إسلام ويب

التربية الجهاديةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ عن التربية الجهادية، وكيف كان السلف الصالح، وكيف نحن اليوم، ثم ذكر السبب الذي أدى بنا إلى الغثائية، ثم نبه على الصفات المطلوبة للجيل الذي يحرر الأمة، ثم تكلم عن الصياغة الكاملة على الجهاد الذي ينبغي أن تكون عليه الأمة حتى تستطيع أن تواجه أعداءها، وذكر على ذلك أمثلة من الواقع، ثم نبه على أن التربية على الجهاد لابد أن تكون تربية شمولية لكل جوانب الدين، وأنها واجبة على الكبار والشباب والصغار والنساء، ثم ذكر دور كل صنف، ثم بين أن أهداف التربية الجهادية شاملة لكل جوانب الحياة وأن وسائلها هي وسائل نشر الدين الإسلامي.

    1.   

    مقارنة بين الجيل الحاضر والجيل الأول

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

    إن للتربية الجهادية أهمية كبرى في حياة الأمم والأفراد، وحين نجري مقارنة سريعة بين الجيل الحاضر الذي نجده الآن وبين الجيل الأول نجد فرقاً كبيراً جداً.

    حال الجيل الأول

    ففيما يتعلق بالجيل الأول -جيل الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم- كان كل فرد يسلم؛ يحمل على عاتقه هم الدفاع عن الإسلام بالقول والعمل، باللسان وبالسنان، مثلاً: في مكة حين بايع الرسول صلى الله عليه وسلم الأنصار بيعة العقبة الثانية كانوا يسمون هذه البيعة: بيعة الحرب، كما ذكر ذلك عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فيما رواه ابن إسحاق بسند حسن قال: {بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم}.

    وكذلك جاء في رواية جابر رضي الله عنه وزاد: {وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة} قال: فقمنا نبايعه وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر القوم -أصغر السبعين سناً- إلا أنه قال: [[رويداً يا أهل يثرب ]] تصور أنت الآن أمام جماعة يؤمنون لأول مرة، ويبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فيقوم بينهم شاب (فتى) فيقول لهم بلهجة الواثق العالم الخبير: [[رويداً يا أهل يثرب: إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مفارقة الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ]] أي يقول: انتبهوا جيداً علام تبايعون عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عليها إذا مستكم -أي على الحرب- وعلى قتل خياركم، ومفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله عز وجل، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خيفة -وفي رواية- جُبينة]] أي: جبناً وخوفاً، وأنكم قد تتراجعون إذا جد الجد وحزب الأمر [[فذروه فهو أعذر لكم عند الله عز وجل، فقالوا له يَا أَسْعَدُ: أَمِطْ عَنَّا، فَوَاللَّهِ لَا نذر هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا وَلَا نَسْتقيلهَا]] أي: نحن ندري على ماذا نبايع هذا الرجل، وفي رواية كعب بن مالك عند ابن إسحاق -أيضاً- أن العباس بن عبادة بن نضلة قال: { يا رسول الله: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا غداً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم}.

    إذاً: هؤلاء القوم يضعون أقدامهم في طريق الإسلام أول مرة، ولم يمر على دخولهم في الإسلام غير ساعات يسيرة، بل ربما دقائق، ومع ذلك يقولونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صريحة: يا رسول الله، لو أردت أن نميل على أهل الموقف -أي على أهل مكان- بأسيافنا ونقاتلهم لفعلنا.

    حالنا اليوم

    أما اليوم فإنك تجد أن كثيراً من المسلمين، ممن ولدوا في الإسلام ونشئوا وتربوا، وقد يكون الواحد منهم ابن سبعين أو ثمانين سنة وهو لا يفقه من أمر الإسلام إلا القليل، ولا يملك من الاستعداد للتضحية في سبيل الإسلام إلا اليسير، وهنا ندرك الفرق الكبير بين الجيل الأول الذي ذاق مرارة الجاهلية وقاساها، ثم دخل في الإسلام عن طواعية واختيار وإصرار، وبين أجيال من ذراري المسلمين أخذت الإسلام بالوراثة، ولم تفقه من أمره شيئاً؛ ولذلك لم يكن لديها استعداد للتضحية في سبيل هذا الدين.

    1.   

    مواقف مشرفة من الجيل الأول

    حين نقارن مقارنة أخرى في مجال الجهر بالحق والصدع به، نجد أبا بكر رضي الله عنه -مثلاً- لما أسلم جهر بالحق، وبنى مسجداً في داره، كما في صحيح البخاري، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، وهو رجل أسيف حزين إذا قرأ القرآن لم يملك نفسه من البكاء، فكانت تنقلب إليه نساء المشركين وأبناؤهم؛ وهم يعجبون منه وينظرون إليه ويتعجبون من بكائه حين يقرأ القرآن، حتى فزع لذلك أشراف قريش، وكان أبو بكر في جوار ابن الدغنة، فجاءوا إليه وقالوا له: يا زيد، إما أن يرجع أبو بكر إليك جوارك، وإما أن يكف ولا يفسد صبياننا ونساءنا علينا، فلا نريد من أبي بكرأن يجهر بالقرآن.

    فيأتي إليه ابن الدغنة فيقول له: يا أبا بكر، إنني رجل عربي صميم، وإنني لا أريد أن أُخفر في ذمتي؛ فإما أن تقرأ في بيتك ولا تستعلن بقراءة القرآن، وإما رد إلي جواري. فيقول له أبو بكر رضي الله عنه: بل أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل.

    وكذلك أبو ذر رضي الله عنه لما أسلم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: {ارجع إلى قومك فكن فيهم حتى يأتي إليك أمري} أي: ارجع إلى قبيلتك حتى تسمع أنني قد ظهرت في بلد من البلدان فأت إليّ، فيقول أبو ذر رضي الله عنه؟ :[[والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم]] فيأتي أبو ذر -وهو رجل من قبيلة بعيدة من قريش -فيقف في وسط قريش، ويقول لهم: [[يا معشر قريش! إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله]] فيقومون إليه من هاهنا ومن هاهنا ويضربونه حتى يوجعوه ضرباً.

    فيفزع إليه العباس بن عبد المطلب وهو يقول لهم: [[ يا معشر قريش! ألا تعلمون أن هذا الرجل من قبيلة غفار، وأن طريق تجارتكم إلى بلاد الشام تمر على هذه القبيلة؛ فهل تأمنون أن تأتي هذه القبيلة فتعتدي على أموالكم وتجارتكم؟ ]] وما يزال بهم حتى خلصه منهم، فيذهب أبو ذر رضي الله عنه. فهل قال: هذه توبة ولا أرجع لمثلها؟

    لا. بل لما كان من الغد جاء إلى المكان نفسه وصرخ بأعلى صوته، وقال: [[يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اصنعوا ما بدا لكم، لا نامت أعين الجبناء]] فتقوم إليه قريش مرة أخرى، ويقوم إليه العباس حتى يخلصه منهم، وقصته في هذا الصدد رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما.

    ومثل ذلك إشهار عمر رضي الله عنه الإسلام.

    لما أسلم عمر وكان المسلمون قلة مستخفين، فماذا صنع عمر رضي الله عنه؟

    القصة كما هي في مصادر عديدة منها في مستدرك الحاكم بطولها، وأصلها في البخاري، وهي قصة في منتهى العجب، لما أسلم عمر ذهب إلى رجل من المشاهير بأنه وكالة أنباء يقال له: جميل بن معمر الجمحي؛ لأن جميلاً هذا إنسان قوال يأتي إلى النوادي والمجالس ويقول: يا بني فلان حدث اليوم كذا وكذا وكذا. فهذه مهمته يمشي في النوادي وينشر الأخبار، فجاء إليه عمر وقال له: هل علمت بأني قد أسلمت؟

    قال: وقد فعلت؟

    قال: نعم أسلمت، لكن لا تخبر بذلك أحداً. يقول عمر لا تخبر بذلك أحداً، أي: لا تترك نادياً، أو مجلساً، أو محفلاً، من محافل قريش إلا وتعلن فيه خبر إسلامي؛ فأعلن الخبر.

    ماذا صنع عمر؟

    هل دخل بيته وأغلق داره؟

    لا. بل خرج في وسط مكة بل وفي المسجد الحرام، وصار يمر على نوادي قريش ويقاولهم ويلاسنهم، فإذا قالوا له كلمة رد عليهم عشراً، وهو يقول: [[ يا معشر قريش! اصنعوا ما بدا لكم ]]. يتحداهم وهم متقصفون حوله ومتحرشون محيطون به، حتى كادوا أن يضربوه وهموا به، وربما حصل اعتداء، فكان يضاربهم ويقاتلهم، من ضربه رد إليهم الكيل كيلين، ومن تكلم عليه تكلم عليه بأقوى وأشد مما قال، حتى إذا صارت الشمس في كبد السماء وقد تعب عمر جلس في الأرض، وهم متقصفون محيطون به، وهو يلتفت إليهم ويقول: [[ اصنعوا ما بدا لكم، والله لئن بلغنا ثلاثمائة رجل في مكة لنعاجلنكم، إما أن تخرجون وإما أن نخرج ]] فكان يصرخ ويصرخ رضي الله عنه بالإسلام.

    وأعجب من ذلك كله أن الحاكم روى في مستدركه بسندٍ قابل للتحسين: أن المسلمين لما بلغوا أربعين رجلاً -ممن لم يهاجروا إلى الحبشة- اجتمعوا في دار الأرقم وأعلنوا إسلامهم، فخرجوا في مسيرة نحو أربعين رجلاً في شوارع مكة يعلنون كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    1.   

    الغثائية في هذه الأمة

    أما اليوم فقد حق على هذه الأمة ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما بسند صحيح عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يُوشِكُ أَنْ تتَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟

    قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْكم غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ}.

    حين تنظر إلى هذا الزبد الذي يجري أو يكون فوق سطح الوادي إذا سال، ماذا تجد في هذا الغثاء؟

    تجد فقاقيع هواء، وأشياء لا قيمة لها ولا نفع بها، فتزول وتمضي، كما قال الله عز وجل: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً [الرعد:17] فالزبد يمضي وينتهي ويتبخر، ويبقى ما ينفع الناس.

