إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [12]

كتاب البيوع - باب شروطه وما نهي عنه [12]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من القواعد العامة في البيوع: النهي عن بيع كل ما فيه غرر، ويندرج تحت هذه القاعدة كل ما كان فيه جهالة، وهذه القاعدة كافية وافية، إلا أن من رحمة الله أن زاد البيان بتأكيد النهي في بعض البيوع بأعيانها ومن ذلك: النهي عن بيع السمك في الماء، ويلحق به الطير في الهواء، وما لا يقدر على تسليمه، وجاء النهي عن: بيع الثمرة حتى تطعم ويطلع النجم وتؤمن الآفة، كما جاء النهي عن بيع الصوف على الظهر، وبيع اللبن في الضرع، وألحق به بعضهم: المغيب في الأرض، ونهى عن بيع المضامين والملاقيح؛ لما تتضمنه هذه البيوع من غرر وجهالة.

    1.   

    شرح حديث: (لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد:

    [وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر) رواه أحمد وأشار إلى أن الصواب وقفه].

    في نهاية هذا الباب الطويل باب البيوع، وهو الباب الذي تقوم عليه المعاملات، وتنبني عليه -فيما يقال- صحة العبادات، وذلك حينما يتحرى الإنسان في بيعه وشرائه الحلال، ويتغذى بالحلال، فإن الله طيب، ولا يقبل إلا ما كان طيباً، وإذا كان مطعمه بالعكس فكما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!)، فالمطعم الحلال من أسباب استجابة الدعوة وقبول العمل، بل جاء في الحديث: (كل لقمة ينبت منها دم ولحم وعظم، فما نبت من الحرام فالنار أولى به) ، ولهذا عظم شأن هذا الباب وهو باب البيوع لمعرفة الحلال والحرام؛ لأنه قل من يستغني عن بيع طعام أو شرائه، وبيع كساء أو شرائه، وبيع شراب أو شرائه، وكل ذلك يتوقف على معرفة أحكام البيوع.

    النهي عن بيع السمك في الماء

    في نهاية أنواع الغرر يذكر لنا المؤلف رحمه الله: النهي عن بيع السمك في الماء، والفقهاء يتفقون على أن السمك في الماء والطير في الهواء لا يجوز بيعهما وإن كان مشاهداً؛ لأنه في الغالب معجوز عن تسليمه، وقد يكون للجهالة، ولكن الفقهاء يفصلون تفصيلات يمكن تطبيقها، فالسمك في الماء له حالتان: حالة يكون فيها الماء كثيراً غزيراً مستبحراً لا يستطيع صاحبه أن يسلمه، هذا إذا كان مملوكاً له في حوض، أما إذا كان في النهر، أو في البحر، فهو لا يملكه حتى يبيعه، وإنما يملكه إذا اصطاده وكان في يده، ولو قال له وهم يشاهدون الأسماك في الماء: اختر السمكة التي تريد وأنا أبيعها عليك، وأصطادها، وأعطيك إياها، فهذا لا يصح.

    وجانب آخر وهو ما يقوله الشرّاح: أن الماء يغيّر الحجم؛ فإما أن يزيد في حجم العين إذا كانت في الماء، وإما أن يقلل من حجمها، وهذا مشاهد، وسبب ذلك: زاوية الضوء المسلطة على الماء، فقالوا: بيع السمك في الماء يعتريه الغرر من جهتين: جهة عدم القدرة على تقدير حجمه في رؤية العين، وجهة عدم القدرة على تسليمه.

    لكن تنص كتب الحنابلة: أن الماء إذا كان قليلاً والحوض صغيراً، ويمكن أن يلتقط السمكة التي تختارها أنت، وهذا قد يكون في الإمكان، كما لو كان الحوض مثلاً مترين في مترين في عمق متر، والأسماك تتحرك فيه، إن سلم من الكبر والصغر، أو كان له الخيار وعيّن سمكة بعينها لا تختلط مع غيرها، فقد توجد أسماك -مثلاً- تأخذ اللون الأحمر، وأسماك تأخذ اللون الأصفر، وأسماك تأخذ اللون الأسود أو الأبيض .. وهكذا، فعيّن سمكة تختلف مع السمك الآخر، وقال: أريد هذه السمكة الحمراء، فاصطادها، وأخذها بشبكة صغيرة، أو بقفص وأحضرها إليه، فإذا أحضرها إليه وكانت على المقدار الذي قدره لها وهي في الماء فالحمد لله، وإن وجد في الأمر اختلافاً حيث أنه كان يراها في الماء كبيرة، ولما طلعت من الماء فإذا بها صغيرة، فله خيار النقض: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء ردها إلى الماء.

