إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعد البريك
  4. أهمية الوقت في حياة المسلم

أهمية الوقت في حياة المسلمللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اهتم الإسلام بالوقت وبيَّن أهميته، وذلك من خلال آيات من القرآن وأحاديث من السنة، كما جاءت كثير من العبادات لتنظيم وقت المسلم، في إطار هذا الموضوع تحدث الشيخ، وعرج على خصائص الوقت، وواجبنا تجاهه، إضافة إلى بعض النصائح الخاصة بالوقت مع برنامج مبسط لكيفية قضائه.

    1.   

    أهمية الوقت

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! إنه لمن دواعي السرور والغبطة أن يشرفني إخوانكم بالمثول أمامكم والتحدث إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا الاجتماع مرحوماً برحمته إنه هو أرحم الراحمين.

    أيها الإخوة! الحديث عن الوقت، حديث مهم جداً؛ لأنه حياة الإنسان، ولأن الوقت ظرف لكل فعل، ولكل دقيق وجليل يخرج من هذا الإنسان المكلف في سائر تصرفاته وأقواله وأفعاله، فكل ما يحدث في هذا الكون إنما يحدث في حيز الوقت.

    القرآن يتحدث عن الوقت

    ولذلك لا عجب أن نرى كتاب الله جل وعلا مليئاً بكثير من الآيات المتعلقة بهذا الوقت إما مباشرةً، أو إيحاءً، أو دلالةً على أهمية هذا الوقت وقيمته خاصةً لعباد الله الذاكرين الموحدين أولي الألباب، يقول الله جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:190-191].

    فإذا تأملت قول الله جل وعلا: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [آل عمران:190] فتغير هذا الليل بنهار بعده، ونسخ هذا الظلام بنور يزيله، هذه آية من آيات الله جل وعلا، والوقت والساعات دائرة بين فلك الليل وفلك النهار، من أجل ذلك قال الله جل وعلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190] أصحاب العقول من هم؟ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] ويقول الله جل وعلا في آية أخرى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً [الفرقان:61].

    وهذه البروج، وهذا القمر مرتبط بتحديد الأوقات والأزمان، ثم قال بعد ذلك: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:62] فالمتذكر والمتأمل يتأمل في هذا الليل والنهار، وفي انقضاء الليل وإتيان النهار بعده، في زوال النهار وهجوم الظلام عليه، تلك آية عظيمة، ومن أجل ذلك كانت أشد المشاهد رهبةً للنفس الإنسانية مشهد الغروب، ومشهد الإشراق.

    حينما ترى جيشاً من الظلام قد هجم على هذه البسيطة ليغطيها بسحابة سوداء، فينسخ هذا النور الذي هو فيها، حينما تتأمل غروب هذه الشمس، وكذلك حينما يأتي الصباح، ثم يأتي ضوء هذا الشمس رويداً رويداً ليهزم حلول الظلام، تذهب على أدراجها، ثم يعلو النور أجزاء هذه المعمورة، آية كونية عظيمة لمن تأملها.

    الوقت محل العبادات

    ومن حكمة الله جل وعلا أن تُعبدنا بشيء من العبادات في هذه الأوقات: صلاة الفجر وصلاة المغرب مرتبطة أشد الارتباط بهذا الوقت الذي هو وقت عظيم ومهم جداً، بل إن من أهمية الأوقات أن الله جل وعلا أقسم بأجزاء منها، فقال: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2] والله إذا أقسم بشيء عظمه، وقال تعالى: وَالضُّحَى [الضحى:1] وقال تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2] إلى آخر ذلك.

    هذا الوقت أيها الإخوة! في كل جزء من أجزائه، وفي كل ساعة من ساعاته، وفي كل لحظة من لحظاته فيه وظيفة عبادة يتعبد الناس فيها إلى الله جل وعلا، فمنها وظيفة يجتمع الناس فيها، ومنها وظيفة تختلف بحسب قدرات الناس ومنازلهم ودرجاتهم وعلمهم ومكانتهم، فأما الوظيفة التي يجتمع الناس فيها في هذا الوقت؛ ألا وهي الصلوات، نلاحظ أن الناس مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالصلوات في وقت محدد معين قد قاله الله جل وعلا وبينه، وقد جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى به فيه، وقال: (الوقت من هاهنا إلى هاهنا، والوقت من هاهنا إلى هاهنا) كل ذلك أهميةً للوقت، وربطاً للناس في هذه الأوقات.

    يقول الله جل وعلا: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78] قال العلماء: فاشتملت هذه الآية على أوقات الصلوات قاطبة، دلوك الشمس: زوالها، وغسق الليل: نهايته، والعبادات التي هي فيه (وقرآن الفجر) صلاة الفجر.

    إذاً فهذه الآية قد اشتملت وجمعت، وجاءت السنة مفصلة لأوقات العبادة، بل إن الوقت شرط أساسي في كثير من العبادات، الصلاة من شروطها: دخول الوقت، لو صليت قبل الوقت، ما وقعت الصلاة في محلها، ومن ثمّ لا تكون هذه الصلاة مقبولة، لأن من أتى بشيء لم يقم بشرطه، لزمه إعادته، حينما تصلي في غير الوقت، يلزمك أن تعيد صلاتك، وعندما ترى إنساناً يقول: أنا أريد أن أصوم في شوال، فهذا غير مقبول؛ لأن العبادة مرتبطة بالوقت، والصيام يكون في رمضان.

    إنسان يريد أن يحج في محرم، نقول له: لا، العبادة مرتبطة بالوقت في أشهر الحج، وفي أيام معدودة من ذي الحجة، إذاً فالعبادة مرتبطة بالأوقات ارتباطاً عظيماً جداً.

    كذلك النوع الثاني من وظائف العبادة في الأوقات: كل بحسب قدرته ومكانه وعلمه، هذا عالم يُعلم، وهذا مدرس يدرس، وهذا عامل يعمل، وهذا تاجر يتاجر، وهذا قاض يقضي، وهذا وهذا، كلٌ في مهمته، مدار أعمالهم في حيز هذه الأوقات وساعاتها، ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل هذا الوقت يمضي رويداً رويداً بين الليل والنهار إلا أن فيه ميزاناً يجعل الناس ينضبطون فيه ألا وإن ميزان اليوم: الصلوات الخمس، ومن أجل ذلك نرى الذين يحافظون على الصلوات حفاظاً دقيقاً هم أشد الناس محافظةً لأوقاتهم بالجملة، فالجمعة ميزان الأسبوع، والصوم ميزانٌ في كل سنة، والحج ميزانٌ في العمر، وبعض السلف الصالح يسمي ذلك موازين الأعمال.

