لنفسك، واحتفظ لنفسك، واعمل لنفسك عمل العقلاء العارفين.

    حال كثير من أصحاب الأموال:

    ونحن نجد اليوم كثيراً من أصحاب الأموال الهائلة الطائلة الذين كانوا يعدون ممن يسمون بالملايرة -مليونير- يملك أموالاً هائلة، وبعد ذلك تصيبه نكبة، فتاتي على كل ماله -يجتاح ماله- وقد يموت في السجن لأنه مطالب بأموال هائلة لا يستطيع سدادها وكم نجد من كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها، من الشاهات والرؤساء والسلاطين الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، فأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ [هود:102-103] فهذا ضياع الدنيا، وثقوا أيها الإخوة إن الذي يشرب الماء البارد، ويأكل كسرة الخبز في ظل ظليل، ثقوا أنه أسعد في دنياه، وأحلف بالله الذي لا يحلف إلا به على ذلك، إنه أسعد بدنياه من كل هؤلاء الذين يخيل إليك أنهم سعداء بأموالهم، وجاههم ومنـزلتهم، لكن يجد الإنسان في نفسه من العناء والشقاء والركض وراء الدنيا وحطامها؛ ما لا يجده ذلك الفقير المتواضع القانع بما أعطاه الله عز وجل قال تعالى: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    ربنا ظلمنا أنفسنا، واعترفنا بذنوبنا، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.

    سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك،

    وصلى الله وسلم على عبده، ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين,

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئــلة

    الإسراف في المباحات

    السؤال يقول: فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل الإسراف والإغراق في المباحات مع عدم ارتكاب المحرمات، يعتبر من الترف الممنوع شرعاً أم لا؟ وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: ما دام سميناه مباحاً، معناه أن الإنسان غير ملوم بالوقوع فيه، سواءً كان مأكولاً أو مشروباً أو غير ذلك؛ لأنه مباح ليس بحرام، لكن قال كثير من السلف: إن فضول المباح ذريعة إلى المكروهات، كما أن المكروهات ذريعة إلى الحرام، فإن إغراق الإنسان في فضول المباحات، ولا شك سوف يحرمه من كثير من الطاعات والأعمال الصالحات، مثلاً إذا أكثرت من الأكل في الليل، ما الذي يحصل؟ يحصل أن الإنسان إذا أكثر الأكل أكثر النوم، فإذا أكثر النوم أصيب بالكسل، لا أقول لا يقوم الليل، بل ربما نام عن صلاة الفجر.

    استفادة الأعداء من الأحداث

    السؤال: يقول: نشكرك على تحملك مشقة السفر، والحضور إلى هذه المنطقة ونسأل الله جل وعلا أن يوفقك في الدنيا والآخرة وأشهد الله عز وجل على حبك، وبعد، سؤالي عن مدى استفادة أعداء الإسلام من الأحداث الجارية الآن؟

    الجواب: أما استفادة أعداء الإسلام من الأحداث، فإنهم يرقصون الآن؛ لأنهم مستفيدون من كل الأحداث، لا شك أن الأحداث استفاد منها أعداء الإسلام، وصنعوا كثيراً منها، ونجحوا في مخططاتهم وفيما يريدون، ولكن مع ذلك نقول كما قال الله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17] لهم يوم قادم، ونقول: مهلاً يا يهود، جيش محمد سوف يعود، عليه الصلاة والسلام، فجنود رسول الله، وحملة دين الله، لم يموتوا، بل هم أحياء، ولن يموتوا إلى أن يرسل الله ريحاً طيبة في آخر الدنيا فتقبض أرواحهم، فهم باقون ببقاء هذا الدين، محفوظون بحفظ الله عز وجل له، والأحداث تصنعهم، فهي كالنار التي توقد على الذهب، فيبقى خلاصته وصافيه وإبريزه، ويذهب غشه ودخنه.

    جريدة المسلمون

    السؤال: يسأل عن جريدة المسلمون التي نجد فيها بعض الكتابات لكم فما رأيكم فيها؟

    الجواب: أما جريدة المسلمون، فهي: إحدى مطبوعات الشركة العربية المعروفة، وهي بلا شك في الأصل ذات هدف مادي تجاري، لكن لا يمنع أن هذه الجريدة مخصصة للقضايا الإسلامية، واستكتاب الدعاة والمشايخ والعلماء، ولست أرى حرجاً في المشاركة فيها أو في غيرها، أمراً بالمعروف أو نهياً عن منكر، أو دلالة على خير، أو تحذيراً من شر، وإن كنت لا أذكر لي كتابة في هذه الجريدة، إلا قبل أكثر من سنة، نشروا فصولاً من كتابي حوار مع الغزالي، اللهم إلا أن يكونوا نشروا لي شيئاً هذا اليوم فأنا لم أطلع عليه.

