إسلام ويب

حديث الساعةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مرت على الناس أزمة شديدة وأطلت عليهم حرب ضروس توقعوا فيها كل مصيبة، وهم لا يملكون أمامها شيئاً إلا شراء الحاجات المنـزلية وادخارها لعلها تعدم مع الحرب، وهنا يبرز موقف العالم الصادق يبين للناس كيف يقفون عند الأزمات مؤنساً لهم بسير السلف، وما المواقف الصحيحة الواجبة في هذه الأزمات وجماعها الارتباط بالله سبحانه وتعالى.

    1.   

    أسباب انشغال الأمة عن قضاياها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الأحبة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    إن هذه الليلة التي نرجو الله تعالى أن تكون ليلة مباركة علينا وعليكم، وعلى جميع المسلمين، هي ليله الثلاثاء لعله الثامن والعشرون أو التاسع والعشرون، ولا نريد أن نؤرخ بالتاريخ الميلادي، وإن كان التاريخ الميلادي أصبح معروفاً عندكم بلا شك في هذه الليلة خاصة، حتى إن أحد الشباب من الرياض كتب إلي رسالة؛ يقترح أن يكون موضوع هذه المحاضرة (خمسة عشر يناير) يقول: لأن هذا العنوان لا يسمعه أحد إلا تعجب، وأحب أن يدرك ما وراءه.

    أيها الإخوة: حديث الساعة، هو عن القضايا التي يعيشها المسلمون في هذه الأيام، بل في هذه الشهور، بل في هذه السنين، ولعل من أعظم ما ابتليت به الأمة الإسلامية اليوم -أيها الأحبة- أنها أصبحت أمة معزولة عن قضاياها، ومشاكلها، وأمورها الكلية، فأصبح الفرد العادي في الأمة الإسلامية صاحب اهتمامات هامشية وفرعية وجزئية، ومشغولاً بقضايا لا قيمة لها عن القضايا الخطيرة والمؤثرة في حاضره ومستقبله.

    الفن وما شاكله

    لعلك تجد أن كثيراً من المسلمين اليوم شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً مشغولين -مثلاً- بقضايا الفن والفنانين.

    إنك لو ناديت أي صبي صغير، وطلبت منه أن يقرأ عليك أغنية، لقرأها دون أن يتردد أو يخطئ في حرف منها، لكن ربما لو طلبت منه أن يقرأ سورة من القرآن، لتلكأ وتردد وعجز عن ذلك، حتى أصبح الفن قضية كلية، وأصبح أصحابه يسمون نجوماً وأبطالاً، وما ذلك إلا لأن الأمة قد عظّمت هذا اللون، ولعلكم أيها الإخوة تلاحظون أننا في هذه الأيام نسمع جميعاً أخبار توبة الفنان المعروف محمد عبده، وتتناقل الصحف أخباراً مؤيدة أو معارضة، بحسب مزاج الصحيفة ورغبتها وطريقتها في العرض، ولا شك أن كل مسلم يسر بتوبة هذا الرجل أو غيره، وقد كنت كغيري ننتظر مثل هذا الخبر؛ لأن الرجل -كما سمعنا- فيه خير كثير إن شاء الله، ونرجو الله عز وجل أن يصحح توبته ويثبتنا وإياه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    أقول: كل مسلم يسمع هذا الخبر يسر له، وكل مسلم يسمع قراءة الرجل لآخر سورة البقرة، وما فيها من التأثر لا يملك عينيه، وهو يرى هذا الرجل يقرأ آيات الله تعالى فيتأثر ويبكي، ويظهر هذا في صوته، ولا حرج في هذا، بل هذا هو الأمر الطبيعي، ولكن الأمر الذي أحب أن أتوقف عنده، إننا نجد في هذه الأيام، بل ومنذ زمن أن التائبين الراجعين إلى الله عز وجل يعدون بالألوف، بل بعشرات الألوف من كافة الأصناف وكافة الطوائف.

    فربما تاب -مثلاً- عالم ذري كبير، وربما تاب مهندس عظيم، وربما تاب إنسان ذو مكانة كبيرة أو مسئول أو موظف، فلا يكاد يسمع بخبره أحد، فضلاً عن جماهير الشباب التي تئوب إلى الله عز وجل ولا يدري بها أحد، ولا يكترث لها أحد، فما هو سر اهتمام الأمة كلها بتوبة رجل؟ كما تهتم -مثلاً- بتوبة لاعب أو صلاحه واستقامته فتتناقل الناس في مجالسهم أخباره وأحاديثه وقصصه، وتكترث له أشد الاكتراث، السر هو أن الأمة أصلاً عظمت هذا اللون من الناس، فأصبحت تهتم بأخبارهم، وتتابعها أولاً بأول، وتعتني بها، وأصبح الخبر الذي يتعلق بهم، حتى لو كان خبراً عادياً، أصبح الناس يتناقلونه، فإذا كان الناس -مثلاً- يتناقلون جلسة فنية جديدة لفنانٍ ما، أو يتناقلون زيَّاً جديداً صنعه صانع معين، فما بالك إذا كان هناك خبر غير عادي، مثل خبر توبة هذا الإنسان، لا شك أن الدواعي تتوافر على تناقل هذا الخبر، وما ذلك إلا لأن الأمة قد كبرت الاهتمامات الهامشية والشكلية والجزئية في عقلها وحياتها وضخمتها فأصبحنا نسمى أهل الكرة أبطالاً! وذلك لأن مفهوم البطولة قد اختل عندنا. ولا شك أن هذا جانب.

    الركض وراء لقمة العيش

    الجانب الآخر الموجود عند أكثر الشعوب الإسلامية، هو الركض وراء لقمة العيش، فتجد كثيراً من المسلمين في كثير من البلاد، وإن شئت فقل في جميع البلاد إلا ما قل، أصبح الواحد منهم يركض وراء لقمة العيش، فالطوابير الطويلة مصفوفة تنتظر الخبز، وطوابير أخرى مثلها على المواد التموينية، وبعضهم في بعض البلاد يصرفون بطاقات ينتظرون لها أوقاتاً، ويصرفون فيها أعماراً، فأصبح الفرد المسلم مشغولاً بلقمة العيش، وكيف يستطيع الحصول عليها له ولزوجته ولبنيه ولبناته، ولذلك لا مجال عنده للتفكير بأمور الأمة، ولا بالقضايا المهمة؛ لأنه مشغول بلقمة العيش.

    الطموحات الدنيوية

    أما آخرون وهم كثير فأصبح كل همهم أو جل همهم الطموحات الدنيوية، ولو أنك سألت فصلاً من الفصول الدراسية في مستوى متوسط أو ثانوي أو جامعي عن آمال وطموحات هؤلاء الشباب، لوجدت كثيراً منهم لا تتعدى طموحاتهم الأشياء القريبة، مثل أن يتمنى الواحد منهم مسكناً واسعاً، أو سيارةً فارهةً، أو زوجة حسناء جميلة، أو مرتباً فخماً ضخماً، أو وظيفةً مريحةً، أو ما أشبه ذلك، أما أن نفكر في قضايا الأمة، ويكون عند الواحد منا طموح أن يكون له دور في إصلاح الأمة، وتصحيح مسيرتها؛وهذا قد لا يفكر فيه إلا الأفراد القلائل.

    الاهتمام بقضايا هامشية

    هل نحن نلوم الأمة بهذا الكلام؟ نعم، لا شك نلوم الأمة، ولكنني أقول: مع لوم الأمة فإننا لا نشك في أن هذا الواقع الذي صرنا إليه، إنما هو نتاج جهود كبيرة من غيرنا، ممن حاولوا أن يقولوا لنا: دعوا التفكير في قضايا الأمة لغيركم، ولا تتدخلوا فيما لا يعنيكم، ويكفيكم أن تأكلوا وتشربوا، وتنعموا بالملبس والمأكل والمركب والمسكن، وبعد ذلك دعوا القيادة ودعوا التفكير في أمور الأمة، ودعوا النظر في قضاياها لغيركم، واعتبروا هذا الأمر شيئاً من تدخل الإنسان فيما لا يعنيه، فقضايا الأمة مهمشة، والأمة معزولة عن قضاياها، حتى القضايا الكبيرة الخطيرة!!

    أيها الإخوة: أرأيتم يوم دخلت الأمة الإسلامية، بل لا أقول: الأمة الإسلامية بل وإنما دخلت الأمة العربية، أو دخلت بعض الدول العربية الحرب مع إسرائيل عام (1956م) و(1967م) وغيرها، هل دخلتها باسم الإسلام؟! هل شعرت الأمة بأن المعركة معركتها؟! أبدا دخلت باسم العروبة، وكانت بعض الإذاعات العربية بدلاً من أن تعلن التوبة، والرجوع إلى الله عز وجل تقول عن طائرتها الميراج:

    ميراج علت واعتلت     في الجو تتحدى القدر

    كأنها تتحدى الله عز وجل، في الوقت الذي هي أحوج ما تكون فيه إلى نصر الله عز وجل، وإلى عونه عز وجل، وإلى أن تكون مشاعر المسلمين معها، فكانت تعلن مثل هذا الكلام الكافر الفاجر.

    فالأمة ذات اهتمامات مهمشة ومعزولة عن قضاياها الكبيرة، فضلاً عن القضايا الصغيرة، ومشغولة بمثل هذه الأمور -التي أشرت إليها- ولا شك أن المسئولية الحقيقية في الإسلام هي مسئولية الجميع، حتى الأتباع يسألون، وأنت حين تقرأ القرآن الكريم تجد قول الله عز وجل: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * = 6000173>وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ[البقرة:166-167] ويقول: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:47-48] وفي الآية الأخرى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] ويقول الله عز وجل حكاية لكلام أهل النار: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُم لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:67-68] وكذلك يقول الله عز وجل عن فرعون وقومه: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِين فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:54-55] ويقول سبحانه: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [الأنعام:129].

    إذاً: ليس صحيحاً أبداً أن الإنسان غير مسئول، أو لا علاقة له بالأمر، أو لا دخل له بهذه القضايا، كلا، بل كل مسلم مسئول عن قضايا الأمة، دقت أم جلت، صغرت أم كبرت، ولا يعفيه من المسئولية أن يقول: ليس بيدي شيء، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ.

    1.   

    أمثلة من القرآن على الشعور بالمسئولية

    أيها الإخوة: لو نظرنا في الأجيال القدوة، الأجيال السابقة من المؤمنين، سواء قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أم في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أم في الأجيال اللاحقة من المؤمنين؛ لوجدنا أنهم يتعاملون مع القضايا بطريقة أخرى مختلفة تماماً، ولعلي أضرب لكم بعض الأمثلة، فيما يتعلق بالأجيال من الأمم السابقة، يحكى لنا الله عز وجل عدة أخبار من أخبار هؤلاء الأقوام، فيها عبرة فمثلاً يقول الله عز وجل في سورة "يس": وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ [يس:20-23].

    إنه رجل من أقصى المدينة يسعى يركض ركضاً، لماذا يأتي؟ لإنقاذ الموقف، لإعلان كلمة الحق يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينََ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:20-21] ليس له غرض، ولم يكن سعيه خوفاً من فوات صفقة تجارية -مثلاً- ولا خوفاً على نفسه أو روحه، بل بالعكس كان يسعى إلى حتفه وهو يعلم ذلك، لأنه قتل بسبب جهره بكلمة الحق، وتعزيزه لموقف النبيين المرسلين، فقتل فقيل له: ادخل الجنة، فدخل الجنة: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    إذاً: هذا رجل واحد، لكنه يركض؛ لأنه يشعر أنه مسئول، وكأنه يرى أن هذا الأمر لابد أن يبلِّغه قبل أن يموت،

    أو يهلك دونه، فجاء من أقصى المدينة يسعى.