    وتتمةً للحديث عن الوظائف المتعلقة بالوقت نذكر كلاماً جاء لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه حينما أوصى بالخلافة لـعمر، قال: [يا عمر! واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار] إذاً ليس المهم العمل في وحده فقط، بل المهم العمل المرتبط بالوقت المناسب.

    المهم أن تعمل العمل المطلوب في الوقت المناسب الذي حدده الشارع، فهذا نلاحظ آثاره في أنفسنا، وفي شبابنا، وفي إخواننا.

    أنتم حينما تلاحظون بعض الشباب من الذين يقضون ساعات الليل، الذي جعله الله جل وعلا سكناً، وستراً، وظلاماً، وهدوءاً وراحةً، الذين يُشغلون هذا الليل في معصية الله جل وعلا، وتراهم مع شياطين الإنس وتؤزهم شياطين الجن إلى معصية الله ومخالفة أوامره في الليل، فتجدهم بهذه المخالفة في أعمالهم في ظرف الوقت يخسرون جانباً آخر من الوقت وهو الصباح، فإذا جاء وقت الصباح، وقت الفلاح، وقت الجد، وقت التشمير، تراهم جيفاً نائمةً على فروشهم، تراهم كُسالى قد أهلكهم الخور والسهر والضعف؛ لأنهم خالفوا هذا النظام الذي قرره الله جل وعلا، وسنه في الكون، ومن أجل ذلك يبقى الإنسان في مخالفة، حينما تسهر طول الليل، فإن صلاة الفجر في الغالب تفوت، والصباح وقت تقسم فيه الأرزاق لكن تجد الإنسان غافلاً، تجد الأعمال الإدارية والحكومية والمصالح العامة في الصباح لكن تجد هذا الإنسان نائماً، وإذا عاد الناس في حر الظهيرة إلى بيوتهم آن له أن يستيقظ، وقد طارت الطيور بأرزاقها، وعاد الناس بمكاسبهم، واشتغل أصحاب الأعمال بأعمالهم وعادوا إلى بيوتهم.

    هذا الضعيف المسكين السهران البارحة الذي خالف سنة الوقت، والسنة التي قررها الله جل وعلا في هذا الوقت، تجده محروماً، والعياذ بالله.

    نلاحظ الكثير منهم عاجزاً عن العمل، إذا عمل عملاً للحظات، أو أيام، أو أشهر بالكثير، ثم يتركه، لأن فيه مخالفة، إذاً الأوقات مرتبطة بالأعمال، والعمل ليس وحده مهم، بل العمل المناسب في الوقت المناسب.

    1.   

    خصائص الوقت

    أيها الإخوة! هذا الوقت له خصائص، ألا وإن من أهم خصائصه:

    سرعة انقضاء الوقت

    الوقت يمضي سريعاً، خاصةً أيام السعادة والشباب والسرور والفرح، هذه أوقات سرعان ما تنقضي، يقول الشاعر:

    شيئان ينقشعان أول وهلةٍ     شرخ الشباب وقلة الأشرار

    هذه سريعاً ما تتقشع كما يقول القائل:

    سحائب صيفٍ عن قريبٍ تقشع

    إذاً فهذه خاصيةٌ من خصائص الوقت، وإن كانت لحظات الأسى والحزن والألم تمر بطيئةً على النفس، كما يقول القائل:

    مرت سنون بالوصال وبالهنا     فكأنها من قصرها أيام

    ثم انثنت أيام هجرٍ بعدها     فكأنها من طولها أعوام

    ثم انقضت تلك السنون وأهلها     فكأنها وكأنهم أحلام

    فهذا الوقت سرعان ما ينقضي ويتذكره الإنسان، وأنت تذكر نفسك كيف كانت طفولتك؟ كيف كان صباك؟! والآن تجد نفسك شاباً يافعاً كبيراً ذا أسرة أو متحملاً لمسئولية.

    نوح بعث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، هذه مدة بعثته، أما عمره، فقيل: هو على الألف، أو نيف على الألف سنة، قيل له: يا أطول الأنبياء عمراً، كيف وجدت العمر؟ كيف وجدت الوقت؟ كيف وجدت الحياة؟ قال: وجدت الدنيا كداخلٍ من باب ثم خرج من باب آخر. ألف سنة! فما بالك أيها المسكين يا من وقتك بين الستين إلى السبعين، إذا قدر لك أن تحيا وإلا تخطفك المنون في شبابك، أو في صباك.

    يُقال: إن في عهد الأنبياء المتقدمين وجد رجلٌ امرأة تبكي على ولدها، قال: يرحمك الله كم كان عمره يوم أن مات؟ قالت: مات في شبابه كان عمره أربعمائة سنة، قال: فما بالكِ إذا أدركت قوماً أعمارهم بين الستين إلى السبعين؟ قالت: والله لو علمت أن ليّ عمراً بين الستين إلى السبعين؛ لأمضيته في سجدةٍ لله، إذاً وقتنا قصير، ونحن في غفلة عن قيمته وأهميته.

    الوقت لا يعود

    الخاصية الثانية للوقت بعد سرعة انقضائه هي: أن ما مضى منه لا يمكن أن يعود أبداً، الدقيقة تمضي لكن لا يمكن أن تردها بكل ما أوتيت من وسائل الدنيا بخيلها ورجلها وأموالها ورجالها وسلاحها وعتادها، لا يمكن أن ترد من هذا الوقت لحظة واحدة.

    حينما نعد خصائص الوقت، يعني ذلك أن ننتبه لأهمية الوقت، قال الحسن البصري: [ما من يومٍ يخرج على ابن آدم إلا وينادي فيه منادٍ: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود أبداً] هذه من خصائص هذا الوقت أنه يمضي ولا يعود.

    ولذلك يقول كثير من الناس: إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، بل إنه أدق عبارة للوقت.. لأن كثيراً من الحكماء والعقلاء شبهوا الوقت، فقال بعضهم: الوقت من ذهب، والحقيقة أن الوقت أثمن من الذهب؛ لأن الإنسان قد يخسر الذهب، ثم يتاجر مرة أخرى، فيكسب ذهباً أكثر، لكن الوقت لو تاجرت، ثم تاجرت لا ترده، ولذلك قال أحد أكبر الدعاة رحمه الله رحمةً واسعةً: الوقت هو الحياة، وقتك هو حياتك، ما مضى من وقتك هو شيء وجزء قد مضى من حياتك.

    الوقت أنفس ما يملك الإنسان

    الخاصية الثالثة في هذا الوقت: أنه أنفس ما يملك الإنسان، لأنه لا يمكن أن أحداً يسلفك ويعيرك من وقته مهما بلغ الأمر، حياتك محدودة، حينما تأتي ساعة الأجل، لو يأتي الناس أجمعون، ويقولون: نريد أن نتبرع لهذا بخمسة أيام من أعمارنا لا يمكن إطلاقاً، فهو أنفس ما تملك، ولا يعوض بشيء، وإذا مضى لا يرجع.