    صحة حديث: ( تصالحكم الروم …)

    السؤال يقول: روى ابن ماجة في باب الملاحم، وأبو داود عن النبي صلى الله عليه آله وسلم أنه قال: {تصالحكم الروم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدواً، فتنتصرون وتسلمون، ثم ينصرفون إلى مروج ذي ثلول، فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب.... الخ} ما صحة هذا الحديث؟ وهل لفضيلتكم رأي في علاقة هذا الحديث بالأحداث الراهنة؟

    الجواب: الحديث رواه أبو داود وسنده صحيح، من حديث ذي مخبر، بل وفي صحيح مسلم ما يشهد له من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

    أما علاقته بالأحداث -حتى لا أكرر الكلام أو أطيل- بينت رأيي في هذا الحديث وغيره، من أحاديث الفتن في محاضرة، موجودة بعنوان نظرة في أحاديث الفتن.

    تصفيق الرجال

    السؤال: يقول: إني أحبكم في الله، وأرجو من الله، ثم منكم الإجابة على هذه الأسئلة المحيرة:

    السؤال الأول: ما هو قولكم، ونصيحتكم لمدرسي التربية الرياضية الذين يكلفون الطلاب في التمارين الصباحية، بالتصفيق في كل تمرين؟

    الجواب: أحبك الله، وأحبنا وإياكم جميعاً، وجعلنا وإياكم من المتحابين فيه، الذين يحشرون يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه على كل شيء قدير، أخي مدرس التربية الرياضية: لا أعلم في مناهج إدارة التعليم، أو وزارة المعارف نصاً يعتبر التصفيق جزءاً من برنامج التربية الرياضية، والتصفيق بالنسبة للرجال ممنوع من وجهين:

    أولاً: أنه تشبه بالنساء، كما في الصحيحين: {إنما التصفيق أو التصفيح للنساء}.

    وثانياً: إنه من عادات الكفار، إنهم إذا رأوا ما يعجبهم، ألهبوا تصفيقهم، فهذا قد يقال بتحريمه ولذلك أقول: يجب أن تمنع الطلاب منه، ولا تلزمهم بالتصفيق، لكن تدربهم على التمارين الرياضية التي تقوي أجسامهم وتنفعهم.

    حكم الأسابيع التي تشارك فيها المدارس

    الفقرة الأخيرة من سؤال هذا الأخ: يسأل عن حكم الأسابيع التي تشارك فيها المدارس كأسبوع الشجرة، وأسبوع النظافة، وأسبوع المساجد، ويقول هل هي بدعة؟ وما يصنع الإنسان تجاهها؟

    الجواب: لا أستطيع أن أعطي رأياً خاصاً، لأنني لم أبحث المسألة بحثاً مستفيضاً يمكنني من إعطاء رأيي، لكن أذكر أن هناك فتاوى في هذا الموضوع لكبار العلماء، يمكن للأخ أن يراجعها، إنما أعلق على الموضوع بشكل عام، أنه خاصة الأشياء المتعلقة بالجوانب الشرعية كأسبوع المساجد -مثلاً- نحن نقول إن السنة كلها يجب أن تكون سنة عناية بالمسجد، وليس فقط أسبوعاً واحداً، لأن المسجد هو مدار الراحى بالنسبة لحياة المسلمين، فهو مكان أداء الصلاة، وتعلم العلم، وإقامة حلقات تحفيظ القرآن، والعبادة وغيره.

    حتى إن المسجد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأزمان المسلمين الأولين لم يكن يخلو طيلة الليل والنهار، من مصل، أو ذاكر، أو قائم، أو قاعد، أو عابد، أو مسبح، أو طالب علم أو ما شابه ذلك، ولهذا كانوا إذا جاءوا بأسير ربطوه في سارية من سواري المسجد، لأنه لا يمكن أن يفك، فالمسلمون يراقبونه أربعاً وعشرين ساعة، وكذلك بيت المال لما أسسه عمر رضي الله عنه، جعله في قبة المسجد لأنه لا يمكن نقبه والحالة هذه.

