إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الصلحللشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من محاسن الشريعة الإسلامية ترغيبها فيما يدعو إلى الألفة والمحبة، وزجرها عما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، وقد رغبت في الصلح بين المسلمين، وللصلح أحكام كثيرة بينتها الشريعة الحكيمة.

    1.   

    شرح حديث: (الصلح جائز بين المسلمين)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله:

    [وعن عمرو بن عوف المزني رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً). رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ].

    الصلح جائز، وجاءت النصوص في كتاب الله تحث على الإصلاح في المجتمع، والإصلاح أنواع:

    فهناك الإصلاح بين الزوجين.

    وهناك الإصلاح بين الطائفتين.

    وهناك الإصلاح بين الفريقين أيَّاً كانا.

    إذاً: الصلح جائز، ومُرَغَّب فيه، ومندوب إليه.

    وكذلك الشرط، كما جاء في حديث بريرة : (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، إذاً: الشرط صحيح.

    وإذا كان الشرط أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً فهذا معلوم من الدين بالضرورة أنه يكون شرطاً فاسداً، وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله.

    وضعف الحديث تجبره شواهد الكتاب أو السنة.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (جائز) يعني: ليس بلازم حتماً، فمن لم يرضَ بالصلح في بادئ الأمر فلا نلزمه به.

    والصلح مبناه على التنازل، مثلاً إنسان له على إنسان ألف ريال، فجاء وقال: أصالحك على تسعمائة ريال، وأتنازل لك عن مائة ريال، فهذا صلح في هذا الدين.

    ويقول الفقهاء: الصلح نوعان: الصلح على إقرار، والصلح على إنكار، ففي هذا المثال صلحٌ على إقرار؛ لأنه مقر بالألف، ويقولون: إن كان موضوع الصلح من جنس المصالَح به فلا ينبغي أن يكون بلفظ الصلح، خاصةً إذا كان ربوياً، فألف ريال بتسعمائة هذه ربا، ولهذا يقولون: ينبغي في هذه الصورة أن يقول: أبرأتك من مائة ريال، وأعطني تسعمائة، فيكون هذا إبراء من الدائن، أو يقول المدين: هب لي من دينك مائة ريال، فيكون في هذه الحالة التخفيض والتقليل من الدين بلفظ الهبة أو الإبراء، يقول الدائن: أبرأتك من مائة ريال، أو وهبت لك مائة ريال من الدين، وأعطني الباقي. فلا مانع من ذلك؛ لكن أن يقول: (صالحتك) يقولون: هذا لا يجوز؛ لأنه يكون من صورة الربا أقرب منه من صورة الهبة والعطية.

    إذاً: المسألة مسألة لفظ، ومسألة اعتبار، لأن الصلح يكون في معنى البيع.

    أما إذا كان المصالَح به من غير جنس المصالَح عليه مثلاً: له عليه إرْدَبٌّ من التمر، فتعذَّر تقديم الإرْدَبِّ من التمر، فنقوِّمه؛ لأنه إذا تعذَّر عين الدين تعيَّنت القيمة، فإذا كانت قيمة إرْدَبِّ التمر بألف، فقال: أنا أتنازل لك من الألف بمائة. فلا مانع من ذلك. أو يقول: أصالحك على الدين الذي في ذمتك من التمر بتسعمائة أو بمائتين أو بخمسمائة؛ لأن المصالَح به نقد، والمصالَح عليه تمر، فاختلف الدين مع عين الصلح، فلا مانع من ذلك.

    حكم الصلح على الإنكار

    صلح الإنكار هو أن يدعي إنسانٌ على إنسان شيئاً فينكره.

    وتحقيق الأمر في هذه المسألة: أن بعض العلماء نفى صلح الإنكار بالكلية كـالشافعي رحمه الله، والبعض أجازه؛ ولكن فصل بعض العلماء وقال: لا ينبغي أن يقال: صلح الإنكار ممنوع مطلقاً، أو صلح الإنكار جائز مطلقاً.