    1.   

    واجبنا تجاه الوقت

    ما هو واجبنا تجاه الوقت؟ ما هي مسئوليتنا تجاه الوقت؟

    إن أهم واجب علينا أن نحرص على الاستفادة من الأوقات، أن نحاسب النفس على الأوقات، ما هي ثمرة هذا اليوم؟ ما هي ثمرة هذا الأسبوع؟ ما هي ثمرة هذا الشهر؟ ما هي ثمرة هذه السنة؟ ينبغي أن تحاسب نفسك، أصبحت اليوم ومضت الساعة الأولى في هذا اليوم الثانية العاشرة.

    إذا وضعت رأسك على وسادة فراشك ونظرت فيما مضى ماذا أودعت فيه من الأعمال الصالحة؟ ماذا فعلت فيه؟ بماذا أفدت نفسك؟ في أي أمر دعوت إلى الله، لا بد أن تحاسب نفسك على هذا الوقت، مضى شهر، ما جملة الفوائد؟ مضت سنة كيف حالك عن العام الذي قبله؟ هل أنت هذه السنة كما كنت في العام الذي قبله أم أفضل، أم أنت أسوأ- والعياذ بالله-؟ ينبغي أن تتأمل، وأن تحرص، وأن تحاسب نفسك.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [أدركت أقواماً أحرص على أوقاتهم من حرصكم على الدنانير والدراهم] يحرص الواحد منهم على وقته أشد من حرصنا نحن على الدنانير والدراهم.

    ويقول ابن مسعود: [ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي] هذه أعظم مصيبة على الإنسان أن يمر عليه الوقت ولم يزدد عملاً، والمصيبة الأخرى: أن يمر الوقت وأنت في زيادة معصية، وصحائفك قد تسود بالسيئات، والعياذ بالله.

    شبابنا والوقت

    كثيراً ما نسمع العبارة الدارجة عند كثير من الذين لا يعرفون للوقت قيمة، عبارة كثير من الشباب: نريد أن نقتل الأوقات، وكما يسميه البعض: الانتحار البطيء، فقتل الوقت هو الانتحار البطيء؛ لأن وقتك هو حياتك.

    لا بد أن نفهم أثر هذه العبارة، وألا نجعلها ترسخ في أذهاننا، بل بدلاً منها اغتنام الوقت والمبادرة في الاستفادة من الوقت، قبل كثرة المشاغل على الإنسان، وأنتم أيها الشباب لا زلتم في ريعان الشباب، ولم يتحمل الكثير منكم مسئولية أسرة أو مسئوليات إدارية، أو مسئوليات أعمال، أو نحو ذلك.

    فإن أعظم وأنفع وأجدى أوقات الإنسان وقت الشباب، فلا بد أن تغتنموه، لماذا نغتنم أوقات الشباب قبل المشاغل؟ لأن الإنسان لا يستمر فارغاً، فلا بد أن ينشغل إما بالطاعة، وإما بالمعصية، والعياذ بالله.

    قال بعض السلف: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة، وفتح على نفسه باب الهوى والشهوة واللهو والبطالة، تكدر عليه صفاء قلبه.

    وقال بعض السلف: الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل، ثم لا تتوجه إلى ربك، وأن تقل عوائقك، ثم لا ترحل إلى ربك.

    وقديماً قيل: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غِلمة، هذا حال مجتمعنا اليوم، كثيرٌ من الشباب قد وقعوا في شَرَك الفراغ الذي قتلوا به أنفسهم، فوقعوا في الغفلات، لأن الإنسان حينما يكون جاداً عاملاً نشيطاً قد رتب لأوقاته وظائف، فالصباح له وظيفة، والظهر له وظيفة، والعصر له وظيفة، والليل له وظيفة، وبعد العشاء وظيفة النوم، أي: كل شيء تحدد له وظيفة، وتستفيد من وقتك، وتشعر أن حياتك حياة مرتبطة بالأعمال مليئة بالفوائد.

    أما كما يقول القائل: الفراغ للرجال غفلة، يكون وقتك غفلة عليك، هذا مما ينبغي أن يهتم به الشباب خاصة شباب مثلكم، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

    وتتمة هذه العبارة" الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة" الغلمة هي: اشتداد الشهوة، وتعلق النفس بالشهوة، وهذا هو الواقع، كثير من البنات الآن نتيجة الفراغ اشتد بهن الغلمة، ما هي النتيجة؟ كانت البنت أو المرأة مشغولة من الصباح في بيتها، في أعمالها، في ملابسها، في أوانيها، فإذا جاء الليل؛ وجدتها تنتظر وقت الراحة، أما الآن الخادمة موجودة، والسائق موجود، وكل شيء موجود، إذاً بقين في الفراغ، ترفع سماعة التليفون، وتكلم فلاناً وعلاناً، هذه نتيجة الفراغ مصداقاً لهذا المثل" الفراغ للرجال غفلة وللنساء غلمة"، يقول الشاعر:

    إن الشباب والفراغ والجدة     مفسدةٌ للمرء أي مفسدة

    الجدة معناها: الثراء في المال.

    الإسلام يحث على اغتنام الأوقات بالأعمال

    ولقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى الأعمال قبل حلول العواقب، قال صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر) ماذا ينتظر الإنسان حينما يُضيع هذه الأوقات؟

    ينبغي أن تبادر إلى العمل، وأن تشحن الأوقات بالأعمال. (هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً؟) فأصحاب الغنى الآن قد أطغاهم الغنى، وأشغلهم عن التفكر حتى في أخص خصائصهم وهي أنفسهم المسكينة التي غفلوا عن عتقها وفكاكها من النار. (أو فقراً منسياً) الفقير تجده مسكيناً يبحث عن لقمة العيش، لا يتفرغ إلا لأوجب الواجبات. (أو مرضاً مفسداً) هل أنت تضمن نفسك دائماً صحيح؟ ما دمت في لحظات السعادة والصحة والحيوية والنشاط، بادر بالعمل لأنك لا تضمن هذه العافية مستمرة. (أو هرماً مفنداً) الإنسان قد يهرم ويخرف، ولو كان في الستين، أو في السبعين، فينبغي أن يجتهد في العبادة، ولا ينتظر مزيد وقت، أو يسوف. (أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر) إذا جاء الدجال، انشغل الناس بأحوال عظيمة. (أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر).