    إذاً الأمة المسلمة اليوم تعيش مرحلة الغثائية.

    ولو أردنا أن نجري عملية حسابية لوجدنا أن مسلماً واحداً من المسلمين الأولين ربما لو وزن بألوف بل بمئات الألوف ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم لرجح بهم ديناً، وقولاً، وعملاً، واعتقاداً، وفهماً، وإدراكاً، وتضحيةً، ولذلك لم ينفع المسلمين كثرتهم وعديدهم، بل هم أضعف الأمم وأقلها وأهونها في أعين الناس.

    وحق علينا الوهن الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: {وليَنَزِعنّ الله الْمَهَابَةَ مِنْ صدور عَدُوِّكُمْ، ولَيقذفن فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، قَالَوا: وَمَا الْوَهْنُ يا رسول الله؟

    قَالَ: حُبُّ الدنيا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ}.

    إذاً: فالإنسان الذي يتعلق بالدنيا، بزينتها.. بأموالها.. بوظائفها.. بمناصبها.. ليس لديه استعداد للتضحية.. فهو حريص على هذه المكاسب ألا تزول، ولذلك ليس له رغبة أن يبذل، أو يضحي في أي مجال؛ لأن عنده مكاسب: أموالاً.. أو مناصب.. أو جاهاً.. أو سمعة.. أو أمراً معيناً يريد أن يحافظ عليه، فليس لديه رغبة في أن يضحي بأمر من الأمور.

    أسباب الغثائية

    وقد يتساءل البعض: ما هي أسباب الغثائية؟

    فأقول: الأسباب كثيرة جداً، لكن أذكر منها سببين ذكرهما الإمام العلامة ابن خلدون في مقدمته، وهما:

    السبب الأول هو: الشجاعة الفطرية عند العرب، فلذلك اختار العرب سكن البوادي على الحضر؛ لما في الحاضرة من ضعف العز، ولأن الجبن إنما ينشأ من رغد العيش وطيب الحياة والانغماس في الملذات، فالذي ينشأ في الرفاهية والنعيم وحياة المدنية المفرطة، ويعتاد على سكن البيوت والاحتجاب بالأبواب؛ تضعف لديه غريزة الشجاعة ويعتاد الأمن حتى يصبح حاله كحال ذلك الأعرابي الذي قيل له: ألا تغزو وتقاتل العدو؟

    فقال: والله إني لأبغض الموت وأنا على فراشي فكيف أركض إليه ركضاً في المعارك، كيف أقاتل العدو؟

    أو كحال أسلم بن زرعة الذي وجهه الأمير عبيد الله بن زياد لقتال الخوارج، وبعث معه ألفي جندي، وكان الخوارج أربعين رجلاً لكنهم شجعان أقوياء بقيادة خارجي مشهور يقال له أبو بلال، فلما قاتلوهم حمل الخوارج على أسلم هذا وقاتلوه قتالاً مستميتاً حتى فر هو ومن معه، فلما دخل على عبيد الله بن زياد وبخه وقال له: كيف تهرب من أربعين ومعك ألفا مقاتل؟!!

    وما زال يوبخه ثم خرج من عنده، فلما خرج قال له الناس: وبخك الأمير. قال: والله لأن يوبخني الأمير وأنا حي خير من أن يمدحني الأمير وأنا ميت.

    إذاً: فكل ما يريده هذا المقاتل أو هذا الزعيم على السرية أن يستمتع بالحياة وأن يظل حياً، وبعد ذلك لا يهمه شيء.

    أما العرب الأولون فكانت الشجاعة جبلةً وغريزة فيهم، حتى إن العرب كما قال الألوسي وغيره: إنهم كانوا يتمادحون بالموت قطعاً بالسيوف ويتهاجون بالموت على الفراش. فيقولون: فلان مات حتف أنفه -أي مات على فراشه- هذا علامة ذل وسب له، أما إذا قالوا: فلان مات مقطعاً بالسيف والسنان والرماح والخناجر، واختلفت السيوف في بطنه، كان هذا دلالة على المدح والثناء عليه. قال بعض العرب وقد بلغه موت أخيه: إن يقتل فقد قتل أخوه، وأبوه، وعمه، إنا والله لا نموت حتفاً، ولكن نموت قطعاً بأطراف الرماح وتحت ظلال السيوف.

    ومن قصيدة السموأل المشهورة يقول:

    وما مات منا سيد حتف أنفه           ولا طل منا حيث مات قتيل

    تسيل على حد الضباة نفوسنا      وليست على غير الضباة تسيل

    أي يفتخر بأنه ما فينا سيد أو زعيم مات حتف أنفه، أي: مات على فراشه، إنما في المعارك وتحت ظلال السيوف.

    وكذلك حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول:

    فلسنا على الأعقاب تدمى قلوبنا     ولكن على أعقابنا تقطر الدما

    أي لسنا أناساً نفر إذا خضنا المعارك، بحيث نهرب ونصاب من أدبارنا ويسيل الدم على أعقابنا، وإنما إذا أصبنا يصاب الواحد منا وهو مقبل غير مدبر؛ فيقطر الدم وهو مقبل على العدو غير مدبرٍ عنه.

    وكذلك من أبيات الشجاعة المعروفة: قول عنترة:

    بكرت تخوفني الحتوف كأنني          أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل

    فأجبتها إن المنية منهل                لا بد أن أسقى بكأس المنهل

    فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي           أني امرؤ سأموت إن لم أقتل

    وهذه فلسفة واضحة أن الموت لا بد منه، فإذا لم يمت الإنسان قتلاً مات حتف أنفه، إذاً أن يموت شريفاً عزيزاً خير له من أن يموت ذليلاً مهاناً.

    ثم يقول ابن خلدون: والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنـزلوا منـزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم، حتى صار ذلك خلقاً لهم يتنـزل منزلة الطبيعة.

    ثم يتكلم عن أهل البدو وما فيهم من الشجاعة، فيقول: وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم -دائماً- يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب، ويتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس، وعلى الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبآت والهيعات، ويتفردون في القفز والبيداء، مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقاً والشجاعة سجية، يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ. أ-هـ

    إذاً: هناك فرق لأن الإنسان إذا تعود على السكنى في البيوت، وإغلاق الأبواب والاعتماد على غيره، وألف حياة الدعة والراحة، حياة رتيبة فهو معتادٌ عليها، آمن مطمئن واثق، ولذلك أصبح هذا الإنسان يفزع لأي طارق ولم يتعود على الشجاعة، حتى لو أنه سمع صوتاً في أقصى الدار، صوت قط -مثلاً- لفزع وذعر.

    كما يروى أن رجلاً سمع صوتاً في أقصى بيته فتوهم أنه لص يريد أن يسرقه، فقام هذا الرجل وهو يرتعد من الخوف والذعر والفزع ومعه السيف، فقال: يا أيها المدل علينا، المغتر بنا، المجترئ علينا، أتعرف هذا السيف؟

    إن هذا السيف يسمى لعاب المنية، قد قتلت به وقتلت وقتلت وقتلت -ويذكر بعض الشجعان الأجواد الأقوياء -وما زال يلقي هذه الخطبة وهو يرتجف من الخوف والفزع، وكل لحظة يتوقع أن يغير عليه هذا اللص- فإذا بكلب يخرج من البيت، فلما رآه سكن روعه واطمأن، وقال: الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانا حرباً.

    فكثير من الناس يعتادون على مثل هذه الحياة، فأصبح كل شيء يخيفهم، ولا شك أن الإنسان يستطيع أن يدرب نفسه على حياة الجد والقوة، ومما يقوي على ذلك كثرة الأسفار والخروج إلى الصحاري والتدرب على الانفراد سواءً للعبادة أو للاستطلاع أو للسير، أو لغيرها من المعاني والأشياء التي من شأنها أن تقلل من حياة الدعة والاسترخاء التي يعيشها كثيرٌ من الناس.

    أما السبب الثاني: فعبر عنه ابن خلدون رحمه الله تعالى بأنه يعود إلى أن الإنسان لا يملك غالباً من أمر نفسه شيئاً بل يملك أمره غيره، فإذا كانت الملكة رفيقة عادلة، لا يعاني منها حكم، لامنع وصد كان الناس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن، أما إن كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة؛ فإنها حينئذٍ تكسر من سورة أنفسهم، وتذهب بالمنعة عنهم، لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة -كما قال ابن خلدون-.

    ولذلك وبخ عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص في قصة مشهورة حدثت في معركة القادسية.

    كان هناك رجل اسمه زهرة بن جوية لحق هذا الرجل الشجاع برجل من الفرس يقال له الجالنوس، لحق به في المعركة فأجهز عليه وقتله وأخذ سلبه وكان خمسة وسبعين ألفاً من الذهب، أي: مبلغ ضخم، فلما أخذه جاء إلى سعد بن أبي وقاص وقال له: كيف تأخذ سلب رجل خمساً وسبعين ألفاً من الذهب؟!

    هذا غير معقول! هلا استأذنتني حين أردت أن تلحق به وتقتله، ثم بعث سعد إلى عمر يستشيره في الأمر، فماذا قال له عمر؟ قال له: تعمد إلى مثل زهرة وقد صلي بما صلي به -أي تكلف ما تكلف وعانى ما عانى- وبقي عليك من حربك ما بقي، وتكسر قوته وتفسد قلبه، وأمضى له عمر سلبه. أي أنت يا سعد في حالة حرب، تحتاج إلى الرجال الأقوياء السادة، وكذلك هذا الرجل له بلاء وخدمة وجهاد فتقابله بمثل ذلك، وتكسر من عزيمته وهمته!! لا. بل أعطه سلبه ولا تتعرض له بمثل هذا الموقف.

    1.   

    العقاب على كل مخالفة ليس من أسلوب التربية

    قال ابن خلدون: وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس بالكلية؛ لأنه إذا وقع العقاب به ولم يدافع عن نفسه؛ يكسبه ذلك المذلة التي تكسر من ثورة بأسه.