    كذلك الحال بالنسبة لقصة موسى عليه الصلاة والسلام، فإن الله عز وجل ذكر فيها: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20] هذا الرجل الآن يريد أن يخبر موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الداعية النبي الرسول، يريد أن يخبره بأن هناك مؤامرة ضدك يا موسى، فعجل بالخروج، وانظر لنفسك مهرباً مما يحاك ويدبر في الخفاء، فهذا الرجل ربما كان يتعرض لخطر كبير، حين كشف القضية وفضحها، وبيّن الأمر لموسى، وربما يمسك القوم به، ويقولون: ما دام نجا موسى بسببك فلابد أن نأخذك أنت عوضاً عنه، ولكنه تجاهل كل هذه المخاوف، وجاء يركض ركضاً إلى موسى ليبلغه بالخبر قبل أن يقع موسى في هذه المؤامرة، فقال له يا موسى: إن الملأ -من هم الملأ؟ العلية، علية القوم والكبراء والأمراء والزعماء- يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين، فيخرج موسى عليه الصلاة والسلام خائفاً يترقب -كما ذكر الله عز وجل-.

    لم يقل هذا الرجل هذه قضية لا شأن لي بها، وهذه قضية تخص علية القوم، تخص الملأ والكبراء، لا، بل رأى أنه ما دام علم بالخبر، وعلم بالمؤامرة التي تحاك ضد نبيٍ من أنبياء الله، ووليٍ من أولياء الله؛ فلابد أن يبلغه، ويقوم بواجبه في هذا الأمر، ولو قال: لا شأن لي بالأمر، ولا علاقة لي بالموضوع، وأنا خارج الدائرة، ما كان بلغ موسى خبر هذه المؤامرة عليه.

    1.   

    أمثلة من حياة الصحابة

    هناك أمثلة كثيرة من حياه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أكتفي بنماذج سريعة منها، تدل على أن كل فرد منهم، حتى صبيانهم كانوا يشعرون بنوع من الارتباط بقضايا الإسلام، وأنهم لا بد أن يشاركوا فيها بوجه أو بآخر.

    فكم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حضروا المعارك وقاتلوا، وهم دون الحلم، كان بعضهم أبناء عشر وإحدى عشرة سنة، ومع ذلك كانوا يحملون السلاح، ويخوضون المعارك، وما خبر معاذ ومعوذ ابني عفراء عنا ببعيد، وهو خبر معروف في الصحيحين، ومثل عبيد بن أبي وقاص، وغيرهم كثير، أما أبناء أربع عشرة، وخمس عشرة، فحدث ولا حرج.

    وكان الواحد منهم إذا رده الرسول عليه الصلاة والسلام عن المعركة لصغر سنه، كان يرجع إلى أمه يبكي وكأنه منع من أن يخرج في رحلة ممتعة مع زملائه وأقرانه، حتى استقبالهم للرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء مهاجراً عليه الصلاة والسلام من مكة، كان الأنصار يخرجون من كبار السن من الشيوخ، وحتى الأطفال ينتظرون مقدم النبي صلى الله عليه وسلم خارج المدينة، حتى إذا ارتفع النهار، واشتدت الشمس ولم يأت قطعوا الأمل من مجيئه، رجعوا إلى بيوتهم وهكذا، وحتى لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقدم من إحدى المعارك، كان الصبيان الصغار يستقبلون الرسول عليه الصلاة والسلام بالأهازيج، والأناشيد، التي يعبرون بها عن حبهم له، وفرحهم بمقدمه، وقصيدة طلع البدر علينا المشهورة، كانوا يقولونها عند مقدمه صلى الله عليه وسلم من تبوك:

    طلع البدر علينا     من ثنيات الوداع

    أيها المبعوث فينا      جئت بالأمر المطاع

    وجب الشكر علينا      ما دعا لله داع

    حتى الصبيان كانوا يرددونها، وحتى النساء كانت تـتباشر، وتـتخابر بمقدم النبي عليه الصلاة والسلام سواء في حادثة الهجرة، أم في غير حادثة الهجرة، بل إنك تجد أدواراً بارزة لصغار السن، قد لا يقوم بها الكبار، وما دور أسماء بنت أبي بكر في نقل الطعام للرسول صلى الله عليه وسلم حين كان في الغار هو وأبوها؛ ما هو بخافٍ على أحد.

    1.   

    أمثلة لما بعد الصحابة

    بل لقد حفظ لنا التاريخ أشياء أشبه ما تكون بالأعاجيب، حتى إنني أذكر أنني قرأت في ترجمة، أو في تاريخ نور الدين محمود أنه قام يوماً من الأيام فخطب على المنبر، ودعا الناس إلى الجهاد ضد الصليبيين، فخرج الناس إلى بيوتهم، وربما كان منهم من يقول مثل ما نقول اليوم: لا شأن لنا بالموضوع!! وكانت امرأة تسمع الخطبة فتأثرت وبكت وانفعلت، ثم رجعت إلى بيتها، فبدأت تحاسب نفسها، وتقول: ما هو الدور الذي يجب أن أعمله؟ فكرت وقدرت، فرأت أنها لا تملك شيئاً، تقول الرواية والقصة: فلم تجد إلا أنها قطعت جديلتها (أي: شعر رأسها وضفيرتها) وبعثت بها إلى الأمير، وقالت له: إني لا أملك إلا هذه فضعها لفرسك، أو لفرس أحد جنودك، وبغض النظر عن كون تصرف المرأة خطأً أم صواباً، نحن لا نصوب هذا العمل الآن، لكنني أقول: المهم هو الفكرة نفسها، هو أن امرأة شعرت بأنها يجب أن تصنع شيئاً، وحينئذ تتفتق الحيلة عن أسباب ووسائل وطرق لم تكن تخطر على بال.

    فربما أنا، وأنت، والثاني، والثالث نعجز عن ذكرها، لكن لو أن الأمة فكرت كلها، وكل فرد فيها فكر ماذا يجب أن أعمل؟ لكان عندنا مليون أو عشرة ملايين أو مائة مليون عقل كلها تفكر في أمر واحد، ولابد أن تخرج بنتائج مما لا تخطر على بال أحد.

    1.   

    الخلل في هذا الجيل المعاصر

    أما نحن هذا الجيل المعاصر، الذي أثرت فيه مخططات أعدائه الداخليين والخارجيين، بسبب ضعف الإيمان والتقوى وضعف الصبر، فإن هذا الجيل أصبح جيلاً متواكلاً، يكتفي أن يلقى بالمسئولية على الآخرين، فنحن نلقي بالمسئولية على الحكام، وأحياناً نلقى بالمسئولية على العلماء، ولا شك أن الحكام مسئولون، والعلماء مسئولون، ولكن نحن -أيضاً- جزء من المسئولية على أعناقنا قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] وقال: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [الأنعام:129] وقال: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54] والعالم جزء من الأمة، والحاكم جزء من الأمة0

    1.   

    اهتمام الأمم الأخرى بقضاياها وقضايانا

    المؤسف أيها الأحبة أننا حين ننظر إلى الأمم الأخرى الكافرة، كـاليهودية -مثلاً- أو النصارى، الأمم الغربية والشرقية، نجد أن هذه الأمم تهتم بقضاياها، بل تهتم بقضايانا اهتماماً كبيراً، ففي كل قضية -كالقضايا التي نعيشها اليوم- تجد هؤلاء القوم في ذروة الاهتمام، فهم لا ينتقلون -مثلاً- من مؤتمر إلا إلى مؤتمر آخر، والدراسات تشتغل صباح مساء، ومراكز الأبحاث والإحصائيات والجلسات والمناقشات والتحليلات الإخبارية والتنقلات، والرحلات والتجمعات واستبيانات الرأي العام -كما تسمى- جهود كبيرة، بل إن هناك وسائل حية تنقل الأحداث أولاً بأول -وعلى سبيل المثال- الكل أصبح يعرف الـ"سي إن إن" التي هي عبارة عن وكالة تلفزة أمريكية، مهمتها نشر الأخبار على مدى أربع وعشرين ساعة، وعن طريق الأقمار الصناعية، ويتابعون الأخبار أولاً بأول، ويصنعون رأي الناس من خلال أخبارهم، وفضلاً عما تقوم به مراكز الأبحاث المختصة، من دراسات موسعة فضلاً عن الاستبيانات والإحصائيات الكبيرة التي يجرونها في بلادهم، ولذلك يرصدون يوماً بعد يوم تغيرات الرأي العام، فأحياناً يقولون -مثلاً-: الشعب الفلاني يؤيد الحرب بنسبة كذا وكذا، وأحيانا يقولون: لا يؤيد الحرب بنسبة كذا وكذا، وأحياناً ترتفع النسبة، وأحياناً تنحدر.

    فهم يتابعون أولاً بأول، من خلال وسائل معينه معروفة، يتابعون رأي الفرد العادي، حتى شعر الفرد العادي بأن له دوراً، وأن رأيه مؤثر، وسارت مظاهرات في شوارعهم ترفع اللافتات والأصوات تعبر عن رأي أو رأي آخر معارض له.

    المهم أن هذه الشعوب الغربية، أصبحت تحس بأن هذه القضايا قضاياها، وأنها يجب أن تفكر فيها، ويجب أن تقدم رأياً فيها، وأنه ليس من حق ساستها وزعمائها أن يقطعوا أمراً دونها، ولا أن يقودوها إلى أي وجهة إلا بعد أن يأخذوا أراء الأمة في مثل هذه الأمور.

    1.   

    عدم اهتمام المسلمين بقضاياهم

    أما المسلمون فلا شك أن المسلم العادي، أصبح لا يكترث بمثل هذه القضايا إلا من خلال زاوية واحدة، تظهر من خلال الأحداث التي نعيشها الآن.

    فما هو الأمر الذي فعلناه، ونحن نترقب -كما يقولون- ساعة الصفر! كل ما فعلناه، هو أننا التفتنا فوجدنا كل فرد منا حصل على مكاسب معينة، في سكنه وبيته وأهله ومؤسساته ومزارعه، فصار حريصاً على ألا يضيع شيئاً من هذه المكاسب، فركض الناس إلى تأمين معايشهم وأرزاقهم، وتأمين ما يحتاجون إليه في حالة توقف التيار الكهربائي، أو في حالة عدم إمكانية الخروج، أو ما أشبه ذلك، فأصبح الناس كل همهم أن يشتري واحد منهم سراجاً يضيء به بيته، حتى حدثني بعض الإخوة الثقات أن قيمة السراج وصلت إلى مائة وعشرين ريالاً، ويقول لي أحد الجيران: شاهدت معركة أمس في السوق، فبعض أصحاب المستودعات كان عندهم سرج منذ زمن قديم قد عفا عليها الزمن، وقد تركت -وكما يقول المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد- فقام وأخرجها يقول: فاضطرب الناس حولها، وصار عراك شديد، وارتفعت الأصوات، وامتدت الأيدي، وأصبح الحصول على السراج أحياناً بالسوق السوداء.!!

