إسلام ويب

قصة مقتل خبيب بن عديللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثير هم الذين يموتون بأسباب شتى، لكن التاريخ لا يُسطَّر إلا لمن مات مدافعاً عن دينه وعقيدته، ومن أولئك النفر خبيب بن عدي رضي الله عنه وأصحابه في غزوة الرجيع، وهنا بيان لقصة مقتله مع ذكر فوائد مستقاة من تلك الأحداث.

    1.   

    قصة غزوة الرجيع

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فهذه القصة التي سنذكرها -إن شاء الله تعالى- هي قصةٌ من قصص الصحابة رضي الله عنهم مما حصل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تبين شيئاً من تضحيات أولئك النفر العظام في سبيل هذا الدين، وكيف اصطفى الله منهم شهداء.

    وقد روى هذه القصة الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب: المغازي من صحيحه، وفي كتاب: الجهاد والسِّيَر، وأبو داوُد رحمه الله في كتاب: الجهاد من سننه، وكذلك أخرجها الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سريةً عيناً -عشرة رهط- وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا حتى إذا كانوا بـالهدَأة بين عُسْفان ومكة -اسم موضع- ذُكِروا لحي من هذيل يقال لهم: بنو لِحْيان -وبنو لِحْيان كانوا مشركين- فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، فتتبعوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب ، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد ...) وهو المكان المرتفع عن الأرض، حيث حاصر المشركون هؤلاء العشرة المسلمون في هذه الغزوة وهي غزوة الرجيع. (... وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا -أي: المشركون-: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم -وهو أمير السرية-: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب ، وزيد ، ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق، نزلوا إليهم ...) نزل المسلمون الثلاثة إليهم، وقد عنون البخاري رحمه الله على هذه القصة بسؤال: هل يستسلم المسلم للكفار أم لا؟ هل يرضى بالأسر أم لا يرضى، أم يقاتل حتى يُقتل؟ (... فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها -ربطوا المسلمين بوتر القوس- فقال الرجل الثالث -المسلم- الذي معهما: هذا أول الغدر -ربطنا معناه: غدر- فأبى أن يصحبهم، فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل -رفض الانقياد- فقتلوه، وانطلقوا بـخبيب وزيد حتى باعوهما بـمكة -من كفار قريش- فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فأهل الحارث المشرك اشتروا خبيباً لينتقموا منه ويقتلوه- فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا على قتله استعار مُوسَىً من بعض بنات الحارث - موسىً ليستحدَّ بها -أي: ليحلق العانة- فأعارته، قالت المرأة -التي كانت مشركة-: فغفلت عن صبي لي فدَرَج إليه -حبا إلى مكان موضع الأسير المسلم- فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعةً عـرف ذاك مني -عرف أني الآن فزعةٌ على الولد- وهو في يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله، وكانت تقـول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بـمكة يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم، فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدتُ -أي: على ركعتين- فكان أول من سن الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم احصهم عدداً، ثم قال:

    ولست أبالي حين أُقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشـأ     يبارك على أوصال شلوٍ ممزَّعِ

    ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم -أمير السرية الذي قُتل في الطريق- ليؤتَوا بشيء من جسده يعرفونه -يقطعوا قطعة من جسده وهو ميت- وكان عاصم قد قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبْر -سحابة من زنابير النحل تغطي جسده، وتظله- فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء) ما استطاعوا مطلقاً أن يأخذوا قطعة من جسده.

    1.   

    شرح قصة غزوة الرجيع

    هذه القصة هي قصة غزوة الرجيع، والرجيع: اسم موضع كانت هذه الوقعة بالقرب منه، وغزوة الرجيع هذه غير غزوة بئر معونة ، هؤلاء عشرة والذين في بئر معونة كان عددهم سبعون رجلاً من القراء.

    وحديث عَضْل -وهم بطن من بعض قبائل العرب- والقارَة أكمة سوداء فيها حجارة نزلوا عندها، ويُضرب بهم المثل في الرمي.

    وقصة العضل والقارَة كانت في غزوة الرجيع في أواخر السنة الثالثة من الهجرة.

    و بئر معونة كانت في أوائل السنة الرابعة من الهجرة.

    وقوع أصحاب الرجيع في كمين ومقتل أمير السرية

    أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت مع هؤلاء الصحابة العشرة فغدر بهم بنو لِحْيان.

    ما هو السبب في إرسالهم؟ النبي صلى الله عليه وسلم أرسلهم سريةً -وقيل: إنه أرسلهم يأتون له بأخبار قريش، أي بعثهم عيوناً له صلى الله عليه وسلم- وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت -لما كانوا في الطريق بين عُسْفان ومكة خرج لهم هؤلاء القوم من بني لِحْيان المشركين- فتبعوهم بقريب من مائة رامٍ. وفي رواية: مائتي رجل -مائة رماة، ومائة من غير رماة- فتتبعوا آثارهم حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوه نوى تمر..