    فالمسجد هو مدار الراحى في حياة المسلمين، وينبغي بالمناسبة أن نحيي رسالة المسجد، ليس فقط بالاحتفالات، أو لوحات أو ما شابه ذلك، لا،بل نحييه إحياءً حقيقياً، كثرة دروس تحفيظ القرآن الكريم، والدروس العلمية، فكل واحد يشارك بما يستطيع قل، أو كثر، أحيي الأثر، لا يموت دور المسلم، تشارك بموعظة، بكلمة، بخطبة، حتى لو لم يكن في أهل المسجد طالب علم، فينبغي أن يجتمعوا في دبر الصلوات ويقرءوا في كتاب، ربع ساعة، أة ثلث ساعة، أو أقل، أو أكثر، ثم يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفون.

    المهم أن نجعل للمسجد دوراً، نحيي فيه الحلقات والدروس، فنجعل المساجد مفتوحة دائماً وأبداً، لكل من أراد ذكراً، أو علماً، أو خيراً، أو براً.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    السؤال: هذا سائل يبين أنه مسرور جداً، بمقدمكم إلينا، ويقول: أن قلوبنا تخفق فرحاً بكم، ويسأل، ويقول: هل يقف واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر المقرر على العلماء تجاه الحكام عند حد التبليغ وتكراره، أم لا بد من قيادة العمل باليد للقيام بهذا الواجب؟

    الجواب: هذا دور علماء الأمة، وهو دور مشترك في الواقع؛ لأن العالم قد لا يستطيع أن يقوم بدوره مفرداً إلا أن تكون الأمة معه، وكذلك أفراد الأمة لا يستطيعون القيام بهذا الدور، ما لم يكن لهم قيادة علمية شرعية من علماء أهل السنة والجماعة، فالدور مشترك، الواجب الذي علينا نحن؛ أن نلتف حول علمائنا، لأن أهل السنة والجماعة -أحياناً مع الأسف- قد يتخلون عن علمائهم، فيخذلونهم، فيصبح العالم ليس له لسان، لا يستطيع أن يقوم بما يريده فعلينا أن ندرك جيداً ما هو الدور الذي يجب أن نقوم به.

    أغاني عن أحداث الأمة

    السؤال: نقرأ عن قيام بعض الفنانين بإنتاج عديد من الأغاني، وذلك لمواجهة المرحلة التي تمر على الأمة هذه الأيام، سؤالي: ما رأيكم في ذلك؟ وما هو موقفنا الصحيح تجاه أولئك الأشخاص؟

    الجواب: الله المستعان، كل ينفق مما عنده!!

    التكلم في العلماء

    السؤال يقول: يا فضيلة الشيخ إني أحبكم في الله، ونرجو منك تكرار الزيارة إلينا في هذه البلدة لنستفيد مما أعطاك الله، ثم يقول: ما رأيك عمن يتكلم في العلماء بالسب وغير ذلك، بسبب الفتوى الذي يفتي بها بعض العلماء التي لا توافق رغبته؟

    الجواب: أحبك الله، أما الكلام في أهل العلم، فهذا من علامة أهل البدعة؛ إذا رأيت الرجل يقع في أهل العلم وأهل السنة، فأعلم أنه أقرب إلى الهوى، ولا يحق للإنسان أن يتكلم في عالم، وأقصد بالعالم، العالم الحق، الذي يخشى الله عز وجل، والوقوف عند حدود الله، والتي أذعنت له الأمة ودانت لعلمه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {أنتم شهود الله في أرضه، من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار} فإذا تكلمت الأمة بلسان واحد، وأثنت على عالم، فهذا العالم له قدره ومكانته، ونرجو له الخير عند الله عز وجل.

    وأما كون الفتوى توافق الإنسان أو لا توافقه، فهذا أمر آخر، فإن مسائل الاجتهاد مما لا ينبغي فيها التعنيف على من خالف، وإن اجتهد وأصاب فله أجران، وإن أجتهد وأخطأ فله أجر واحد، فلا تعنف على من خالف ما ترى، هذا إذا كنت أنت طالب علم، أو معتمداً على قول عالم آخر، أو طالب علم آخر، أما إذا كان لمجرد نظرة شخصية، فهذا لا يصلح، بل على الإنسان أنه لا ينتقل من عالم إلا إلى عالم، أي أنه لا تنتقل من عالم لتأخذ برأيك الشخصي، لا،ممكن أن تنتقل من عالم وتأخذ برأي عالم آخر في مسألة أنت مقتنع بأن قول هذا العالم: هو الصواب، وأعمق، وأبعد، وأدق نظراً، هذا حسن؛ لأن العالم ليس معصوماً من الخطأ، وليس نبياً يتبع في كل شيء، بل هو يجتهد بحسب وسعه، وهو مأجور عند الله عز جل ما دامت نيته صالحة، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