    إذاً: بيع السمك في الماء ممنوع لسببين: لاختلاف الحجم وفيه الغرر، وللعجز عن تسليمه ففيه أيضاً الغرر، فلا يجوز، وإذا أمكن انتفاء الغرر؛ بأن كان يمكن أخذها بسهولة، ولا تختلط مع غيرها، ويكون له الخيار إذا وجدها على خلاف ما كان يُقدِّر، وبهذا يكون البيع لا غرر فيه ولا ضرر على أحدهما، فلا بأس به.

    النهي عن بيع الطير في الهواء

    وكذلك يقولون في الطير في الهواء، فهواة تربية الحمام يطلقون الحمام وفي الليل يأوي إلى مكانه، فإذا جاء إنسان ورأى حماماً لشخص ورأى فيه أنواعاً فأعجبه منها نوع، فقال: يا فلان! بكم تبيعني هذا النوع؟ -وهو في الهواء- فهل يجوز له أن يبيعه وهو في الهواء؟ قالوا: إن عرف أوصافه، وتأكد من حالاته، وباعه على أنه إذا جاء المساء يأخذه من مبيته ويسلمه للمشتري؛ فلا مانع في ذلك، أما الطير في الهواء الذي لا يملكه، كما لو كانوا جالسين ومر سرب من الطيور، فقال: أبيعك عشرة من هذه الطيور، فلا يصح هذا البيع؛ لأنه لا يملكه، ولا يستطيع أن يأخذه ويعطيه للمشتري، فهذا البيع منهي عنه قولاً واحداً، أما طير يملكه هو ويأوي إلى مبيته، ويعلم أنه يرجع في الوقت الفلاني، ويتعين بلونه وشكله في الهواء، ولا يختلط بغيره فيقع النزاع، فإذا عرفت تميز الحمامة التي يريد شراءها أو الزوج الذي يريد شراءه وتأجل التسليم إلى الليل حتى يأوي الحمام إلى المبيت، فلا مانع في ذلك.

    حكم بيع ما لا يقدر على تسليمه

    وهكذا كل شيء مجهول أو معجوز عن تسليمه، وقد سبق أن أشرنا إلى المال المغصوب: كإنسان غصب من إنسان سيارة أو فرساً، ولا يقدر المغصوب منه أن ينتزع ماله من غاصبه ويسلمه للمشتري، فلا يصح بيعه، فلو جاء إنسان وقال: أنا قادر على أن آخذ المغصوب من غاصبه، فبعه عليّ، فباعه عليه، فذهب المشتري لأخذه، فإن قدر على إخراجه من يد الغاصب تم البيع، وإن عجز فإنه يرجع على المالك، ويسترجع الثمن، ولكن إذا باعه على نفس الغاصب فإنه يصح؛ لأنه لا يحتاج إلى تسليم جديد، فهو في يده ومتمكن منه.

    وهكذا لو كان لإنسان -مثلاً- بضاعة في سفينة، والسفينة في البحر، ولا يدري ما هي النتيجة، فلا يحق له أن يبيع ما على ظهر هذه السفينة ولو كان ملكه؛ لأنه إلى الآن لا يستطيع أن يسلمه، ولا يتمكن من ذلك، وقد اشتراه ولم يقبضه، إلا إذا كان له هناك وكيل يستلم عنه من الشركة التي اشترى منها، ولو كان الوكيل من شركات التأمين كالتأمين البحري؛ لأن شركات التأمين التجاري البحري تقوم مقام الوكيل عن الأصيل في الشراء، فهو اشترى وبقي الاستلام والشحن والمجيء إلى ميناء بلده، فشركه التأمين التجارية تقوم عنه بالوكالة، فتستلم السلعة من الشركة التي تبيع، أو من المصنع الذي ينتج، وتتولى شحنها في أوعية تناسبها، ثم تتعاقد مع الباخرة التي توصلها إلى ميناء بلد المشتري، أي: المؤمِّن، وعليها أن تنظر الباخرة التي ستنقلها أهي صالحة للإبحار في تلك المحيطات أم لا؟ وكذلك اليوم الذي ستبحر فيه أهو يوم صالح للإبحار أم فيه عواصف وزوابع؟ فهي مسئولة عن هذا كله، ولهذا لو تلفت البضاعة بسبب تفريطها في نوعية السفينة التي تبحر بها، أو في اليوم الذي يسمح لها بالإبحار؛ كانت ضامنة لما تلف بسبب تفريطها.