    هؤلاء الصحابة نزلوا بـالرجيع في هذا المكان في السحر، وأكلوا تمر عجوة فسقطت نواة في الأرض وكانوا يخفون آثارهم. كان عيون النبي عليه الصلاة والسلام يسيرون بالليل، ويكمنون بالنهار؛ لكن لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً [الأنفال:42].. وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140] سقطت نواة من نوى تمر يثرب ؛ لأن التمر الذي كان معهم من تمر المدينة... فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنماً فرأت النواة، فأنكرت صغرها -صغر النواة بالنسبة لحجم النوى في تلك المنطقة- فقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: أوتيتم ... فجاءوا في طلبهم، فتتبعوا آثار الصحابة حتى لحقوهم، ففوجئ الصحابة بهؤلاء القوم قد غشوهم وحاصروهم، فلجأ هؤلاء الصحابة العشرة إلى مرتفع من الأرض، وبدأ المشركون بالخداع، وقالوا: نعطيكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا مستسلمين ألا نقتل رجلاً منكم ولا نريد أن نقاتلكم.

    فقال عاصم أمير السرية أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ولا أقبل عهد مشرك... هؤلاء الناس لا يخافون الله، وليس لهم عهد ولا ميثاق: لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] فرفض أن يستسلم وقاتل، وقبل أن يموت قال: اللهم أخبر عنا رسولك، دعا عاصم الله عز وجل أن يبلغ خبر حصار المشركين لهم؛ وما حصل لهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فاستجاب الله لـعاصم وأخبر رسوله بالخبر، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في المدينة بالخبر في اليوم نفسه، أن عاصماً قتل ومعه سبعة بنبل الرماة المشركين، وبقي خُبيب بن عدي، وزيد بن الدَّثِنة ، وعبد الله بن طارق.

    مقتل خبيب وأصحابه

    رأى هؤلاء المسلمون الثلاثة أن يَستأسروا -أي: ينزلوا أُسارى- فلما نزلوا ربطوهم، ولما أرادوا ربطهم رفض الثالث أن يستسلم، وجرُّوه وحاولوا أن يأخذوه، فما طاوعهم، فقتلوه، فبقي خُبيب بن عدي وزيد، فأخذوهما حتى باعوهما بـمكة، وانتهزوا فرصة أن قريشاً تريد الثأر من قتلاها يوم بدر ، فباعوا خبيب بن عدي وزيداً إلى الكفار، باعوهما أسيرين، خبيب -كما تقدم- قتل الحارث بن عامر يوم بدر وكان من المشركين، فأهله أرادوا الانتقام واشتروا خبيباً ليقتلوه ويكون ذلك انتقاماً لمقتل أبيهم. فمكث عندهم خبيب رضي الله عنه أسيراً حتى إذا أجمعوا على قتله عندما انقضت الأشهر الحرم أخرجوهما إلى التنعيم لقتلهما. وجاء في رواية: أنهم أساءوا إليه في أول الأسر، فقال لهم: [ما تصنع القوم الكرام هذا بأسيرهم] فأحسنوا إليه، وجعلوه عند امرأة تحرسه. وفي رواية: أنهم جعلوه عند موهب مولى آل نوفل، فقال له خبيب: يا موهب! أطلب إليك ثلاثاً:

    أن تسقيني العذب؟

    وأن تجنبني ما ذُبح على النصب، أي: لا تعطني طعاماً مذبوحاً على النصب، أي: للأصنام والآلهة.

    وأن تُعْلِمَني إذا أرادوا قتلي.

