إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب الهبة العمرى والرقبى [1]

كتاب البيوع - باب الهبة العمرى والرقبى [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الشارع بالعدل بين الأولاد في العطية، وحرم المفاضلة فيها، واشترط أهل العلم في رجوع الوالد عن عطية ولده شروطاً معلومة، وهذه المسألة مستثناة من عموم النهي عن الرجوع في الهبة والعطية.

    1.   

    شرح حديث النعمان بن بشير في وجوب العدل بين الأولاد في العطية

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [ وعن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ فقال : لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فارجعه)، وفي لفظ : (فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال : أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال : لا، قال : اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي فرد تلك الصدقة) متفق عليه، وفي رواية لـمسلم قال : (فأشهد على هذا غيري، ثم قال : أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال : بلى، قال : فلا إذن) ].

    هذا الذي ساقه المؤلف من خبر النعمان بن بشير جزء من حديث طويل، وهو : أن أباه تزوج امرأة وهي أخت عبد الله بن رواحة ، ثم طلبته أن يهب لولدها منه شيئاً يخصه به، قال : فمطلها سنة، وقيل : مطلها سنتين، ثم إنه أعطاه بستاناً نخيلاً، ثم بعد فترة ارتجعه، ثم رجعت وألحت عليه أن يمنح ولدها شيئاً من ماله، فمنحه هذا الغلام، فحينئذ خشيت أن يرجع في الغلام كما رجع في البستان، فقالت : لا أقبل - أي : لا أقبل هذا العطاء في الغلام - حتى تذهب وتشهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتضمن عدم رجوعه فيه كما رجع سابقاً في البستان.

    هكذا يذكر بعض العلماء ؛ لأنه جاءت بعض الروايات أنه قال: (إن أبي قد منحني شيئاً من ماله)، وبعض الروايات : (منحني غلاماً)، فقالوا : يجمع بين هذا: أنها أولاً ألحت على زوجها فأعطاه بعد المماطلة بستاناً، ثم إنه رجع فيه، وهنا يأتي الكلام في الرجوع في الهبة، وسيأتي تفصيل ذلك في أحاديث متقدمة.

    العطية لا يثبت تملكها إلا بالقبض

    وهنا: اتفق العلماء على أن الهبة والصدقة والعطية لا يثبت تملكها لمن وهبت إليه أو منحها إلا بعد القبض .

    وبعض العلماء يقول : الهبة تصح ويقع التمليك لها بمجرد العقد، وعند الحنابلة التفصيل بين المنقول من مكيل وموزون وحيوان، وبين الثابت من عقار وغيره، فقالوا : لا تثبت الهدية في المنقولات إلا بالقبض، وما عداها تثبت بالتخلية، وقالوا : إن الصغير يقبض عنه وليه ؛ لأن الصغير ليس أهلاً للقبض، وكذلك القبول، قالوا: ويشترط في صحة الهبة قبول الموهوب إليه وقبض الهبة التي وهبت له .

    واستدلوا في صحة الهدية بالقبض بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بأن أباها كان قد منحها جذاذ خمسين وسقاً، فلما لم تحزه، ومرض مرض الموت قال : (يا ابنتي ! والله لا أحد أعز علي فقراً من بعدي منكِ، ولا أحد أحب إلي غنىً من بعدي منكِ، وكنت قد نحلتك جذاذ خمسين وسقاً ولو كنت حزتيه لملكتيه)، وفي رواية : (ولو كنت حرثتيه لملكتيه) فعلى رواية: (حزتيه) يكون الفرض جذاذ خمسين وسقاً من تمر جاف بذاته، وعلى رواية : (حرثتيه) يكون قد منحها نخلاً يؤتي ثمرة مقدار خمسين وسقاً، وعلى كلا الحالتين لما لم تقبض ما منحته -سواء كان تمراً موثقاً أو نخلاً يأتي بهذا القدر من الأوسق- فإنها لا تملكه.