    فإذا كان له وكيل يستلم؛ فاستلام الوكيل كاستلام الأصيل، فإذا جاءت إلى الميناء ووضعت في مستودعات الجمارك باسمه، فله أن يبيع منها؛ لأنها في ملكه، وعلى اسمه، وفي مستودعات عامة، وليس مستودع تاجر يشتري منه، ولكن مستودعات مؤمنة لجميع التجار، وكل بضاعة وصلت هناك فهي باسم صاحبها.

    فإذا عجز عن تسليم السلعة في أية حالة من الحالات فلا يجوز بيعها، وكذلك لو لم يستقر ملكه عليها، كما تقدم في قسمة المغانم، وقسمة الصدقات، فهو له حظ في الغنيمة، ولكن كم؟ لا ندري، وما نوعيته؟ لا ندري، فله حق ثابت، ولكن لا يستقر له هذا الحق إلا بامتلاكه وقبضه، وكذلك الصدقات، له سهم في الصدقة وجاءت الصدقات، وعرف له سهم كذا، ولكن لا يستقر ملكه للصدقة حتى يقبضها، وكذلك الهبة، كإنسان وهب إنساناً شيئاً ولم يستلمه؛ فلا يحق له أن يبيعه؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض.

    والخلاصة: أنه إذا استوفى الشروط: بأن كان مملوكاً للبائع ملكاً تاماً، وكان يقدر على تسليمه، وكان معلوماً لا غرر فيه؛ صح البيع، وما عدا ذلك فلا.

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع الثمرة حتى تطعم

    [وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع)رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني ، وأخرجه أبو داود في المراسيل لـعكرمة ، وأخرجه أيضاً موقوفاً على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي] .

    هذه عدة أشياء -سواء صح السند هنا أو لم يصح- جاءت فيها أحاديث مفردة في كل نوع منها، وكلها تدور في حلقة الغرر.

    النهي عن بيع الثمرة حتى تطعم

    الأول: النهي عن بيع الثمرة حتى تُطعم، ومعنى تطعم: يمكن أكلها لمتوسط الحال من الناس، فمثلاً: ثمر النخل، متى تطعم عند متوسط الناس؟ يمكن أن بعض الناس يأكل الثمر وهو أخضر، ولكن بعض الناس لا يطيق أكله ولا يقبل ذلك، فلا ينظر إلا لمتوسط الناس في حالة القبول والرفض، وكذلك ثمرة الرمان إذا كان لا يزال صغيراً وحامضاً فيمكن أن بعض الناس إذا كان جائعاً أو محتاجاً فإنه يأكله وهو فج لم ينضج بعد، وبعض الناس لا يأكله إلا في غاية منتهى النضج، إذاً لا ننظر إلى هذا ولا إلى ذاك، ولكن إلى أوسط الناس.

    وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم تفصيل في نوعية الثمرة يرفع هذا الخلاف، فقد جاء في الحديث: (نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع ثمرة النخل حتى تصفر أو تحمر، ) وجاء: (تصفار أو تحمار)، على وزن: تفعال، وهذا يعني أنه بدأ اللون وهو في طريق الزيادة، (ونهى عن بيع العنب حتى يتموه حلواً)، (يتموه) أي: يجري الماء في الحبة، وقبل أن يجري الماء في حبة العنب يقال له: حصرم، فالحصرم عبارة عن جرم لا ماء فيه، مثل الليمون في أول ظهور الثمرة فإنه يكون كتلة من الخضرة ليس فيها ماء، فكذلك العنب في أول طلوعه يكون كتلة من الخضرة لا ماء فيها، فإذا بدأ الماء يجري في حبة العنب وتموه ووجد فيها الماء، وصار حلواً، وأيضاً الحلاوة على حسب متوسط الناس.

    العلة في النهي عن بيع الثمرة حتى تطعم

    فهذه مسائل زراعية أجرى الله سبحانه وتعالى -في العادة- أن يكون للأنواء وللنجوم تأثير على النبات في ثمرته وإنتاجه، فإذا صادف زرع النبات نجمه ووقته كان طيباً وأثمر ثمراً حسناً، وإذا فات نوءه فإنه قد لا يثمر بالكلية، وقد يهيج ويكون خضار وتكون أعشابه أو أغصانه ممتدة وطويلة ولكن لا توجد فيه الثمرة، وقد سمعت من خبير زراعي في المدينة هنا: أن رجلاً مر على أشخاص يزرعون الدباء، فقال لهم: لو انتظرتم إلى ما بعد الزوال، فإن الشمس تنزل في البرج الفلاني بعد زوال شمس هذا اليوم، فقالوا: ما الفرق؟ الآن ضحى، وبعد قليل زوال، واليوم واحد! فقال: علِّموا ما زرعتموه قبل الزوال، وما تزرعونه بعد الزوال، وفعلاً علِّموا فكانت النتيجة أن ما زرع بعد الزوال كان إنتاجه أضعاف إنتاج ما كان قبل الزوال.