    قالوا: إذا كان المدعى عليه بالدين يعلم حقيقة الدين؛ ولكن أنكره بغية أن يصالحه الدائن على شيء منه، فصالَح مدينٌ له بإرْدَبٍّ من التمر، فقال: ليس لك عندي شيء، فذهب وجاء، وادعى عليه، وما عنده بينة، وما حصَّل شيئاً، فأراد الدائن أن يصالح على بعض حقه لينقذ بعض حقه، فقال: أصالحك على نصف الإرْدَبِّ بقيمة خمسمائة ريال. ففي هذه الحالة الدائن له حق أن يكتفي بنصف حقه، والمدين ليس له حق أن يصالح على أقل من دينه؛ لأنه يعترف به في قرارة نفسه، وكان ينبغي أن يعترف به صراحةً، ويطلب من الدائن أن يخفف عنه أو أن يسامحه، أما أن يجحده بغية أن يصالحه صاحب الحق على جزء منه؛ فهذا لا يجوز.

    وقد يدعي من ليس له شيء على رجل يستحي من المثول في مجالس القضاة، ويستحي أن يُعرض عليه اليمين، ويتورع أن يحلف يميناً ولو كان صادقاً، فذهب إلى القاضي وادعى عليه: أن لي عليه ألف ريال. فالقاضي يستدعيه، فيقول: لا، أبداً، هذا ليس بيني وبينه معاملة، فيقول القاضي للمدعي: البينة، فيقول: ما عندي بينة، فيقول للمدعى عليه: احلف، وهذا الذي يريد المدعي أن يصل إليه، ويعلم أن المدعى عليه من مروءته وأمانته وزهده أنه لن يحلف، فحينئذٍ يضطر المدعى عليه أن يصالح المدعي، فهل صالَحه على الدين؟ لا. بل صالحه على الدعوى ليترك دعواه، ويفك نفسه من هذا. فحينئذٍ هذا المدعي محق أم ظالم؟ ظالم، وأخذ بصلح الإنكار مال إنسان بغير طيب نفس؛ ولهذا مالك رحمه الله يقول: لا ينبغي أن تُسمع كل دعوى، وأن تكون القضية دائماً، البينة .. اليمين .. لا. بل يُنظر هل بين المدعي والمدعى عليه ما يشبه دعواه؟ فإن كان المدعي الذي ادعى على إنسان ليس بينه وبين المدعى عليه لقاء ولا معاملة ولا أي شيء، ولا يشبه أن يحتاج ويستدين منه؛ فلا تسمع دعواه، مثلاً: إنسانٌ رأى رجلاً ماشياً صاحب هيئة ومال وكذا؛ فمسكه وقال له: هاتِ حقي.

    - وما حقك؟

    - الدين الذي لي عندك.

    - أيُّ دين؟! أنا ما رأيتُك، أنا ما أعرفك!

    - أبداً، لي عندك ألف ريال.

    ورفع أمره إلى المحكمة، فـمالك هنا يقول: من أين هذا الرجل؟

    - والله! من أفريقيا من هناك من آخر الدنيا، من داكار.

    - وهذا من أين؟

    - هذا من الشام.

    - وما الذي جمع الشامي على الأفريقي؟!

    فـمالك يقول: أولاً نثبت أن هناك ما يشبه حقيقة الدعوى، فيسأله القاضي: هل لقيته قبل ذلك؟ هل سافر إلى الشام؟ هل سافرت أنت إلى داكار؟

    فإذا لم يكن هناك ما يشبه الخلطة بينهما فهل يكون لهذه الدعوى محل؟

    لا محل لها.

    مثال آخر: إنسان فقير في المدينة ادعى على تاجر معروف صاحب استيراد وتصدير ومعارض جملة، وقدم عريضة في المحكمة بأن لي عليه عشرة آلاف ريال، والمدعي بعشرة آلاف لا يملك إلا قوت يومه، فالقاضي يجب أن ينظر، هل هناك ما يشبه أن هذا الفقير المسكين امتلك عشرة آلاف، وهذا التاجر المصدِّر المورِّد صاحب الرصيد في البنوك، هل احتاج الغني إلى هذا في عشرة آلاف؟ إذا كان هناك ما يشبه هذا سمع الدعوى، وإذا لم يكن هناك ما يشبه من ثبوت الخلطة فـمالك يقول: تُرفض الدعوى ولا تُسمع.