    وينبغي أيها الإخوة أن نعتبر بمرور الأيام والأعوام، يقول الشاعر:

    أشاب الصغير وأفنى الكبير     كرُّ الغداة ومرُّ العشي

    إذا ليلةٌ أهرمت يومها     أتى بعد ذلك يومٌ فتي

    إذاً فينبغي أن نحرك هذه المشاعر في مرور الأيام، أنت تضع رأسك على هذه الوسادة، ثم يمضي الليل، ثم تصبح، ثم تكدح في هذه الدنيا، ثم يأتي الظلام، وهكذا دواليك، ينبغي أن تعتبر بمرور هذه الأيام التي تمضي معها الشهور، وتمضي وراءها الأعوام.

    1.   

    نصائح في تنظيم الوقت

    أيها الإخوة! أكرر أن المطلوب منا هو أن ننظم الأوقات، ما دمنا عرفنا أهمية الأوقات، وأهمية ملئها وشحنها بالأعمال، أقول: ليس المسألة كما قلنا أي عمل، لا، العمل المناسب في الوقت المناسب مع ترتيب الوقت؛ لأن ترتيب الوقت يضمن للنفس كمال الحاجات أجمع بإذن الله جل وعلا.

    بعض الناس من حماسه ومن شدة اهتمامه يزيد الاهتمام بالوقت إذ به في يوم من الأيام يقتل نفسه وهو لا يدري، بل حينما تهتم بالوقت تجعل لكل وقت وظيفة، ومن أهم الوظائف راحة نفسك، فإن راحة البدن والنفس وظيفة، إن المنبت لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، المنبت: المنقطع، لا ظهراً أبقى، إنسان أراد أن يصل مثلاً إلى مكة، السير على الراحة إلى مكة يقتضي شهراً تقريباً، فهذا قال: لا، أنا أريد أن أواصل السير ليلاً ونهاراً حتى أصل في سبعة أيام، فأخذ يجلد هذه الناقة حتى هلكت في الطريق، ثم أخذ يمشي على أقدامه، حتى ضل ومات في الطريق، المنبت انقطع، لا ظهراً أبقى، لا بقيت الناقة، ولا قطع الأرض، وقد يكون هلك هو أيضاً.

    العمل بما نطيق

    أيها الإخوة! أذكركم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) أي: ما دمت في اهتمامك وعنايتك بهذا الوقت، لا تكلف نفسك ما لا تطيق، أو تشحن نفسك بأمور قد تسبب لنفسك ردة فعل، بعض الناس من يدفعه الحماس والعاطفة والاهتمام بالوقت، بل والاهتمام بالعبادة جزاه الله خيراً إلى درجة يزيده الشيطان فيها زيادة تجعله يكره العبادة والاستقامة والتدين بسبب أنه ضغط على نفسه، ومعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: لا تضغطوا على أنفسكم، بل اعملوا من العمل ما تطيقون، لأن الله غني عن أعمالنا، وكثرة أعمالنا لا تنفع ربنا.

    إذاً: نكلف أنفسنا من العمل ما نطيقه رويداً رويداً؛ لأن الله لا يمل حتى تملوا (وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) فلنداوم على العمل الصالح القليل، فإن ذلك ينفعنا، وإني أنصح نفسي وإخواني الذين يضغطون على أنفسهم وفي أوقاتهم أن يجتهدوا في الترويح عن النفس، فالترويح عن النفس من ضمن برامج الوقت ووظائفه.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي] ويقول آخر: [روحوا عن النفوس ساعةً بعد ساعة، فإن النفس إذا كلت ملت].

    إذاً: الترويح مهم، يُقال: إن رجلاً شاهد أعرابيةً تتعبد وتتنسك وتصلي، ثم رآها في وقت آخر، أي: في نفس يومها، قد تهيأت وتجملت لزوجها، فقال: أين هذا من ذاك؟ أين عبادتك من فعلك هذا؟ قالت:

    وللجدِّ مني جانبٌ لا أضيْعه     وللهو مني والمحبة جانب

    يعني: أنا أقسم وقتي، وأجعل نشاطي في نفسي يوزع على هذه الأعمال داخل هذه الأوقات وقت الجد والعمل، حتى وقت الترويح عن النفس هو وقتٌ إذا احتسبه الإنسان، فهو عبادة، لأنه يدفعك ويجعلك تندفع نشيطاً لمزيد من الأعمال الصالحة.

    اغتنام أوقات الدعاء

    وأذكر نفسي وإياكم بأن هناك أوقاتاً لها مزيد فضل، قد خصها الله جل وعلا بمزيد الأجور والثواب والخيرات منها: ساعات السحر، ساعات آخر الليل، ساعات فضيلة وجليلة، ولو كنا إلا ما ندر وشاء الله في غفلة عنها، لكن نحدث أنفسنا عسى أن نجتهد فيها إن شاء الله.

    ساعات آخر الليل، ساعات التنزل الإلهي التي ينزل الله جل وعلا فيها نزولاً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ويقول: يا عبادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟

    يا إخواني! والله إن العجب كل العجب في أنفسنا حينما يكون للواحد منا حاجة، أذهب إلى ابن عمي، وابن خالي، وابن وابن، وفلان وعلان تريد الحاجة والنفع منهم، قبل أن تذهب إلى هؤلاء عندك ساعة ووقت يجاب فيه الدعوة، فأخلص النية واستيقظ آخر الليل.

    تجد كثيراً من الناس يلح على أمر من الأمور شهراً، وشهرين، وسنة، وسنتين، ولا يتحقق له هذا الأمر، لكنه لا يكلف نفسه عناء ساعة آخر الليل يتوضأ ويحسن الوضوء، ويسأل ربه الذي خلق الدنيا ومن فيها ومن عليها أن ييسر له هذا الأمر وذلك دليل النسيان والغفلة، والعياذ بالله.

    ومن الساعات المهمة يوم الجمعة وساعة الإجابة فيه ساعة فضيلة، كذلك في السنة أيام فضيلة فيها: عشر ذي الحجة، وفيها عرفة، وفيها رمضان، وفيها العشر الأواخر، وليلة القدر، الوقت مهم، ولكنه مليء بالفرص الأهم، الوقت ثمين، ولكن فيه ساعات أثمن، لكن أين نحن من اغتنامها؟ أين نحن من الاستفادة منها؟

    المحافظة على الصلوات

    أيها الإخوة! وينبغي ونحن نستعين على الاستفادة من الوقت بالمحافظة على الصلوات، فتجد الذي لا يحافظ على الصلوات لا يستطيع أن ينظم وقته، فكثير من الناس ومن الشباب -الذين نسأل الله لهم الهداية نراهم في ضلال ووبال وخبال- تلاحظ أنهم في عجز عن تنظيم أوقاتهم، لأن الإنسان كالبهيمة حينما يضع رأسه، لا يبالي بوقت الصلاة، وقت عبادة، يأتي مثلاً قبيل الظهر، أو قبيل العصر فينام على العصر، ويضيع هذه الأوقات.