    وهذا ينطبق على أرباب الولايات، صغروا أم كبروا، حتى الأب مع ابنه، إذا كان الأب يعود ابنه -مثلاً- على أنه يوبخه على كل شيء، ويعاقبه على كل شيء؛ ينشأ الابن ضعيفاً ذليلاً منكسراً ليس لديه شجاعة ولا جراءة، يخاف من كل أمر ويحسب حسابات كثيرة تجعله لا يقدم على أمرٍ من الأمور، وهكذا المعلم مع تلميذه والشيخ مع طلابه.

    ولهذا قال بعض المؤدبين: لا ينبغي لمؤدب أن يضرب أحداً من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط.

    وأذكر لكم قصة عجيبة حدثني بها أحد الإخوة الكويتيين منذ فترة من الزمن، يقول: كان هناك رجل له مجموعة من الأطفال فاشترى بيتاً جديداً، وأثثه أثاثاً حسناً، كلفه مبالغ طائلة، فلما نـزل هو وزوجته وأطفاله في هذا البيت كانوا في غاية الفرح والسرور، وخرج الأب في يوم من الأيام إلى عمله في الصباح، واشتغلت الأم بالطبخ والتنظيف وإعداد المنـزل، أما الصبيان الصغار فقد تفرغوا لهذا الأثاث فأخذ كل واحد منهم سكيناً وذهبوا يعبثون به فأتوا عليه من آخره، خربوا الأثاث وحطموه ومزقوه.

    فلما أتى الأب وجد أن هذا الأثاث الذي دفع فيه مبالغ طائلة وأثماناً باهظة قد مزق وخرب شر تخريب، فغضب غضباً شديداً وأتى إلى هؤلاء الأطفال فربطهم بأيديهم وأرجلهم بحبالٍ غليظة، وأسرهم أسراً شديداً، وتركهم فبكوا ثم بكوا ثم بكوا حتى تفتت أكبادهم، والرجل كأن قلبه قدَّ من الصخر، لا يلين ولا يتأثر من هذا المشهد، فلما همت الأم بهم هددها إن تعرضت لهم بالطلاق، فلما يئس الأطفال وتفتت أكبادهم وبحت حلوقهم؛ سكتوا عن البكاء، فلاحظ الأب على أيديهم وأرجلهم زرقة، ولاحظ أن لونها يتغير إلى الزرقة، فاقترب منهم فخاف أن يتطور الأمر ففك هذه الحبال فوجد أن الأطفال أصبحوا يترنحون وقد أصيبوا بالإغماء، فذهب بهم سريعاً إلى المستشفى.

    فقال له الطبيب: إن هذه الأجسام قد تسمم الدم في أيديهم وأرجلهم، وهذا الدم المتسمم إذا سار إلى القلب فإن الوفاة محتملة؛ ولذلك لا بد أن تبتر أطرافهم حفاظاً على حياتهم، ووقع الأب ودموعه تنهمر، فوقع على عملية بتر أطراف هؤلاء الأطفال خوفاً من موتهم وهكذا قطعت أيديهم، وكان مما يزيد من حزن هذا الأب وكآبته أن هؤلاء الأطفال بعد أن صحوا من العملية وصاروا يتلفتون وينظر الواحد منهم إلى نفسه بلا يد وبلا رجل، كان كل واحد منهم يقول: أبتي..!! أعطني يدي ورجلي ولا أعود إلى مثل هذا العمل، فكان الأب يبكي من ذلك أشد البكاء، ولكن بعد فوات الأوان.

    إذاً: هذا الأسلوب في التربية، سواء كان أسلوب الأب مع أطفاله في العقاب الشديد على الخطأ، أو أسلوب المعلم مع طلابه، أو أي ولاية فإنه يورث الناس نوعاً من الذل والمهانة وعدم الثقة بأنفسهم، ويجعل هؤلاء الناس ليس لديهم استعداد للشجاعة والقوة والحمية والأنفة، وإنما هم ناس اتكلوا على غيرهم واعتمدوا عل من سواهم.

    1.   

    مواصفات الجيل المطلوب

    إن الأمة بحاجة إلى جيل جاد، شجاع، مضح، جيل لم ينشأ على الكأس، والسجارة، والأغنية الماجنة، والصورة الخليعة، والركض وراء المتعة، والزينة في تصفيف الشعر، أو تجميل الثياب بالكي والتلوين والتغيير، أو صيانة السيارات أو المقتنيات أو غيرها.

    بل الأمة بحاجة إلى جيل يتقن فن الجهاد حقاً وليس يتقن فن التمثيل، نحن في حاجة إلى جيل لا يسترسل أثناء السلم في النعيم، ولا يخلد إلى الراحة، ولا يستسلم أثناء الحرب للأحقاد والغضب، فيصبح همه القتل والتدمير، نحن بحاجة إلى جيل على نمط ذلك الجيل الذي كان يطالب به يوشع بن نون حين أراد أن يقاتل كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم فقال: {غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ اشْتَرَى إبلاً أو غنماً وَهُوَ يُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا، ولا رجل ابتنى داراً ولما يرفع سقفها، ولا رجل ملك بضع امرأة ولما يبن بها} أي: لا يتبعني أحد قلبه متعلق بإبل أو غنم، بل يجلس عند إبله وبقره وغنمه، لأنه لا يصلح للجهاد، وكذلك من بنى شقة ولم يتمها، وقلبه متعلق بتجهيزها وتجميلها فيشتغل بالتبليط، ويشتغل بالبناء، ويشتغل بغير ذلك، وكذلك من عقد على امرأة ولما يدخل بها فقلبه متعلق بمقابلة هذه العروس وليس بالجهاد، هذا لا يصلح لنا.

    إذاً: لا يتبعنا إلا إنسان قد تفرغ قلبه للجهاد في سبيل الله وأصبح همه كله منصباً في هذه القضية: قضية الجهاد.. قضية إنقاذ الأمة، فمثل هذا هو الذي يصلح للجهاد.

    فلما قال هذا الكلام تأخر عنه مثل هؤلاء الناس، فلما أقبل على عدوه كانت الشمس تريد أن تغرب، فقال لها: {أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا} فأوقف الله حركة الشمس حتى جاء يوشع بن نون فقاتل عدوه، ثم انتصر عليهم، فأخذ الغنائم، ثم وضعها على الصعيد.

    إذاً: الجيل الذي يتخلى عن الزوجة الحسناء، ويتخلى عن المال من إبل وبقر وغنم ووظيفة وغيرها، ويتخلى عن الاهتمام بالدنيا سواء كانت عبارة عن بيت أو سيارة أو أي شيء آخر، وليس المقصود أن يترك هذه الأشياء، فكل هذه الأمور مرغوبة ومطلوبة لكن في يده وليست في قلبه.

    هذا الجيل يصنع الله عز وجل له الكرامات إذا احتاج الأمر إلى ذلك، تقف لهم الشمس، وحركة الدنيا كلها، فقوانين الحياة كلها تخضع لهم، أليس الله عز وجل عطل خاصية الإحراق في النار لإبراهيم عليه السلام، وعطل خاصية الإغراق في البحر للمؤمنين في مواضع كثيرة، وأوقف الشمس لـيوشع؟

    فكذلك المؤمنون الجادون الصادقون إذا بذلوا كل ما يستطيعون واستفرغوا الوسع في الأسباب المادية ثم احتاجوا بعد ذلك إلى زيادة، فإن الله تعالى يمدهم بنصر من عنده لم يكونوا يحتسبونه، ولذلك يقول محمد إقبال رحمه الله تعالى:

    خذوا إيمان إبراهيم تنبت           لكم في النار جنات النعيم
    >

    1.   

    الصياغة الكاملة لسلوك الأمة

    قد يقول قائل: إن الناس لا بد أن يسترخوا في حالات الأمن، ويندمجوا مع المادة والشهوة واللذة. وهذا صحيح، وهنا تأتي مهمة وسائل التربية: المسجد، والمدرسة، والبيت، ووسائل الإعلام وغيرها، التي مهمتها الأساسية هي أنها تطرق دائماً وأبداً على هذا الوتر الحساس، وتحيي في الناس روح الجهاد في سبيل الله عز وجل، بالطرق المتواصل على هذه المعاني.

    إن الأمة حين تواجه مشكلة أو معركة كبرى تحتاج إلى صياغة كاملة لسلوكها، ليس صحيحاً أننا حين نواجه معركة نستطيع أن نواجهها بين يوم وليلة، كلا. فالأمة إذا واجهت معركة لا بد أنها تحتاج إلى صياغة كاملة لسلوكها، وإنني أريد أن أضرب لكم بعض الأمثلة التاريخية السريعة.

    معركة عين جالوت

    المثال الأول: يتعلق بمعركة عين جالوت، يقول أبو الحسن الخزرجي عن أهل بغداد قبل أن يستولي عليهم التتر، يقول في وصف حالهم: واهتموا بالإقطاعات والمكاسب، وأهملوا النظر في المصالح الكلية، واشتغلوا بما لا يجوز من الأمور الدنيوية، واشتد ظلم العمال، واشتغلوا بتحصيل الأموال.

    ويقول قطب الدين الحنفي يصف أهل بغداد في زمن المستعصم: مرفهون بلين المهاد، ساكنون على شط بغداد في ظل النخيل وماء معين، وفاكهة وشراب، واجتماع وأحباب وأصحاب، فما كابدوا حرباً، ولا دافعوا طعناً ولا ضرباً -فهذا حالهم كحالنا اليوم في كثير من البلاد الإسلامية- فلما قيض الله عز وجل للمسلمين الملك المظفر قطز الذي يضرب به المثل في نـزاهته، وعدالته، وشجاعته، وحزمه، وصبره، ووفائه، وتضحيته، وحكمته، وإخلاصه في الدين، ويضرب -أيضاً- مثلاً أعلى للحاكم الصالح والرجل الكامل، حتى أنه كان من شدة ما حصل أن التتر حينما زحفوا على العالم الإسلامي يخربون، كان ملوك الشام ومصر مشغولين بقتال بعضهم بعضاً، وكيد بعضهم بعضاً، لا يجدون حرجاً أن يستنجد أحدهم بالصليبيين على منافسيه من المسلمين، وقبيل المعركة الفاصلة قضى الملك قطز مدة طويلة في إصلاح الرعية والمملكة.