    فإذا القاضي ما رأى هذه الناحية، وقال: عندي مدَّعٍ، والمدعي عليه البينة، والمنكر عليه اليمين، فقال: كونك غنياً، وكون هذا فقيراً، أنا لا دخل لي بهذا، عندك بينة؟

    - ما عندي.

    - ماذا تقول؟

    - أريد يمين المدعى عليه.

    والمدعى عليه لو ادعى عليه بمليون يريد أن يدفعه، فهو متورِّع عن اليمين، وكما قدمنا عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه امتنع أن يحلف وهو محق؛ مخافة أن يصادف قدَر من الله، فيقال: أصيب بكذا لأنه حلف.

    فهذا قد لا يحلف، وبراءة لعرضه تحمَّل الدين وهو ينكره، ودفعه مفاداةً لليمين.

    فالصلح على إنكار: إن كان المدعى عليه يعلم حقيقة الدين وينكره، واضطر صاحب الحق أن يصالح عليه، فالمدعى عليه آثم لإنكاره، وما سقط من الدين بسبب مصالحة المدعي الدائن لا يسقط عند الله.

    وهناك بعض الصور: قد يضطر المدعي أن يصالِح إنقاذاً للبعض من الكل، وينص على هذا الفقهاء في ناظر الوقف، والوصي على الأيتام، هناك عقار وقف، وبجواره رجل ظالم معتد ذو سلطان وجاه، فتعدى على أرض الوقف، فأخذها، فالناظر مطالَب بحفظ ملك الوقف، فحاول معه، فقال له: اذهب ما لك شيء!

    - يا ابن الحلال، هذا وقف لله، هذا صفته، هذا فيه أيتام، هذا فيه أرامل، هذا .. هذا .. هذا ..

    - فقال: لا دخل لي، اذهب.

    - فقال له: أقول لك -يا شيخ- أصالحك على النصف، ويكفيك النصف واترك لنا النصف.

    أو أن المدعي قال: أنا أعطيك النصف، واترك دعواك، واصرف الموضوع.

    فهل من حقه أن يقبل هذا الصلح أو يترك؟

    يقبل؛ لأنه إنقاذ للبعض من الكل.

    وإذا صالح ناظر الوقف على نصف العين، فهل النصف الباقي يحل للمعتدي أو أنه حرام في يده؟

    حرام في يده.

    إذاً: الصلح على الإنكار: إن كان المدعى عليه لا يعلم بالدعوى، وأنكر لعدم علمه أو نسي فلا مانع من ذلك، وإن كان أنكر وهو يعلم فهو جاحد، وهو آثم، وما بقي بعد الصلح فهو في ذمته.

    وكذلك المدعي، إذا ادعى بشيء يعلم أنه لا حق له فيه، وصالحه عليه المدعى عليه، فأخذ شيئاً في هذا الصلح؛ فأخذه إياه غير جائز، وهو آثم بهذا الأخذ، والذي دفع مسكينٌ مضطر يريد أن يحمي ماله.

    معنى قوله: (إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)

    وقوله: (إلا صلحاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً) هذه قاعدة يدخل تحتها كثير من الصور. إذا تنازعوا على شيء، وقال أحدهما: أصالحك على هذه الأرض بشرط أن تعطيني كذا من الأشياء المحرمة، أو أن تؤمِّن لي كذا من الأشياء المحرمة، يعني: يكون الصلح على شيء يحرم اقتناؤه أو محرم بيعه، وطلب أن يصالَح به، فهذا الصلح لا يحل هذا الحرام، ولا يجوز له أن يأخذه في هذا الصلح.

    فإذا اصطلحوا عليه فهو حرام، وهذا الصلح أدى إلى استباحة الحرام.

    كما لو جاءه وصالحه على أن يعيره جاريةً وقال: أستمتع بها مدة إعارتها. هذا لا يجوز؛ لأنه صالحه على شيء محرم، والاستمتاع بالجارية لا يجوز إلا بملك يمين أو بعقد نكاح.

    فأي شيء أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالاً، مهما كانت الصور التي تتفرع تحت هذه القاعدة فإن الصلح لا يحلها.