    والكثيرون يعرفون أن بعض النباتات إذا زرعت في وقتها أنتجت وأخصبت وكانت ثمرتها جيدة طيبة، وإذا لم تكن في وقتها صارت شكلاً أخضر لا شيء فيها.

    ويراد بالنجم هنا: الثريا، فإذا طلعت الثريا -بإذن الله- أمنت الثمار الآفة، والثمار تعتريها الآفات، والآن معروف عند وزارة الصحة العديد من الآفات التي تعتري الخضروات، وتعتري الزروع، ولها عندهم دوائر خاصة تسمى: دوائر الرش، فإذا طلع نجم الثريا فإن الآفات -بإذن الله- لا تصيب الزروع، وقبل ذلك يمكن أن تصيبها، فجاءت الأحاديث: (حتى يطلع النجم وتؤمن الآفة).

    فلا يجوز بيع الثمار حتى يمكن أن يطعم ويصلح للأكل؛ لأنك إذا اشتريته قبل أن يصلح للأكل ماذا ستصنع به؟ فإن كنت تشتريه وتجزه علفاً للدواب فلا مانع، فقد أصبح علفاً وليس بثمرة، وإن كنت تشتريه وتبقيه في أصله حتى يصلح للأكل فهذا غرر على البائع؛ لأنك عطلت شجره، وعطلت أرضه حتى تطيب الثمرة، وأنت اشتريتها فجاً بثمن ناقص، وحينما تكون ثمرة ناضجة فلها ثمن آخر، فأنت استغليت حالة البائع واستفدت منه ما لم يسمح به، فهنا لا تباع الثمرة حتى تطعم، وهذا معروف الآن في بيع الصيف، فقالوا: حتى يَتَمَوّه العنب، وحتى تصفار أو تحمار الثمرة في النخيل، وهنا هل شرط الاحمرار والاصفرار وأمن العاهة في جميع أفراد نخيل البستان، أم أنه إذا ظهر في البستان صلاح مائتين أو ثلاثمائة نخلة، باحمرار وباصفرار، وبقيت عشر أو خمس عشرة أو عشرون نخلة يجوز البيع، أم ننتظر حتى يظهر ذلك في جميع النخل؟

    يتفق العلماء على أننا نكتفي بظهور ذلك في بعض النخيل، وقد تظهر في بعض النخلات عشر أو عشرون حبة في كل عشر حبات، وقد يكون بدأ ظهور الصلاح في احمرارها أو في اصفرارها، والبعض يقول: إذا وجد الصلاح في المنطقة بستان جاز بيع جميع البساتين، وهذا غير صحيح؛ لأن البساتين تختلف في سرعة نضج ثمرتها باختلاف التربة والماء، فقد تظهر باكورة الثمرة في بستان، وبعد أيام عديدة تظهر في بستان آخر مجاور له، والفرق بينهما خصوبة التربة وحلاوة الماء.

    وقد كانوا إذا ظهرت الثمرة في المدينة -أياً كان نوعها- يبادرون بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، علماً منهم بأنه يفرح لما يأتيهم من الخير، وأنت الآن إذا وجدت باكورة ثمرة عندك فأين تذهب بها؟ أتأكلها؟ لا ترضى أن تأكلها؛ لأنك تحب أن تريها أحبابك وأصدقاءك كبشرى، فلذة ذلك عندك أحسن مما لو أكلتها، أو تقدمها لمن تحب، أو أعز الناس عندك، فكانوا يقدمونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماذا كان يفعل بها؟ كان ينظر إلى أصغر موجود في الجمع من الأطفال والأولاد أو من الغلمان ويعطيه إياها، فهم أتوا بها ليفرحوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يعطيها الصبي ليفرح بها، فكان أمراً متداولاً ومعروفاً في المدينة.