    ثم قال : (وهو الآن مال وارث فاقتسموه أنت وأخواك وأختاك)، أي: أسماء وبنت أخرى من امرأة كان تزوجها بالمدينة، وكان يسكن معها في السنح، قالت: (أي أختين يا أبي وليس لي إلا أخت واحدة ؟ قال: ابنت زيد بن فلان، إنها حامل وأراها حامل بأنثى) فجاءت كما قال رضي الله عنه، فقالوا : لو لم يشترط القبض في الهدية والهبة لنفذت هبة أبي بكر لابنته عائشة ، ولما لم تقبضها رجعت الهبة إلى مال الواهب وأصبح مال وارث .

    فهنا بشير لما منح ولده أولاً البستان يقولون : الوالد لا يقبض عن ولده إلا إذا كان في النقدين، فإذا كانت الهبة من النقدين الذهب والفضة، قال مالك : لا يصح للوالد أن يقبض لولده هبة الذهب والفضة، ولو حتى عزلها وختمها وأبعدها عن ماله مميزة عنه، ولكن يشترط أن يخرجها من تحت يده، ويجعلها تحت يد رجل أمين تكون عنده ؛ مخافة فيما بعد: فلو مات الواهب-والحال أنه كان قد وهب ولده جزءاً من المال وبقي المال تحت يده في صندوقه مع عموم ماله- لربما ادعى الورثة أنه مال أبيهم، وأنه في التركة، لكن عندما يخرجه إلى يد غيره لا يمكن أن يدعوا ذلك.

    إذاً: لابد من اشتراط القبض في الهبة، والقبض كما يقال : إن كان مكيلاً أو موزوناً أو منقولاً فبنقله عن مكانه، وإن كان ثابتاً فبالتخلية بينه وبين الموهوب له.

    وهنا عمرة بنت رواحة لما قالت : لا أقبل، سبب ذلك أنه كان قد سبق من زوجها أن منح ولدها النعمان ثم رجع في منحته، ويقولون : إنه وإن كان يقبض عن الصغير إلا أن للوالد أن يرتجع في هبته لولده، وليس هذا لغير الوالد من جد أو أخ أو عم أو غير ذلك.

    واختلف في الأم هل لها أن ترجع في هبتها لولده ؟

    فالحنابلة عندهم رواية عن أحمد رحمه الله: أنها لها ذلك لقوله: (اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم) والأم والدة.

    وعند المالكية أن الأم لا تملك حق الرجوع في الهبة؛ لأن الوالد له ولاية على الولد، وهذه ليست موجودة للأم عليه، وجاء النص : (أنت ومالك لأبيك) وهل تلحق الأم بذلك أم لا ؟ قالوا : وإن لحقت به في الأخذ من مال ولدها لحاجتها، فلا تلحق به في حق استرجاعه مما أعطى ولده.

    حكم العطية بين الزوجين

    ثم يأتون إلى العطية بين الزوجين، فقالوا: إذا أعطى الزوج زوجته عطية فلا يحق له أن يرتجعها، والقبض والإذن في ذلك حاصل لأنهما معاً في البيت .

    والمرأة إذا وهبت لزوجها هبة، قالوا : من حقها أن ترجع ومن حقها أن تمضي ؛ لما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : (النسوة يهبن رغبة ورهبة) رغبة: تستجلب محبة الزوج، ورهبة: من أن يوقع بها ما يسوءها، ومخافة أن يتزوج عليها، أو أن يسيء عشرتها، أو أن يقصر معها فيما يفعل مع زوجاته الأخريات.

    قالوا : لها أن ترجع ؛ لأنه يتوجه إليها الرغبة والرهبة .

    إذاً : الهبة بين الزوجين: فالزوج إذا وهب لا يرجع في هبته، والزوجة إذا وهبت لها أن ترجع في هبتها؛ لأن عندها علة ليست موجودة عند الزوج، وهنا عمرة طلبت من زوجها أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منحته زوجها لولدها.

    يقول ابن حجر نقلاً عن بعض العلماء : هذا من شؤم التشدد والتنطع، فلو أنها قبلت عطاء زوجها لولدها لمضى الغلام في عطية الوالد، لكنها تعنتت وتشددت وطلبت أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    وقوله صلى الله عليه وسلم : (ألك ولد؟) هذا كما يقولون : وجوب الاستفصال من المفتي.