    مثلاً: امرأة ادعى رجل أنها زوجته في سفر، أو في غربة، ومسك يدها وقال: تعالي!

    - ماذا بك؟

    - أنتِ زوجتي.

    - زوجتك؟!

    ثم صالَحها على أن تقر له بالزوجية، فهل هذا الصلح جائز؟

    لا؛ لأنه يحلُّ حراماً.

    إذاً: الصور في هذه القاعدة عديدة، ولا نطيل الوقت فيها.

    معنى قوله: (والمسلمون على شروطهم)

    وقوله: (والمسلمون على شروطهم): هذه الجملة تعتبر قاعدة تجمع بين المروءة والأمانة والديانة والصدق، وكما يقال: الإنسان يربط بكلمة من لسانه، والحيوان يُربط بالحبل، وإذا قال إنسان كلمة فيجب أن يقف عندها ويلتزمها، فإذا اشترط شرطاً الآن وأخل به فيما بعد فهذا حرام، ولو صار كل الناس يخلون بشروطهم ما انتظمت أمور الحياة، وكما يقال عن هتلر أنه حينما أراد أن يهاجم دولة قيل له: بيننا وبينهم معاهدة، فقال: المعاهدة يُعمل بها في السلم، أما في الحرب فلا معاهدات!!

    بينما في الإسلام قال الله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وإذا كان هناك عهد بين المسلمين والمشركين فلا ينبغي أن يُخفر العهد حتى يُعلَن لهم، وكان المشركون الذين لهم عهود يأتون إلى مكة للحج فقال الله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال:58]، وقال: أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] اتركه حتى يرجع إلى بلده.

    - (والمسلمون على شروطهم)، وجاء أيضاً بلفظ: (والمؤمنون على شروطهم).

    ويقول بعض العلماء كشارح الكتاب هذا: كلمة (على) تدل على الاستعلاء، بمعنى: أن المشترط شرطاً يتعالى عن أن ينزل ويخل بهذا الشرط، فيجب أن يوفي بالشرط، وكون المؤمنين أو المسلمين على شروطهم هذا مما يدل على قوة الإسلام وقوة المسلمين؛ لأنهم لا يخفرون بالشروط، ولا يخفرون بالذمة، بل يوفون بالشرط ولو على كُلفة منهم.

    ولكن إذا كان هناك شرط يحلُّ حراماً أو يحرِّم حلالاً، فهذا الشرط باطل، كما تقدم في قضية بريرة ، قال: (اشتريها واعتقيها واشترطي لهم الولاء)؛ لأن هذا شرط أحلَّ حراماً، لماذا يكون لهم الولاء؟ ليس لكم الولاء، إنما الولاء لمن أعتق، فهذا الشرط يكون باطلاً.

    والصور والأمثلة في الشرط الذي يحلُّ حراماً أو يحرِّم حلالاً كثيرة جداً، وليست مفسدات الشرط قاصرة على تحليل الحرام أو تحريم الحلال، بل كل شرط على غير شرع الله فهو باطل، وتقدم لنا قضية أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة حينما سألهم السائل عن بيع وشرط، فقائل منهم يقول: البيع صحيح، والشرط صحيح. وقائل يقول: الشرط باطل والبيع صحيح. وقائل يقول: كلاهما باطل!

    فواحد يقول: كلاهما صحيح. وواحد يقول: كلاهما باطل. وواحد يقول: البيع صحيح، والشرط باطل؟

    وذكروا النصوص الموجودة في هذا، فمنهم من يستدل بقضية بريرة ، ومنهم من يستدل بجمل جابر ، ومنهم من يستدل بحديث آخر.

    وهكذا في نكاح الشغار، لو قال: أزوجك مولاتي على أن تزوجني مولاتك. اشترط عليه أن يزوجه ليزوجه، وهذا هو نكاح الشغار، فهذا شرط باطل.

    وأيضاً: لو اشترطت الزوجة عليه ألَّا يكون للضَّرَّة ليلة معها، فقبِل، فهذا الشرط باطل؛ لأن لها حقاً في ذلك.