    وقد ملأ الجيش المصري بروح الفداء والاستماتة للدفاع عن الدين، فإذا به يحن شوقاً للجهاد في سبيل الله عز وجل، واستطاع الملك المظفر أن يهدئ قلوب الناس بعد أن كانت ترجف هلعاً من ذكر التتر، ولما دخل شهر رمضان وصام الناس بضعة أيام؛ نودي في القاهرة وسائر مدن مصر وقراها بالخروج إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل، ونصرة دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحس الناس وكأنهم في عهد من عهود الإسلام الأولى، وطغى هذا الشعور على جميع طبقات العامة، حتى كف الفسقة عن ارتكاب المعاصي، وامتنع المدمنون عن شرب الخمور، وامتلأت المساجد بالمصلين، ولم يبق للناس حديث إلا الجهاد، وأمست ليلة الجمعة لخمسٍ بقين من شهر رمضان ولم ينم الملك المظفر تلك الليلة، بل قضاها في ترتيب العسكر وإصدار الأوامر، وكان في خلال ذلك يكثر من ذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن.

    إذاً: استطاع بهذا العمل أن يجعل الأمة كلها تعيش حركة جهاد، وحالة استنفار وتعبئة معنوية ونفسية جادة، ولذلك لما بدأت المعركة، وهجم المسلمون على التتر، وهبت رياح الجنة، حينئذٍ خلع الملك المظفر خوذته وصرخ بأعلى صوته وهو يقول: وا إسلاماه (ثلاث مرات) واندفع يضرب رءوس التتر يطلب الشهادة في سبيل الله عز وجل، فحمي المسلمون، وقلدوا ملكهم، واستبسل وزيره بيبرس، ثم قتل قائد التتر، وطوق المسلمون العدو، وحالوا بينهم وبين الفرار، وأفنوهم ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح، وانتهت المعركة وخرَّ الملك ساجداً لربه عز وجل، وأطال السجود، ثم رفع رأسه والدموع تتحادر على لحيته حتى سلم من صلاته، وامتطى صهوة جواده، ثم خطب قائلاً: أيها المسلمون، إن لساني يعجز عن شكركم، والله وحده قادرٌ أن يجزيكم الجزاء الأوفى، لقد صدقتم الجهاد في سبيله فنصركم على عدوكم، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] أيها المسلمون، إياكم والزهو بما صنعتم، ولكن اشكروا الله واخضعوا لقوته وجلاله، إنه ذو القوة المتين.

    إذاً: الأمة -أولاً- تصاغ على الجهاد ثم تخوض المعركة بعد ذلك.

    معركة حطين

    مثل آخر أقوى وأعظم: في معركة حطين: وكان المسلمون يعيشون في حالة من الضعف والفرقة والذل والهوان ما الله تعالى بها عليم، ثم عادوا إلى التزامهم بالكتاب والسنة، وسرت فيهم روح الجهاد وأعدوا الأمة كلها للجهاد في سبيل الله عز وجل، وخلال بضع عشرات من السنين غير الله تعالى حالة القوم بعد أن غيروا ما بأنفسهم، فكان النصر المؤزر في حطين على يد البطل المظفر المعروف صلاح الدين رحمه الله تعالى، فكيف كان ذلك؟

    لذلك قصة تطول، لكن المهم أنه بعد أن انتشر في المسلمين الظلم، وشاع بينهم التعصب المذهبي والجهل، وانتشر التصوف، ولهى السلاطين في منازعاتهم وشهواتهم وانشغالاتهم وملذاتهم، حتى أن أحد الوفود الذين ذهبوا من الشام إلى بغداد يستنجدون بالخليفة، وكان معهم كيس مملوء بالجماجم وشعور النساء والأطفال، فنثروها بين يدي المسئولين لإثارة الحماس، فكان جواب الخليفة أنه قال لوزيره: دعني من هذا لا تعكر مزاجي، أنا في شيء أهم من هذا، إن حمامة البلقاء لي ثلاثة أيام لم أرها. فالخليفة مشغول بحمامته التي لم يرها منذ ثلاثة أيام، ولذلك لا يهمه أن تنثر أمامه جثث وأشلاء المسلمين في كل مكان.

    بعد ذلك بدأ صلاح الدين بتهيئة المسلمين للجهاد في سبيل الله، فأسس المدارس وجعل الدولة تشرف عليها وتدفع رواتب المدرسين، وعرفت هذه المدارس في التاريخ باسم المدارس النظامية، وكان هذا سبباً في انتشار العلم بين الناس، والاهتمام بالكتاب والسنة، ومعرفة الأدلة الشرعية.

    ومن بعد ذلك بدأ صلاح الدين حركة إصلاحية تجديدية على كافة المجالات السياسية والتربوية والاقتصادية، ونشطت الدولة في تدريب الجماهير تدريباً عسكرياً، وبث الروح في نفوس الأمة حتى تزايدت العناية بذلك، وأقام نور الدين زنكي ساحات وميادين للتدريب في دمشق، وألف كتاباً في الجهاد، وكان التدريب يقوم على دعامتين:

    الدعامة الأولى: الإعداد المعنوي والروحي.

    والدعامة الثانية: التدريب العسكري.

    وفي هذه الساحات والميادين تربى الشاب صلاح الدين الأيوبي وكان نور الدين نفسه يساهم في ميادين التدريب، مثل ركوب الخيل ولعب الكرة، وليس المقصود الكرة الموجودة بل كانت كرة تلعب عن طريق رميها أمام الخيول ثم الجري وراءها، وكانت هذه الساحات والميادين متكاملة البرامج والرجال، فكان فيها مجلس عام للقيادات التربوية يحضره كبار العلماء، وتناقش فيه كافة الموضوعات بروح علمية بعيداً عن التعصب المذهبي أو الحزبي، وكان نور الدين يجلس أمام العلماء كفرد عادي، ولقد ترتب على هذه الجهود تغيير ما بأنفس الناس من أفكار وتصورات وقيم واتجاهات؛ حتى برز جيل مسلم يختلف عن الأجيال السابقة.

    معركة أشنانة

    ولعل من الأمثلة القريبة التي مازلنا نذكر بعض ذكرياتها: قصص الإخوان مع الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، لو تذكرنا معركة أشنانة -مثلاً- التي خاضها المسلمون ضد الجيش التركي وأبو الرشيد، وكيف أبلوا البلاء الحسن على رغم قلتهم وبساطة وسائلهم، وأن عدوهم كان مدججاً بالأسلحة، وكان معهم مدافع لم تكن موجودة في الجيش المقابل، ومع ذلك انتصروا عليهم، فولوا فارين هاربين وتركوا السلاح، وتركوا الذهب الذي كان يصرفون منه رواتب العمال، لرأينا العجب العجاب.

    معركة أترابوا

    وأعجب من ذلك ما هو معروف في معركة أترابوا، وهي معركة تاريخية مشهورة -أيضاً- ضد الشريف، حيث كان المؤمنون يقاتلون الشريف قتالاً مستميتاً، يقول بعض شهود العيان: من يأتى إلى جيش السعوديين كان لا يسمع لهم إلا دوي كدوي النحل بالقرآن، والذكر، والبكاء، والصلاة، والخشوع، هذا قائم، وهذا راكع، وهذا يرفع يده، وهذا يبكي، وهذا يدعو، وهذا يمرغ خده في التراب لله جل وعلا، فإذا أتيت إلى جيش الشريف فإنك لا تسمع إلا صوت القدور بطبخ العشاء وأصوات الموسيقى، وقوم جالسين على لهو ولغو ولعب، فلما ثارت المعركة فروا وأورث الله تعالى المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.

    كذلك في ليبيا : الحركة السنوسية، وفي الجزائر حركة الجهاد وفي المغرب وفي قتال اليهود في فلسطين، قصص في غاية العجب. وخلاصة الكلام الذي يمكن أن يقال من خلال هذه الأمثلة: أننا حين نواجه حرباً فإننا لا بد أن نعد الأمة كلها لمواجهة هذه المعركة.

    1.   

    التربية الجهادية تربية شمولية

    التربية الجهادية -أيها الإخوة- هي تربية شمولية من عدة نواحي: فهي شمولية -أولاً- من جهة أفراد الأمة تعني بالذكر والأنثى، والكبير والصغير.

    تربية الشباب والأطفال على الجهاد

    لا شك أن الشاب المكتمل هو هدف هذه التربية الأساسي، فإن الشباب هم وقود الحروب والمعارك وحطبها، ولذلك فإن العناية بهم أبلغ من العناية بغيرهم، لكن -أيضاً- كبار السن والأطفال والنساء هم هدف لهذه التربية، ولذلك انظر تجد الأطفال الصغار مستهدفين بالتربية الجهادية، فتربيهم في المنـزل على بغض الكفار وقتالهم، وتنشئتهم على أخبار الجهاد والمجاهدين، وما أعد الله تعالى في الجنة لهم، وتحفيظهم أناشيد الجهاد في سبيل الله، وتدريبهم على التقوى والطاعة والانضباط بأداء الصلاة، وتربيتهم على الصبر بتعويدهم على الصيام، وتربيتهم على التضحية في سبيل الله بتعريفهم بالدار الآخرة، وأن الإنسان قد يفوته في الدنيا شيء فيجده في الدار الآخرة، وتربيتهم على الثقة بأنفسهم -كما ذكرت- بحيث يربى الصبي على قوة الشخصية، وإذا أصاب يشجع، وإذا أخطأ يمهد له ويبين له الخطأ بطريقة صحيحة.