    إذا استفتاك إنسان وكان الموقف فيه احتمالات بين جواز الأمر أو منعه، فعليك أن تستفصل، فهنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ألك ولد ؟ قال : نعم، قال : أكل ولدك منحته ذلك ؟ قال: لا. قال : ارتجعه). وقال : (لا أشهد على جور). وقال : (أشهد عليه غيري) كل هذه الألفاظ جاءت.

    والذين يقولون: ليس للوالد الرجوع بالكلية في أي حالة من الحالات أجابوا عن هذه الألفاظ وهذه الروايات في هذا الحديث بأجوبة:

    أما عن قوله صلى الله عليه وسلم : (أشهد عليه غيري) يقول الشافعي : إن الرسول لم يعلمه بأن الهدية باطلة، ولكنه قال : أنا بصفتي رسولاً لا أشهد على مثلها، ويقولون : إنه كحاكم وقاض لا يكون شاهداً، وكما جاء عن عمر رضي الله عنه جاء رجل يحتكم إليه ويشتكي خصماً له، قال : ائتني بشهود، قال : أنت أحد الشهود، قال : أنا لا أكون شاهداً وقاضياً، إن أردتني شاهداً فتقاضى إلى غيري أشهد عنده، وإن أردتني قاضياً فأتني بشهود . أي : أن الإنسان لا يكون في وقت واحد شاهداً وقاضياً.

    وبعضهم يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم : (أشهد عليه غيري، فإني لا أشهد على جور) يبدو والله أعلم لولا مجيء قوله: (لا أشهد على جور)، وقوله: (أشهد عليه غيري) فيكون هناك توجيه لما هو الأفضل والأكمل ؛ لأنه ثبت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بادئ الأمر إذا قدم إليه ميت ليصلي عليه، سأل : أعليه دين ؟ فإن قالوا : لا. صلى، وإن قالوا : نعم. قال: صلوا أنتم، وهنا امتناعه عن الصلاة على المدين لا يكون ذلك في الحكم على الميت، ولكن في حكم الدين الذي هو عليه، ويكون حثاً على أداء الديون قبل الوفاة، فإن توفي وعليه ديون فعلى ورثته المبادرة بسداد ديونه، وهذا أيضاً فيه مفاضلة كونه يصلي على هذا ولا يصلي على ذاك، فكذلك هنا يشهد على هذا أو لا يشهد على ذاك، ليس ما يشهد عليه في الصراحة والإباحة كالذي لا يشهد عليه.

    إذاً: أقل مراتبه الكراهية.

    أما لما جاء فقال له: (فإني لا أشهد على جور) والجور : الظلم، فهنا اشتد الأمر، والإجابة عليه ليست وافية، فإنهم قالوا : يكون للكراهية، ولكن الأسلوب من حيث هو يدل على النهي والنفي.

    وهنا عطاء أحد الأولاد بعض المال، فهل هذا يصح أم لابد من التسوية بين الأبناء ؟ سيأتي للمؤلف رحمه الله بعض النصوص في ذلك ويهمنا في حديث النعمان بن بشير أنه كان صغيراً؛ جاء في بعض الروايات ذكرها ابن عبد البر ، قال: (فانطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله) وفي بعض الروايات: (يمشي بي) وجمعوا بأنه لصغره تارة يمشي وتارة يحمله كما يفعل الأب مع ولده الصغير، يحمله شيئاً ثم ينزله ويمشي معه شيئاً آخر،

    إذاً: أبوه كان قد استلم مكانه، وقبض الهبة من نفسه وهذا كما يقولون بالولاية.

    ولو أن أجنبياً أهدى لطفل وأبوه موجود فأبوه يقبض عنه، أو كان يتيماً وله وصي فوصيه يقبض عنه ؛ لأن الصغير دون البلوغ ليست له صلاحية القبض ولا القبول، فوليه يقبل الهدية ويقول : قبلتها لفلان، ويقبضها عنه ويحوزها لديه .

    وتقدم الإشارة إلى كلام مالك رحمه الله تعالى بأن القبض يكون جائزاً إلا في النقدين، فلابد أن يعزل الهبة النقدية ويجعلها في يد أمين بعيدة عنه، مخافة أن يأتي الورثة فيما بعد ويقولون : هذا مال أبينا وهو تركة عنه.