    حكم اشتراط المرأة عند الزواج بها عدم الزواج عليها

    هل يجوز أن تشترط المرأة عند الزواج بها -وليس بعد الزواج- على الزوج ألَّا تكون له زوجة حاضرة، وألَّا يتزوج عليها بعد أن يتزوجها؟ بعضهم يقول: هذا شرط باطل؛ لأنه حرَّم حلالاً، فهي تقول: واحدة فقط، والله يقول: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1].

    وبهذه المناسبة أذكر أن والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه عندما سافر إلى أفريقيا، ودخل موريتانيا ونزل في مدينة يقال لها: أبو تلميد، وهذه المدينة مدينة علمية، فيها معهد علمي، وجميع الأسر تطلب العلم، تقريباً الصغير والكبير فيهم طالب علم، والشيخ رحمه الله كان في العادة عندما يأتي بلدة يلقي محاضرة في برحة البلد، وإذا كانت هناك أسئلة أو كان هناك شيء فحسب العادة، وكان الذي يدير الندوة أو الحديث عالم أديب شاعر يقال له: أبو مدين، فسأل الشيخ: ما حكم هذا الشرط الشائع عندنا، لا سابقةً ولا لاحقةً، وما قيمة هذا الاشتراط على الزوج؟

    فقال رحمه الله: هذا من حقها، وليس شرطاً أحلَّ حراماً، ولا حرَّم حلالاً؛ لأن الزوجة تقول للزوج: أنا وأنت نعلم قوله تعالى: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1]، وأنا لا أمنعك من ذلك؛ ولكن أنا أريد لنفسي الانفراد بزوج، ونحن لا زلنا على البر، إن قبلت هذا -أي: تنازلتَ عن حقك في مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1]- فتزوجني، وإن لم تقبل فاذهب واطلب غيري، وأنا لا أمنعك، ولا أحرم عليك.

    إذاً: هذا الشرط لا يحرم حلالاً، فإنما تختار لنفسك، وأنت بالخيار، إن شئتَ قبلت هذا وتركت حقك فيه؛ لأن مَثْنَى وَثُلاثَ ... [فاطر:1] ليس بواجب، إنما هو من باب الجائز.

    وقد تشترط المرأةُ: السكنى المعينة، أو عدم المضارة، أو عدم مجاورة أهلها، أو عدم السفر بها، وهذه كلها من الشروط التي يجب الوفاء بها، فإنها لم تحل حراماً ولا حرَّمت حلالاً، ولم تدخل ضرراً على أحد الطرفين.

    صور من الشروط التي فيها غرر

    يوجد الآن بعض المعاملات فيها غرر، فمثلاً نسمع في مجال المواصلات (التكسيات) شركة ليموزين، تشترط على السائق شروطاً، وتعطيه السيارة بشرط أن يأتي في اليوم بكذا، والزائد له، فهذا شرط فيه غرر، وفيه مضرة، فهل يضمن أن يأتي بهذا المبلغ؟ ليس مضموناً عنده، فيكون هذا تكليف بغير المطاق.

    وكذلك إنسان يعطي إنساناً فندقاً، يهيئه بكل شيء، ويقول: أسلمك إياه لتشغِّله، وتسلمني في كل شهر كذا، والزائد لك. هذا أيضاً غرر، لا تدري هل يحصل هذا الشيء أم لا؟!

    فهناك شروط فيها غرر ومضرة.

    وفي معارض السيارات يقول البائع: أبيعك السيارة هذه أمامك، وإذا وجدتَ فيها أي عيب فلا تُرَد، كيف لا تُرَد بالعيب؟ هذا شرط حرَّم حلالاً؛ لأن الحلال أنه إذا وجد في السيارة عيباً فإنه يردها بالعيب أو يأخذ أرش عيبها.

    وقد يضللون ويقول البائع: أبيعك كومة حديد، أو سكراً في ماء، أو ملحاً في ماء، ويموِّهون أنه لا شيء فيها، ويقطعون على المشتري طريق النظر في العيب حتى لا يردها بعيبها، أو يأخذ أرش العيب.

    فكل هذه من الشروط الفاسدة، ولو لم يكن الشرط يحرِّم حلالاً أو يحلِّل حراماً، والله تعالى أعلم.