    إذاً المهم أن يوجد سراج يضيء بيتنا، وكذلك الأمتعة والأطعمة والمؤن فيشتري الإنسان كميات كبيرة منها تكفيه لسنوات، وكأن الواحد منا يفكر أنه في حالة حصول شيء -ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم وسائر المسلمين- كل ما في الأمر أن الواحد سوف يغلق عليه بابه، ويجلس يأكل ويشرب! وإذا مات جيرانك جوعاً! لا يهمك أمرهم!!

    أين أنت حتى من الشاعر الجاهلي الذي يقول:

    ولو أني حبيت الخلد فرداً           لما أحببت بالخلد انفرادا

    فلا هطلت علي ولا بأرضي      سحائب ليس تنتظم البلادا

    هذا في الجاهلية، أما حين جاء الإسلام أصبح الأمر شيئاً آخر، كان الواحد يموت من أجل جرعة من ماء يسقيها أخاه، قال تعال: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] وأصبح الناس في حالة من الهلع والفزع والرعب، لا يعلمها إلا الله عز وجل، فأقول: كل ما يحرص عليه الإنسان العادي اليوم هو أن يؤمن نفسه، ويؤمن معيشته، ويؤمن بيته بهذه الأشياء، ولا يفكر في أمر آخر وراء ذلك.

    حتى إنني سمعت أن بعض الغربيين يقول: أنتم أحد رجلين إما شجعان أو مجانيين، إما شجعان شجاعة تجعل الإنسان لا يعبأ بالحرب ولا يبالي بها ولا يكترث لها، وإما إنكم لستم تفكرون تفكيراً صحيحاً، فإن العالم الآن البعيد يضطرب، فما بالك بالقريب، أنا لست أدعو إلى أن نظهر فزعاً أو هلعاً أو رعباً، ولكن سأتحدث عن قضية التوكل على الله عز وجل وأمور كثيرة إن شاء الله، لكنني أتعجب من أن كل همنا وتفكيرنا أصبح مقصوراً في تأمين معايشنا، والحفاظ على ما كسبنا، فالإنسان الذي عنده -على سبيل الفرض- عمارة قد بدأ بإنشائها، وإصلاحها أصبح ينظر إليها صباحاً مساءً، ويدير فيها النظر، وكأنه يقول: يا أسفاه على ما ضاع في بنائها، وهو يظن أنه لا يكملها، إذاً همه مربوط بهذه الأشياء المادية.

    1.   

    واقعنا لا يؤهلنا للجهاد

    إذا كان هذا هو الواقع -أيها الإخوة- فإنني أقول: إن هذا دليل على أننا لا نصلح للجهاد بهذا الشكل، لأن يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه لما غزا إحدى البلاد، فأوشكت الشمس على المغيب، قال لها: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئاً فتوقفت الشمس، توقفت لـيوشع عليه الصلاة والسلام فغزا وانتصر، لكنه قبل غزوه -وهذا هو الشاهد- قال لقومه -اسمعوا هذه خطبة الجهاد-: لا يتبعني منكم رجل قد عقد على امرأة، ولمّا يدخل بها، أي: إنسان قلبه معلق بزوجته سيدخل عليها، هذا لا يصلح لنا، فلينصرف إلى زوجته، فانصرفت طائفة، فقال: لا يتبعني رجل قد ملك إبلاً وغنماً وهو ينتظر نتاجها وولادها، هذا لا يصلح لنا، فليذهب إلى بقره وغنمه وإبله.

    ثم قال: لا يتبعني رجل بنى داراً ولما يرفع سقفها، فقلبه مشغول "بالفيلا" هذا لا يصلح للجهاد؛ لأنه يفكر بقضية الدهان والتبليط والسباكة، والأشياء التي لا تتناسب مع مشاعر وروح المجاهد في سبيل الله عز وجل! فانصرف هؤلاء، وهؤلاء، وهؤلاء، فغزا فانتصر، إلى آخر القصة المعروفة.

    فالمهم أن الأمة المجاهدة، يجب أن تكون مجاهدة بحياة قلوبها، وبارتفاع معنوياتها، وبصدق إيمانها، وبصحة توكلها على الله عز وجل، وليس بتعلقها بهذه الأشياء الدنيوية.

    أيها الإخوة: لا يفهم من كلامي هذا أني أعارض اتخاذ الأسباب، كلا، فإن اتخاذ الأسباب التي هي أسباب فعلاً، ما دامت مباحة لا بأس بها، يسأل كثير من الناس يقول: مثلاً وضع ما يسمى (بالشطرتون) على النوافذ، نحن لا نعتب على الناس أن يفعلوا هذا، لا نقول لهم افعلوا، لكن لا نعتب على من فعل هذا، فهو أمر عادي، سبب عادي، وإذا كان هناك خوف حقيقي من شيء، واتقاه الإنسان بسبب قد أباحه الله تعالى له، فليس المقصود أن نعتب على الإنسان بهذه الأمور، لكن العجب كل العجب، أن تكون كل اهتمامات الناس، وتفكيرهم، وأسئلتهم عن ذلك، فكم واحد الآن يسأل عما قضية ماذا يجب أن نصنع للإسلام! نادر، لكن مئات، بل ألوف يسألون كيف نصنع؟ هل نضع أشياء على النوافذ؟! ماذا نصنع بأولادنا؟! ماذا نصنع في بيتنا؟! هل نستخدم أو لا نستخدم؟!

    إذاً الذين يسألون عن سلامتهم الشخصية، وسلامة زوجاتهم، وسلامة أطفالهم ومعيشتهم، أعداد غفيرة من الناس، لكن الذين يسألون عن قضية الإسلام، وماذا يصنعون للإسلام؟ أستطيع أن أقول: إنهم أفراد قلائل، وهذا أمر لا شك خطير؛ لأنه يدل على أن مشاعر الأمة ما زالت دون المستوى المطلوب.

    بعض الناس يسألون -أيضاً- عما يعرض الآن، أو يعلن للأمة في أجهزة الإعلام، من طلب الاحتياطات، وكيفية ما يصنعه الإنسان، ورأيت كثيراً يرون أن هذا الأسلوب في أجهزة الإعلام غير سليم وغير جيد، لأنه أوجد الرعب والفزع في نفوس الناس، ومع أنني ربما تحدثت سابقاً في قضايا كثيرة تتعلق بوضع الإعلام، وضرورة تصحيح الإعلام، وبناء الإعلام بناء يضمن أن توجد الأمة المجاهدة الصحيحة، إلا أنني في هذه المرة بالذات أقول في رأيي: أن شد مشاعر الناس في هذه الظروف لا بأس به، لماذا نظل دائماً أمة ترف؟! وأمة خوف، ورعب، لو مر قط من أمام أحدنا، ربما أصيب بهلع، وارتفع نبض القلب، أنظل إلى الأبد هكذا؟!

    لا دع الناس يسمعون مثل هذه الأخبار، ومثل هذه النذر، ويحسون أن هناك خطراً يهددهم،حتى ترتفع معنوياتهم، يرتفع إيمانهم، ويقبلون على ربهم.

    الآن الناس -يا إخوان- في البلاد -مثلاً- التي تعودوا على سماع أزيز الرصاص وأصوات المدافع، وأصوات القنابل فيها، كما هي الحالة بالنسبة في لبنان مثلاً، أو في أفغانستان، أو أي بلد، أصبحت هذه الأشياء عادية جداً عندهم، فأصبح الطفل -مثلاً- قد يرى أمه تقتل الساعة، ثم يذهب إلى حال سبيله، فالأمر أصبح عادياً عنده، فكل أمر إذا اعتادت عليه الأمم والشعوب لم يعد يخيفها، فيمكن أول مرة ربما يفزع الناس ويرعبون وينـزعجون؛ لكن بعد ذلك يتطبعون، ونحن في حاجة إلى أمة تتطبع على الجهاد وتحيى مشاعر الجهاد، وروح الجهاد، وليست أمة همها الأكل والشرب وهمها سلامتها الشخصية فحسب، لا! نحن نريد أمة تعيش لغيرها لا لنفسها، ونريد أفرادا يعيشون لأمتهم، نريد قلوباً قوية عزيزة، لا يخيفها أن تسمع صوت طائرة، أو تسمع صوت الإنذار.

    ولذلك أقول: إن هذا الذي يحدث الآن كان يجب أن يحدث منذ زمن طويل، وكان يجب أن نربي الأمة ليس على الغناء واللهو والطرب والمشاعر والأشياء التي تحدر قلوبهم، وتميت ضمائرهم، وتجعلهم خامدين وميتين وخاملين، وأهل رخاوة وضعف واستحذاء وتأنث، لا! كنا من زمن بعيد بحاجة إلى أن نجند أجهزة إعلامنا، وأن نجند كل وسائل التربية عندنا إلى بناء جيل قوي، وبناء أمة مجاهدة؛ لأن الجهاد قدر هذه الأمة أمس واليوم وغداً، ويجب أن نعلم ذلك، ونصدقه.

    1.   

    المواقف الصحيحة للأمة تجاه الأخطار

    أيها الإخوة أما الموقف الصحيح، الذي يجب أن نتخذه في مثل هذه الظروف الصعبة، الحرجة التي تعيشها الأمة، فهو مما يطول الكلام فيه، لكنني أشير إلى بعض النقاط على سبيل الاختصار:

    الاهتمام بقضايا المسلمين

    أولاً: لا بد -كما أشرت إلى شيء من ذلك- أن نحس بمشكلات الأمة إحساساً حقيقياً، كما نحس بمشكلاتنا الخاصة، أنا أريد أن أعرض عليك يا أخي الحبيب مثالاً:

    لو أن رجلاً سبَّك، وقال فيك: فلان الذي فيه كذا وكذا، وأعطاك من ألفاظ السب، والشتم ما لم تسمع من قبل، ماذا كنت تصنع؟ الغالب أن الواحد منا يغضب، وينفعل لذلك ويتأثر، ويقوم بكل وسائل الإنكار على الذي سبه، وإن استطاع أن يدفع السب بيده فعل، فصفع هذا الإنسان أو ضربه، وإن لم يستطع سبه بصفة مقابلة، وشتمه كما شتمه، وإن لم يستطع فإنه يرفع به إلى الجهات المختصة، لطلب أخذ الحق منه0

    فما بالك لو أن إنساناً جاء، وسب القبيلة التي تنتسب إليها، سواء أكان ذلك مشافهة أم ألف كتاباً يقول فيه قبيلة كذا فيها كذا وكذا، ما الذي كان سيحدث؟! كنا جميعاً نثور لهذا الأمر الذي حصل، كل أفراد القبيلة يقومون، وتتنوع وسائل الإنكار، بمكاتبة المسئولين، والإنكار على من أذن بطبع الكتاب، ومصادرة هذا الكتاب وحرقه، ومحاصرة المكتبات التي قامت ببيعه أو توزيعه، والضغط على المؤلف، والاتصال الهاتفي، وزيارته، وتوبيخه، حتى يضطر إلى أن يعلن اعتذاره، ويسحب ما قال ويعلن أنه أخطأ، أو يقول: هذا خطأ مطبعي، فالمهم أن الرجل -فعلاً- شعر بأنه يجب ألا يقول مثل هذا الكلام مرة أخرى.