    إذاً: أي ثمرة وصلت في النضج إلى حد أنها تطعم، فلا بأس ببيعها، والتعبير هنا بقوله: (تطعم) فيه إعجاز، فلم يقل: حتى تؤكل؛ لأن الأكل لا يكون إلا بعد كمال النضج، لكن المراد حتى تصلح لأن تطعم، أي: للطعم والتذوق، فمثلاً: المانجو حينما تكون خضراء فجاً لا تصلح حتى للطعم فضلاً عن الأكل، لكن إذا بدأت في النضج فيمكن للإنسان أن يطعمها وأن يأكلها، وكذلك البرتقال في أول أمره لا يمكن أن تأكل منه ولا أن تطعمه.

    فقوله: (حتى تطعم) أي: حتى يبدأ فيها الصلاح ويمكن ذوق طعمها، فحينئذ يجوز البيع، ولا يختص ذلك بالنخيل والعنب، وإنما جاء ذكر النخيل والعنب في الحديث لوجوده في المدينة، وإنما ذكر اللون الأحمر والأصفر بقوله: (تحمر أو تصفر)؛ لأن ثمرة النخلة قبل الاحمرار والاصفرار لون واحد وكله أخضر، ثم يتميز بعد ذلك بالقدرة الإلهية، وهكذا جميع الثمار في العالم دونما تحديد، وما يستجد من ثمار ملقحة أو مهجنة أو أي صفة من الصفات، فلا يجوز بيعها على الشجر كثمر إلا بعد أن تطعم، وذلك في البيع جملة، أما إذا كانت كثيرة فكما يقول الفلاحون: يخصيها أو يخففها من أجل أن تزيد الثمرة نضجاً.

    ففي النخيل: إذا كانت النخلة جيدة، والتربة خصبة، والماء عذباً؛ فإنها تحمل الشيء الكثير، ولو تركت وكثرتها لأفسد بعضه بعضاً، وربما يستقيم العرق أو العرجون على البلحة الصغيرة فيفسد بعضه بعضاً، فيأتون ويخففون، إما بعض العروش، من الجنى، وإما بعض الحبات من العروش وهذا أحسن، فتكون الحبات متفرقة فتأخذ الثمرة مجالها وتكبر وتنضج وتصير ضعف ما لو تركت مع غيرها، فكانوا ينزلون هذا النوع المخفف إلى السوق ويباع كيلاً بالصاع علفاً للدواب، فلا مانع في مثل هذا أن يباع؛ لأنه ليس مقصوداً منه أن يطعم، وإنما المقصود منه أن يكون علفاً للدواب، فهو يباع على أنه علف.

    إذاً: القاعدة العامة في بيع الثمار في البساتين على أصولها: لا تباع إلا إذا وصلت إلى حد النضج الذي يمكن فيه أن تطعم.

    حكم بيع الثمر قبل نضجة إذا كان تابعاً لبيع البستان

    وإذا جاء إنسان إلى بستان ووجد النخل قد أُبر والثمرة قد طلعت في صربان أخضر لا احمرار ولا اصفرار، وأراد شراء البستان بكامله، أي: الأرض بالنخل بما عليها، فهل يصح هذا البيع أم لا؟

    نقول: يصح؛ لأن بيع هذه الثمرة ليس بيعاً مستقلاً، ولكنه تابع للنخلة، وهو مثل بيع اللبن في الضرع، فإذا اشترى الناقة وفي ضرعها حليب، فهل نقول: لا يجوز حتى نحلبها، أم أنه يجوز بيعها بحليبها في ضرعها؟! يجوز؛ لأن الحليب في الضرع تابع للناقة، وهكذا ما نهي عن بيعه منفرداً جاز مع أصله تابعاً.

    إذاً: نهى عن بيع الثمر حتى يطعم، وهذه -كما أشرنا- عامة في جميع أنواع الثمار.

    النهي عن بيع الصوف على الظهر

    قال:(ولا يباع صوف على ظهر).

    والوبر والشعر على الظهر داخل في هذا؛ لأن الغرض المثال في الجنس، والغاية من النهي: الغرر، فما يوجد من غرر في صوف على ظهر الغنم موجود في وبر على ظهر الإبل؛ وشعر على ظهر الماعز، ولكن بعض العلماء نظر في موضوع الصوف وأمثاله، فإذا جئنا إلى قطيع من الغنم وعليه الصوف، فلا يجوز بيع الصوف على الظهر، فصاحب الغنم وجد الصوف قد زاد عن حده على ظهور الغنم، وبقاء الصوف الزائد عن حده على ظهر الغنم يضعف الغنم؛ لأنه يمتص غذاءها ويثقلها، فيريد أن يتخلص من هذا الصوف، فالطريقة المثلى: أن يأتي بمن يجز هذا الصوف ويجمعه في كوم أو يضعه في أكياس، ويعرضه على التجار ليشتروا هذا الصوف ويذهبوا به إلى الغزل أو إلى النسيج، فهذا طريق لا غبار عليه.