    بل أحياناً مشاركة الصغار في الجهاد مفيدة، ومشاركتهم لها قصص كثيرة لعل من أشهر القصص: ما رواه الشيخان من قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في معركة بدر يقول: { لما ثارت المعركة التفت يميني فإذا صبي صغير، فالتفت يساري فإذا مثله، فقلت: يا ليتني بين رجلين أضلع منهما، قال: فبينما أنا على ذلك نظر إلي الذي عن يميني، فقال: يا عم! أين أبو جهل؟

    قلت: وما تصنع به؟

    قال: فقد بلغني أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله غيره إن لقيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا! -وهو طفل عمره أربع عشرة سنة!- قال: فقلت له: بارك الله فيك. قال: فبعد قليل دعاني الذي عن يساري، فقال: يا عم! أين أبو جهل؟

    قلت: وما تصنع به؟

    قال: فقد بلغني أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الذي لا إله غيره إن لقيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا! فقلت له: بارك الله فيك. قال: فإذا أبو جهل يجول في الناس يمنة ويسرة، فقلت لهما: هل تريان هذا؟ قالا: نعم. فقلت: هذا أبو جهل. قال: فلما ثارت المعركة ابتدرا إليه كالصقرين فاختلفا فيه بضربتين بسيفيهما، فلما انتهت المعركة جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلاهما يقول: يا رسول الله! أنا قتلت أبا جهل، فقال: هل مسحتم أسيافكما؟

    قالا: لا. فقال: أروني أسيافكما، فنظر إليهما، فقال: كلاكما قتله. ثم أعطى سلبه لأحدهما } لأن أحدهما كان أبلغ في الضربة فأعطاه السلب، وطيب خواطرهما بقوله صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله.

    والأمثلة كثيرة لا أريد أن أستطرد فيها، لكن المقصود أن الصبي الصغير يدرب على معاني الجهاد، ويربى وينشأ عليها معنوياً، وحتى جسمياً، يربى ويدرب عليها، ولا مانع أن يشارك أحياناً في الجهاد.

    دور النساء في الجهاد

    كذلك النساء لهن دور كبير، وإن كان الأمر كما قال الله عز وجل: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى [آل عمران:36] فليست المرأة تحمل السلاح ولا تقود الدبابة ولا تطلق الصاروخ، بل الأمر كما قال الأول:

    كتب القتل والقتال علينا      وعلى الغانيات جر الذيول

    لكن ليس مهمة المرأة فقط جر الذيول، إلا أن المقصود أن المرأة تتستر، لكن مهمة المرأة أكبر من جر الذيول، فمهمة المرأة أكبر من ذلك بكثير، إن مهمتها تربية الرجال وإعدادهم للقتال، وهؤلاء أعظم ثروة للأمة، فإننا بإعداد الرجال نكون بذلك استطعنا أن نشغل المصنع، ونصنع الصاروخ والمدفعية والقنبلة، ونخوض المعركة، فإن الأمم بحسب التربية التي يتلقاها الناس في بيوتهم، فهذا دور المرأة.

    إذاً: ليست مهمة المرأة القتال، ولذلك جاء في صحيح البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت: {يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نقاتل؟ فقَالَ لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لكن جهاد لا قتال فيه: الحَجٌّ والعمرة} وفي رواية: {لا. لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ الحج} ففي بعض الروايات (لكُنَّ) وفي بعضها (لكِنَّ) والحديث أصله في صحيح البخاري ورواه ابن خزيمة وغيره.

    1.   

    كيفية تربية الفتاة تربية جهادية

    وفيما يتعلق بتربية الفتاة التربية الجهادية، أمامنا عدة أمور:

    إعداد الأمهات الصالحات

    أولها: إعداد أمهات صالحات، وتغذية أرواحهن على حب الإنجاب، وتربية الأولاد في طاعة الله عز وجل، وملء نفوسهم بمعاني الجهاد، فإن الأم كما قال حافظ إبراهيم:

    الأم مدرسة إذا أعددتها     أعددت شعباً طيب الأعراق

    ما بالك بأم تربي ولدها على الجهاد، وتملأ قلبه بروح الاستشهاد وحب القتل في سبيل الله عز وجل، ولعلنا أمام مثال واقعي حي، وهو ما نشاهده ونسمعه الآن فيما يسمى بأطفال الحجارة، إن الذين يقاتلون في فلسطين الآن أطفال بعضهم في سن السادسة والسابعة والثامنة، فقولوا لي: من الذي غرس في نفوس هؤلاء الأطفال بغض اليهود؟

    من الذي غرس في نفوس هؤلاء الأطفال حب الجهاد في سبيل الله؟

    ومن الذي جعل الطفل الصغير يميز هذا يهودي عدو لك، ولا بد أن تخرجه من أرضك، ولا بد أن يحكم الإسلام بلادك؟

    لا شك أنهن الأمهات، ولذلك أعظم خطر يزعج إسرائيل الآن كما تقول التقارير الغربية، هو أن الشعب الفلسطيني هو أكثر شعوب العالم الإسلامي تكاثراً وتناسلاً، ولذلك يبذلون جهوداً كبيرة من أجل تقليل النسل، بل إنهم يقومون بمحاولات مستميتة بما يسمونه بالتعقيم؛ لأن اليهود يقولون: إن المرأة الفلسطينية الآن "عش الزنابير".

    المرأة الفلسطينية الآن أصبحت مثل العش الذي يخرج زنابير تلسعنا وتلدغنا وتضربنا بالحجارة، فلا بد من تعقيمها بحيث تصبح عقيماً لا تلد، أو على الأقل تقليل الإنجاب وتحديد النسل بكل وسيلة، وأعظم خطر هو ما يسمونه بخطر الانفجار السكاني للشعب الفلسطيني، حتى في إسرائيل نفسها مع التهجير والقتل ومحاولة إبعادهم بكل وسيلة.

    إذاً: دور الأم دور كبير؛ لأننا الآن نجد أنفسنا أمام ألوف مؤلفة من الناس بلا دين، أوعقيدة أو هم أو هدف؛ لأنه تربى على أن همه لقمة العيش وكسرة الخبز، وممكن أن نجد أنفسنا أمام عدد ولو قليل ممن تربوا في أحضان أمهاتهم على معاني الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وعلى أيدي هؤلاء يكون نصر الأمة.

    التربية على الاقتصاد في المعيشة والإنفاق في سبيل الله

    الأمر الثاني: تربية النساء على التواضع والاقتصاد في المعيشة، وبذل ذلك في سبيل الله عز وجل، وهذا أمر كبير جداً من أمور التربية على الجهاد، ومن الأمثلة القريبة: نحن نعلم أن كثيراً من النساء موظفات في مدرسة أو إدارية أو في أي مجال من المجالات، والمرأة تأخذ راتباً مثلما يأخذ الرجل في هذه البلاد، فتأخذ راتباً كراتب الرجل، فالمدرسة قد تستلم أحياناً عشرة آلاف ريال شهرياً، وفي الوقت نفسه المرأة مخدومة وليست مطالبة بأن تنفق على المنـزل، ولا تشتري البضائع والسلع، ولا أن تشتري الملابس، حتى ملابسها -هي- الزوج مطالب بتوفيرها، وهذا والله من الأمور العجيبة، رأينا في أمريكا أن المرأة تأخذ (60%) فقط من راتب الرجل، مع أنها تعمل مثل عمله، بل أكثر من عمله أحياناً، وفي دخان المصانع وضجيجها وتعبها، ومع ذلك ليس لها من الراتب إلا (60%) فقط، ومع ذلك يدعون مساواة المرأة بالرجل!!

    أما في هذه البلاد فالمرأة تأخذ كراتب الرجل، مع أنها قد تتمتع بإجازات معينة ولها صلاحيات كثيرة، والمقصود مع ذلك كله أن المرأة تعطى كل هذا الراتب ويقال لها -شرعاً وديناً- أنها ليست مطالبة بالإنفاق على البيت، حتى الملابس التي تحتاجينها زوجك مطالب بأن يوفرها لك، كذلك ملابس الأطفال والأطعمة.

    إذاً: هذا المبلغ الضخم الذي تأخذه المرأة ماذا تصنع به؟

    لقد رأينا وسمعنا كثيراً من النساء أنها تتبذخ بهذا المال، وتضرب به يمنة ويسرة، ولأنها ليس لها هدف معين؛ فإنها قد تسرف في هذا المال وتصرفه لغير طائل في كماليات وفي أمور لا قيمة لها، بل أحياناً في أمور محرمة!

    إذاً: فلماذا لا نربي المرأة على أن يكون الجهاد بالمال في سبيل الله من أعظم مهماتها؟ فإنها تستطيع أن تجاهد بالمال ما لا يستطيع الرجل، لأن الرجل راتبه -مثلاً- عشرة آلاف ريال، لكنه بحقوق البيت، وبحاجيات المنـزل، ومطالب بتموين السيارة، وبالسكن، ومطالب بأشياء كثيرة؛ ولذلك ربما لا يستطيع أن ينفق شيئاً، لكن المرأة تستطيع أن تنفق كل أو جل راتبها في سبيل الله عز وجل.

    تربية المرأة على الصبر

    جانب ثالث من جوانب تربية المرأة على الجهاد في سبيل الله وهو: تنمية الصبر عند البنات من خلال البيت والمدرسة والمسجد؛ لتكون كل واحدة منهن كـأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، لأن المرأة إن لم تكن امرأة صبور فإنها لا يمكن أن تربي أولادها على الجهاد في سبيل الله عز وجل، وأنتم تعرفون كثيراً من الأمهات بمجرد أن تسمع كلمة الجهاد والقتال تحاول أن تحوط أولادها، وربما لا تسمح لولدها أن يسافر خوفاً عليه من أن يحصل له حادث في الطريق، فكيف تقبل بفلذة كبدها أن يقاتل في سبيل الله؟!

    لن تفعل إذا لم تترب على الصبر.

    أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها لها موقف طريف رواه مسلم في صحيحه، يقول أبو نوفل: [[ رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة مكة -يعني مصلوباً- قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس يمرون عليه، حتى مر عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فوقف عليه، وقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما -والله- لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، -لأن ابن الزبير حصل قتال بينه وبين بني أمية فقتلوه بـمكة .