    فمثلما تغضب لنفسك، أو لبلدك، أو لقبيلتك نريد منك أن تغضب لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولإخوانك المسلمين فتكون قضايا المسلمين حية في قلبك، كما أن القضايا التي تخصك أيضاً حية في قلبك، أرأيت لو أن رجلاً تعرض لموضوع الترقية لما كنت ستترقى من رتبة إلى أخرى، فتعرض لها إنسان، وعرقل هذا المشروع، فإن أقل ما كنت تفعل أن تتكلم به في المجلس، فلان هذا الحسود والحقود والذي فيه وفيه، لقد تعرض لي وهو لا يضره الأمر بشيء، لكنه حقد علي، وتبدأ تتكلم عنه في كل مجلس.

    ولو أن إنساناً أخذ أرضاً منك بغير حق وهي لك؟ فأقل ما كنت تصنع أنك تشكوه، فإذا عجزت عن استخلاص حقك منه، كنت تقول لأهل بيتك: الليلة أيقظوني قبل صلاه الفجر بساعة، قالوا يا فلان:

    ما هو السبب؟! ليست من عادتك -الله المستعان- أنك تقوم الليل، لعلك تقوم بالفرائض! تقول: نعم، لكن هناك فلان ظلمني، أنا الليلة سأخصص القيام للدعاء على فلان، لأن دعاء المظلوم مستجاب.

    يا أخي: نحن نريد منك أن تهتم بقضايا الإسلام، مثلما تهتم بهذه القضايا، سواء بسواء، تتكلم في قضايا الأمة، مثلما تتكلم في قضاياك الشخصية في المجالس، وتوعي الناس مثلما توعيهم في موضوعك الخاص، وتدعو ربك، ولا مانع أن تقوم في إحدى الليالي خصيصاً لموضوع دعوة الله، تدعو الله عز وجل لأمر الإسلام والمسلمين، وتدعوه لتفريج كربات الإسلام والمسلمين.

    إذاً القضية الأولى: أنه يجب علينا أن نهتم، ونكترث لقضايا الإسلام، وقضايا المسلمين في كل مكان، على الأقل كما نهتم ونكترث بقضايانا الشخصية وأمورنا الذاتية، فهذا أقل ما يجب0

    التوعية بين الناس

    الأمر الثاني: أنك تتحدث عن هذه القضايا، ويعد هذا جزءاً من واجبك الشرعي، فنتحدث عن قضايا الأمة كلها، قضاياها العقائدية والدينية، وقضاياها السياسية، وقضاياها الاقتصادية، وقضاياها الإعلامية، وقضاياها العسكرية، فهذه ليست حكراً على أحد، وهذه كل مسلم مطالب بأن يكون له رأي صحيح مبني على الكتاب والسنة فيها، وأن يتكلم بهذا الرأي الصحيح في كل مجلس، ويوعي الناس بمثل هذه الأمور، ومن الخطأ أنك تقول: هذا من الفضول، وهذا كلام لا داعي له، أنا أشتغل بما يعنيني. وما هو الذي يعنيك؟! هل هي فقط أمور الصلاة والصيام والحج؟! هذه كلها من الدين -لا شك-، لكن أيضاً من الدين أن تتكلم في قضايا الأمة والمصالح العامة، وتوعي الناس بها، وتبين إن كان لله ورسوله فيها حكم ظاهر عندك بينته، وإن لم يكن ظاهراً سألت عنه، ثم بينته للناس.

    فنريد أن تتحدث عن هذه القضايا، ولا تعد الحديث فيها فضولاً، أو تدخّلاً فيما لا يعنيك، أو ما أشبه ذلك، من كلام بعض الناس الذين يعدون هذا إضاعة للوقت0

    اللجوء إلى الله بالدعاء والعبادة

    الأمر الثالث: الذي نريده منك -وفقك الله وحماك- أن تقوم لله عز وجل بالقنوت والذكر، والعبادة والدعاء فإن هذا من أزمنة الدعاء، كما يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما رواه مسلمعن معقل بن يسار يقول عليه الصلاة والسلام: {العبادة في الهرج كهجرة إلي} يعني أن إقبال الناس على الله عز وجل بالعبادة في أزمنة الهرج، وهي أزمنة الفتن والقتل والقتال مثل الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته، وهذا فضل عظيم للعابد، لا يكون له في أي حال، إنما يكون في مثل أوقات الفتن، التي سماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقات الهرج.

    فنريد منك أن تقبل على العبادة وتفزع إلى الصلاة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، ومن العبادة ذكر الله عز وجل بألوان الذكر، من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، فإن هذا يقربك إلى الله عز وجل زلفى.

    ومن العبادة أيضاً، القنوت، والدعاء لله -جل وعلا- فإن ميزة المؤمنين أنهم يتضرعون إلى الله -تعالى- والمؤسف أيها الإخوة أن الله حكى في القرآن الكريم حتى عن الكافرين، أنهم في أزمنة الشدة، يتضرعون إلى الله عز وجل فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65] وقال: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [يونس:22] دعوا الله مخلصين له الدين، واليوم أهل الإسلام وأهل التوحيد وأهل العقيدة الصحيحة -كما يقولون هم عن أنفسهم- تمر بهم الأزمات والنكبات والفتن والمحن، فلا يفكرون إلا في مواعيد الأمم المتحدة وقرارات بوش، وفيما ينتهي إليه اجتماع الكونجرس0

    أما الإقبال على الله عز وجل والتضرع إلى الله تعالى، وما أصدق الدعاء، فكأن كثيراً من الناس ضعف في قلوبهم الاقتناع، والإيمان بتأثير الدعاء، كأن كل واحد يظن أن الأسباب المادية غلبت، فنظن أن الدعاء لا يصنع شيئاً0

    أتهزأ بالدعاء وتزدريه           ولا تدري بما صنع الدعاء

    سهام الليل لا تخطي ولكن      لها أجل وللأجل انقضاء

    فالدعاء من أعظم الأسلحة، التي ينبغى أن يتضرع بها المؤمنون، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في معركة بدر، يواجه عدواً ثلاثة أضعافهم من حيث العدد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في العريش، يرفع يديه إلى الله تعالى بالدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبه، وهو يقول: {اللهم إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد بعد اليوم حتى يرى أبو بكر رضي الله عنه التأثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشدة؛ فيعتنقه، ويلتزمه من ورائه ويقول: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك، فإن الله -تعالى- منجز لك ما وعد} فهذا هو صدق الدعاء وصدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك فإن الدعاء، والبلاء يعتلجان ما بين السماء والأرض، فيرد الدعاء البلاء، {لا يرد القضاء إلا الدعاء} كما جاء في حديثٍ رواه سلمان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد حسن: {لا يرد القضاء إلا الدعاء} فيصدق العبد في دعائه لله جل وعلا.

    والدعاء يكمل الإنسان به العجز في الأسباب المادية، فلا تقعد فقط، وتدعو، لكن الدعاء من الأسباب الشرعية، ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً في فتح مكة حرص على ألا يصل خبر الغزو إلى قريش، فوضع العيون والحراس على أنقاب المدينة، حتى لا يتسرب الخبر، هذا هو السبب المادي، ثم بعد ذلك قال: {اللهم عم عليهم فلا يصل إليهم الخبر} هذا هو السبب الشرعي، وهو الدعاء، فيجمع بين الأسباب المادية وبين الأسباب الشرعية، ويعلم أن الأسباب المادية لا ثمرة لها إلا بالأسباب الشرعية، والتي من أهمها الدعاء، وصدق اللجوء إلى الله عز وجل.

    ولذلك فإن من المناسب جداً في نظري، أن يقنت الناس في مثل هذه الأيام، وأتعجب حين نقول: إن القنوت يشرع في النوازل، ولا نقنت الآن!! متى تكون النوازل؟! وما لون النوازل إذاً؟! هل هي حمراء؟! أو صفراء؟! إذا لم تكن الأزمات التي نعيش بها الآن، وتعيش بها الأمة هي من أعظم النوازل، بل لو قلت: إن الأمة لم تعش مثل هذه النوازل منذ عهد الحروب الصليبية، بل ربما منذ عهد النبوة، لما كان هذا غريباً، فالأمة ليس في هذا البلد فقط، بل في جميع بلاد الإسلام، تعيش من النوازل والزلازل والفتن والمحن والتفرق والتشريد وتسليط الطغاة والبغاة والأعداء، وتشتت العقائد والقواعد، ما لم يكن لها بمثله عهد منذ مئات السنين.

    فهذه عين النوازل، فينبغي للناس أن يفزعوا إلى لله عز وجل بالقنوت في الفرائض ويدعوا، ليس لأنفسهم فقط، بل يدعون لأنفسهم ويكون صلب الدعاء هو الدعاء لهذه الأمة بالنصر والتمكين والفرج، وحمايتها من كيد عدوها، وندعو الله عز وجل أن يحمينا من كيد عدونا أياً كان هذا العدو، سواء أكان عدواً ظاهراً أم مستتراً، داخلياً أم خارجياً، فالأعداء كثر، وكما قال الله عز وجل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60] فهناك أعداء ظاهرون، والعدو الظاهر يكون أمره أهون؛ لأنه يكافح ويواجه ويحارب، والمشكلة في العدو المستتر، سواء أكان هذا العدو المستتر، من المنافقين المندسين، أم كان من المتظاهرين بالصداقة:

    فمنهم عدو كاشر عن عدائه           ومنهم عدو في ثياب الأصادق

    ومنهم قريب أعظم الخطب قربه           له فيكم فعل العدو المفارق

    كم من عدو في ثياب صديق! ولذلك يجب أن ندعو الله عز وجل أن يحمي الأمة من كيد صديقها وعدوها -إن صح التعبير- ولا نكون مثل ذلك الذي يقول: اللهم اكفني شر أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم. نقول: لا، نحن لسنا كفيلين بأحد، اللهم اكفنا شر أعدائنا، وشر أصدقائنا -إن صح التعبير- وشر أنفسنا أيضاً، وشر شرارنا، فيدعو العبد ربه عز وجل بكل هذه الأشياء، ولعل من الأدعية المناسبة في مثل هذه الظروف، وإن لم يكن دعاء مشروعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه في معنى الدعاء المشروع، وأرى أنه مناسب، كما يقول بعض الصالحين يقول: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين.

    فهذه إذا حصلت؛ فالحمد لله رب العالمين، لا نريد أفضل من هذا، أن يهلك الله -تعالى- الأعداء بعضهم ببعض، ثم يسلم هذه الأمة ويخرجها سالمة، ويحفظ لها قوتها، ويحفظ لها شبابها، ويحفظ لها رجالها، فنقول: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين وكما قال تعالى: رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286] المهم أن يقبل على ربه بصدق في الدعاء.

    التوبة والاستغفار من كل الذنوب

    ومن الأسباب أو الوسائل المتعلقة بالموقف الصحيح، قضية التوبة والاستغفار، فإن الاستغفار من أسباب دفع العذاب والبلاء، كما قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] فالذين يستغفرون الله تعالى بصدق، يرفع الله عنهم العذاب، بسبب صدق استغفارهم.

    فينبغي أن نكثر من قول: (استغفر الله، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ومن ذلك سيد الاستغفار المعروف: {اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر كما صنعت أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت} وكما قال نوح عليه السلام: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12] ومع الاستغفار لابد من التوبة، فإن العبد لا يسعه أن يستغفر، وهو مصر على ذنبه مقيم عليه، فلابد من التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وما أدراك ما هي الذنوب والمعاصي؟! إذا سمعت هذه الكلمة، ظن الناس أن الذنوب والمعاصي هي فقط الذنوب الظاهرة الفردية، ولا شك أن كل الذنوب يجب التوبة منها، فهي أن يتوب الإنسان من كل ذنب.