    حتى إذا أجمعوا على قتله أراد أن يتهيأ رضي الله عنه للقتل، فيحتاج إلى إزالة الشعر الذي لا بد من إزالته- فاستعار موسىً ...) طلب موسى لأجل حلق العانة من هذه المرأة، زينب بنت الحارث ، أخت عقبة بنت الحارث ، وعقبة بن الحارث هو الذي قَتل خبيباً، وقيل: إن المرأة التي تحرس خبيباً هي أخته أو زوجته، فاستعار منها موسى، فدرج ولد لها - كان عندها صبي غفلت عنه، فالصبي هذا درج- حتى وصل إلى مكان الأسير الموثق بالحديد -المربوط- وبيده الموسى، فنظرت إليه -وانتبهت- فزعةً، وظنت أنه يريد أن يقتله؛ لأنه ما دام هو مقتول فلينتقم منهم بقتل الولد ما دام قد قُدِر عليه، ولكن الأسير المسلم ما كان ليقتل الأطفال، وما ذنب الأطفال؟! فتركه وقال: أتخشين أن أقتله؟! لا أقتله إن شاء الله -تقول هذه المرأة في ذكرياتها عن خبيب: إنها رأته وهو في الأسر وهو مقيد- في يده عنقود عنب مثل رأس الرجل -أي: في الحجم يأكل منه -و مكة كلها ما فيها عنب ولا ثمر أصلاً، فهي تذكر هذا المشهد جيداً، وأن خبيباً رُزِق من الله بهذا القطف من العنب- ولما خرجوا بـخبيب من الحرم، أي: من منطقة الحرم إلى التنعيم؛ لأن التنعيم خارج الحرم في الحل، ولذلك يحرم منها من أراد العمرة من أهل مكة أو من في حكمهم ممن ذهب إليهم إذا أراد أن يعتمر لابد أن يحرم من الحل، وأقرب موضع من الحل إلى الحرم هو: التنعيم ، والمكان الذي أحرمت منه عائشة وفيه مسجدها إلى اليوم يحرم الناس عنده، فإن الحل الذي يخرج الإنسان إليه في عدة أماكن؛ الجعرانة والتنعيم وغيرها. أخرجوه خارج الحرم؛ لأن قريشاً كانت تعتقد أنه لا يجوز القتل داخل منطقة الحرم وفي الأشهر الحرم، فانتظَروا الأشهر الحرم حتى تمضي، وأخرجوا خبيباً إلى خارج منطقة الحرم إلى التنعيم ليقتلوه، فلما أرادوا قتله، قال: دعوني أصلي، فصلى ركعتين -في موضع مسجد التنعيم- وقال للكفار: لولا أنكم تظنون أني أخشى الموت لزدتُ -صليتُ ركعتين أخريين، لكنه اكتفى بهاتين الركعتين- ثم دعا الله، قال: (اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً -أي: متفرقين- ولا تبقِ منهم أحداً). وفي رواية: قال: (اللهم إني لا أجد من يبلِّغ رسولك مني السلام فبلِّغه). وفي رواية: فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء، قال: فلبد رجل بالأرض خوفاً من دعائه، وكانت قريش تعتقد أن الإنسان المدعو عليه إذا نزل بالأرض وألصق جنبه بها فاتته الدعوة -أي: ما أصابته الدعوة- وأحد الكافر عندما دعا خبيب لبد بالأرض مباشرة.

    وجاء عند ابن إسحاق : أن معاوية بن أبي سفيان كان مع أبيه، وكان أبوه مشركاً في ذلك الوقت، قال: [كنتُ مع أبي، فجعل يُلقيني إلى الأرض حين سمع دعوة خبيب] أول ما سمع أبو سفيان الدعاء ألقى معاوية إلى الأرض مخافة أن تصيبه الدعوة بحسب ما كانوا يعتقدون، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بخبر خبيب -فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذلك اليوم وهو جالس: وعليك السلام يا خبيب ! قَتَلَتْه قريش.

    وقال هذه الأبيات العظيمة:

    ولست أبالي حين أُقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ     يبارك على أوصال شلوٍ ممزَّع

    الأوصال: جمع وصل، والوصل: هو العضو.

    والشلو: الجسد.

    ممزَّعِ: مقطع.

    وقد ساق ابن إسحاق في روايته عدة أبيات قالها خبيب، ربما تصل إلى ثلاثة عشر بيتاً، وبعضهم ينكر أن تكون له، والذي في صحيح البخاري هذان البيتان، وعند ابن إسحاق:

    لقد جمع الأحزاب حولي وألَّبوا     قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ

    وقد جمعوا أبناءهم ونساءهـم     وقُرِّبتُ من جذع طويل ممنعِ

    إلى الله أشكو غربتي ثم كربـتي     وما أرصد الأعداءُ لي عند مصرعي

    فذا العرش صبرني على ما يراد بي     فقد قطعوا لحمي وقد يئس مطمعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشـأ     يبارك على أوصال شلو ممزَّعِ

    وقد خيروني الكفر والموت دونه     وقد همَلَت عيناي من غير مجزعِ

    وما بي حذارُ الموت إني لميـتٌ     ولكن حذاري جحم نار ملفَعِ

    فوالله ما أرجو إذا مت مسلماً     على أي جنب كان في الله مضجعي

    على أية حال! هذان البيتان في صحيح الإمام البخاري رحمه الله، ومنها الأبيات التي قالها خبيب ، وقيل: إن حسان بن ثابت رضي الله عنه قد رثاه بأبيات منها:

    ما بال عينك لا ترقى مدامعها     صحاً على الصدر مثل اللؤلؤ الفلقِ

    على خبيب فتى الفتيان قد علموا     لا فََشِلٍ حين تلقاه ولا نزقِ

    فاذهب خبيب جزاك الله طيِّبةً     وجنة الخلد عند الحور في الرُّفُقِ

    ماذا تقولون إن قال النبي لكم     حين الملائكةُ الأبرارُ في الأفقِ

    فيمَ قتلتم شهيد الله في رجـلٍ     طاغٍ قد أوعث في البلدان والرُّفَقِ

    فرثاه حسان بن ثابت وكان لسان إعلام المسلمين.

    إكرام الله لجسد عاصم بن ثابت

    وأما بالنسبة لـعاصم بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- الذي هو أمير السرية، فإنه لما قُتل أراد الكفار قطعة من جسده، وقيل: إنهم أرادوا أن يأخذوا رأسه؛ لأن قريبة له نَذَرَت أن تشرب الخمر في قحف رأسه -قريبة للمقتول المشرك الذي قتله عاصم في بدر أرسلوا رسلاً منهم ليأتي برأس عاصم -فأرسل الله الظلة السحابة- من الزنابير -أي: ذكور النحل- فحمته منهم، ولم يستطيعوا أن يمدوا أيديهم ليأخذوا شيئاً من جسده، فلم يقدروا منه على شيء.