    إما الشاب المسلم فتجد الوقت عنده مرتبط بالصلاة، بعد صلاة الفجر هذا وقت، إذاً معناه أنه يصلي الفجر ليعرف الوقت الذي بعد الفجر، فيستغله غاية الاستغلال، بعد صلاة الظهر وقت، يستغله في الترويح عن النفس، جلوس مع الأهل، زيارة بحسب البرنامج. وهكذا.

    بعد صلاة العصر.. فترتيبك للوقت مرتبط بالصلاة، فمن لا يُصلي مع الجماعة، أو كيفما استيقظ من نومه صلى، هذا تضيع عليه الأوقات وتمضي عليه وهو لا يعرف قدرها، ولا يدرك قيمتها.

    أما الذي يجتهد على الصلاة مع الجماعة، بإذن الله جل وعلا يعينه الله على الاستفادة من وقته، وأزيد على ذلك مسألة ارتباط الإنسان بالشباب الصالحين الطيبين الذين يعينونك على الاستفادة من وقتك.

    الحذر من التسويف

    والحذر الحذر من التسويف يقول: سوف أنظم وقتي ابتداءً من 1/ رمضان /1408هـ، يا أخي عندنا أمر طيب ما رأيك أن تبادر إليه، يقول: إن شاء الله من بداية 1/1/1408هـ أنا سوف انطلق، وكأنه صاروخ، وهذا المسكين هل يضمن أن يعيش إلى 1/1/1408هـ؟ لا، أو يقول: هذه السنة دعها على السعة والراحة، إن شاء الله من رمضان القادم أنطلق انطلاقة قوية، هذا حال كثير من الذين نسمعهم وللأسف في كثير من المناسبات إن شاء الله أحج.

    هل تضمن أن تعيش حتى تحج؟ وهذا الوقت الذي يمر سدى يضيع هكذا، فالحذر الحذر من التسويف في استغلال الوقت، واعلموا أن الأماني رءوس أموال المفاليس.

    وأقول لكم طرفة بسيطة هي واقعة، قال رجل لـابن سيرين -ابن سيرين رجل معروف بتعبير الرؤى والأحلام- يقول: رأيت في المنام أني أسبح في غير ماء، وأطير في الهواء بلا جناح، فضحك ابن سيرين في النهاية، وقال: تفسير رؤياك أنك رجل كثير الأماني والأحلام، أي: دائماً تعد نفسك سأفعل سأفعل، سأفعل، ويمر هذا الفصل الذي تريد أن تفعل فيه، وما فعلت شيئاً، ابتداءً من الأسبوع القادم، ويمر الأسبوع القادم، وما فعلت شيئاً، ابتداءً من الذي بعده، ويمضي الشهر الذي بعده، وما فعلت شيئاً، فهذا مما يمر بخلد كثير من الناس التسويف وسوف وسنفعل إلى آخره، كل هذه تجعل الإنسان في غفلة، وفي ضياع عن وقته.

    العمل لما بعد الموت

    وينبغي أن تعلم أن هذا الوقت له نهاية، ليس هذا الوقت مستمراً، لن تدوم هذه العين ترى إشراق الشمس وغروبها، لا، لك نهاية تقف عندها، حينما تقول الملائكة: يا رب لم يبق له شربة إلا شربها، لم يبق له لقمة إلا أكلها، لم يبق له خطوة إلا مشاها، لم يبق له درهم إلا أنفقه، لم يبق عنده دينار إلا اكتسبه، حينما يقال هذا الأمر فيك؛ فقد حانت ساعتك، وتذكر قول القائل:

    بين عيني كل حيٍ     علم الموت يلوح

    نح على نفسك يا مسكين     إن كنت تنوح

    لتموتن ولو عمرت     ما عمر نوح

    أي: ليس لك بعد هذا الوقت إلا الموت، إذاً فاستعد لما بعد الموت، يُقال: إن ملك الموت نزل على موسى عليه السلام، قال: إني أستأذن عليك، قال: وما تريد؟ قال: أريد أن أقبض روحك، قال: تقبض روحي؟! فلطمه حتى فقأ عينه.

    فعاد ملك الموت إلى رب العزة جل وعلا، وقال: يا رب أرسلتني إلى عبد من عبادك لا يريد الموت، قال: اذهب وقل له: ضع يدك على جلد ثور، فما غطت يدك من شعراته، فهو لك عمر، فذهب ملك الموت إلى موسى عليه السلام، وقال له ذلك، قال: ثم ماذا يا ملك الموت؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، أي: اقبض روحي.

    إذاً ما دام أن الأمر أنك لا محالة منتقل عن هذه الدنيا، فاستعد بالأعمال الصالحة، بل إن السلف كانوا يتمنون لقاء الله جل وعلا، ولقاء الله يكون بعد الموت، لقاء الله جل وعلا يكون بالاستعداد والأعمال الصالحة، والأعمال الطيبة الزاكية الخالصة لوجه الله يموت من شوقه إلى الموت.

    فينبغي أن نقدم قبل الموت، وقبل نهاية الوقت أعمالاً تنفعنا عند الله جل وعلا، ولنجتهد بالعمر الثاني، لأن العمر للإنسان عمران: عمر في الدنيا وعمر بعد موته ألا وهو الذكر الطيب والثناء الصالح الذي هو دليل رضا الله جل وعلا، يقول القائل:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثوان

    فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمرٌ ثان

    ومن أجل ذلك أيها الشباب! أود أن أذكركم، بل أرجو أن تكونوا من الذين بعد عمرٍ طويلٍ , وعملٍ صالحٍ إن شاء الله يذكرون في هذه الدنيا بالأعمال الطيبة الصالحة، لا أن يولد الإنسان ويعيش ويكبر ويشيب ويموت كالبهيمة، كم يذبح اليوم في المذبح من البهائم، هل يذكر الناس بهيمة من البهائم؟ لا، البهائم بهائم لا تُذكر بشيء، لكن البشر يذكرون بالأعمال الصالحة، البشر يخلدون ذكرهم بعد موتهم بأفعالهم وأعمالهم، ومن أجل ذلك يقول إبراهيم بن أدهم، وهذه أبيات كثيرة أرددها، وأتمثل بها، وأدعو إخواني أيضاً إلى أن يتمثلوا بها، يقول:

    إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى     فقد ثُلمت من الإسلام ثلمة

    وموت الحاكم العدل المولى     بحكم الأرض منقصة ونقمة

    وموت فتىً كثير الجود محلٌ     فإن بقاءه خصبٌ ونعمة

    وموت الفارس الضرغامِ هدمٌ     فكم شهدت له بالنصر عزمة

    وموت العابد القوام ليلاً     يناجي ربه في كل ظلمة

    فحسبك خمسةٌ يُبكى عليهم     وباقي الناس تخفيفٌ ورحمة

    وباقي الخلق همجٌ رعاعٌ     وفي إيجادهم لله حكمة

    فينبغي أيها الأخ المسلم أن تكون من هؤلاء الخمسة الذين إذا توفتهم رحمة الله بعد عمر طويل وعمل صالح، يقال: رحمه الله لقد خلف أولاداً نفعوا الأمة والمجتمع، لقد كان معلماً نافعاً لتلاميذه، لقد كان قائداً مغواراً، لقد كان داعيةً مجاهداً، لقد كان تاجراً باذلاً، لقد كان موظفاً أميناً، لقد كان مفكراً محنكاً، لقد كان عابداً صواماً قواماً، ليس ذلك محبة لثناء الناس وذكرهم فقط، لا، بل حينما تُذكر، يدعى لك ألا وهي العمر الثاني، والصدقة الجارية (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) فقد يدعو لك ولدك والناس أجمعون إذا خلدت في هذا الكون عملاً صالحاً.