    فيتوب من أكل الربا، ويتوب من أكل الحرام، ويتوب من سماع الغناء، ويتوب من كل معصية لله عز وجل، ويتوب من ترك الجماعة أو ترك الصلاة، وخاصة صلاة الفجر، ويتوب عن عقوق الوالدين، ويتوب من كل ذنب.

    لكن أيضاً هناك ذنوب عامة، يجب أن نتوب إلى الله عز وجل منها، وهي ذنوب قد ابتليت بها الأمة كلها -فمثلاً- من هذه الذنوب التي يجب التوبة منها وعدم الإصرار عليها: التخلف، فالتخلف ذنب، فكون الأمة الإسلامية تعتمد على عدوها في كل شيء، حتى في الإبرة التي تخيط بها الثياب، هذا تخلف!! تخلف صناعي، وهو ذنبُ تحاسب عليه الأمة، وتأثم به، خاصة القادرين على ذلك، فنتوب إلى الله تعالى من التخلف، سواء كان تخلفاً اقتصادياً، أم تخلفاً صناعياً، أم تخلفا سياسياً، أم تخلفاً علمياً، في أي مجال من مجالات الحياة.

    كيف نتوب؟! نتوب بأن نعقد العزم على أن نصحح وضعنا، وأن نبدأ بداية صحيحة في الوصول إلى التقنية التي تحتاجها الأمة، والتقدم العلمي في كل مجالات الحياة بحيث تظل الأمة الإسلامية هي الأمة القائدة الرائدة، وليست أمة تأخذ عن الآخرين، وتقلد غيرها من الشعوب، مع أن هذه الأمة لا ينقصها شيء، فأعظم ثروات الدنيا عندنا و(70%) من نفط العالم هو في هذه البلاد، فهي كما يقال: تعوم فوق حقل من النفط، ولا ينقصنا المال والثروة، ولا ينقصنا العدد البشري، فإن هذه الأمة الإسلامية هي في المرتبة الثانية، في عدد أفراد الديانات في العالم، وأكثر من خمس سكان الكرة الأرضية من المسلمين، ولا ينقصنا القدرات البشرية العقلية، فإن عندنا علماء ومفكرين ومختصين، ولكنهم مع الأسف في جامعات الغرب يعملون، وفي مراكز الأبحاث هناك يشتغلون, وقد استفاد الغرب من خبراتهم وإمكانياتهم، لكننا نحتاج إلى خطة حقيقية واضحة، تضمن لهذه الأمة أن تتوب إلى الله تعالى توبة نصوحاً من هذا التخلف الذي ظل يخيم عليها عشرات السنين. فهذه من الذنوب.

    ومن الذنوب أيضاً الركون إلى العدو، والله عز وجل يقول: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113].

    فإن ثقتنا بعدونا، واعتمادنا عليه، وطاعتنا للكافرين في كثير من أمور الحياة هي التي أوردتنا الموارد، وأوصلتنا إلى هذه المهالك التي نعيش فيها الآن، والله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] وبين عز وجل أن طاعة الكافرين دمار في الدنيا والآخرة، وأن من أطاع الذين كفروا، أو فئة من الذين كفروا، ردوه على أعقابه خاسراً كافراً والعياذ بالله.

    فلا يجوز للمسلم أن يطيع الكافرين في هذه الأمور، بل ينبغي أن نعلم عداوتهم لنا ولديننا، وأن نعصيهم في هذه القضايا، وأن نطيع الله سبحانه وتعالى ورسوله، وأن نطيع الناصحين، فليس صحيحاً أن تثق بالكافر ولا تثق بالمسلم، على أي مستوى، الآن نفترض أن عندك مؤسسة في عمل، فتجد أن بعض أصحاب المؤسسات يقول: لا آتي بعمال مسلمين، فنقول له لماذا؟ يقول: لأنهم خونة!! فيأتي بكفار والعياذ بالله نقول له: كيف تثق بالكافر، ولا تثق بالمسلم؟! وهكذا الحال بالنسبة للشعوب الإسلامية، كثيرٌ من حكامها لا يثقون بشعوبهم، ويخافون منها، ومع ذلك يثقون بعدوهم، كيف تثق بعدوك ولا تثق بصديقك؟! هذه أيضاً من المعاصي التي يجب أن يتاب إلى الله عز وجل منها، فإن المسلم مهما كان أقربُ لك من غيره، ومهما كان عنده من التقصير والنقص والمعصية والخطأ، فمهما كان فالمسلم خير من غيره، وكما قال الله عز وجل: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221] هذا حكم الله عز وجل في كتابه يتلى إلى يوم القيامة.

    ومن الذنوب والمعاصي التي يجب أن نتوب إلى الله منها، إيثار المصالح على المبادئ، فكثيرٌ منا -أفراداً وجماعات ودولاً وحكومات- نؤثر مصالحنا على مبادئنا، وهذا خطأ كبير، فالأصل أن المبادئ هي التي تسيرنا، فالدين هو الذي يحكمنا في الدقيق والجليل، والمصالح تأتي تبعاً لذلك، وما كان مصلحة للدين، فهو مصلحة للدنيا، فليست علاقتنا مع الناس القريب والبعيد، وأمورنا كلها، مبنية على مصالح تتقلب وتتغير أبداً، فعندنا مبادئ وأسس وأصول وقواعد ثابتة واضحة لا تتغير، والمصالح تأتي تبعاً لذلك، ولا يمكن أن نقدم المصلحة على العقيدة أو على الدين أو على قواعد شرعية ثابتة مطردة، وليس صحيحاً أن نتلاعب بالمثل والأصول والدين بحجة أننا نبحث عن مصالح معينة، فكل هذه ذنوب يجب أن يتاب إلى الله منها، وأن نصحح معنى المعصية في نفوسنا.

    الخروج من المظالم ونصر المظلومين

    أمر خامس: هو ضرورة الخروج من المظالم ونصر المظلومين، أيها الإخوة: يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في حديث متفق عليه عن أنس: {انصر أخاك ظالما أو مظلوما} قال يا رسول: هذا أنصره إذا كان مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: {تحجزه وتمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره} فينبغي أن نكون جميعاً في نصرة المظلومين منا، ونأخذ بحقهم بقدر ما نستطيع، ونتكلم في قضاياهم، وندافع عن مصالحهم مهما كان الذي ظلمهم، وأيضاً ننصر الظالمين؛ ليس بإعانتهم على ظلمهم وتأييد ما وقعوا فيه، وإنما بمنعهم من الظلم، وأن نقول لهم كلمة الحق لا نخاف في الله تعالى لومة لائم، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

    {لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} ولما جاءت أم سلمة من الحبشة، سألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أعجب أمر رأته بـالحبشة، فقالت: { يا رسول الله: رأيت امرأة عجوزاً تحمل قربة على ظهرها، فجاء شاب طائش فضربها وأسقطها، وسقطت القربة وانتثر الماء، فقامت هذه العجوز وقالت له: ستعلم يا غدر- أي يا غادر- إذا نـزل الله عز وجل يوم القيامة لفصل القضاء، كيف يكون جزاؤك } فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام وقال: {صدقت صدقت، لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع} وفي حديث وإن كان فيه ضعف {إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم. فقد تودع منها}.

    إذاً: الأمة تهلك وتموت كغيرها إذا انتشر فيها الظلم، ولم يوجد من يغير الظلم، أو ينصر المظلومين، أو يقف إلى صفهم، مهما كان المظلوم، خذ -على سبيل المثال-: العمال. العمال في مجتمعنا في كثير من الأحيان مظلومون، فقد يؤخر عنهم راتبهم، فلا يعطون رواتب أشهر متتابعة، وقد تبخس حقوقهم، وقد يظلمهم صاحب العمل، وقد يجور عليهم بالعمل، وقد يسيء معاملتهم، وقد يسكنهم -أحياناًً- في صناديق أو أماكن لا تصلح حتى للحيوانات، أليسوا بشراً؟! أليس عندهم إنسانية؟! خاصة أنهم قد يكونون مسلمين، أليس هذا صحيحاً؟!

    إذاً: لابد من أن نرفع الظلم عن المظلومين بكل وسيلة، ونعلم أن هذا من أسباب نصر الله -تبارك تعالى- لنا، وكذلك لابد أن نساعد الضعفاء والفقراء والمحتاجين والمعوزين، وأن نحرص على حقوقهم، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في الحديث الصحيح: {ابغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون -لاحظ وتنصرون- بضعفائكم بدعائهم واستغفارهم} يا أخي: لا تستخف بالصبي الصغير -مثلاً- وبالمرأة الضعيفة وبالعجوز أو الشيخ المسن وبالرجل الضعيف وبضعيف العقل وبالفقير وبالمسكين ولا تستخف بهؤلاء أو تنظر إليهم شزراً، أولا تأبه بهم؛ لأن المقياس عند الله عز وجل ليس بهذه الأشياء الدنيوية أبداً، هؤلاء يجب أن تعطيهم حقهم، وتحفظ لهم مكانتهم، وتقدرهم، وتحاول أن تساعدهم بقدر ما تستطيع.

    اذهب يا أخي إلى الأحياء الشعبية في أي مدينة وانظر كيف يعيشون، تجد كثيراً منهم قد لا يجدون لقمة العيش أحياناً!! وإلى جوارهم أصحاب قصور عامرة وفارهة، يتقلبون في ألوان النعيم!! إن هذا من أسباب هلاك الأمم، وقد يسلط الله علينا عدونا، بسبب مثل هذه الأمور.

    فيجب أن نفزع إلى الله تعالى أيضاً بتوبة نصوح من السكوت على ألوان الظلم، ونفزع إليه بتوبة نصوح، من عدم الاهتمام بشئون الفقراء والضعفاء، بل نهتم بهم ونرعى شئونهم، ولا نكل ذلك -مثلاً- إلى جمعية فقط، وإن كان للجمعية دور طيب، بل كل فرد منا ينبغي أن يحرص على أن يقوم بدوره في هذا السبيل، وهذه كلها أمور لابد من مراعاتها.

    مع ذلك لابد من نصر الشعوب المظلومة، هذا في داخل البلد -مثلاً- أو الدولة، لكن حتى الشعوب الإسلامية المظلومة، لابد أن تتذكر أنه ربما تبتلى أمة، أو دولة ببلوى بسبب إهمالها لصرخات شعب من الشعوب، ربما شعب من الشعوب منذ سنين طويلة، يئن ويصرخ ونحن نسمع، هذا إذا كنا مؤمنين فعلاً بأن الله تعالى يعاقب، وهو يعاقب ولا شك، فرب شعب من الشعوب صرخ على مسمع منا، فما أغثناه، فاليوم نحن نسدد الدين، وجاء الدور علينا.

    فيجب أن ندرك أن من واجبنا الخروج، والتوبة من معصية، وهي نصرنا للشعوب الإسلامية في كل مكان، وعدم تعزيزنا لمواقفها، ويجب أن نكف عن إيذاء هؤلاء المؤمنين على أقل تقدير، إن لم نقم بنصرهم، فلا أقل من أن نكف شرنا عنهم.