    1.   

    فوائد من غزوة الرجيع

    هذه القصة العظيمة فيها فوائد كثيرة للغاية:

    هذه القصة العظيمة فيها فوائد كثيرة للغاية:

    1- منها: تضحية صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجهم لنصرة الله ورسوله بالرغم من الأخطار التي كانت موجودة.

    2- أن العلماء قد تكلموا في مسألة المسلم هل يجوز له أن يستأسر أم أنه لا يمكِّن من نفسه ولو قُتل أَنَفَةً من أجل أن يجري عليه حكم الكافر؟

    فقال العلماء: هنا عزيمة ورخصة:

    فالعزيمة: أن المسلم يمتنع من الأسر حتى لو قتلوه.

    والرخصة: أنه يجوز له أن يقع أسيراً.

    فإذا رأى أن من المصلحة أن يوقع نفسه أسيراً أوقع نفسه أسيراً، وإذا أخذ بالعزيمة، وقال: أقاتلهم حتى يقتلوني، وأرفض الوقوع في الأسر؛ فإنه مأجور على فعله ذلك.

    3- الامتناع عن قتل أولاد المشركين وأطفالهم.

    4- كرامات أولياء الله تعالى واضحةً جداً في هذه القصة:

    أ- أن قِطْف العنب عند خبيب كرامة من الله، ولا يوجد في مكة عنب، والمرأة فوجئت بعنقود من العنب كبير بحجم رأس الرجل بين يدي خبيب .

    ب- أن عاصم بن ثابت حماه الله بالظلة -السحابة- من النحل تظله، وهذه كرامة من كرامات الله تعالى.

    جـ- تبليغ الخبر للنبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الله أن يبلغ نبيه الخبر، ووصول الخبر في الوقت نفسه من كرامات الله لهم.

    إذاً كرامات الله عز وجل ثابتة ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أننا نوقن ونعتقد أن الله يخرق العادة لبعض أوليائه، ويجري الله تعالى كرامات على أيدي أوليائه، ويكرمهم بخرق العادة لهم.

    فقد يكون خرق العادة بأن يأتيهم بطعام لا يوجد في البلد مثله.

    يأتيهم بفاكهة الصيف في الشتاء أو العكس، مثلما كان لمريم عندما كان يأتيها رزقها وهي في مكان صلاتها كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً [آل عمران:37] وهذا الرزق من الله وليس من أحد من البشر.

    ربما يكرمهم الله بالمشي على الماء، بأن تخوض الخيول الماء مع أن العادة جرت بأن الخيل لا يركب البحر أبداً ويغرق، ومع ذلك ركبت خيول المسلمين البحر في بعض الغزوات، وما غرق أحد منهم، وما فقدوا شيئاً، حتى إن بعضهم فقد مطهرة، فلما عبروا إلى الشاطئ الآخر، قال: ربِّ مطهرتي، فرماها البحر بعد قليل إلى الشاطئ، وأخذ المطهرة؛ وهي الإناء الذي يتطهر به.

    وكان في يد بعض الصحابة نور، جعل الله له نوراً في يده في الظلام يضيء له الطريق، الأول أسيد بن حضير ، والثاني عباد بن بشر.

    وسلمت الملائكة على عمران بن حصين.

    وطعام أبي بكر الصديق كفى أعداداً من الناس، كلما أكلوا لقمة ربا من تحتها مكانها، فتركوه أكثر مما بدءوا.

    وهذه الكرامة منة من الله يعطيها من يشاء من أوليائه.

    إن قال قائل: ما هو الفارق بينها وبين الخارقة التي تكون للساحر والكاهن والمشعوذ؟!

    ربما يفعلون كرامات، ربما يطير الساحر والمشعوذ في الهواء، ربما يمشي على الماء، إذاً هذه خوارق وهذه خوارق!

    نقول: نعم. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان:

    أولاً: أن حال ولي الله الذي يُجري الله على يديه الكرامات أنه متمسك بشرع الله، صحيح العقيدة، يقوم بالواجبات، ويمتنع عن المحرمات.

    أما المشعوذون والسحرة: فإنهم مشركون.. عقائد فاسدة، يتعاملون مع الشياطين، ربما لا يصلون، يمتنعون عن الواجبات، ويفعلون المحرمات، وربما يشربون الخمور، ويزنون، ويرتكبون الموبقات.