    1.   

    شرح حديث: (العائد في هبته كالكلب...)

    يقول المصنف رحمه الله: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) متفق عليه، وفي رواية للبخاري : (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه) ].

    هذا الحديث أيضاً يتناوله العلماء باختلاف: (العائد في هبته كالكلب يأكل ثم يقيء ثم يعود يلعق من قيئه) هذه الصورة نجد أن بعض الناس يقول : يجوز أن يعود في هبته، طيب والكلب يعود؟ قال: الكلب ما عليه لا حلال ولا حرام، فإنه لما يقيء ثم يرجع ويلعق من قيئه ليس حراماً عليه.

    إذاً: لا مانع أن يعود الإنسان مع التقبيح والكراهة.

    والآخرون قالوا : لا، جاء اللفظ : (ليس لنا مثل السوء) فالرسول عندما يضرب المثل بكلب يقيء. انظر الصورة! ليس بكلب يأكل ثم يترك ثم يعود لما كان يأكله، يعود لفريسته مرة أخرى، لا، وإنما يقيء، فكأن الذي وهب ما كانت هبته خالصة ولكن كأنها استخرجت منه بشدة، كالشخص الذي يقيء رغماً عن أنفه، فيكون حينئذ أخرجها بغير اختياره، أو أخذت منه كرهاً عليه، فحينئذ يتطلع إليها، وسيأتي في قضية فرس عمر رضي الله تعالى عنه: (لا تبتعه ولو بدرهم).

    وهنا الذي يعود في هبته عام في جميع أنواع الهبات، وفي كل من يهب شيئاً، حتى الواهب يهب ولده، فإذا رجع فيها شمله هذا الحديث.

    والذين يجيزون عودة الأب في هبة الولد لأنه ملكه، قالوا: عودة الأب كحديث النعمان ، قال النعمان : (فرجع أبي فارتجع تلك الصدقة)، كان قد وهبه وأعطاه، فهذا مخصص لعموم من وهب، كأنه يقول : من وهب ثم رجع إلا الوالد إذا وهب لولده فرجع عن هبته فلا مانع.

    والبعض يقول : لا، بشير لم يكن أمضى الهبة، بل كان عرض على عمرة أن يهب للنعمان غلاماً، وهي إلى الآن ما قبلت ولا أمضت الهبة، بل قالت: (لا أقبل حتى تشهد رسول الله).

    إذاً: عقد الهبة إلى الآن لم ينعقد، فكون بشير يرجع في هبته لولده غلاماً فإنه رجع قبل انعقاد عقد الهبة .

    إذاً : فهذا الحديث يعم، وإنه ما كان قد أنفذ الهبة ولا كان قد قبضها باسم ولده ؛ لأنه من حقه أن يقبض لولده الصغير، فقالوا : رجوعه ليس كالكلب يعود في قيئه ؛ لأنه لم يكن قد أتم وأمضى الهبة بدليل أن زوجه عمرة قالت : لا أقبل.

    إذاً ما تم القبول، هو أعطى وتولى القبض والقبول، قالت: (لا. حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    إذاً: إلى الآن الهبة معلقة حتى يشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هناك تخصيص للحديث، ويكون هذا الحديث عاماً في كل هبة والداًكان أو أخاً أو أختاً (فرجع في هبته).

    وبعضهم يقول : إنما هو في الصدقة التبرر والتطوع ؛ لأن المتصدق أخرجها لوجه الله رغبة في الأجر عند الله، فلا ينبغي له أن يبطل نيته تلك وأن يفسخ عقده مع الله في تلك الصدقة، بخلاف الهبة للبشر، فإن له أن يعود فيها، ويكون الحديث على رأيهم خاص بمن تصدق بصدقة لفقير أو مسكين لوجه الله.

    وتقدم لنا الفرق بين الهبة والصدقة؛ فإن الصدقة تعامل مع الله، ينتظر فيها ثواب الله، والهبة تعامل مع الإنسان ينتظر مثوبتها عند الإنسان بمجاملة أو مودة .. بمصانعة ..بتمهيد لصداقة ..لقضاء حاجة، هذه هي الهبة التي تدور في فلك الإنسان، من إنسان إلى آخر، ولكن الصدقة تخرج من فلك الإنسان إلى رب العزة فيتعامل مع الله.