    يا أخي: لا تتكلم في المسلمين كلاماً عاماً، نحو الشعب الفلاني فيه كذا وكذا، لا يجوز لك هذا، وإياك إياك أن تقبل ضيماً لإخوانك المؤمنين أو تشهيراً بهم! أليس من المحزن -أيها الإخوة- أن نعلن للناس فيلماً يتكلم عن الشعب الأفغاني المجروح المطعون، الذي يعيش حرباً دموية منذ أكثر من عشر سنوات، أو اثنتي عشرة سنة مع عدو كافر كاسر، فيلماً يتكلم عن هذا الشعب، ويصور نساءه بأن المرأة منهن لا هم لها إلا أن تكون في حضن الرجل؟! وهو من صناعة أعدائنا الكفار الأمريكان، أليس هذا خذلاناً لهذه الشعوب المؤمنة؟! هذا الفيلم عرض، وهو يباع في المحلات، كما حدثني أكثر من واحد من الإخوة.

    إذاً ينبغي أن ننصر الشعوب الإسلامية المظلومة في كل مكان، وأن نصغي إلى صرخاتهم، وندرك بأن هذه الصرخات هي صرخات مظلومين، والله إن لم ننصرهم سنصبح مثلهم يوماً من الأيام، وربما يكون الأمر كما ترون، فعلينا أن نتوب إلى الله عز وجل من مثل هذا.

    أيها الإخوة: لقد رأينا كيف أورثت الثروات أحقاداً، وأججت ناراً، وحركت ضغائن ومزقت شعوباً، فلندرك أننا لو كنا كرماء على كافة المستويات، أفراداً وجماعات وشعوباً وحكومات، لو كنا كرماء مع المسلمين بشكل صحيح، وننصر قضايا المسلمين وقضايا الشعوب المسلمة المظلومة والمهضومة والمضطهدة، لو كان الأمر هكذا، لكان الأمر متغيراً بالنسبة لنا.

    فعلينا أن نتوب إلى الله عز وجل من الغفلة عن المظلومين، والمهضومين، والفقراء، سواء أكانوا بيننا أم كانوا في أي بلد آخر.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أمر آخر: هو قضية الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، وهو من أهم الواجبات التي يدفع الله بها العذاب عنا، وينصرنا بها، وحين أقول المعروف، أعني: كل المعروف وليس بعضه، وحين أقول المنكر أعني: كل المنكر وليس بعضه، فلابد أن نأمر بالمعروف كله، ولابد أن ننهى عن المنكر كله، ولا يمكن أن نكون كما قال الله عز وجل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] وكما قال عز وجل: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91] فلابد أن نأمر بالمعروف كله، ولا بد أن ننهى عن المنكر كله، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على كافة المستويات، في البيت والشارع والمدرسة والبلد والمؤسسة والمدينة والدولة والمسجد فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه القنوات وغيرها هو سبب الهلاك، وهو سبب اللعن، وهو سبب الاختلاف، يقول الله عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79].

    فما بالك أيها الأخ الكريم بأمة ملعونة، تدخل المعركة وهي ملعونة، هل تنصر؟! هيهات!! أبداً، إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما سمع امرأة تلعن بعيراً لها أو ناقة، قال لها: {لا تصحبنا ناقة ملعونة} فتركوها فيقول الراوي: رأيتها تسير وحدها بعيداً عن الركب.

    فإذاً الأمة ينبغي أن تخرج من غضب الله ولعنته، بأن تَصْدُق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تكون عرضة للتشتت والتفرق والاختلاف، فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سبب لتسليط الكافرين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن زينب بنت جحش: {أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه فزعاً يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه} فقالت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون، قال صلى الله عليه وسلم: {نعم، إذا كثر الخبث } تهلكون إذا كثر الخبث أي: ولم يوجد من يأمر بالمعروف، ولا من ينهى عن المنكر، إنه فتح اليوم -في ذلك اليوم الذي قال فيه الحديث- من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه، فما بالك بيومنا هذا، فقد فتح من ردم يأجوج ومأجوج بوابات واسعة عريضة!!

    ويجب علينا أن نتدارك هذا الأمر بتوبة صادقة إلى الله تعالى من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يكون كل امرئ منا قيّماً على أمور المسلمين، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يأمر نفسه وغيره بالمعروف، وينهى نفسه وغيره عن المنكر، وهذا واجبنا جميعاً، ألا ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة أو مهمة فئة معينة من الناس.

    فإنها يمكن أن تمل وتتوقف، ويمكن أن تؤذى، ويمكن أن يضيق عليها، ويمكن أن يقول الناس فيها ما يقولون، لا! فنجعل هذه القضية مهمتنا جميعاً.

    ولعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضح رءوس الضلالة والكفر، والنفاق، الذين فضحهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الله -تعالى- في كتابه سمى لنا أسماء الكفار، والكفر، مثل فرعون وقارون وهامان وأبي لهب، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم سمى لنا بعض الكافرين وبعض المنافقين، وفضحهم إلى يوم الدين.

    فهكذا نقول: إن من واجب الأمة، أن تعرف أعداءها الحقيقيين مهما كانوا، ومهما تزينوا وتسموا بأسماء إسلامية، وخدعوا الناس بألفاظهم، وبهرجهم وقيلهم وقالهم، واستدلالاتهم بالنصوص القرآنية والنبوية، فإن كثيراً من هؤلاء الناس، شأنهم كما قيل:

    له ألف وجه بعدما ضاع وجهه           فلم تدر فيها أي وجه تصدق

    فهو اليوم علماني كبير، وهو غداً فقيه متدين، وعالم جليل، ولا تدري أي وجه تصدق من هذه الوجوه، فيلبس لكل حادثة لبوسها!!

    أيها الإخوة: كثيراً ما يحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم: {ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وما بال أقوام يفعلون كذا وكذا} وسنة سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم على رءوسنا، ومعاذ الله أن نحيد عنها قيد أنملة، وإن حدنا فإنا ظالمون، ولكن هل سمعتم أحداً يقول في هذا الوقت مثلاً: ما بال أقوام يجتاحون الكويت؟! هل سمعتم هذه اللهجة؟! ما سمعنا أحداً يقول هذا، بل إن هؤلاء لابد من تعريتهم وفضحهم وكشفهم، لأنهم طغاة يتحدث بهم العالم، من أقصاه إلى أدناه، ومن الطبيعي أن يسمع الناس كلهم بأسماء هؤلاء وحقائقهم وتاريخهم، وأن يفضحوا على رءوس الأشهاد، فنقول: فلان بن فلان، نقول: حاكم العراق، أو نسمي باسمه، ونقول: إنه فعل وفعل وفعل، ولا نكتفي بأن نقول ما بال أقوام يجتاحون الكويت.

    كما أن هذا الكلام صحيح، وكلنا نصدق عليه، مثله تماماً يجب أن نقول فلان يقول عن الإسلام كذا وكذا، وفلان يقول على المسلمين كذا وكذا، وفلان يقول في الكتاب الفلاني كذا وكذا، بشرط أن نكون متوثقين، ومتأكدين من صدق ودقة المعلومات والحقائق التي ننقلها عنهم، فإن هذا من الواجب الذي أناطه الله تعالى بنا كما قال عز وجل: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] ولتستبين أي: تتضح وتظهر سبيل المجرمين. وهذا جزء من معنى لا إله إلا الله، فهي نفي وإثبات، والنبي صلى الله عليه وسلم لما مُر عليه بجنازة أثنى عليها شر فقال: {وجبت وجبت} وقال: {أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار} ومن خلع جلباب الحياء فلا غيبة له.

    وليس صحيحاً أن نترك العلمانيين والحداثيين يعبثون بمقدساتنا، وقيمنا وأخلاقنا، وعقائدنا وعقولنا، وأعراضنا وشبابنا وأموالنا أيضاً، ونسكت عنهم؛ لأننا لا نريد أن نسميهم.

    تصحيح العقيدة

    أمر سابع: لابد من تصحيح العقيدة في النفوس، وهذا من الواجبات الضرورية التي ينبغي أن نسارع إليها، خاصة في مثل هذه الظروف، لأن العقيدة أصابها منذ زمن ما أصابها، وفي هذه الأحداث خاصة ظهر للعيان أن كثيراً من الناس لا يملكون من العقيدة إلا رسوماً حائلة وأثاراً قليلة، فمثلاً قضية التوكل على الله عز وجل غابت من نفوس الكثيرين مع أنها أمر اعتنى القرآن الكريم ببيانه أتم عناية قال الله عز وجل: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] وقال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12] وقال: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11].. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] وقال: فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا [يونس:85] وقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وقال: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56].

    إذاً التوكل على الله عز وجل هو من أعظم العدد التي نواجه بها عدونا، أن نثبت ونتوكل على الله عز وجل ونعلم أن التدبير الحقيقي في السماء، وليس في أروقة الأمم المتحدة، ولا في الكونجرس، ولا في الكنيست، ولا في أي مكان، إن التدبير الحقيقي في السماء، وأن هؤلاء البشر ما هم إلا أدوات هزيلة وضعيفة، يحقق الله بهم من قدره ما شاء.

    ويا أخي الحبيب: اقرأ القرآن بروح، فاقرأ قول الله عز وجل لما ذكر قصة صالح فقال: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50] وإن كل ما تسمع من الإذاعات، وتقرأ في الصحف والتقارير، والتحاليل الإخبارية، وكل هذه الأشياء داخلة تحت قول الله تعالى: ومَكَرُوا مَكْراً [النمل:50] فهذا مكرهم، لكن كثيراً من الناس غاب عنهم قول الله تعالى: وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50] الكفار لا يشعرون، هذا أمر طبيعي وهذا شأنهم؛ لأنهم غاب عنهم استحضار عظمة الله والإيمان والتوكل عليه، فلذلك هم لا يشعرون، ويظنون الأوراق كلها في أيديهم، وأن القرار الأخير عندهم، فهم لا يشعرون، كما وصفهم الله، لكن الله عز وجل خاطب المؤمن بقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:51-52] وقال أيضاً: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17]. إذاً لا تعتبر بمكر الكافرين، من البعثيين واليهود والنصارى والشيوعيين، والحلفاء في شرق البلاد وغربها، واعتبر مكر الله عز وجل وتوكل على الله كما قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220] وثق بأن الأمر كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] يعني: كافيه ومنقذه وحاميه وناصره، ومن كان الله عز وجل حسبه فلا يضيره أن تجتمع الدنيا كلها عليه.

    أيها الإخوة: يجب أن نجعل الأسباب أسباباً فقط، ولا تتعدى الأسباب إلى أن نتوكل على الأسباب، ونؤمن أنها هي أول شيء وآخر شيء، لا!

    هناك أسئلة كثيرة، كما أتوقع تتعلق بالموضوع الذي ذكرته، قبل قليل وهي قضية الأسباب التي تذاع الآن، والتي تتخذ على مستوى الفرد.