    ومما ينبغي التنبيه عليه -يا إخوان- أن الحديث لم يقل: الناس على شروطهم؛ ولكن قال: (والمسلمون على شروطهم)، وفي الرواية الأخرى: (المؤمنون على شروطهم)، ومعنى هذا أن صفة الإيمان وصفة الإسلام يجب أن تكون مميزة للمسلم والمؤمن على غيره، فإذا تعامل مسلم مع غير مسلم، فهل كون العميل غير مسلم يجوز له أن يخفر ذمته وأن تخفر شرطه؟

    لا يجوز، ومن أغرب ما سمعت في الوفاء بالكلمة، وهي أحق بالمسلمين آلاف المرات، أن شخصاً من أهل جدة معروف بالتجارة، وقبل الحرب العالمية تعاقد مع شركة في صفقة حديد، فقامت الحرب العالمية الأخيرة، وتوقفت السفن عن التجارة بسبب الغواصات والألغام و.. و.. إلخ، وانقطعت الأخبار بين المستورد الذي من جدة وبين البائع الذي في إيطاليا أو ألمانيا.

    وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وفتحت الطرق المائية والبرية والجوية .. إلخ، جاءه إشعار من الشركة التي عقد معها الصفقة: إن الحديد الذي اشتريتَه وتعذَّر إرساله إليك باقٍ عندنا، والآن بعد الحرب قد أصبحت قيمته كذا -بعدة أضعاف من القيمة التي اشترى بها- وأنت بالخيار، هل نرسل إليك الصفقة أو نبيعها ونرسل إليك القيمة الجديدة؟

    بعد الحرب وبعد اليأس وبعد انقطاع الأمل، يعرضون عليه هذا!! لو أنهم قالوا: قيمة صفقتك موجودة لكان خيراً منهم؛ لكن يزيد السعر وتتضاعف القيمة ويربح أضعاف الثمن ولا يطمعون فيها، بل يقولون: أنت بالخيار: نرسلها إليك أو نبيعها بالثمن الجديد المضاعَف ربحه ونبعث لك بالقيمة!!

    هذا يدل على الأمانة.

    فهم يحسنون التعامل لأجل الدنيا، فهذا الشخص ومن يسمع بتلك المعاملة هل يستبدل عنهم غيرهم؟

    لا، بل الكل يسعى إلى أن يتعامل معهم لأنهم أهل صدق ووفاء، والمسلمون أحق بهذا من باب أولى.

    وعلى هذا: ينبغي على المسلم أو المؤمن أن يفي بالشروط، وكما يقولون: الوصف مُشْعِرٌ بالعلة، كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا [المائدة:38]: فحَدَثُ السرقة علة في القطع، وهنا قوله: (المؤمنون على ...): وَصْفُ الإيمان علة في أن يفي المؤمن بشرطه.

    فينبغي على المؤمن أن يعلو بإيمانه على غيره، وألَّا يخفر الشرط مع غيره ولو كان غير مسلم؛ لأن الوفاء من جانب المؤمن علوٌّ واستعلاءٌ بإيمانه عن أن ينحطَّ إلى درجة من يخفر الذمة.

    1.   

    شرح حديث: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره)

    قال رحمه الله: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً في جداره. ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم!). متفق عليه].

    هذا الحديث قاله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حينما كان أميراً على المدينة في زمن مروان بن الحكم ، فهو أمير ينتهي إليه الأمر، وكان يتولى القضاء والإمارة والفتوى .. إلخ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً في جداره)، وهذا الحديث يبين حق الجوار، وذكره المؤلف في باب الصلح ونبهنا أن كثيراً من العلماء يقرن الصلح وحقُّ الجوار، بجامع أن كلاً منهما فيه تنازل، وفيه تعاطف، وفيه تعاون، حق الجوار من باب مكارم الأخلاق، وكذلك الصلح من باب المروءة ونحو ذلك، فيجمعونهما معاً.