    ولذلك لا يغتر أحد بخرق العادة، فالعادة قد تنخرق، فالدجال من فتنته أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تخرج كنوزها فتخرج كنوزها، يَقسم رجلاً قسمين -يضربه بالسيف نصفَين- ثم يرده، ويقول: قم، فيقوم بأمر الله، الناس يشاهدون معه جنة ونار متنقلة، فالدجال معه خوارق عظيمة جداً؛ لكنه مع ذلك كافر يهودي بن يهودي، ولذلك فإن الفارق الأساسي بين الولي وبين المشعوذ أو الدجال: حال هذا وحال هذا، هذا أعظم شيء؛ ولذلك لا بد أن ننظر في حال الشخص الذي يدعي الخوارق، أو الذي حصلت له خارقة، هل هو مستقيم على الشريعة أم هو رجل منحرف؟

    صحيحُ العقيدة أم رجل مشرك أو مبتدع؟

    هل يقوم بالواجبات ويمتنع عن المحرمات أم إنسان يرتكب الموبقات؟

    ثم إن الولي إذا حصلت له الخارقة لا يخبر الناس يقول: يا أيها الناس! حصل لي كذا وكذا، وإنما يظهرها الله بطريقة، أو تنتقل وتنتشر، وربما ما عرفت إلا بعد وفاته، أما الدجال المشعوذ فيقول لك: تعال انظر، ويدعوك إلى رؤية ما عنده، ويتظاهر ويتباهى بما عنده، أما أولياء الله إذا حصل له شيء لا يخبر الناس، ويقول: أنا كنت في الصحراء وعطشت وأوشكت على الموت، فأرسل الله لي قربة ماء بين السماء والأرض فشربت منها، لا يقول هذا، وإن حصل له يكتمها من باب الإخلاص حتى لا يدعي الولاية ويتباهى بذلك بخلاف ذلك المشعوذ.

    ثم إن هؤلاء كثيراً ما يكون خرق العادة بالنسبة لهم من جهة التعاون مع الجن، الجن -مثلاً- يخدعون أعين الناس، فمثلاً: قد يجعلوا سيخ الحديد يخترق جسد هذا المشعوذ بدون قطرة دم.. يمشون على المسامير الحادة جداً، يدخل النار فلا يصيبه شيء، وقد يكون هذا الشيء الذي يفعله بحيلة، مثلاً: يطلي جسده بنوع من زيت النارنج أو ببعض الأشياء التي لها مقاومة للنار.

    الآن هناك كراسي وجلود وأشياء مصنَّعة مقاومة للنار وللاحتراق، يقول لك: هذه قاعة المحاضرات كلها ضد الاحتراق أي: لا يحترق لا السجاد ولا المقاعد ولا السقف ولا الجدران؛ لأنها مطلية كلها بمادة مقاومة للاحتراق، كما ناظر ابن تيمية رحمه الله فرقة البطائحية الصوفية المنحرفين، قالوا: نحن ندخل النار ولا يضرنا، قال: أولاً: نغتسل كلنا، تغتسلون أمامي، ثم أدخل أنا وأنتم إلى النار، فرفضوا ذلك، وقصة مناظرته لهم معروفة مشهورة.

    والخلاصة: أن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم حصلت كرامة الله عز وجل لهم.

    5- كذلك في هذه القصة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بما يشاء، مع أن هذه كانت مصيبة -ولا شك- في المجتمع المسلم أن يُفقد عشرة من أفضل أفراده؛ لكن الله سبحانه وتعالى له حكمة: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140] يريد الله عز وجل أن يكرم هؤلاء المسلمين، ويريدهم لهذا الجزاء، والله يعلم أن ذهابهم إليه أفضل من بقائهم في الدنيا.

    الآن حياة خبيب بعد الموت أفضل له من حياته قبل الموت، فمن ناحية الهم والغم والحزن والمرض والشقاء والتعب لا يوجد، فما بعد الموت لمثل هؤلاء نعيم، فهو الآن في قبره يُملأ عليه خَضِراً إلى يوم يبعثون، يُنَوَّر له، يأتيه عمله الصالح في أحسن حال، يُفتح له باب إلى الجنة، وفتَحْةُ الباب إلى الجنة تكفي عن كل الذي في الدنيا، ونظرته إلى أهله وماله من هذه النافذة التي في القبر إلى الجنة، ينظر إلى أهله والحور العين، وماله الذي هو في الجنة وهو في القبر أحسن له من كل هذه الدنيا، ولذلك ليس شيئاً محزناً من جميع النواحي أن يقتل خبيب وأصحابه؛ لأن في المقابل توجد كرامة ونعيم عند الله أحسن من هذه الدنيا، فالله عز وجل من محبته لأوليائه أن يعجل بأخذهم وبرحيلهم عن الدنيا، هذا سر مهم؛ أن الله يحبهم فيريدهم أن ينتقلوا عنده بسرعة.

    ذهب أبو بكر وعمر ليزورا أم أيمن كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يزورها في حياته، قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام مات وكانت له عادة حسنة في زيارة هذه العجوز -المرأة الكبيرة- أمه من الرضاعة، فنواصل عادة النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبا إلى أم أيمن، ولما جلسا عندها رضي الله عنها؛ بكت، فظنَّا أنها بكت حزناً على فراق النبي عليه الصلاة والسلام وموته، فقالا لها: [أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله؟!] أي: ما عند الله أفضل للنبي عليه الصلاة والسلام من بقائه عندنا في الدنيا، هموم وغموم وأحزان وأمراض، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى [القصص:60] فقالت: [نعم!] تعلم ذلك؛ ولكنها تبكي أن الوحي قد انقطع، لأجل هذا حزنت.