    هذه الأشياء كلها مادامت أسباباً فلا إشكال، لكن هناك فرقاً بين مذعور فزع، ويظن أن القضية تنتهي عند هذه الأسباب، وكل همه أنه عكف على الإذاعات والأخبار، ماذا ينتهي عنه الاجتماع الفلاني؟ وماذا ينتهي عنه القرار الفلاني؟ ويظن أن القضية تنتهي عند هذا الحد، وبين مؤمن موصول بالله عز وجل فهو واثق بأن الله تعالى يدبر خيراً لهذا الدين، وأن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع الصبر، وأن من يتوكل على الله فهو حسبه، وأن الله ينصر أولياءه، ورسله، وعباده، في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

    فيكون في قلبه يقين وطمأنينة، ولذلك يذكر محمد إقبال في وصفه للمؤمنين:

    المؤمنون على عناية           ربهم يتوكلون

    لا خوف يرهبهم ولا           هم في الحوادث يحزنون

    لو مر واحدهم           هم على فرعون يجتز الرءوسا

    لأراك في الإفصاح           هاروناً وفي الإقدام موسى

    أي: أن المسلم في فصاحته كهارون، وفي إقدامه وشجاعته كموسى، وإن كان الذي أمامه كفرعون، فلابد من التوكل على الله عز وجل، وهذه الأسباب إن اتخذها وفعلها ما دامت أسباباً حقيقية وصحيحة، فلا حرج عليه، وإن ترك هذه الأسباب؛ لأنه يظن أنه لا حاجة لها بحسب اجتهاده، فلا حرج عليه أيضاً، أما الأسباب العامة التي تحتاجها الأمة من التعبئة والتجنيد والتدريب وبناء أمة مجاهدة ورفع معنويات الناس فهذا كله لا شك أنه من أهم الواجبات، ومع ذلك فلابد للأمة من التوكل على الله عز وجل.

    ولم تكن قوتنا في يوم من الأيام كقوة عدونا، وما حاربنا عدونا في يوم من الأيام بقوتنا أبداً، إنما حاربناه بقوة الله عز وجل قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] ويوم أن نعتمد على قوتنا، فضلاً على قوة غيرنا، فإن الله -تعالى- يتخلى عنا كما قال الله عز وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25].

    ومن الموضوعات المتعلقة بموضوع تصحيح العقيدة أيضاً، قضية الإيمان بالقضاء والقدر: فهذا وقت الإيمان بالقضاء والقدر وهذه حاجته.

    والمؤسف أيها الأحبة أن كثيرا من المسلمين الذين مُسخ الإسلام في قلوبهم وعقولهم، إذا وقع الواحد منهم في معصية قال: قضاء وقدر، هذا في الماضي، أما إذا جاء وقت الحاجة فعلاً إلى الإيمان بالقضاء والقدر، نسي القضاء والقدر، فيحتج به في غير محله، وينساه في محله، والواجب أنك الآن يظهر صدق إيمانك بالقضاء والقدر.

    فأنت تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس في وصيته المعروفة: {أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف} أتؤمن بهذا؟ نعم تؤمن، وكما قال الله عز وجل: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] تؤمن بأن الآجال مضروبة ومكتوبة، وأن الإنسان إذا جاء أجله لا يمكن أن يستقدم ساعة، ولا يستأخر ساعة، بل ولا لحظة، ولا ثانية، ولا أقل من ذلك قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:61] وقال: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61] وقال: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:49-50] وقال: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان:2].

    إلى غير ذلك من النصوص، التي تبين أن كل شيء عند الله مكتوب وموزون ومقدر بصفته ووقته ومكانه، فلا يتقدم ولا يتأخر ولا يتغير، ولا يزيد ولا ينقص. فهذا لا يمنع الإنسان من فعل السبب، لكن يجعل في قلبه يقيناً، وروحاً وإيماناً وصبراً وثقةً. فهذا الهلع والفزع يزول، وعلى الإنسان أن يفعل السبب ولا يبالي، بل كثير من الناس المؤمنين يفعل السبب امتثالاً للشرع، وهو لا يريد أن يفعله؛ لكن يفعله من باب الامتثال لأمر الله عز وجل بفعل الأسباب، وقد يترك السبب توكلاً على الله عز وجل، وقد جاء في حديث عمران بن حصين في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر من هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ولما سئل عنهم قال عليه الصلاة والسلام: {هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون} فينبغي أن يكون عندك إيمان بقضاء الله وقدره، وأن كل شيء مكتوب ومقدر، وأن من يهرب من بلد قد يهرب إلى الموت، فقد يهرب الإنسان إلى الموت وهو يفر من الموت.

    ومن أهم العقائد التي أصابها ما أصابها في هذا الوقت عقيدة: الولاء والبراء التي مسخت والعياذ بالله من عقول كثير من الناس، وغاب عنهم التفريق بين المؤمن والكافر، فأصبحت تسمع أحياناً الثناء على الكافرين، وتسمع الحط من المؤمنين والمسلمين، وهذه مصيبة كبرى لأن الولاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هو للمؤمنين.

    والبراءة هي من الكافرين والمنافقين، كما في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل حيث قال: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] وقال: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1].

    والمؤسف أن كثيراً من المسلمين اليوم، أصبحوا يمتدحون رءوس الكفر وطواغيته ورءوس الضلالة والفجور، ويثنون عليهم، لا أقول في أجهزة الإعلام فحسب، فإننا نسمع في أجهزة الإعلام أموراً مفزعة ومفضعة، حتى إننا نقرأ عن رئيس الولايات المتحدة -مثلاً- التعبير عنه بأنه أكبر رأس في الدنيا، وأنه صانع القرار، وأنه الرجل الأول، وأنه الذي يملك إبقاء العالم وإفناءه، وإغناء العالم وإفقاره.

    سبحان الله! هذا ما قيل ولا لـفرعون، بل اتصلت بي امرأة، تقول لي: إن عندنا امرأة تقول: إن فلاناً -تعني حاكم الولايات المتحدة- يقول للشيء كن فيكون!! فماذا يمكن أن تقول عن مثل هذا الأمر!! ليست القضية قضية الولاء والبراء، الآن تعددت القضية، أصبح تأليهاً لهؤلاء والعياذ بالله!!

    والمسلم العادي يتابع الأمور، وقد ذكر لي أنه في بعض حفلات الأعراس تضرب النساء الطبول، وتغني تمدح فلاناً وفلاناً من رءوس الكفر وزعماء الدول الكافرة، يا سبحان الله!!. أين الولاء والبراء؟! حتى لو افترض جدلاً أنك احتجت للكافر واستعنت به، هل صحيح أنك تتحول إلى محبته؟ وتثني عليه بهذا الشكل؟

    نقول: هذا لا شك أنه لا يجوز. فلا يجوز بحال من الأحوال، بل قضية الولاء والبراء قضية جوهرية أصولية ولا مساومة فيها بشكل من الأشكال. ويجب أن يعلم المسلم أياً كان، وفي كل مكان، أنه يوم يحب الكافرين ويبغض المؤمنين، أنه قد أتى باباً من أبواب الكفر والعياذ بالله، ويخشى إن دام الأمر معه أن يتطور إلى ردة صريحة، فينبغي للإنسان أن يصحح إيمانه واعتقاده، وأن يحرر ولاءه لله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، ويبرأ من الكافرين والمنافقين والفاسقين أياً كانت أسماؤم، وليس صحيحاً أن نجد من المسلمين -مثلاً- من يؤيد حاكم العراق ويثني عليه ويعتز بأقاويله وكلامه، لا،لأننا نعرف هذا الحاكم وتاريخه وواقعة أيضاً، والمزايدة بالكلام لا يمكن أن تسري على عقولنا.

    ومن الإخلال بالولاء والبراء أن المسلم فضلاً عن المتدين أو الداعية يضع يده في يد هذا الطاغية، الذي يده ملوثة بدماء المسلمين، فكل هذه الأشياء من صور الولاء المنحرف، الذي أعطاه المسلمون من لا يستحقه.

    1.   

    دروس وعبر

    وأخيراً لابد من أخذ الدروس والعبر من هذه الأحداث، ومن أهم الدروس والعبر التي نأخذها أن الدين والحق يجب أن يحرس بالقوة.

    دعا المصطفى دهراً بـمكة لم يجب وقد لان منه جانب وخطاب

    فلما دعا والسيف بالكف مصلت           له أسلموا واستسلموا وأنابوا

    وأمامنا أمران: الوحي والقوة، من كان يريد الإقناع نقنعه بالوحي، ومن لا يريد نقنعه بالقوة. وكما قيل:

    فما هو إلا الوحي أو حد           مرهف تقيم جناه أخدعي كل مائل

    فهذا دواء الداء من كل عاقل      وهذا دواء الداء من كل جاهل

    وكذلك من الدروس المهمة، أن من الخطورة بمكان أن تضع الأمة مستقبلها في يد فرد واحد يجرها إلى الهاوية ويجرها إلى المهالك، فيتخذ قرارت خطيرة من اجتياح دول وإعلان حروب وأعمال كثيرة، دون أن يراجع في ذلك الأمة التي سوف تخوض المعركة معه، أو تبتلى بما ابتلي به، أو تخوض مهالك ولا أقول معارك، وما ذلك إلا بسبب أن الأمة الإسلامية -كما قلت- هُمِّشت، وأصبحت على الجانب، وأصبح القرار يتخذه فرد واحد.

    فإذا كان طاغية اتخذ ما يشاء من القرارات، فيقتل من يشاء، ويبيد من يشاء، ويعزل من يشاء، ويتآمر على من يشاء، ويجتاح من الدول ما يشاء، ويفعل بأموال المسلمين وأعراضهم وأشخاصهم ما يشاء دون حسيب ولا رقيب، فهذه من أهم الأخطار التي بليت بها الأمة، ومن الدروس التي يجب أن نتعلمها هي: أن الأمة ما ضاعت إلا بسبب أن أمورها كانت بيد فرد واحد.

    أيها الإخوة: في ختام هذا الحديث أود أن أذكر الإخوة جميعاً، بأننا ينبغي أن نكون واثقين بنصر الله تعالى للمؤمنين، وينبغي أن ندرك تماماً، أن كل ما يصنعه الله عز وجل ويدبره، ويقدره هو لخير الإسلام والمسلمين، فقد يظهر لنا بادي الرأي، أن أموراً فيها ضرر، ولكن عاقبتها إلى خير، فينبغي أن نكون أصحاب قلوب واثقة بالله عز وجل، وأن نرى بجميل الظن ما يصنعه الله تعالى لنا ولديننا ولأمتنا، وأن نعلم أن الأمة عاشت زماناً طويلاً في غيبوبة وغفلة وضعف، وأن هذه الأشياء سوف تحيي بإذن الله موات هذه الأمة، وترفع معنوياتها، وتجمع كلمتها، وتوحد صفها، وتنبهها إلى أخطائها، وتجعلها تعرف عدوها من صديقها.

    إنني والله الذي لا إله غيره، واثق كل الثقة أن هذه الأمور التي حصلت في الماضي، والتي تقع الآن وفي المستقبل، أنها أشياء يدبرها الله تعالى لمصلحة هذا الدين، ومصلحة أهل هذا الدين.

    وإني لأدعو الله حتى كأنما           أرى بجميل الظن ما الله صانع

    وأننا نتربص بهم ريب المنون، وننتظر الأيام التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أخبر أننا سنقاتل اليهود حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله، حتى جاء في رواية عند أبي نعيم، والبزار، والطبراني وسندها حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {تقاتلون المشركين على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه} قال الراوي: والله ما أدري أين الأردن يومئذٍ.

    إذاً هناك جولات قادمة لهذا الدين، وهناك زحف متدين من أهل لا إله إلا الله، سوف يكتسحون أعداء الله، من البعثيين، ومن اليهود، ومن النصارى، ومن جميع أعداء الدين، فإن جيش محمد صلى الله عليه وسلم سوف يعود.