    فهذا الحديث ليس من باب الصلح، إنما هو من باب بيان حق الجار على جاره، ففي هذه الجزئية يروي وهو أمير حديث: (لا يمنع جارٌ جارَه)، والجار هنا هو المجاور الملاصق؛ لأن الجار قد يُطلق على البيت المقابل في الشارع، والجار قد يصل إلى سبعة بيوت أو إلى أربعين بيتاً أو .. إلخ، فالجار هنا المراد به: الملاصق في البنيان، وكانوا قديماً إذا جاء إنسانٌ يبني بجوار بيت إنسان، لا يبني جداراً بجوار جداره، بل يكتفي بجدار الجار ساتراً عليه، وقد يبنيان الجدار معاً، ويكون الجدار مشترَكاً؛ ولهذا الجدار مباحث في الفقه، فلو تنازع الجاران في هذا الجدار، قال أحدهما: هذا ملكي، وقال الآخر: لا. ملكي، وكلٌّ ادعاه لنفسه، فيقول ابن القيم في إعمال القرينة: يُنظر إلى عقود القُمُط ويُنظر إلى الطياق، فالإنسان في جدار بيته ربما يعمل تجويفاً وهو ما يسمونه: الطاقة غير المفتوحة، والعادة أن تكون من داخل الجدار؟

    فإذا تشاحَّ جاران في جدار واحد، ننظر إلى فتحة الطاقة، هل هي مفتوحة إلى هذا اليمين أو مفتوحة إلى هذا اليسار؟

    فمن كانت مفتوحةً إلى جهته يكون الجدار له هو.

    وكذلك القُمُط التابعة للطياق أو .. إلخ.

    وكانوا إذا بنى الإنسان من جهة الجار، أقام ثلاثة جدران، وعند التسقيف يجعل الخشب معترضاً إلى جهة الجار والجهة الأخرى، فيقع الخشب على جدار الجار، وقد يضع الخشب معترضاً بمُسامَتَة الجار، فيكون الخشب بعيداً عن جدار الجار، ولنفرض أن الجار غربي وشرقي، والجدار بينهما في الوسط، فإذا كان امتداد الخشب من شرق إلى غرب ستكون أطراف الخشب على جدار الجار، وإذا كانت أطراف الخشب من الشمال إلى الجنوب فهي بعيدة عن جدار الجدار.

    من أحكام الحديث

    استدل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث أنه يلزم الجار الأسبق إذا أراد جاره الجديد أن يسقف ما هو بجواره معتمداً على جداره؛ ألا يمنعه. حتى يقول الحنابلة: ولو كان الجار مسجداً، فلو بنيتَ بيتك بجوار المسجد، وأردت أن تسقف على أحد جدرانك وجدار المسجد، فإمام المسجد لا يمنعك، أو المسئول عن المساجد لا يمنعك؛ لأنه جوار.

    واختلف الفقهاء رحمهم الله في هذه القضية: هل هذا على سبيل الوجوب والإلزام جبراً؟

    فـأبو هريرة يقول: (ما لي أراكم عنها معرضين؟!) يعني: لم تعجبهم هذه المسألة: (لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبةً ...)، فقد يقول الجار: والله هذا اعتداء، يريد أن يستولي على جداري، ويتحكم في مالي!

    فقال: (ما لي أراكم عنها معرضين؟!) لا يعني هذا: أنهم ليسوا مستبشرين أو ليسوا فرحين! لا. بل القضية ثقيلة عليهم، فقال: (والله لأرمينَّ بها ...) ما المراد بقوله (بها)؟ هل هذه القضية أم الخشب؟

    القضية، وبعض العلماء يقولون: الخشب، يعني أنه قال: إذا ما قبلتَها على جدارك فسأرميها على كتفَيك. ولكن أين هي الخشبة حتى يرميها بين كتفَيه؟!

    إذاً: معنى: (لأرمينَّ بها) أي: بهذه القضية، (بين أكتافكم!) أي: ألزمكم بها، وما دام أميراً فهو يملك الإلزام.

    وهنا مباحث للفقهاء كثيرة، منها:

    هل هذا على الإلزام أو يملك الجار أن يمنع؟ وإذا سمح له ووَضَع الخشب أو رغماً عنه وُضِع الخشب، فتلف الجدار وسقط، فما الحكم؟

    ومتى يجوز أن يضع الخشب؟ وإذا سقط الجدار هل لصاحب الخشب أن يشارك في بناء الجدار؟ وإذا أقام صاحبُ الجدار الجدار فهل يعيد خشبَه مرة أخرى أو لا يعيدها؟

    هذه كلها مباحث فقهية في هذه المسألة.