    6- وكذلك في هذا الحديث: أن من سنن الفطرة حلق العانة:

    والفطرةُ سننٌ كثيرة، جاء مجموع عشرٍ منها في حديث واحد، وبمجموع الأحاديث قد تصل إلى أكثر من عشر سنن.

    - فالمضمضة من سنن الفطرة.

    - والاستنشاق من سنن الفطرة.

    - والسواك من سنن الفطرة.

    - واللحية من سنن الفطرة.

    - وغسل البراجم والأشاجع؛ غسل ما بين الأصابع، وما في هذه الانثناءات الموجودة في الأصابع، هذا من الفطرة؛ لأنه يتجمع فيها الزءومة والوسخ؛ فغسلها والاعتناء بغسلها من هذه الفطرة.

    - الختان من الفطرة.

    - نتف شعر الإبط من الفطرة.

    - قص الأظافر من الفطرة.

    - حلق العانة؛ ما حول القُبُل من الشعر الخشن من الفطرة.

    هذا الذي أراد أن يفعله خبيب رضي الله عنه، وقد ذكر العلماء أن الحلق بالموسى أفضل من القص بالنسبة للعانة، كما أن النتف للإبط أفضل؛ لكن لو أزاله بأي مزيل جاز، أي: لو قال شخص: أنا لا أقوى على نتف الإبط؛ لأنه يؤلمني جداً، فهل يجوز لي أن أستخدم مزيلاً لإزالة الشعر الذي في الإبط؟ نقول: نعم، لا بأس بذلك، المهم: الإزالة؛ منعاً للروائح الكريهة؛ لأن الإسلام يعتني بنظافة المسلم في جسده، فتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وغسل البراجم، والاستنشاق، والاستنثار، هذه كلها نظافة للمسلم.

    وأيضاً حفاظاً على الهيئة الحسنة: اللحية.

    وكذلك الختان؛ حتى لا تتجمع الأوساخ والأشياء الضارة، فلذلك صار الختان واجباً للذكور، مستحباً للإناث، فالختان أيضاً من الفطرة.

    إذاً: الدين يأمر بكل ما فيه تنظيف وتطهير وتطييب لجسد المسلم.

    فالشاهد أن الاستحداد -استخدام الحديدة والموسى أو الشفرة في حلاقة العانة- أفضل من قصه أو إزالته بأي مزيل، مع أن الإزالة بأي مزيل آخر جائز.

    7- كذلك في هذا الحديث: أن التجسس في الحرب من الأشياء التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بها، وهذا من باب الأخذ بالأسباب، يعرف ماذا تفعل قريش؟ ماذا يريدون؟ ماذا يخططون؟ هل خرج منهم جيش؟ هل خرجوا يريدون المدينة بسوء؟

    8- كذلك في هذا الحديث: أن الأثر يدل على أصحابه، فهؤلاء اكتشفوا المسلمين من نواة صغيرة، قالوا: (هذا نوى يثرب) النوى الذي عندنا طويل كبير في منطقتنا، وهذا النوى صغير، ولذلك ينبغي على المسلم أن يحتاط ولا يترك وراءه أثراً يدل العدو عليه.

    9- كذلك هذه المرأة عندما كانت تعرف نوى يثرب، كانت خبرتها هذه بالنسبة لقومها مهمة، فدلتهم على المسلمين، فالخبرة حتى بطعام الطرف الآخر وبطعام العدو مفيد.

    وذلك عندما رفض عاصم بن ثابت النزول أسيراً عند الكفار، فقال: (أمَّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر) هذه عزة المسلم، وأنه رفض أن يكون تحت أسر كافر، أو يقع ذليلاً عند الكافر؛ لأن الأسير ذليل، فرفض الذل، وقال: أبداً، ولم ينزل أسيراً عليهم، وإنما قاتل حتى قتل.

    10- وفيه: أن الرمي قوة، فهؤلاء رماة؛ ولذلك قتلوا سبعة رمياً بالنبل، وفي أهمية الرمي يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن القوة الرمي).

    11- وفيه أن المسلم يعكس بخلقه الحسن وتصرفه الطيب صورة مشرقة عن دين الإسلام، فهذا خبيب رضي الله عنه بتصرفه الحسن وهو في بيت هذه المرأة من بني الحارث، لما رأت أفعاله وكيف أنه ترك الولد من غير أن يمسه بسوء، مع أنه قادر على أن ينحر الولد وهو مقتول، ينتقم منهم قبل قتله؛ لكنه لما لم يفعل؛ فكسب في نفس هذه المشركة ومن نقلت الخبر إليه موقعاً عظيماً، ولذلك المرأة قالت: (والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب).