    1.   

    شرح حديث: (لا يحل لمسلم يعطي العطية ثم يرجع فيها...)

    يقول المصنف رحمه الله: [وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم ].

    لا يصح لأحد أن يعطي العطية، نحن قلنا : العطية والهدية والهبة والنحلة كلها أسماء لمسمى واحد، ولا يختلف ذلك إلا مع الصدقة ؛ لأن الصدقة تعامل مع الله، يرجو فيها ثواب الله، ولهذا يخفيها ولا يريد أن يطلع عليها أحد، بخلاف الهبة فإنه قد يرائي فيها ويظهر المصانعة مع الآخرين.

    ولا يحق لإنسان أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، كالحديث الأول ثم قال: (إلا) وهذا نص بالاستثناء، فهو يستثني نصاً صريحاً : (إلا الوالد إذا أعطى ولده له أن يرتجع)، يرتجع لأي شيء؟ هل يرتجع عن أصل الهدية ويقف عنها ويلغيها، أم يرتجع ليسوي بين هذا الشخص وبين بقية إخوته؟

    قول الرسول صلى الله عليه وسلم لـبشير : (اتقوا الله وسووا بين أولادكم) يقول العلماء: إما أن يعطي بقية الأولاد كما أعطى هذا الولد، وإن كان لا يوجد عنده ما يكفي لعطاء جميع الأولاد كهذا الولد ارتجع مما أعطاه لهذا الولد وكمل به ما معه ليعم العطاء لجميع الأولاد .

    إذاً : الوالد قد يضطر إلى الرجوع فيما أعطى الولد؛ لتتم التسوية في عطاء الأولاد، وماعدا الوالد لا حق له في ذلك حتى الجد والأم ليس لهم الرجوع في العطية.

    شروط الرجوع في عطية الولد

    تقدمت الإشارة إلى أنه إذا لم يكن هناك أولاد، وكان عطاء من الوالد لولده الواحد، فإن رجوعه فيما أعطى الولد يشترط له بعض الشروط : أن تكون العين باقية في ملك الولد، ولو أن الولد وهبها أو باعها، أو عبداً أعتقه، أو جارية أولدها، فإنه في هذه الحالات لا يملك إرجاعها ؛ لأنها انتقلت من ملك الولد إلى ملك الغير، وكذلك الجارية: إذا وهب ابنه جارية فاستمتع بها وحملت منه أصبحت أم ولد، وأم الولد لا يملك سيدها أن ينقل ملكها إلى غيره ؛ لأنها تعتق عند موته.

    وجاء الخلاف عند الحنابلة، ونص المغني شكل، ونص كشاف القناع شكل آخر، فالمغني يقول : مالم تتعلق بالعطاء رغبة الآخرين، وأشرنا إلى هذا المعنى بأنه لما أعطى ولده العطاء رغب الناس في التعامل مع الولد ؛ لأنه أصبح له مال، خطب .. زُوج، والفتاة تخطب من أجل ما أعطاها أبوها : (تنكح لمالها) فإذا ما تزوج الولد، وتعامل مع الناس فداينوه، وتزوجت الفتاة، فإذا بالوالد يأتي فيرجع فيما أعطى ولده، كأنه أضر بالآخرين. الطرف الثالث الذي وجد: وهو من داين الولد من أجل عطية أبيه، ومن زوج الولد من أجل عطية أبيه، ومن تزوج البنت من أجل عطية أبيها، هؤلاء يتضررون إذا رجع الوالد في عطائه لولده، والأصل: (لا ضرر ولا ضرار).

    هذا الوجه يذكره ابن قدامة في المغني قولاً واحداً، وكشاف القناع يذكر الروايتين : ولو تعلقت به رغبة الآخرين، بهذا النص.