    نأتي أولاً إلى ما يقوله الفقهاء: يُنظر! هل جدار الجار فيه قوة التحمُّل؟! فلابد أن يُسأل المهندس، فقد يكون بناه على أنه لا يسقِّف على هذا الجدار، وأن الجدار مجرد ساتر، فكيف تأتي أنت وتضع خشبك؟! أنا لم أضع خشبي! وأنا لم أبنِه على هذا الأساس! فتأتي لتضع خشبك أنت على جداري وتهدمه؟!

    لذا قال الفقهاء: يتحقق هذا الحديث، ويلزم بالوضع إذا كان الجدار يتحمَّل خشب الجار.

    وإذا لم يكن للجار الأول خشب عليه، فهل يتحمل خشب الجار الجديد أم لا؟

    فإذا كان لا يتحمله فليس بواجب؛ لأن فيه مضرة، والمسألة مسألة إرفاق وتعاون بين الجيران.

    إذاً: (لا يمنع جارٌ جارَه ...) حينما يكون جدار الجار صالحاً لوضع خشب الجار عليه.

    ولو وَضَع الخشب، وبنى الدور الثاني، فهل يكتفي بالخشب فقط في الدور الأول؟

    قالوا: إذا كان له حق أن يضع خشبه فليبني، وإذا جاء الجار الأول ويريد أن يبني الدور الثاني فيكتفي بجدار الجار هذا، بشرط أن يكون الجدار قابلاً لأن يحمل جداراً آخر.

    1.   

    شرح حديث: (لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه...)

    قال رحمه الله: [وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه). رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما].

    يعني: لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مال الغير ولو العصا، وفي بعض الروايات: (... ولو عود أراك)، والعصا يهشون بها على الغنم أو على البعير، فإذا كان لا يحل الشيء الحقير، فما هو أكبر منه من باب أولى.

    ولماذا جاء المؤلف بهذا الحديث بعد حديث: (... لأرمينَّ بها بين أكتافكم!

    هذا نأخذه من ترتيب العلماء عند إيراد الأدلة، فهي لا تأتي عشوائية، إنما تأتي لغرض ولحكمة، فكأنه يقول: لا يهولنَّكم قول أبي هريرة : (لأرمينَّ بها بين أكتافكم!)، انظروا إلى هذا الحديث! إذا كان لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس، فهل يحق له أن يكظم على نَفَسِه بخشب جاره؟! أيهما أكثر حقاً؟! العصا التي يأخذها وليس له حق فيها أو عيدان وجذوع النخل يضعها على ظهره؟! أيهما أكثر كلفةً يا جماعة؟!

    الخشب، فوضع الخشب على الجدار، فيه التحكُّم في ماله.

    إذاً: موضوع الحديث الأخير: لا يحق لإنسان أن يأخذ عصا، وفي بعض الروايات: (... متاعاً ...)، ولا يأخذه جاداً ولا مازحاً، فإذا كان لا يجوز للإنسان أن يأخذ متاعاً قليلاً ولو وصل إلى حد عصا؛ فجريدة من النخلة أو عود من الأثل، أو عود خيزران، لا يحق له أن يأخذه من أخيه بغير طيب نفس، فكيف يستحل لنفسه أن يُلزم جاره بخشبه؟!

    إذاً: حديث أبي هريرة إنما يكون من باب الإرفاق والتعاون والمسامحة على قانون: (لا ضرر ولا ضرار)، فإن كان جدارك لا يضره أن أضع عيداني عليه، وإقامتي لجدار بجوار جدارك فيه تكلفةٌ عليَّ، فما الذي يمنعك أن تسمح لي أن أحط الأعواد وأسقف، ما دام أنه لا توجد مضرة عليك، ولا يوجد إجحاف على الجدار؟!

    فهذا من باب الإرفاق، وليس من باب الإلزام، والله تعالى أعلم.