    12- وفيه: أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

    13- وفيه: تعظيم قريش للحرم، وأنهم حتى وهم مشركون ما كانوا يقتلون الأسرى في الحرم، بل كانوا يخرجونهم خارج الحرم، ولا يقتلون في الأشهر الحرم.

    وبعض المسلمين اليوم ينتهكون حرمات الشهر الحرام والبلد الحرام، ويفعلون فيه من الموبقات والأشياء ما لا يفعلها الكافر، وهذا يدل على هوان منزلة الحرم في نفوس بعض المسلمين، ولذلك مع الأسف تجدهم في الحرم ربما يلحق امرأة، ويعمل منكراً، وينظر إلى المرأة الأجنبية، وربما فعل أشياءً لولا لطف الله لجاء العذاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يغار أن تنتهك حرماته سبحانه وتعالى، كيف إذا انتهكت حرماته في الحرم! وفي المسجد الحرام؟!

    فإذا ذهبتَ ورأيتَ هؤلاء الذين بلغ بهم الفسق هذه الغاية أنهم حتى في حرم الله لا يتورعون عن فعل المعاصي الشنيعة، بل ربما واعد امرأةً في الحرم، فلذلك المسألة في غاية الخطورة، وهؤلاء الكفار عندهم اعتبار ووزن وقدسية للمكان، فما قتلوا خبيباً داخلها، ولكنهم أخرجوه إلى التنعيم.

    14- وفيه: مشروعية صلاة ركعتين عند القتل، ففي الرواية قال: (فكان خبيب هو أول من سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً) فكان خبيب أول من سن الركعتين عند القتل.

    ومن المعلوم أنه لا أحد يشرع في الدين إلا الله ورسوله بأمر الله، فكيف نفهم هذا؟!

    نفهمه بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، أي: لما أقر النبي عليه الصلاة والسلام خبيباً على فعله ولم ينكر فعله ووصلت القصة، ولم يعترض النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الفعل، ولم يقل: رحمه الله، أخطأ مثلاً، أو إن هذا لا يجوز.. ونحو ذلك، وإنما أقر ذلك، فصارت هاتين الركعتين مشروعة عند القتل؛ فيُشرع للمسلم إذا قُدِّم للقتل أن يصلِّي ركعتين.

    15- وفيه: الدعاء على الكفار بهذا الدعاء: (اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً) فالدعاء على الكفار يدل على العداء في نفس المسلم لهم، أما بعض الناس الذين يقولون: لا نريد الدعاء على الكفار، نحن والكفار إخوة في الإنسانية، ولا بد أن يكون عندنا تعايش سلمي مع الكفار، واليهود والنصارى والمسلمون كلهم أصحاب ديانات سماوية، وكلهم إخوان، ويسمونها: الملة الإبراهيمية، فيقولون: النصارى واليهود والمسلمون كلهم يجتمعون في إبراهيم، لماذا لا نعمل وحدة أديان، وزمالة أديان، وكفى، ونجتمع في إبراهيم، أي: نسميها الملة الإبراهيمية، ونتآخى ونعيش بسلام، نقول: أين قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ [التوبة:123] ؟! وأين قول الله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]؟!

    وهذه الآيات الأخيرة التي نزلت من القرآن: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36].

    قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة:14-15] الله يقول: قَاتِلُوهُمْ [التوبة:14] وهؤلاء يقولون: نحن وإياهم في سلام وإخاء ووئام، وإخوان في الإنسانية والملة الإبراهيمية، وزمالة الأديان، ولماذا لا نعمل مع النصارى ونزورهم ونعمل معهم مناقشات للتقريب بين الأديان؟

    التقريب بين الأديان دعوة ماسونية من أكفر الكفر الموجود على ظهر الأرض، كيف تقرب بين من يقول: (لا إله إلا الله) ومن يقول: عيسى ابن الله؟!

    كيف تقرب بين من يقول: (لا إله إلا الله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:3-4] وبين من يقول: عيسى هو الله، عيسى ثالث ثلاثة؟! وهذا أحد أمرين:

    1- إما أن نقترب منهم.

    2- أو يقتربوا منا.

    فإذا اقتربنا منهم يعني: كفرنا.

    وإذا اقتربوا منا يعني: أسلموا، في النهاية.

    فإذا كان المراد بالتقريب أن نقربهم إلى ديننا نحن ولا نتنازل عن شيء نعم.

    أما أن نقول: نحن نتنازل عن الجهاد وأنتم تتنازلون عن كذا، فمعنى ذلك أنه صارت في المسألة كما يقولون: شُوْرَبات؛ لأن الإسلام دين متميز، لا يقبل الله تعالى غيره: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] لا يوجد نصف إسلام، وربع إسلام، وعُشر إسلام! لا، الإسلام كل لا يتجزأ، خذوا الإسلام جملة أو دعوه، لا يمكن أننا نقبل بأنصاف حلول، أو نقول: هذا بعض الإسلام، إذا كنا عاجزين عن الجهاد؛ فإننا نشكو أمرنا إلى الله ونعد العدة، أما أن نقول: ألغينا الجهاد في الإسلام، هذه مصيبة، لا يمكن لأحد أن يلغي شيئاً من شريعة الله عز وجل ولا يُلْغَى أصلاً، حتى لو ألغاه، ومن هو حتى يلغيه؟! هو باقٍ إلى قيام الساعة.