    ولكن إذا قال: أنا إذا جززت الصوف وبقي عندي في أكياسه، فماذا أفعل به؟ وإذا لم يأت التاجر فماذا أفعل به؟ إذاً: سأذهب وآتي بتاجر ونقدر الصوف على ظهور الغنم ونتفق على البيع، فهل يجوز هذا؟

    هناك من يقول: إذا وجد من أرباب الخبرة من يقدر الصوف على الظهر قبل جزه، ووقع البيع على هذا المرئي المشاهد فلا مانع، ويتناول الحديث من جهة السند، ويقولون: ليس هناك ما يمنع، وقاعدة البيع هي: المنع من الغرر، فإذا كان المشتري خبيراً وكذلك البائع حتى لا يخدع، وعرف الطرفان كم يجز من عشرة رءوس من الغنم، كأن يجز منها خمسون أو مائة كيلو وتبايعا على الصوف الموجود، وخلى بينه وبين الأغنام، فيجز صوفها ويأخذه.

    والمانعون يقولون -لكنه تصوير عجيب-: إذا اشترى الصوف على الظهر وجاء يجزه، فمن أين سيجز الصوف؟ فهل يترك (3سم) من أسفل ويقص، أم يترك (5سم)، أم يترك (1مم)؟ فقالوا: في هذا غرر، ولا ندري كم سيأخذ وكم سيترك؟! وهذا ما له محل؛ لأن جز الصوف معروف عند الناس، ولهم مقص معين، وطريقة معروفة، والآن تطوروا وصاروا يجزونه بالمكينة، وهي مثل المكينة التي تقص شعر رأس الإنسان لكنها كبيرة، وعلى بطارية، وتجز شعر الغنم والماعز وغيرها.

    فإذا كان سائداً ومعروفاً في العرف أن الذي يجز الصوف يجزه من الموطن الفلاني، ويترك (1سم)، أو يترك (½سم)، أو نحو ذلك، وهذا الأمر صار متعارفاً عليه، وبهذا ينتفي الغرر، وإن كانت هناك طرائق متفاوتة في تحديد القص، فيجب تعيين الطريقة ومقدارها، وبهذا ينتفي الغرر في مقدار الصوف الذي سيتركه.

    إذاً: إذا علم المقدار، وانتفى الغرر، فهناك من يقول بجوازه، والله تعالى أعلم.

    النهي عن بيع اللبن في الضرع

    قال: (ولا لبن في ضرع).

    هذا تقدم الكلام عليه، وأنه لا يجوز؛ لأننا لا نعلم كم مقدار اللبن في هذا الضرع، والضروع تختلف أحجامها، فهناك الضرع متين اللحم يظهر فيه القليل كثيراً، وهناك الضرع رقيق اللحم يظهر الكثير فيه قليلاً، إذاً: هناك غرر محقق.

    حكم بيع المغيب في الأرض

    وفي هذا الحديث يتوسع الفقهاء فيما يتعلق بحالة الفلاح، والفلاح قد يحتاج في ظروف ما إلى بيع نتاجه، فإما أن نقول فيها بالتسامح، وأنه من الغرر المعروف الذي يقبله الطرفان، ويأتي ذلك في بيع ما كان مقصوده في باطن الأرض، كالجزر والبصل والثوم والقلقاس والبطاط، فإن المقصود منها يكون فيما هو في بطن الأرض.