    ثم قال: أما -والله- لقد كنت صواماً قواماً وصولاً للرحم، أما -والله- لأمة أنت شرها لأمة خير -أي أن أمة يعدونك من أشرارهم حتى يقتلوك فهي أمة خير- ثم ذهب عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله بن عمر وقوله؛ فأرسل إلى عبد الله بن الزبير فأنـزل عن جذعه فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها يقول: فأتيني، فأبت أسماء أن تأتي إلى الحجاج، فأعاد عليها الرسول قال: تأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قالت: والله لا آتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، فقال الحجاج: أروني سبتيتي -نعالي- ثم انطلق حتى دخل على أسماء، فقال: كيف رأيتيني صنعت بعدو الله -أي ولدها-؟ ]]

    وانظر المنطق، انظر التربية، وانظر كيف دور الأم إذا ربيت، فما بكت ودمعت وقالت: الله يخلف علي، وراح ولدي والله المستعان، بل قالت بلهجة المرأة الواثقة الحكيمة: [[رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك]] أي: ما تمتع بالعز والملك والإمارة التي كان يريدها، لكنه أفسد عليك آخرتك بأنك سوف تلقى الله عز وجل بدم مسلم، ثم بدأت توبخ الحجاج فقالت: [[ بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين -أي تعيره- نعم، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فقد كنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً -والمبير هو الذي يكثر القتل- أما الكذاب فقد عرفناه ورأيناه ]] تعني: المختار بن أبي عبيد كان يدعي النبوة وهو من ثقيف، وقد جاء أن المختار بن أبي عبيد هذا هو أخو صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر رضي الله عنه، جاء قوم إلى عبد الله بن عمر فقالوا: [[ يا أبا عبد الرحمن إن المختار -خال أولادك- يزعم أنه يوحى إليه، فقال: صدق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ]] تقول: أسماء للحجاج: [[ أما الكذاب فقد عرفناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه (أي أظنه أنت)، قال: فقام الحجاج عنها حزيناً كسيفاً ولم يراجعها. ]]

    ولها مواقف عجيبة: لما حوصر ولدها، جاء إليها وقال: يا أم ماذا ترين، الآن أصحابي قد تخلوا عني وهربوا وانطلقوا، وأنا حوصرت بـمكة، وليس معي سلاح، ولا أتباع، أو أعوان وأنصار، فماذا ترين أن أصنع؟

    قالت له: يا ولدي! إن كنت إنما قاتلت من أجل الدنيا فبئس العبد أنت، وإن كنت قاتلت من أجل الآخرة فاصبر واحتسب. قال: يا أم أخشى أن يمثلوا بي!

    يقول: أنا لست خائفاً من الموت، لكن أخشى إذا مت أن يمثلوا بجثتي على خشبة، ويقطعون يدي أو رجلي أو أنفي أو ما أشبه ذلك، فقالت له: وماذا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟!

    فإذا قتلوك فليمثلوا بك وليفعلوا ما شاءوا، فلما رأى موقفها وشجاعتها، قام إليها وقبل رأسها، وقال: والله يا أمي ما أردت إلا أن تقوي موقفي وإلا فلم يكن من نيتي الفرار ولا الاستسلام، فقاتلهم حتى قتل.

    إذاً نحن نريد تربية نساء كـأسماء رضي الله عنها، تكون وراء ولدها تقويه وتصبره.

    غرس عقيدة القضاء والقدر في نفوسهن

    كذلك من المهمات في قضية تربية الفتاة: غرس عقيدة القضاء والقدر في نفسها وتقويتها، بحيث تعلم بأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن الآجال والأرزاق بيد الله عز وجل، وأن كل شيء في كتاب لا يتقدم ولا يتأخر.

    أما فيما يتعلق بموضوع التمريض وسقي الجرحى وعلاجهم فهذا يتعلق بالناحية التاريخية، لا شك أنه كان موجوداً في عصور الإسلام كلها، ولكنه كان موجوداً وسط الصيانة التامة والبعد في مجال التدريب عن الرجال أو السفور، أو التبرج، وكان يقوم بالتمريض والتدريب نساء هن قدوة في دينهن، وأخلاقهن، وإخلاصهن، وعلمهن، وتسترهن، قبل أن يكن قدوة في خبرتهن وتمريضهن، وكانت النساء تقوم أيضاً بالإجهاز على الجرحى من الكفار، وتترك سلبهم للصبيان الصغار؛ لئلا تبدو عوراتهم، كما ذكر ذلك ابن كثير في أخبار القادسية: أن بعض النساء كن يجهزن على الجرحى من الكفار، أما سلبه -أي أخذ متاعه وثيابه وسلاحه- فإنهن يتركن ذلك للصبيان الصغار لئلا تبدو عورات هؤلاء المقاتلين.

    وإنما دعاني على التأكيد على موضوع التستر والصيانة التامة أننا ندرك أن الأهداف السابقة التي تحدثت عنها، هي تربية الأم الصالحة على: إعداد الجيل، والإخلاص، والصبر، والإيمان بالقضاء والقدر، والجهاد بالمال، كل ذلك لا يمكن أن يتم إلا من قبل أم تعلمت كيف تعيش في بيتها، عرفت أن مملكتها هذا البيت، فإذا خرجت منه استشرفها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس.

    ولذلك تلاحظون الحملة المسعورة منذ عشرات السنين في جميع بلاد الإسلام لإخراج المرأة من بيتها بكافة الوسائل، ويستغلون جميع المناسبات لإخراج المرأة من بيتها، حتى كثيراً ما تسمعون مقولة: نصف المجتمع معطل.

    فهم يعتبرون أن المرأة ما دامت في بيتها فمعنى ذلك أنها معطلة، والواقع أن نصف المجتمع هذا ليس معطلاً، بل هو يشتغل بداخل المنـزل فإننا نجد أن البيوت مهمتها أعظم مهمة، وهذه المرأة هي جندية قائمة على حراسة الأمة، فليس صحيحاً أن بقاء المرأة في بيتها يعني أنها معطلة، خروج المرأة من بيتها لا يعني أنها عاملة، ولعل من العجائب أنهم كانوا يقولون في الماضي: إننا نريد المرأة عاملة، ونريدها موظفة، ونريدها...

    صحيح أن هناك مجالات لا شك أن المرأة يحتاج إليها فيها كالتدريس مثلاً، وما أشبه ذلك من المهمات النسائية وفي المجال النسائي المضبوط بضوابط الشرع، لكن كان بعض الصحفيين يتكلمون على أن الهدف هو إخراج المرأة، ولذلك كانوا ينادون -مثلاً- بوجود السائق، والخادمة، فلما وجد السائق ووجدت الخادمة أصبحوا يقولون: إن المرأة جالسة في البيت بدون عمل لأن الخادمة تقوم بعمل المنـزل.

    إذاً: لا بد أن نوجد أماكن للمرأة تقضي فيها وقت فراغها، لكن لماذا لا تقضي المرأة وقت فراغها في عملها في المنـزل، بقيامها بشئون البيت، وتربية الأطفال، والعناية بالزوج إلى غير ذلك من المهمات الكبرى التي تنتظرها؟

    إذاً: من أهداف العلمانيين في كل مكان وزمان أن يعملوا على إخراج المرأة من بيتها بكل وسيلة.

    إذاً: فالتربية الجهادية تربية شمولية: شمولية للأطفال الصغار، وللنساء، كذلك هي شمولية للكبار من الشيوخ الذين يعتبرون بحكم أنهم جاوزوا فترة الشباب انتهت مهمة التربية، كلا، بل حتى الموت وهم يتربون على معاني الجهاد في سبيل الله، روى مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيماً اللخمي قال لـعقبة بن عامر رضي الله عنه: { أراك تختلف بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير يشق عليك -يقول: لماذا تختلف بين هذين الغرضين وتتدرب على الرماية وأنت رجل كبير السن- قال عقبة: لولا كلاماً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعان هذا الأمر -لم اشتغل به- سمعته يقول: من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا }.

    إذاً: فـعقبة يستمر على الرمي لئلا ينساه؛ لأنه يدرك أنه حتى الشيخ كبير السن يجب أن يكون مستعداً للجهاد.

    1.   

    شمولية التربية الجهادية في أهدافها وغاياتها

    أما الشمولية من الناحية الأخرى فهي: شمولية التربية الجهادية في أهدافها وغاياتها، إنه ليس هدفها التدريب على الرماية والسلاح فحسب، وإن كان هذا جزءاً من أهدافها، لكنها تهدف إلى صياغة الأمة كلها وإعدادها للمعركة.

    تربية عبادية

    إن التربية العبادية تقوم بتربية الناس على إقامة الصلاة مع الجماعة، والصوم، والحج، والذكر، وقراءة القرآن، وطلب العلم، والاستعداد للآخرة، وتدرك هذه التربية أن من أخل بهذه الأشياء لا يمكن أن يقوم بواجب الجهاد ولذلك يقول الشاعر:

    من خان حي على الصلاة      يخون حي على الكفاح

    فالإنسان الذي يسمع حي على الصلاة -في صلاة الفجر- ثم لا يقوم لأن الوقت بارد -مثلاً- أو لأنه لم يأخذ قسطه من النوم، فهذا الإنسان لا يمكن أن يستجيب لداعي الجهاد بأي حال من الأحوال:

    من خان حي على الصلاة      يخون حي على الكفاح

    تربية علمية

    أيضاً: هي تربية علمية تهدف إلى معرفة الإنسان بالشرع عقيدةً وأحكاماً، وإلى معرفته بواقع الأمة القريب والبعيد، والخطط التي تحاك ضد الأمة الإسلامية، وفقه هذا الواقع بصورة صحيحة، ومتابعة الأحداث بشكل جيد، ومعرفة الثقافة العسكرية وأوضاعها في الأمم كلها.

    كيف يتربى اليهود على الثقافة العسكرية؟

    وكيف يتربى النصارى على الثقافة العسكرية؟

    وكيف تتربى الأمم كلها؟

    وكيف يتربى المسلمون؟!