    ولو رهنه ينتظر الوالد حتى يفك الرهن ؛ لأن الرهن لا ينقل ملكية العين عن مالكها، فهو حدث يمنع التصرف في المال، والراهن بنفسه لا يحق له أن يبيع الرهن، ولا يحق له أن يعتقه إن كان عبداً أو أمة؛ لأنه متعلق بالدين الذي في ذمته، فهو رهن لوفاء الدين، فإذا باعه انتفى مقصود الرهن، فإذا كان الولد قد رهن ما أعطاه أبوه في دين عليه. قال في الكشاف في الرواية الأخرى : ينتظر الوالد فك الرهن ثم يرتجع المرهون، ولكن المغني قدم عدم الرجوع قولاً واحداً.

    ثم من شروط رجوع الوالد : أن لا يزيد العطاء في يد الولد، والزيادة تنقسم إلى قسمين: زيادة منفصلة وزيادة متصلة، فالزيادة المنفصلة كأن وهبه ناقة ثم لقحت الناقة فأنتجت وأصبح لها فصيل، وأراد الأب أن يرتجعها، قالوا : له أن يرتجع الأصل والنماء للولد ؛ لأنه نماء وقع في ملكه .

    أما الزيادة المتصلة التي لا يمكن فصلها، بأن كانت الناقة عجفاء، فعلفها حتى سمنت، أو كان الغلام جاهلاً عامياً فعلمه القراءة والكتابة، أو علمه صنعة، فهذه زيادة متصلة بالشخص لا يمكن فصلها عنه كفصل النتاج عن الناقة ؛ فحينئذ لا يحق للأب أن يرتجع هذه الهبة؛ لأن الولد صارت له شراكة في هذه العين بقدر الزيادة التي زادت واتصلت.

    كذلك من شروط رجوع الوالد في حق ولده : ألا تكون العين قد تلفت، أما إذا كانت نقصت بأن كان سميناً ثم هزل عنده فهو بالخيار ؛ لأنه رضي بهذا النقص، فله أن يرتجع هبته إن أحب، وهذا كله تفصيل في رجوع الوالد فيما أعطاه لولده.

    أما تملك الوالد من مال الولد ابتداء فيزاد فيه شرط آخر : وهو ألا يأخذ مال الولد هذا ليعطيه للولد ذاك؛ فالحديث بين أنه فيما أخذه لنفسه : (أنت ومالك لأبيك)ما قال : لأخيك، فإذا أخذ الوالد من مال ولده ودفعه لولد آخر فيكون قد أعطى مال الولد لأخيه وهذا لا يصح له.

    1.   

    شرح حديث: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية...)

    يقول المصنف رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها) رواه البخاري .

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (وهب رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة فأثابه عليها، فقال : رضيت ؟ قال : لا، فزاده، فقال : رضيت ؟ قال : لا، فزاده، فقال : رضيت ؟ قال : نعم) رواه أحمد وصححه ابن حبان ].

    قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها).

    الهدية بالثواب في حكم البيع، إن رضي المهدي لما عوض عنها مضت وإلا ارتجعها، ولهذا الأعرابي لما أعطى لرسول الله، قال له : رضيت ؟ قال : لا، قال : زيدوه، لأن البيع عن تراض، وهذا ما رضي.

    وقالوا : إن الهبة للثواب جائزة عند الجميع إلا من رسول الله، لا يحق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب هبة ينتظر ثوابها ؛ لأنه في غنى عن الخلق، ولا يطمع في زيادة من أحد ؛ لأن هذا ليس من مكارم الأخلاق، أما أن يقبل ويثيب هو فهذه مكارم أخلاق .

    والعادة أن الواهب مع الموهوب له ثلاث حالات : إما أن يكون مساوياً له، يعني: وهب لنظير مساوياً له، أو يكون دونه وأقل منه، أو يكون وهب لمن هو أعلى وأغنى منه، وكل هذا جائز في الهبة، فإذا كان قد وهب لمساويه، إن كان يقول : هذه هبة ثواب تعينت، وعلى الموهوب له أن يثيبه عليها وإلا ارتجع هبته، وإذا لم يسم ثواباً فهي هبة للمودة وليست للثواب؛ فالقرائن هي التي تبين ذلك.

    وإن كان قد وهب لمن هو دونه، فليس من المعقول أن يهب لشخص أقل منه مالاً وجاهاً وينتظر منه أن يثيبه ويعطيه.