    إمام الدعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه في جناته وأمطر صكوك الرحمة عليه، لا زال الناس يدينون بالفضل والثناء بفضل الله جل وعلا ثم له فيما هم فيه من التوحيد، وجد الناس في ضلال، أو في خبال يعبدون الأشجار والأحجار والأصنام وغير ذلك، فجرد نفسه لله وطلب علماً دقيقاً شرعياً، وجاهد في الله حق جهاده حتى هز الأتراك، وهو في الدرعية، أرسل رسالة إلى نظام المقام العالي في الدولة العثمانية التركية أن اهدموا ما عندكم من القبور.

    إنه داعية موحد هز الدنيا بدعوته الإصلاحية، من منكم يا شباب الإسلام يُعاهد الله جل وعلا عهداً وميثاقاً صادقاً أن يكون له في هذا المجتمع لبنة واضحة تُذكر من بعده، أو يدعى له فيها؟ كلنا يسأل الله أن يكون ذلك، فابذلوا واجتهدوا واحرصوا، وكل ميسر لما خلق له.

    إياكم وإلقاء سبب الضعف على الآخرين أو الزمان

    أيها الشباب! ينبغي ألا نكون من العاجزين الكسالى الذين يلقون عهدة الخور والضعف، وضعف الإرادة على غيره، يقولون: هذا الزمان، وهذا الوقت، فما هو هذا الزمان؟ لقد كان وقت الصحابة أربعاً وعشرين ساعة؟ وزماننا أربع وعشرين ساعة، وزمان السلف الصالح أربع وعشرون ساعة، وزماننا أربع وعشرون ساعة، لماذا نلقي باللائمة على الغير؟ لماذا نلقي باللائمة على الناس؟ وكما يقول القائل:

    نعيب زماننا والعيب فينا     وما لزماننا عيبٌ سوانا

    وقد نهجو الزمان بغير جرمٍ     ولو نطق الزمان بنا هجانا

    كيف مر الوقت ولم تستفد من شبابك؟ الله المستعان! يقولون: الوقت يا رجال هذا الزمان تغير، إذاً تغير أنت لماذا لا تتغير إلى الأفضل؟! لماذا لا تتغير إلى الأحسن، هذا واجبك وهذا دورك.

    1.   

    برنامج لقضاء الوقت

    ختاماً أيها الإخوة! أنصح نفسي وإياكم إلى أن نبرمج لأوقاتنا أموراً معينةً ننفع الأنفس بها، ألا وإن من ذلك طلب العلم عند المشايخ، حلقات العلماء، هذه من أهم ما ينفع الإنسان نفسه، والله ما عرفنا قدر أنفسنا،وقدر جهلنا بالعلم إلا يوم أن جلسنا أوقاتاً محدودةً عند العلماء، لذلك ترى الإنسان لا يعرف مقدار جهله حتى يعلم، فإذا علمت قليلاً، أدركت أنك جهلت كثيراً.

    فقل لمن يدعي في العلم معرفةً     علمت شيئاً وغابت عنك أشياءُ

    إن الذي يظن أنه عالم فقد جهل، والذي يظن أنه نال من العلم النصيب الأوفر فقد جهل، لأن العلم بحرٌ تتلاطم أمواجه، ولا سواحل له، ينبغي أن تجتهد في طلب العلم عند المشايخ العلماء الثقاة، فإن ذلك خيرٌ لك في دينك ودنياك وآخرتك.

    اجتهد بهذا أيها الأخ المسلم! أضف على ذلك أن تجتهد في أوقات فلا تقضى أربعاً وعشرين ساعة كلها عند المشايخ، بل تنظم ثلاثة أيام في الأسبوع عند الشيخ/ ابن باز مثلاً، وعند الشيخ/ ابن جبرين، وعند الشيخ/ الفوزان عند الشيخ كذا، تأتي كغيرك من الشباب ومعك كتابك وتقرأ، وتستمع، وتسأل فيما أشكل عليك، هذا خيرٌ لك في دينك ودنياك وآخرتك.

    لديك من الأعمال المهمة مثل: المنتديات الطيبة التي يجتمع فيها الأخيار الصالحون، مثل: مكتبات المساجد، والمراكز الصيفية النظيفة، هذه تنفعك بإذن الله حينما تخصص الوقت الملائم لها، وتأتي لتشارك إخوانك، ليس فقط لتتعلم، بل قد تؤثر أيضاً، أي: قد يقول بعض الناس: أنا مستواي جامعي، لماذا أخالط أناساً في المتوسط والابتدائي، ما هي مصلحتي منهم؟ لا، أنت تأتي لتعمل فادعهم إلى الله، يرونك كبيراً وموجهاً ومشرفاً ثقافياً واجتماعياً فيتأثرون بك فيقتدون بأفعالك.

    إذاً فأنت جئت إلى هذا المنتدى داعية، وبقي لك أثر طيب في نفس هذا وهذا فاستقام بإذن الله بسببك، ينبغي أن نجعل من أوقاتنا للدعوة إلى الله في مثل هذه المراكز الطيبة الصيفية.

    وأصارحكم أيها الإخوة أنا منذ صغري كنت في مركز صيفي، شاركت في المراكز الصيفية، وكنت لا أستطيع أن أتكلم، فعلمني الأساتذة الأجلاء الأفاضل جزاهم الله خير الجزاء، يعطيني الواحد ورقة، ويقول: قم أمام إخوانك وزملائك امسك واقرأ هذه الورقة، فأمسك الورقة وأنا أنتفض هكذا، أخشى أن تقع الورقة، نعم، لأن الإنسان لا يولد عالماً، رويداً رويداً حتى أصبح الإنسان يقرأ، ثم أصبح الإنسان يقرأ هذه الورقة بكل ثقة واطمئنان، ثم أصبح يستطيع أن يعبر عما في نفسه دون الحاجة إلى الورقة، فهذه المراكز الصيفية تكتشف هذه المواهب الموجودة في نفسك، وتنفعك بإذن الله.