    ولا مانع من أن يستفيد المسلمون مما عند الأمم الأخرى مما يكون موافقاً للشرع وليس فيه مخالفة.

    إذاً: لا بد أن تكون التربية تربية علمية، تربط الناس بالعلم: العلم بالشرع، وبالواقع، بما يحتاج إليه من الأمور العسكرية وغيرها.

    تربية سلوكية

    وهي -أيضاً- تربية سلوكية، تقوم على التزام الناس بالخلق الفاضل، فالذين يتربون ويتدربون ميزتهم الابتسامة والخلق الفاضل، والعدل بين الناس، وإعطاء الناس حقوقهم، وتجنب الفواحش والخمر والدخان وغيرها، والإنسان الذي أخفق أمام نفسه فلم يستطع التخلص من شرب الخمر -مثلاً- أو التدخين، كيف يستطيع أن ينتصر على عدوه؟!

    هيهات هيهات..!

    ولذلك أذكر أحد المشايخ القدامى -توفي رحمه الله منذ زمن- كان يردد بيتاً من الشعر في الذين هزموا أمام إسرائيل يقول:

    وجوههم ليست شبيهة وجهه     لكنها قد شابهت أوجه الكفر

    يعني هؤلاء الذين قاتلوا وهزموا، وجوههم ليست مشابهة لوجه الرسول صلى الله عليه وسلم، في مظهرها، وهيئتها؛ لأن المظهر جزء من الشخصية، ولكنها قد شابهت أوجه الكفار.

    تربية نفسية

    هي -أيضاً- تربية نفسية تقوم على ربط الإنسان بمعالي الأمور، ورفعه عن السفاسف، وتنمية الأهداف الكبيرة في النفس، وتربيته تربية عسكرية من خلال الوسائل المختلفة، بحيث تتحول الحياة إلى حياة جهادية، فلا بد أن نرفع الشباب -مثلاً- عن الكرة والرياضة، ومتابعة التشجيع هنا وهناك، وكون همه ينتهي عند هذا الحد ويموت من أجله، ويحيا من أجله، وربطه بمثل أعلى يقاتل في سبيله، فلابد من رفع الشاب عن الارتباط بقضية الشهوة، سواءً تمثلت في الأغنية، أو في نظرة، أو في أي أمر من أمور الشهوات، وجعلهم يفكرون بأهداف الأمة العليا ويحزنون لحزنها، أليس من المؤسف أنك لو جمعت مجموعة من الشباب وسألتهم عن أهم الأحداث التي مرت بالأمة لوجدتهم لا يعرفون متى حصلت، ولا يعرفون كيف حصلت!!

    وربما يكونون طلاباً في مستويات عليا لو سألتهم عن بعض الأحداث التأريخية الهامة التي حلت بالأمة من أزمات ومصائب: متى وقعت؟

    وكيف وقعت؟

    وما وراءها؟

    لوجدتهم يقلبون رءوسهم ولا يعرفون!

    لكن لو سألت بعضهم -مثلاً- عن أسماء أبرز نجوم الكرة أو الفن؛ لأخبروك، ولو سألتهم عن تسريحات مايكل جاكسون وغيره، لأخبروك، ولو سألتهم عن آخر الأحداث الفنية؛ لأخبروك.

    إن هذا ليس صحيحاً، فلابد أن نربي الشباب ونعبئهم تعبئة نفسية بحيث تصبح أهدافهم عليا، فيرتبطون بالأمة، وأهداف الأمة، ومصير الأمة.

    تربية جسدية

    ولابد -أيضاً- من التربية الجسدية بالتغذية والوقاية والعلاج، ثم التدريب على ألوان السلاح، وهذا كله يكمل ما سبق.

    أليس من المؤسف أن كثيراً من الجهات المحاربة للإسلام أصبحت تسعى إلى شغل عقول الشباب وأمور الناس بأمور ثانوية، وأحياناً قضايا تافهة تصرف عن الأهداف العليا والمصيرية التي تفكر فيها الأمة؟!

    مثلاً: في كثير من الأحيان تجد الإنسان مشغولاً بلقمة الخبز ويبذل وقته كله في الحصول عليها والسعي إليها، ولذلك ليس لديه وقت لكي يتعلم العلم الشرعي، ولا ليجاهد في سبيل الله، أو ليأمر بالمعروف، أو لينهى عن المنكر، وأصبحوا يعقِّدون هذا الأمر حتى يأخذ وقت الإنسان، وأحياناً يشتغل الإنسان بأمور تافهة، من جنس ما ذكرت قبل قليل، حتى يكون عقله مملوءاً بأشياء وقشور لا قيمة لها، فلا يكون عنده تفكير بهموم الأمة، وإذا لم نفلح في نقل الشباب من هذه الحال فإن هذا يعني أننا لا زلنا دون مستوى التربية الجهادية.

    1.   

    شمولية التربية الجهادية في وسائلها

    أخيراً أقول: إن التربية الجهادية هي تربية شمولية في وسائلها، فليست شكلية وقتية محدودة، ولكنها تشترك فيها جميع مؤسسات المجتمع بلا استثناء، فالبيت يربي والأم عصب فيه، والمسجد يربي ولذلك كان أول عمل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة هو بناء المسجد، فالمسجد كان مكان التدريس، والتعبئة، والعبادة، بل وحتى مكان التدريب في بعض الأحيان كما في الصحيحين وغيرهما، والحديث في المسجد يعني اختيار الإمام للحديث الذي يحدث به الجماعة، هذا نوع من التعبئة والتربية والتدريب، وقد لاحظت أن بعض الناس إذا حدث عن أحاديث الجهاد، وذكر بالجهاد والاستشهاد في سبيل الله، فإن هذا يعينه حتى في الإقبال على الصلاة وغيرها.

    إن خطبة الجمعة تعتبر منبراً، فتصور كم كلمة تقال، وكم خطيب يتكلم، وكم مستمع، لو أن هذه الخطب وجهت إلى تحريك مشاعر الناس، وربطها بقضية الإسلام الكبرى وهي الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإعداد الناس لهذا الهدف، ليس القتال من أجل التراب، لا، إنما القتال من أجل كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليس صحيحاً أن الفلسطيني يقاتل من أجل زيتون يافا أو برتقال حيفا ولا تراب اللد والخليل، أبداً، فإنه سيجد في الدنيا زيتوناً أحسن من زيتونه، وسيجد برتقالاً أحسن من برتقاله وأفخم، وسيجد أرضاً أخضر من أرضه وسماء أجمل من سمائه، فليست القضية قتالاً على هذا ولا ذاك، وإنما هي تعبئة الناس وإعدادهم ليكونوا مقاتلين في سبيل الله عز وجل.

    إن الترابط بين الجماعة في المسجد بالاتصالات فيما بينهم والتزاور والتناصح في ذات الله عز وجل هذا من الإعداد، كذلك الندوات الثقافية والمحاضرات في المساجد.

    ومما يستحق الإشادة أننا نجد في مثل هذا العصر: كثرة الدروس والمحاضرات في المساجد في العالم الإسلامي كله من أقصاه إلى أقصاه، فإنك لا تجد بلداً إلا وتجد فيه دروساً منتظمة ومحاضرات منوعة في المساجد، وهذا ليس خاصاً بهذه البلاد مع أن هذه البلاد لها نصيب الأسد، لكنه عام في جميع البلاد الإسلامية، وهو ينم عن صحوة إسلامية علمية ثقافية.

    أيضاً الدروس في المساجد سواءً كانت دروس قرآن أو دروساً علمية، فالمقرئ -مثلاً- الذي يحفظ الطلاب القرآن، أليس لائقاً به أن يقف عند آيات الجهاد والاستشهاد، ويحيي في الناس هذه المعاني، أو الشيخ الذي يدرس الناس -مثلاً- كتب السنة أليس لائقاً به أن يقف عند أحاديث الجهاد في سبيل الله عز وجل: كتاب الجهاد.. كتاب السير والمغازي.. أخبار المجاهدين في سبيل الله.. سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلا نريد أن يتخرج إنسان يحفظ القرآن فقط لكنه لا يغار لله ورسوله، ولا نريد أن يتخرج إنسان يحفظ صحيح البخاري وصحيح مسلم ولكنه لا يهمه أن تنقلب الدنيا رأساً على عقب، نريد إنساناً يحفظ القرآن، ويحفظ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومع ذلك يعيش هموم المسلمين ويحزن لأحزانهم، ويسعى إلى الإصلاح بقدر ما يستطيع، ويحاول أن يجاهد في الواقع بكافة الميادين.

    أيضاً المدرسة تقوم بتربية علمية وعملية كثيرة، ونشاطات مختلفة علمية وبدنية، ونشاطات صفية وغير صفية، فلا بد أن تشتغل المدرسة الابتدائية، أو المتوسطة، أو الثانوية، أو الجامعة بالتعبئة وإعداد الناس لهذا الأمر.

    كذلك وسائل الإعلام يجب أن تربي الناس على الجهاد في سبيل الله عز وجل في كل شيء، حتى الأناشيد التي تبث وتذاع يجب أن تكون أناشيد حماسية تحرك في الناس روح الجهاد في سبيل الله، وترفع الناس عن حضيض الشهوة والمادة والدنيا، ولا يمكن أن نتصور أنا نتغلب على عدونا بحنجرة فلان أو فلانة، كلا، ولا بصوت المغني الفلاني، وإنما نتغلب على عدونا بأن نعد الناس إعداداً صحيحاً تتظافر فيه جميع الوسائل ومنها وسائل الإعلام، فهي تساهم مساهمة فعالة في بناء المجتمع ويدخل في ذلك التلفزة والإذاعة والصحافة وغيرها، يجب أن تجند كما ذكرت في تعبئة الناس وإعدادهم لمعركة الإسلام الكبرى.

    1.   