    شكر النعم

    السؤال: هل يكفي لشكر النعم أداء الفرائض، واجتناب المعاصي بقدر المستطاع، مع الاستغفار، أم لا بد من أمور أخرى سواء في المعاملة أم في الأعمال الصالحة الأخرى؟

    الجواب: يقول الله عز وجل: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] إذاً الشكر ليس كلمة تقال باللسان، لا! الشكر ثلاثة: بالقلب واللسان والجوارح:

    أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجب

    فقبل لسانك، ينبغي أن يكون قلبك ساجداً لله عز وجل، منكسراً بين يديه، مذعناً له، محباً، خائفاً، راجياً، وأعمال القلوب هي أجل الأعمال وأشرفها، ومع ذلك قل من الناس من يهتم بها، ثم يفيض القلب على اللسان كلمات الشكر لله جل وعلا، ثم يفيض على الجوارح، أن تصرف قوتها وقدرتها في طاعة الله، وتصرف ما وهبها الله عز وجل من النعم في مرضاته.

    اقتناء التلفاز

    السؤال يقول: بعض الناس تهاونوا في اقتناء جهاز التلفاز، فأرجو من فضيلتكم التنبيه على هذا الأمر وإذا تاب الإنسان من اقتناء أمثال هذه الأجهزة أيجوز له بيعها، والاستفادة من ثمنها، أم لا بد من إتلافها؟

    الجواب: الحقيقة أنا لا أرى للرجل الغيور، والحريص على نفسه وأسرته، أن يقتني في بيته تلفازاً لأسباب:

    أولها: أن هذا الجهاز فيه الغث والسمين، وغالب ما فيه الغث، وهذه ناحية.

    الناحية الأخرى: أن الذي يقول: أريد أن أراقب هذا الجهاز لا يستطيع، لأنه من غير المعقول أن يصبح عبارة عن بواب! يغلق الجهاز متى شاء ويفتحه متى شاء، وظيفته، وظيفة مراقب أبداً، هو سيأتي ويذهب ويعود ويخرج ويبقى في البيت الأهل والأولاد والصغار والكبار، فيستخدم الجهاز فيما لا يرضي الله عز وجل.

    أما كيف يتخلص منه؟ فلا ينبغي له أن يبيعه، وأن يستفيد من قيمته، بل ينبغي أن يستعيض بالله عز وجل، وما يرزقه الله عز وجل خير وأبقى، ويتخلص منه بإتلافه.

    دورنا تجاه فلسطين

    السؤال: يقول: ما هو دورنا تجاه قضية فلسطين إذا تخلى أهله عن الجهاد؟

    الجواب: هي ليست قضية فلسطينفحسب، بل عندنا قضايا كثيرة، الأمة اليوم في أنحاء الأرض، في مشارق الأرض ومغاربها تعيش أزمات وأحداث، وقد استأصلت بقاع كثيرة من بقاع المسلمين ووقعت في أيدي الأعداء، كـفلسطين، والفلبين، وأفغانستان، وإرتيريا، وغيرها، بل وقبل ذلك بلاد الأندلس، أسبانيا وغيرها، وهناك بلاد وقعت في أيدي الكفار، وهناك بلاد وقعت في أيدي المنافقين، ليس عن طريق القوة العسكرية المسلحة، لكن أخذوها بالمغالبة، وبأساليبهم الخفية، وحكموها بقانون الكفار، وغيروا معالم الإسلام فيها، وقضوا على آثاره، كل هذه البلاد -الله المستعان- لم يبق فيها من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه.

    وقد تسمع الأذان في بعضها، لكن لا تكاد تجد من يصلي! وإن وجدت من يصلي لا تجد من يصلي على السنة! وإن وجدت من يصلي على السنة، لم تجد القلب الذي يحترق لقضايا المسلمين، ولا يعمل على إعادة الإسلام إلى الواقع، -فالله المستعان-

    شكر الله لفضيلة الشيخ هذه الكلمات ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وأن يجعل هذه في موازين أعماله يوم القيامة، وأن يبيض وجوهنا ووجوهكم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.