    لكن إذا وهب لمن هو أعلى منه: يأتي إنسان لأمير من الأمراء أو تاجر من التجار أو ولي أمر أو كذا .. أو كذا .. ويهدي إليه أعواداً من الأراك، السواك موجود ومتوفر، لكن هل هو أراد أن يهاديه ليتودد إليه أو يصانعه من أجل الثواب عند الله؟ لا. إنما تطلع لما يثيبه عليه من أهدي إليه، وجرت العادة أن من كان أعلى من المهدي لا يعاوضه مثل قيمتها وإلا ما الفائدة ؟ سيذهب بها عند الآخرين .

    العادة من مكارم الأخلاق أن ذوي اليسار إذا أهدى إليه إنسان فقير أن يضاعف له قيمة الهدية ؛ لأن هذا هو المقصود، ولما جاء الأعرابي وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ناقة، قال : أعطوه، فأعطوه ثلاثاً، قال: رضيت؟ قال: لا، قال: زيدوه، ثم أعطوه ثلاثة أخرى، قال: رضيت ؟ قال : لا، قال : أعطوه، فزادوه ثلاثة أخرى، فأصبح عددها تسعة، قال: رضيت؟ قال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت ألا أقبل هدية ثواب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي) لماذا ؟ لأنهم لا يعاملونه مثل هذه المعاملة.

    إذاً: الهدية للثواب حكمها حكم البيع، وتفصيل ذلك : إنسان جاء وأهدى سيارة لمن هو أعلى منه بقصد المثوبة، فجاء وأعطاه سيارة أو وناقة، الذي أخذ السيارة جاء ليشغلها فإذا بها عيب، هل يلزمه أخذها بعيبها أم له حق الرد للعيب الموجود ؟ له حق الرد ؛ لأنه دفع قيمتها، فهبة الثواب يجري فيها أحكام البيع، كذلك الذي وهب السيارة وجد العطل الذي مع سيارته غير صالح، له حق أن يرجع ويرده، ويقول : أنت أعطيتني شيئاً غير صالح وعليه أن يعوضه عن هذه السيارة.

    ويقولون : المعاوضة في هبة الثواب أقل حد فيها القيمة، ولكن يقولون : ليست من عادة ذوي المروءة أن يعامل المهدي الأقل كمعاملة السوق، يريد قيمتها، ما هي الفائدة إذاً؟ كونه يتعنى أن يهدي إليك بالذات ويعطيك هذه الهدية، هو يريد أكثر منها، لكن يقولون : لا يجوز أن يثيبه عليها أقل من قيمتها، والشافعي رحمه الله في الجديد عنه قال : لا تصح هبة مثوبة ؛ لأنها معاوضة على مجهول، والذي يهدي لا يعلم ماذا سيعطيه المهدى إليه، فكان هناك مبايعة على غير بيع ؛ ولذا نفى الشافعي رحمه الله الهبة للثواب، وقال: هذا بيع فيه جهالة في الثمن، فلا تصح، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (العمرى لمن وهبت له)

    يقول المصنف رحمه الله: [ وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (العمرى لمن وهبت له) متفق عليه، ولـمسلم : (أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه) وفي لفظ : (إنما العمرى التي أجازها النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول : هي لك ولعقبك، فأما إذا قال : هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) ولـأبي داود والنسائي : (لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقد شيئاً أو أعمر شيئاً فهو لورثته) ].

    بعدما أتى المؤلف بإجمال مواضيع الهبة والعطية والنحلة على ما تقدم في تفصيلها، وحكم الرجوع فيها، والتسوية بين الأبناء، جاء بأحكام العمرى، وقبل أن نخرج إلى العمرى، تذكرون أن سائلاً بالأمس سأل : هل يجب على الوالد أن يساوي بين أولاده بالنفقة أم لا؟

    موضوع المساواة بين الأبناء إنما هو في العطاء، (أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟) أعطيتهم مثل هذا، أما النفقة فليست عطاء.