    إذاً أيها الشباب! وخاصةً الصغار ينبغي أن يجتهدوا، وأن يستفيدوا، وأن يبادروا حينما يكون هناك مجال من الاستفادة، هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    برنامج يوم إسلامي

    السؤال: نحن الآن في الإجازة السنوية، وكما تعلم أنها في حدود ثلاثة أشهر، يا حبذا لو شرحتم لنا شيئاً في حياة يومٍ إسلامي، وما هي أسهل الطرق لحفظ القرآن الكريم، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: اليوم منقسم إلى الليل والنهار، هذا اليوم حينما يرتبه الإنسان وينظمه -كما قلنا- يخرج منه بأعظم فائدة إن شاء الله، فهناك جدول يومي، وهنا جدول أسبوعي، وهناك برامج شهرية، فأمَا وقد رغبت أن أفصل لك، أقول لك: إذا منَّ الله جل وعلا عليك، وكنت من الذين يأوون إلى فرشهم مبكرين، تنام في هذا الليل الذي جعله الله سكناً، وتنام في هذا الفراش مبكراً، وإياك والتعليمات الكثيرة، أنت في كذا، أنت في كذا، الليل سكن، وما أغبط إنساناً كغبطة إنسان لا يعرف المواعيد بعد العشاء، إلا بما ندر، أو مثلاً ساعة ونصف، إذا زاد الأمر فساعتين، ثم يهرع إلى فراشه؛ فإنه يستفيد؛ لأن ساعة من الليل تعدل ساعات من النهار فيما يتعلق بالسكن والراحة.

    فإذا منَّ الله عليك بالاستيقاظ قبل الفجر ولو بربع ساعة، صليت ركعتين، تكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات والمستغفرين بالأسحار، ثم أذن المؤذن وخرجت إلى المسجد، وصليت الفجر مع الجماعة، أقول: لا تجبر نفسك من جهة الضغط عليها، قد تكون بالأمس سهراناً عند والدك أو جاء ضيوف، أو عند أهلك مناسبة، عندكم كذا، خذ قسطك من النوم، لكن؟ بعد أن تأتي بوردك بعد صلاة الفجر، الأوراد اللازمة، الفاتحة، آية الكرسي، آخر البقرة، أول آل عمران، شيء من سورة طه، المعوذات، شيء من المفصل، ثم اللهم إني أسألك خير هذا اليوم... إلى آخر ما تعرفونه من أذكار الصباح، ثم إذا كنت مجهداً، فقم إلى فراشك، ونم قليلاً، لكن وقِّت الساعة، ولا تنم إلى أذان الظهر، لا، بل انتبه إلى الساعة، فإذا استيقظت، قد تكون مثلاً موظفاً، ستذهب إلى عملك، وقد تكون طالباً، ولعل السؤال موجه إلى الطلاب الذين يعيشون الإجازة، فإذا أصبحت وتناولت طعام الإفطار، وجلست مع إخوانك الصغار وقتاً لا بأس به، ثم خرجت إلى المركز الصيفي، أو إلى أي مكتبة، أو إلى مكتبتك الخاصة، فقرأت ما يسر الله لك فيها، ثم بعد ذلك قد يكون لأهلك حاجة من الحوائج قضيتها، وبعد الظهر أجود أوقات النوم، وإن كانت القيلولة قبل الظهر بقليل، لكن في الغالب هذا لا يتيسر، يقول الشاعر:

    ألا إن نومات الضحى تورث الفتى      خبالاً ونومات العُصير جنون

    ألا إن بين الظهر والعصر نومةٌ     تحاكي لأصحاب العقول قلوبُ

    عموماً بعد الظهر نومة مفيدة إذا تغديت ثم نمت، ثم بعد ذلك صليت العصر، بهذا تكون نشيطاً، هنا أمر: كلٌ يختلف بحسب نفسه، الذي هو أمر الحزب اليومي من كتاب الله جل وعلا، فبعض الناس يقرؤه بعد صلاة الفجر، وبعض الناس قد يكون من الذين يغلبهم النعاس إذا كان مثلاً سهراناً في الليل لأمر أو مشغلة من المشاغل يكون حزبك بعد العصر، وتقرأ ما يسر الله لك من كتاب الله، ومن سنة رسوله، ولا بد أن يكون لك مكتبة كل كتاب وراءه كتاب، لا ينفع أن تقرأ في السنة الماضية نصف كتاب، والسنة التي قبلها قرأت نصف الكتاب، لا، القراءة هي النافذة على العالم، هي باب المعلومات وتوارد الخواطر، لا بد أن تجتهد في القراءة، ومن كانت له بداية محرقة في القراءة والاطلاع وغير ذلك، كانت له نهاية مشرقة.

    ثم بعد ذلك إذا كان هناك نشاط في هذا المركز أتيت إليه، وبعد المغرب شارك إخوانك، لكن هناك أمور أساسية: الصلوات في أوقاتها، نصيبك من كتاب الله، وإني أهنئ شباباً قد خصصوا من أوقاتهم وقتاً لحفظ القرآن بعد العصر، وبعد المغرب، أو بعد المغرب فقط، أو بعد العصر فقط، المهم ألا يمضي عليك يوم ما قرأت فيه شيئاً من كتاب الله كلٌ بحسب نفسه.

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه     وجاوزه إلى ما تستطيع

    الله عز وجل خلق الناس وفاوت مراتبهم، لا نظن أن كل الناس يكونون علماء، أو كل الناس يكونون حفاظ، لو كان الإنسان يصنع نفسه، لكان الإنسان تمنى أن يكون كريماً شجاعاً حافظاً صواماً عالماً مجاهداً ثرياً غنياً فصيحاً، كل شيء، لكن أراد الله جل وعلا أن يجعل الناس درجات: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] فهذا نموذج ليوم إسلامي، لكن أريد أن أقول لك: هذا اليوم لا يخلو من أمور: المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وردك الأساسي اليومي من كتاب الله، ثم من سنة رسول الله، وساعة القراءة، ونصيب أهلك بك.

    وكثير من الشباب، وأنا أعاتب الإخوة الحضور، وأعاتب نفسي فيما مضى مني، كنا نضيع حاجات الأهل والوالدين أسأل الله أن يغفر لنا هذا الفعل: أنا ذاهب إلى المركز أنا عندي كذا، بل ابدأ بحاجة والديك، فإن الوالد قنوعٌ بما يأتيك من العمل، حينما تقدم لوالدك عملاً بسيطاً، والدك يراك كهذه اللمبة، أو كهذه الشمعة تشرق على هذا المكان كله.