    وإن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً          فلله أوس قادمون وخزرج

    1.   

    الأسئلة

    المهم الإيمان

    السؤال: يعيش معظم الناس حالة من الرعب، والخوف بسبب تأثير وسائل الإعلام، حتى أصبح الناس فريقين، احتاط الأول واشترى السرج، وخزن الجاز، وحصن بيته من جميع النواحي وسحب رصيده من البنك، والثاني لم يحرك ساكناً، ولم يتحرك واشترى شيئاً فمن أي الفريقين ترى أن أكون؟ وما هي نصيحتك للناس؟

    الجواب: لعلي أشرت إلى شيء من النصيحة، وأنا أقول: ليس في الأمر مشكلة، يعني سواء هذا الفريق أم ذاك، فلا إشكال في الأمر، والمهم أن تكون قلوبنا قوية راسخة صلبة مؤمنة بالله عز وجل واثقة بنصره.

    الدفاع عن العلماء والدعاة

    السؤال: كثر المتكلمون، والناهقون من أصحاب الآراء المشبوهة، حول دعاة الإسلام، وتشويه سمعتهم، سواء عند أوساط الناس، أم عند من يسمون بالمثقفين، فهل ينشر الإنسان ما يراه بين الناس؟

    الجواب: نعم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الولاء الذي تكلمت عنه أن يكون ولاؤك لأهل الإسلام ودعاة الإسلام والعلماء، والدعاة، وطلبة العلم، فإذا سمعت من ينال منهم، ويتكلم فيهم تدافع عنهم في كل مجلس، وفي كل ناد، وفي كل مناسبة، وتتكلم بما تعلم، وتعمل على إعطاء الصورة الصحيحة عن هؤلاء العلماء، وفي مقابل ذلك تعمل على فضح رءوس الضلالة من المنافقين في كل مكان.

    إيقاف بعض المشائخ

    السؤال: سمعنا بإيقاف بعض المشايخ الذين هم شريان مهم في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل هذا الخبر صحيح؟ وإن كان ذلك فما هو واجبنا تجاه هذا الأمر؟

    الجواب: واجبنا تجاه هذا الأمر بعد ما وقع، أن نقوم بدورنا في النصيحة فالدين النصيحة، وهذا جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا إنسان تعب لك فاتعب له أنت، وأنا أقول: إن العالم ليس من شأنه هو أن يطلب شيئاً لنفسه، بل من شأن الآخرين أن يطلبوا ما يكونون هم بحاجة إليه.

    أحداث الصومال

    السؤال: إنك تعلم ما وصل إليه حالنا، خاصة في مجال الإعلام من الموالاة لغير المسلمين، وعدم توضيح الرؤية الصحيحة للأحداث، أريد توضيح ما يجرى في الصومال، أهو تحرير إسلامي أم غير إسلامي؟

    الجواب: في الواقع إنني ليس لدي معرفة كاملة بما يجري في الصومال، حتى أستطيع أن أتحدث عنه؛ لكن الذي أعلمه أن الراية المرفوعة التي تتكلم عنها أجهزة الإعلام، هي ليست رايات إسلامية، وهناك مسلمون كثير، ودعاة إلى الله عز وجل منذ زمن طويل وهم يقاتلون في الصومال.

    رد القصيبي على الشيخ ناصر العمر

    السؤال: يقول: لقد كتب أحدهم كتاباً عن علم كبير من أعلام الدعوة، ونجم ساطع وهو فضيلة الدكتور الشيخ ناصر العمر يناقش شريطاً من أشرطته (السكينة السكينة) هل لك من تعليق على هذا الكتاب؟

    الجواب: السائل يقصد ما كتبه الدكتور غازي القصيبي بعنوان: يا أخي ناصر العمر اتق الله. وأود أن أفيد الأخ القارئ أن الدكتور القصيبي صدر له بعد ذلك أربعة كتب أيضاً، فمعلوماتك قديمة، فالكتاب الثاني في أصول الفقه عنوانه: تتغير الفتوى، والثالث عنوانه: يا أخي عائض القرني: الله الله في دماء المسلمين. والرابع عنوانه: يا أخي سلمان اعذرنا لا مكان لولاية الفقيه عندنا، وأحمد لله عز وجل أني عندما قرأت هذه الكتب لم يسوئني قراءتها، خاصة الكتاب المتعلق بي؛ لأنني رأيت أن الرجل -والحمد لله- ما قال شيئاً، ولم يكن يستطيع أن يقول شيئاً، فالذي بيته من زجاج في الأصل لا يستطيع أن يرمي الناس بالحجارة.

    لكن هذا رماهم بالحجارة ولم تصب -ولله الحمد- لذلك أنا أرى أن أبلغ رد عليه هو نشر الشريط الذي قام هو بنقده، ونترك الحكم للناس يسمعون هذا، ويقرءون ذاك ويحكمون عقولهم في الأمرين.

    السفر إلى أمريكا

    السؤال:ماذا عن سفرك لـأمريكا؟

    الجواب: كان السفر لحضور مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي، وقد حضر المؤتمر أكثر من ستة آلاف مسلم، من سائر الولايات، ومن جميع الجنسيات، وألقيت فيه دروس كثيرة، ومحاضرات عديدة، وكنت أحد المشاركين في هذا المؤتمر.

    كيفية مواجهة الأعداء

    السؤال: نسمع أن من أهداف الغرب تغيير الكيانات، والخارطة العربية الإسلامية، وتحويلها إلى نظم علمانية وبعض الناس خائفون من هذه الأشياء؟

    الجواب: ينبغي أن يحتاط الناس لكل أمر، ويترقبوا كل شيء، ويضرعوا إلى الله أن يحفظ لهم دينهم وأمنهم، وكرامتهم وأعراضهم، وأديانهم، وأن يكفيهم شر أعدائهم، الظاهرين والمستترين، الباطنين والمعلنين، وأن يصدقوا الله تعالى في هذا الدعاء، وهذا ما أرى أنه يسعهم، مع استخدام الوسائل الأخرى التي أشرت إليها.

    موسى صار نبياً بعد خروجه إلى مدين

    السؤال: قلتم في قوله تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص:20] قلتم: إن الرجل جاء يسعى، من أجل أن يخبر نبياً من أنبياء الله وداعية إلى الله، والمعروف عندنا أن موسى أوحي إليه، وصار نبياً بعد خروجه إلى مدين، أي بعد خروجه من مصر، وقصة الرجل الذي جاء يسعى كما هي الآية السابقة فما هو الصواب؟

    الجواب: نعم هو صار نبياً أي هو باعتبار ما صار، لكن مقصودي أنه جاء لإخبار موسى عليه السلام بالمؤامرة لقتله، واغتياله.

    رؤيا مبشرة للمؤمنين

    السؤال: ذكرت أن فتاة رأت رؤيا، فما هي هذه الرؤيا؟

    الجواب: الرؤيا فيها خير وهي من المبشرات فلا بأس أن أذكرها، أخبرتني إحدى الأخوات أنها رأت رؤيا -هذا قبل شهر- أن طيوراً نـزلت من السماء فجاء طير أبيض وجلس، ووقع أمامها، ومعه ورقة في منقاره، فقرأت الورقة فوجدت فيها أعلى الورقة مكتوباً فيه: أنه يجب على المسلمين جميعاً أن يجتمعوا، ويوحدوا صفهم ويجمعوا كلمتهم.

    وفي أسفل الورقة مكتوب: بشرى للمسلمين بأنه سوف يكون لهم السلام.

    وأمرها أن تبلغ هذا للناس، فأخبرتني فشككت في الأمر، وطلبت أن يحضر ولي أمرها، فحضر شخص من طرفها فاضل وطالب علم، وأخبرني أنها امرأة صادقة، وقد رأتِ الرؤيا فعلاً، وهي تخبر بها، فطلبت منه أن يأمرها بالاتصال بي مرة أخرى، فاتصلت مرة أخرى، وطلبت منها أن تقص علي الرؤيا، فقصتها كما قصتها أول مرة، مما أورثني شيئاً من الاطمئنان -إن شاء الله- على صدقها، ثم سألتها هل أنت من أهل قيام الليل؟ فقالت: لا، إنما أصلي الوتر فقط، فقلت: هل أنت من أهل الصيام؟ قالت لا، إنما أصوم مع أهلي إذا صاموا مثل عاشوراء، أو ما أشبه ذلك، فزادني هذا اطمئناناً، إلى أن المرأة صادقة.

    لأنها لو كانت غير صادقة، لقالت: نعم أنا من أهل القيام والصيام؛ حتى يكون هذا مدعاة إلى قبول ما أخبرت به، ثم سألتها أسئلة تبين لي منها أنها امرأة - إن شاء الله- صاحبة قلب طاهر، وبعيد عن الغل والحقد والحسد والبغضاء للآخرين..إلى آخره.

    وهذا من أسباب صدق الرؤيا، وسألتها هل رأت قبل ذلك رؤيا؟ فقالت: لا، إلا إنني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات في المنام، مرتين رأيته طيفاً لا يتبين لي، والمرة الثالثة رأيته في بيت المقدس يصلي، وأنا وأختي نصلي وراءه، فلما انتهينا من الصلاة، جاء المشركون وقالوا: هل مر من هاهنا علي بن أبي طالب؟! فنظرت إليهم وقلت: لا، ما مر من ها هنا، فالتفت إلي الرسول صلى الله عليه وسلم وابتسم ابتسامة الرضا، ولما قالت: هذه الرؤيا أجهشت بالبكاء، ولم تتمالك نفسها.

    ثم استحلفتها بالله بعد ما بينت لها عاقبة الكذب وخطورته، وبعد ما بينت لها عاقبة الكذب في الرؤيا أيضاً، وبعد ما بينت لها عاقبة الحلف كاذباً، فحلفت لي بالله العظيم أن ما أخبرتني به صحيح، وهذا إن شاء الله بشارة للمؤمنين.

    موقفنا إذا اندلعت الحرب

    السؤال: هل نجاهد بالعصي؟ أم نقف نتفرج حتى نقتل في حالة اندلاع الحرب لا سمح الله؟ وما موقفنا؟

    الجواب: الحقيقة هناك أسئلة لاشك أنني لا أستطيع الإجابة عليها، لأن الواقع لا يسمح بالإجابة عليها، لكن الذي أستطيع أن أقوله هو ما ذكرته لكم في هذه المحاضرة.

    الخاتمة: وأسأل الله عز وجل في ختام هذا المجلس الطيب المبارك، أن يقينا شر أنفسنا، وشر أعدائنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أنقذ بلاد المسلمين من كل ملحد وطاغوت، اللهم أنقذ بلاد المسلمين من كل ملحد وطاغوت، اللهم ول علينا خيارنا واكفنا شر شرارنا،

    اللهم اكفنا شر أعدائنا، اللهم اكفنا شر أعدائنا، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، اللهم انصرنا على القوم الكافرين، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم.

    لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم اهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين لرفع راية لا إله إلا الله في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين لرفع راية لا إله إلا الله في كل مكان.اللهم احفظ بلادك، وعبادك، وحرمك الآمن يا حي يا قيوم، اللهم احفظ بلادك، وعبادك، وحرمك الآمن يا حي يا قيوم.

    اللهم جاهد عنا من لا نقوى جهاده، اللهم جاهد عنا من لا نقوى جهاده.

    والحمد لله رب العالمين.