    الأسئلة

    حالنا اليوم يشابه حال المسلمين قبل معركة عين جالوت

    السؤال: لقد ذكرت ما فعله أهل القاهرة من التضرع إلى الله عز وجل قبل حرب عين جالوت ضد التتر، ونحن في حالة مشابهة، في حالة تكالب أعداء الله علينا، ولكن الناس لم يتضرعوا ولم يتوجهوا إلى الله عز وجل، وبدءوا بمتابعة التفصيلات الدقيقة في وسائل الإعلام المختلفة ونسوا جانب الله تعالى إلا من رحم الله، رغم أنك ذكرت أن المسلمين قبل عين جالوت كانوا قد انغمسوا في النعيم مثلنا. نرجو التوضيح أكثر.

    الجواب: الواقع أن وضع الناس فعلاً مؤسف، ونستطيع أن نقول باختصار شديد أنه لم يتغير شيء..!!

    وكأننا لسنا في حالة حرب!! وربما أول ما صارت الأحداث تحركت نفوس الناس وزاد رواد المساجد، وأصبح المسجد الذي يصلي فيه صلاة الفجر -مثلاً- صف يصلي فيه صفان، معناه أن الناس ارتفعت معنوياتهم واهتموا، أما الآن فقد عاد كل شيء كما كان، وهذا في الواقع ينذر بخطر شديد، وإنني أدعو أئمة المساجد وطلبة العلم إلى أن يركزوا على هذا الموضوع ويتحدثوا عنه سواء في الأحاديث بعد العصر، أو قبل صلاة العشاء، أو في خطب الجمعة، أو في غيرها؛ ليشدوا الناس ويربطوهم بالله عز وجل، ويذكروهم بأن عذاب الله عز وجل واقع على كل من وجدت فيه الأسباب، كما أن اهتمام الناس بمتابعة تفصيلات الأخبار أحياناً اهتمامٌ بغير وعي، أنا لا أنكر أو أنهى عن متابعة الأخبار، بل من الطبيعي أن الإنسان يتابع؛ لكن بعض الناس كالمسعورين ينتقل من إذاعة إلى أخرى، وقد يسمع تحليلاً فيظنه خبراً، وهذا شوش نفوسهم وأوجد عندهم حالة من الرعب والفزع والذعر ما الله بها عليم.

    إن المؤمن ينبغي أن يكون عنده اعتدال وإيمان وثقة وتوكل على الله، والمتابعة حينئذٍ تكون متابعة للمعرفة والوعي والإدراك، وليست متابعة حتى يستعد الإنسان كأنه يريد أن ينظر ويرى أقصى ما يستعد فيه أنه يجهز الأطعمة في بيته أو يحول العملة أو يسافر من بلده وما أشبه ذلك.

    قصة أولاد الخنساء الأربعة

    السؤال: لماذا لم تذكر قصة أولاد الخنساء الأربعة؟

    الجواب: أقول إنني لم أذكر قصة أولاد الخنساء؛ لأن الإمام الذهبي وجماعة من نقاد الحديث ذكروا أن هذه القصة ليست صحيحة، بل هي قصة منكرة.

    صدام والمسلمين

    السؤال: نسمع أن اليهود لم يفعلوا بالمسلمين ما فعله صدام، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: الواقع أن صداماً فعل بالمسلمين الأفاعيل، فقد سبق أن ذكرت في أكثر من مناسبة بعض الجرائم التي فعلها صدام وغير صدام في المسلمين في العراق وغيرها.

    وأما اليهود فقد فعلوا بالمسلمين مثل ذلك وأشد منه أيضاً، وينبغي ألا ننسى عداوة اليهود؛ لأننا اشتغلنا بعداوة غيرهم، وهذه من القضايا التي ينبغي أن نحسن التوازن فيها، اليهود أعداء لنا، والنصارى أعداء، والشيوعيون أعداء، والمنافقون أعداء، والبعثيون أعداء، ويقظتنا لعداوة صنف ينبغي ألا تشغلنا عن عداوة الآخرين.

    الشجاعة ليست خاصة بالعرب

    السؤال: يذكر عن بعض القوميات الأخرى شجاعة، كما يذكر عن بعض الأكراد والبربر والأفغان، أليس هذا يناقض دعوى اختصاص العرب بالشجاعة؟

    الجواب: في الواقع ليس هناك اختصاص للعرب بالشجاعة؛ لأن البدو شجعان أو أشجع من غيرهم في كل مكان سواء كانوا من العرب، أو من البربر، أو الفرس، أو من غيرهم، فهم أشجع ممن عاشوا في الحاضرة، ولذلك -مثلا- الموحدين من أشجع الناس، يوسف بن تاشفين وأتباعه، والمرابطون وغيرهم في المغرب والأندلس من أشجع الناس، ولهم مواقف شجاعة ومشهورة لأنهم كانوا من بدو الصحراء.

    الجهاد وسيلة لإعلاء كلمة الله

    السؤال: هل الجهاد غاية أم وسيلة لإعلاء كلمة الله طبقاً للمنهج الذي وضحه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن كان الثاني فما رأيكم فيمن يدعو للجهاد ويهمل جانب التصفية العقدية والتربية الإسلامية ويزعم أن الاهتمام بالعقيدة يفرق الأمة ويؤخر النصر؟

    الجواب: الجهاد في الواقع هو وسيلة لإعلاء كلمة الله عز وجل، ولذلك الجهاد لا يعني فقط حمل السلاح، بل الجهاد في التعليم، والجهاد في تصفية العقيدة، والجهاد في إصلاح سلوك الناس... كل ذلك من الجهاد.

    علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل

    السؤال: حديث [[علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل]]؟

    هل يقتضي هذا الوجوب على المسلم؟

    الجواب: هذا ليس بحديث ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قصص المجاهدين الأفغان نموذج لتعبئة الشباب

    السؤال: لماذا لم تذكر قصص المجاهدين الأفغان؟

    الجواب: نعم. هي مما يضاف إلى جانب التعبئة التي ذكرت وقصص المجاهدين الأفغان كثيرة، وربما تكون حية بذهن كثير منا، لأن كثيراً من الشباب يتابعونها من خلال الصحف والمجلات وغيرها.

    الدعوة إلى الله

    السؤال: نحن مجموعة من الشباب الطيب عزمنا على الدعوة وإدخال بعض الشباب المنحرف ضمن الدعوة إلى الله، فما توجيهكم ونصيحتكم لنا؟

    الجواب: نصيحتي لكم في الاستمرار في هذا العمل، والرفق واللين فإن { الرفق ما يكون في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه }

    الصيد والجهاد

    السؤال: هل ممارسة الصيد مما يعين على الجهاد؟

    الجواب: الصيد مشكلة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث الصحيح: {من سكن البادية جفا ومن تتبع الصيد لها -وفي رواية- غفل} فتتبع الصيد يدعو إلى الغفلة.

    حكم القتال دفاعاً عن الوطن

    السؤال: هل القتال دفاعاً عن الوطن يعتبر جهاداً في سبيل الله عز وجل؟

    الجواب: سبق أن أجبت على مثل هذا السؤال: إن القتال كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد} ونقول: إذا قتل الإنسان دفاعاً عن الوطن لأنه يريد لهذا الوطن أن ترتفع فيه راية التوحيد وألا يحكمه الكفار أياً كانوا؛ فإن هذا قتال في سبيل الله عز وجل، وكل وطن رفعت فيه راية الإسلام فهو وطن لنا نحن المسلمين، كما قال الشاعر:

    ولست أبغي سوى الإسلام لي وطناً      الشام فيه ووادي النيل سيان

    وحيث ما ذكر اسم الله في بلد      عددت أرجاءه من لب أوطان

    ويقول آخر:

    أنا عالمي ليس                لي أرض أسميها بلادي
    >

    وطني هنا أو قل هنالك           حيث يبعثها المنادي
    >

    فالقفر أحلى من رياض      في رباها القلب صادي

    فالمؤمن وطنه الأرض كلها، وينبغي أن ترتفع فيها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن قاتل دون وطنه لترتفع فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله ويحكم بشريعة الله فهذا قتال في سبيل الله عز وجل.

    الخشونة بين الإفراط والتفريط

    السؤال: ما رأيك في الخشونة الزائدة؟

    الجواب: الله عز وجل يحب العدل في كل شيء، فعلى الإنسان ألا يكون متأثراً بردود الفعل، نعم الخشونة مطلوبة في الرجال دائماً وأبداً، وإذا رأيت الشاب يهتم بمظهره وتسريح شعره وهندامه ويبالغ في ذلك؛ فاعلم أن وراء ذلك نفسية مهزومة، وتعلقاً بالدنيا، وترفاً، وضياعاً، وضعفاً، فالاعتدال مطلوب؛ لأن الإنسان إذا أخذ نفسه بالخشونة الزائدة بعد فترة ربما يمل ويترك هذا الطريق، ويعود إلى ما كان عليه من قبل.

    الدخول إلى الكويت

    السؤال: أرغب بالتوجه إلى الكويت للانضمام إلى المقاومة الإسلامية، لكن الطريق مقطوع بالجيش العراقي، والأمل ضعيف في الدخول فقد أسقط في يد القوات العراقية؟

    فهل هذا هو إلقاء النفس إلى التهلكة مع العلم أنني أعلم أن الطريق مقطوع ولن أذهب بالسلاح؟

    الجواب: في مثل هذا الظرف ما دام أن الإنسان لم يتيسر له الدخول، فإنني أنصح الأخ بأن يصبر ويجاهد حيث هو بالدعوة إلى الله عز وجل، وتعلم العلم وتعليمه، والصبر والدعاء، وأساليب الجهاد ووسائله كثيرة، وقد سبق أن أجبت على سؤال شبيهٍ بهذا.

    الجهاد بدون إذن الوالدين

    السؤال: ما رأيك في الذهاب إلى أفغانستان، علماً بأن أبي يرفض ذلك؟

    الجواب: إن كان ذهابك هو للقتال فأنا لا أرى أن تذهب إلا بإذن والديك، وأرى أنه لا يجوز أن تذهب بغير إذن والديك، أما إن كان ذهابك للدعوة، أو للاستطلاع، أو للتدرب، أو ما أشبه ذلك فإن شاء الله لا حرج، وتستطيع أن تقنع والديك بذلك.

    سسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.