    فينبغي أن تكون مهتماً بحاجات والدك، برنامجك ألا يخلو من هذا الشيء، مع حاجة والديك، الترويح عن نفسك ومخالطة جلسائك الطيبين، لا تنقطع يوماً واحداً من رؤية جلسائك الطيبين، ولو في مسجد، بعد الصلاة تجلس أنت وإياه عند السارية كيف حالك؟ وما عندك؟ وكيف المركز اليوم؟ في رحلة؟ في كذا ؟ وهل هناك زيارة؟.

    المهم أن تكون مرتبطاً بإخوانك، لأن الانقطاع يورث البعد، والبعد يجعل الشيطان يتوحد بك، ومن ثم يفترسك كما يفترس الذئب من الغنم القاصية.

    لابد أن يكون لك برنامج أسبوعي.. في هذا الأسبوع مثلاً: إذا كنت من أصحاب هواة الرياضة، يكون لك شيء من ركوب الخيل، أو سباحة، أو تمرين معين.

    وكذلك برنامج شهري تجعل في كل شهر مثلاً زيارة إلى المقبرة عظة وعبرة وتذكراً وتفكراً إلى آخر ذلك.

    المهم أن المجتهد الحريص على وقته سوف يستغله، وليس البرنامج ينطبق على كل إنسان، كل إنسان يُكيف هذا البرنامج بحسب ظروفه، بعض الناس أهله عندهم مشاغل، وربما أخوه الأكبر يكفيه هذه المشاغل، فتجده متفرغاً، هذا يختلف عن إنسان لديه مسئوليات أسرته، وحاجات أهله فوق رأسه، لا بد أن يقوم بحاجات أهله، فالبرنامج يخصصه بحسب طريقته، يعني: تبرمج وقتك بحسب طريقتك الخاصة، لكن لا يخلو البرنامج من هذه النقاط الخمس التي ذكرناها.

    نصيحة إلى عاصٍ

    السؤال: فضيلة الشيخ أرجو أن تنصح لي لكي أترك معصيتي التي أعملها كثيراً في وقت الفراغ، ولا أستطيع تركها، فهل من طريق إلى تركها؟

    الجواب: الطريق هو أن تملأ الفراغ، لاحظ أنك قلت: في معصية أعملها وقت الفراغ، إذاً هذه المعصية لا يتسلط الشيطان عليك بها إلا في وقت فراغك، لأن هذا الوقت الذي أنت سميته وقت فراغك، لم تُشغله بشيء، فأشغلتك نفسك بالمعصية ما لم تشغلها بالطاعة، إذاً أهم شيء أن تملأ الوقت، فهناك خلل في برنامجك اليومي، هذا الوقت لماذا يكون فارغاً؟ قد يكون غيرك في عبادة، أو دراسة، وأنت تسميه فراغاً، قد يكون غيرك في رياضة، قد يكون غيرك في عمل، وأنت تسميه فراغاً، قد تقول لي: هذا الوقت بالليل مثلاً، أقول لك: لو كنت قد برمجت وقت النهار، لكنت في هذا الوقت محتاجاً إلى الراحة والنوم، وعلى أية حال جاهد نفسك يا أخي بالصبر عن معصية الله جل علا، فإنما يُوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وأسأل الله أن يثبتني وإياك، وأن يعصم الجميع عما يسخطه، وأن يجنبنا ما يغضبه، فالله سبحانه وتعالى يتوب علينا وعليك، وأكثر من مجالسة إخوانك ما استطعت، فإن كثرة مجالسة الأخيار والجلساء الصالحين، بإذن الله تدفع عنك فعل المعاصي.

    الفرق بين الوقت عند المسلمين وعند الغرب

    السؤال: ما الفرق بين الوقت عند المسلمين والغرب، وجزاكم الله عنا خيراً؟

    الجواب: الوقت عند المسلمين هو كل شيء، لأنه حيز العبادة والأعمال، والوقت عند الغرب يختلف من ناحية أنه وقت للعمل فقط، لكن هذا العمل ليس مبنياً على هدف وغاية، أنت حينما ترتب أوقاتك، وحينما تهتم بها، كوسيلة للوصول إلى غاية، التي هي الوصول إلى أقصى درجة من العبودية لله جل وعلا، ومحاولة كسب أكبر قدر ممكن من الأعمال الصالحة التي يتوصل بها إلى رضا الله جل وعلا، أما الوقت بالنسبة للغربيين، فهو وسيلة إلى شيء تافه للغاية إذا كان يوجد عندهم غاية، ومن ثمَّ عند فقدان الغاية، يستعجلون النهاية، ذُكر -وهذا شيء واقع تقريباً من خمس أو سبع سنوات- أن أحد أثرياء الغربيين، قال: ماذا أعمل بجمع المال؟ أنا أجمع المال، لأكون سعيداً، من أجل أن يعرف النتيجة? من أجل أن أعيش هذه الأيام تمر عليَّ براحة، وماذا بعد الأيام؟ الموت قال: لماذا أنا لا آتي بالنهاية من الآن، وقتل نفسه وانتحر.

    هذه النهاية أتى بها لنفسه واستعجل فيها، بل إنه قتل نفسه، والله سبحانه وتعالى قدر أن تكون هذه ساعته، ولكن أعوذ بالله من ختام سوء، فالوقت بالنسبة للمسلم ثمين ومهم وعليه أن يجتهد على ملئه بالأعمال الصالحة لكي يصل إلى الغاية العظمى التي هي ترضى الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يستغل بالأعمال الصالحة ولم يذكر الله فيه، كان عليه حسرة.

    ولذلك لاحظ أن الكثير منهم لأنهم عبيد الدنيا والمادة والمال يهتمون بالوقت اهتماماً دقيقاً من أجل المال، لكن أصحاب الإجازة بالنسبة لهم انظر كيف يعيشون؟ حياة البهائم، يذهب إلى أي مكان، يعيش في فندق، يجلس سكران في هذا الفندق خمسة أيام، أو ستة أيام، وهو يغالط في الأماني عنده، الوقت مهدر القيمة، أهم شيء العمل؛ لأنه هو يُوصل إلى المال، لكن بالنسبة للمسلم لا فرق، الوقت ثمين أيام الدراسة وأيام العمل وأيام الإجازة، والعطلة الصيفية، والوقت مهم وثمين، فالفارق في الوقت ليس من حيث عدد الساعات، بل الساعات واحدة، وليس من حيث العمل فقط.

    بل العمل هم يعملون، ولكن في معصية الله، وأعمالهم عليهم حسرة، وتكون سبباً لدخولهم النار، والمؤمن يعمل لكي ينال بذلك رضا الله سبحانه وتعالى، وماذا بعد ذلك؟ مآل المسلم إلى الهدف الأسمى رضا الله والجنة، ومآل الكافر- عياذاً بالله- إلى النار.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.