    النفقة أداء واجب، وأداء الواجب يكون بقدر ما يؤدى به هذا الواجب، إذا كان عنده ولد طالب في الجامعة، وعنده ولد طالب في الابتدائي، هذا الطالب الذي في الابتدائي هل يحتاج من النفقة والمصاريف ولوازم الدراسة بقدر ما يحتاج طالب الجامعة؟ لا يحتاج. فهل نقول : نعطي الصغير بقدر ما نعطي الكبير لأجل المساواة ؟ لا، فالمساواة هنا إيفاء كل ذي حق حقه، فلا يقصر مع الطالب الجامعي لكثرة نفقته، ولا يغدق على الطالب الابتدائي لقلة مئونته، بل يعطيه، اليوم بدأت الدراسة، يريد حقيبة، يريد دفاتر، يريد كتباً، يريد مسطرة، هذه الأشياء يحضرها له، لكن طالب الجامعة يريد مواصلات، وربما احتاج إلى سكنى، وإلى ملابس.. فطلباته أكثر وأوفر، وكذلك البنات : البنت الصغيرة في سنة أولى والبنت الكبيرة في الجامعة، فكل من الأولاد له حق، وحقه إعطاؤه ما يفي مطالبه، فلا يقصر مع الكبير ولا يسرف مع الصغير ؛ لأن الصغير في طريقه إلى ما وصل إليه الكبير، وسيأخذ كما أخذ الكبير .

    بقي هنا مسألة وإن لم يأت السؤال فيها فهي تفرض نفسها، فيما إذا كان للوالد خمسة أولاد : ثلاثة ذكور وبنتان، فزوج من الأولاد ولدين وبقي ولد، وزوج من البنات بنتاً وبقيت بنت، اللذان زوجهما أبوهما بقي الثالث، هل من حقه أن يفرد هذا الولد الثالث بشيء يساعده على الزواج كما زوج الولدين ؟ وهل يعطي البنت التي لم تتزوج ما يساعدها في زواجها كما زوج الأولى ؟

    تقدمت القاعدة العامة: هل يجوز للوالد أن يفاضل بين أولاده لوصف قائم؟

    جاءت النصوص عند الحنابلة أيضاً بأن الوالد له أن يفاضل بين أولاده خاصة لوصف قائم بأحدهم، وأشرنا إلى ذلك سابقاً بأن كان ذا عائلة .. أو كان مريضاً زمناً .. لا يقوى على العمل .. بأن كان متفرغاً لطلب العلم، فللوالد أن يميزه عن بعض إخوانه في العطاء، إذا أعطى إخوانه عشرة يعطي واحداً من هؤلاء عشريناً.

    ثم هناك من يقول : التسوية في الحالة العادية، لو أعطى الولد عطاءً زائداً ثم أراد أن يسوي بين الآخرين، على أي قياس؟ فبعضهم يقول: على قياس قسمة التركة: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، والبعض يقول : لا، هذا كميراث حق الله، وهذا عطاء من الوالد، فالبنت والولد في ذلك سواء، وجاء حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعدلوا وسووا، ولو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء على الرجال) والآخرون يضعفون هذا الأثر ويقولون : الولد أحق بالمفاضلة من البنت ؛ لأن الولد سيلحقه غرم في الزواج فسيدفع صداقاً للزوجة، وسينفق عليها وعلى أولاده منها، أما أخته -أي: البنت- فلا تطالب بشيء من ذلك، تأخذ حصتها من الميراث وتتزوج وتأخذ صداقاً، وتجد من ينفق عليها، ولا تكلف بشيء من ذلك.

    إذاً : قسمة الميراث راعت حق الولد أو الذكر لما يتبعه من تبعات في الحياة .

    إذاً : لو كان أحد الأولاد به صفة يحتاج بها إلى مفاضلة فإنه لا مانع في ذلك، وإن كانت الرواية الأخرى في الكشاف عند الحنابلة : مهما كان وصفه لا يفاضل به، ولكن الحاجة تعطى، حتى ذكر لو أنه زوج ابنته فجهزها فأعطاها عليه أن يعطي أولاده مثلما أعطاها، وهذا ذاهب للعروس ليس لنا دخل فيه، ولكن يعطيها لكونها انتقلت من بيته إلى بيت آخر، لكونها تبتعد عنه، فلابد أن يسوي بهذا العطاء بقية إخوانها، وبالله تعالى التوفيق.