    فإذا كان عند إنسان حقل من الجزر، فلو أخذ في كل يوم حوضاً من الحقل بقدر ما يستطيع، وقلعه وغسله وذهب به إلى السوق وباعه عياناً للناس، فالحمد لله، وهذا من أحسن ما يكون، ولكنه أراد أن يبيعه مرة واحدة ويرتاح من عناء السوق والذهاب والإياب، فأتى بتاجر ونظر في الحقل -مع أنه لا يرى المقصود شراؤه؛ لأنه في بطن الأرض- فاتفقا على البيع والشراء، فهل يجوز هذا؟ الذين يمنعون بيع الصوف على الظهر واللبن في الضرع يمنعون هذا؛ لأن هذا مجهول، والذين أباحوا البيع قالوا: يباع على الأنموذج، ومعنى الأنموذج: أن يأتي التاجر إلى الحوض الذي فيه الجزر، والثمرة في الحوض الواحد قد تختلف لاختلاف قربها من الماء، فما كان قريباً من الماء وتطول مدة سقيه فإن ثمره سيكون أجود وأكثر، فالتاجر يأتي إلى مدخل الحوض ويقلع اثنين أو ثلاثة -وهذا هو النموذج- ويذهب إلى طرف الحوض الآخر ويقلع اثنين أو ثلاثة -ويكون هذا نموذجاً ثانياً- ويأتي إلى وسط الحوض ويقلع اثنين أو ثلاثة -ويكون هذا نموذجاً ثالثاً- فإذا أخذ العينة من الأماكن الثلاثة استطاع أن يعمل نسبة متوسطة بين النماذج الثلاثة، وكم سيخرج من هذا الحوض عند قلعه؟ قنطار أو قنطاران أو نصف قنطار، ويخرجه في يوم واحد أو في يومين أو في ثلاثة، بشرط ألا يخرج من الأرض ما يداخل الموجود عند العقد، وأكثر تفصيل هذا المسألة عند المالكية والحنابلة.

    فإذا تم معرفة مقدار المغيب في بطن الأرض برؤية النماذج، وقد صلح أكله -أما إذا لم ينضج فلا؛ لوجود الغرر- ويكون البيع على ذلك، وقد نص بعض الفقهاء -وخاصة الحنابلة- على جواز بيع مثل هذه الصورة، وكذلك بقية ما كان غائبه مطلوباً، فمن أجازه قال: انتفى الغرر نسبياً، ومن منعه قال: لا يخلو من الغرر، ولا يمكن لأي بيع في العالم أن يسلم من الغرر. وما هو السبب في فرق الربح والخسارة؟ التاجر يشتريها بمائة ويبيعها بمائة وعشرة، فهذه العشرة يدفعها المستهلك وهي غرر عليه، لكنه لا بد من هذا الغرر البسيط، والتسامح فيه من أجل رواج السلع، وقد أشرنا إلى مسألة الثلاثة الذين يدخلون الحمام، فواحد يستهلك خمسة لتر، وواحد يستهلك عشرة لتر، والأجرة واحدة.

    وكذلك: ثلاثة يركبون الطائرة، فواحد وزنه مائة وخمسون كيلو، وواحد وزنه ستون كيلو، وسعر تذكرة كل واحد مساوٍ للآخر، وهذا فيه غرر على شركة الطيران، ولكن يتسامح في هذا.

    إذاً: هناك أمور من الغرر لا بد من التسامح فيها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث النهي عن بيع المضامين والملاقيح

    [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح)رواه البزار وفي إسناده ضعف].

    معنى بيع المضامين والنهي عنه

    في نهاية هذا الباب الطويل يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين والملاقيح، وقد فسرها العلماء بأن المضامين هي: الحمل ضمن بطن الأم، وقد تقدم النهي عن مثل هذا في النهي عن بيع ما في بطون بهيمة الأنعام حتى تضع، وكذلك هنا كل ما كان مغيباً مضمناً في غيره مجهولاً فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيعه، أصالة في الأجنة في البطون، وتبعاً لكل ما هو على هذا المنوال، وقد ذكرنا سابقاً: لو أن إنساناً أتى بصناديق وبعلب وقال: فيها كذا، وسأبيع ما فيها دون أن نفتح العلبة، أو نرى مضمونها، أو نفتش ما فيها، فلا يجوز هذا البيع؛ لأن فيه غرراً.

    معنى بيع الملاقيح والنهي عنه

    والملاقيح، يقولون: إنها من التلقيح، والتلقيح -وهو في النخل التأبير- هو: إضافة طلع الفحل إلى النخلة، وكذلك في جميع الحيوانات: إضافة ماء الذكور إلى ماء الإناث، فتتلقح الأنثى من ماء الذكر، فالتلقيح والملاقيح من اللقاح، واللقاح يكون من جانب الذكر، فإذا كان هناك فحل نجيب يرغب الناس في نسله وسلالته، فجاء إنسان لصاحبه وقال: أشتري منك لقاح هذا الفحل، فهذا لا يجوز؛ لأنه ليس كل لقاح يكون منه إنتاج، ثم لا يدرى متى يأتي هذا اللقاح، وإذا لقح الأنثى كيف يكون هذا النتاج؟ وكل ذلك يجري في مجرى الغرر كما تقدم في أول الباب.

    وهناك ناحية تدخل في هذا الباب، وهي ما إذا كان لدى إنسان أنثى من بهيمة الأنعام، وهناك فحل من فحول هذا الجنس عريق السلالة، ورغب في لقاح هذا الفحل، فذهب بالأنثى التي عنده ليلقحها من ذلك الفحل، فهل يشتري لقاح الفحل؟! نقول: نهى صلى الله عليه وسلم عن ضراب الفحل)، ولكن إذا كان صاحب الأنثى راغباً في تحسين نسل أنثاه فإن له أن يكارم، كما قال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما نهى عن ضراب الفحل: (يا رسول الله! إنا نكارم على ذلك)، أي: يأتي صاحب الأنثى وعندنا الذكر فنطلقه عليها يلقحها، فيكارموننا على ذلك، أي: يعطوننا شيئاً مكرمة وليس مشارطة، وليس بيعاً ولا شراءً، حتى قال بعض العلماء: ربما يأتون بالعلف لهذا الفحل مقابل هذا الجهد الذي بذله وتلقحت به الأنثى، فمثل هذا العمل لا بأس به، ما دام أنه على سبيل الهدية والمكارمة، وليس على سبيل البيع والمشارطة، ولا تقل: أشتري ضراب فحلك بكذا، أو تلقيحه للأنثى عندي بكذا، ولكن اتركه عليها أو أطلقه عليها، فلا بأس.

    وقد ذكر عن مالك رحمه الله: أن لصاحب الإبل أن يستأجر الجمل الجيد الذي يرغب في سلالته يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً يسرح مع إبله، ويلقح ما تيسر له، فلا مانع في مثل ذلك.

    واستنجاب النسل أمر معروف ومرغوب، وقد كان من عادات أهل الجاهلية السيئة -وقد قضي عليها والحمد لله- أن الرجل إذا أحب أن يكون له ولدا فارسا أو شاعرا أو كريما، فإنه ينظر من يتصف بذلك من قومه أو من غيرهم، فيرسل زوجته -بعد أن تطهر من حيضتها ولا يمسها- إلى ذلك الرجل، وتبقى عنده إلى أن تشعر بأنها قد حملت، فتعود إلى زوجها ويعاشرها الحياة العادية، فتنجب على فراشه، ويكون أصل الإنجاب وأصل التلقيح من ذلك الرجل، فيخرج الولد مشابهاً لأبيه في الشجاعة أو الفصاحة والبلاغة أو الحكمة أوالكرم، أو الشعر .. وكانوا يسمون هذا الفعل: نكاح الاستبضاع.

    تقول عائشة رضي الله تعالى عنها في هذا: (كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء) أي: أربع صفات، وذكرت هذا منها، ومنها: أن تخطب المرأة من وليها فيصدقها الخاطب ويتزوجها، أي: مثل النكاح الذي عندنا اليوم، فألغى الإسلام كل تلك الأنواع وأبقى النكاح بخطبة المرأة من وليها ويمهرها صداقها ويدخل عليها وينفرد بها.

    النطف المجمدة والتلقيح الصناعي

    والآن يوجد في جميع وزارات الزراعة والمؤسسات الكبرى استجلاب النطف المجمدة، وهو ما يسمى: بالتلقيح الصناعي، والتلقيح الصناعي كان يجري حتى على بني الإنسان، وكانت ترتكب فيه الجرائم، ونقابات الأطباء تجرم كل طبيب أجرى عملية تلقيح صناعي لامرأة بماء غير زوجها، ويقولون: إن هذه جناية، فالمؤسسات تأتي بلقاحات لفصائل فارهة، سواء كانت من ذات اللحم، أو من ذات الجري، أو القوة، فيأتون بها محفوظة بطريقتهم الخاصة، ثم يلقحون الإناث من تلك الأجناس بتلك اللقاحات المشهورة، أو المعروفة، أو المرغوب فيها، فيأتي النتاج مهجناً، ويأتي على حسب أصالة ورفاهة الأصل الذي أخذت منه النطف ولقحت به الإناث.

    فالملاقيح لا يجوز بيعها، ولكن يجوز المكارمة عليها، ولا يجوز نقل نطفة بالنسبة للإنسان عن طريق التلقيح الصناعي، ولا بأس في الحيوان؛ لأن الحيوان ليست له محارم وليس له سلالة نسب، فإنه كلما كان فيه من إصلاح النوعية وتحسينها كان أفضل، ولا بأس بذلك، والله تعالى أعلم.