    فعلى أية حال! إن هذا الدين متين، وقد أنزله الله تعالى ليبقى.

    16- وفي هذا الحديث من الفوائد العقدية: إثبات الذات لله عز وجل؛ لأنه قال:

    وذلك في ذات الإله وإن يشـأ     يبارك على أوصال شلوٍِ ممزَّعِ

    17- وفيه: أن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها، أي: إذا مات الإنسان في سبيل الله بعد ذلك سواء مثَّلوا به أو شرَّحوه أو قطَّعوه، فإنه لا يضره ذلك؛ فإن وقع على أي جنب؛ فليس هناك مشكلة، القضية أن يموت في سبيل الله.

    ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    ليس مهماً أن يقع هنا أو في الناحية الأخرى، المهم أن يُقتل مسلماً في سبيل الله، والله عز وجل إذا رضي يبارك على أوصالٍ مقطعة ممزعَّة، يبارك عليها ويقبل عمل صاحبها.

    18- وفيه أن بعض الكفار كان يخشى من الدعاء عليه، ولذلك بعض من حضر قتل خبيب أغمي عليه ووقع، وكانت دعوة خبيب لها أثر عظيم عليهم، بل ربما كانت مقدمة لإسلام بعض هؤلاء الكفار، لم يسلم من أول حدث أو من أول خبر سمعه، لا، إنما توالت عليه عدة أحداث؛ حتى وقر في قلبه الإسلام فأسلم، فمثلاً جبير بن مطعم رضي الله عنه رأى أشياء، فأغمي عليه، وبعض الذين رأوا مقتل خبيب أغمي عليهم.

    ثم لما أخذ أسيراً وربط في المسجد وسمع كلام النبي عليه الصلاة والسلام والآيات التي تقرأ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الطور:35-36] قال: [كاد قلبي أن يطير] فرجع إلى مكة .

    المهم أنهم شاهدوا أحداثاً حتى دخل الإسلام في قلوبهم.

    فلا شـك أن هذا المنظر المؤثر خصوصاً أن أبا سفيان يقول في بعض الروايات لـخبيب وهو مربوط مصلوب على خشبة ليُقتل: [أيسرك أن محمداً مكانك وأنك لا تشاك بشوكة -سليم ما عليك شيء، ومحمد صلى الله عليه وسلم مكانك- فقال: لا] أبداً، وهو في هذه الحالة لم يقل: لو أن محمداً مكاني وأنا نجوت كنت أُسَرُّ بذلك، كلا. وإنما أصر على موقفه إلى أن مات رضي الله تعالى عنه.

    ولاشك أن هذا الموقف له أثر في نفوس المشركين، لما يرون من تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام عند المسلمين.

    والحديث فيه فوائد كثيرة، نكتفي بما ذكرناه.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم أولئك النفر، وأن يلحقنا بهم صالحين مصلحين.

    1.   

    الأسئلة

    نهج البلاغة في الميزان

    السؤال: ما رأيك في كتاب نهج البلاغة ؟

    الجواب: كتابٌ مسمومٌ يُحذرُ منه، منسوبٌ إلى علي رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه بريء من كثير مما فيه.

    حكم رد المرأة على الهاتف

    السؤال: ما حكم إذا رَدَّت المرأة على الهاتف، وأجابت عن سؤال؟

    الجواب: إذا لم يكن خضوعاً بالقول وكان لحاجة فلا بأس.

    آداب زيارة العديل لعديله

    السؤال: ما هي آداب زيارة العديل لمنزل عديله؟

    الجواب: المقصود بالعديل هنا عند الناس هو: زوج أخت الزوجة، فيقولون مثلاً: هذان عديلان، أو هؤلاء عدلاء، أي: أزواج لأخوات؛ فإذا زاره في بيته، فلا يجوز الخلوة بالمرأة؛ لأنها ليست من المحارم، وهي من المحرمات عليه على التأبيد، ولا يجوز له النظر إليها بطبيعة الحال، ولا يجوز الاختلاط.

    حكم من ترك الطواف بالبيت أثناء العمرة بسبب المشقة

    السؤال يقول: بعد فراغي من أداء مناسك العمرة أردت أن أطوف بالبيت، وحين أنهيت الشوط الثالث ازداد الزحام، فخرجت ولم أتمكن من الطواف، فهل يجب علي شيء؟

    الجواب: طَيِّبٌ! ما عرفنا ما فعلتَ الآن بعد هذا! هل أكملت الطواف مثلاً من السطح، أو الدور الثاني؟! هل خرجت خارج الحرم ثم رجعت وأكملت؟! هل أعدت من الأول؟! هل رجعت طفت، أتيت بربع عمرة وجئت؟! ماذا فعلت؟! فما عرفنا الآن ماذا فعلت.

    فعلى أية حال لو فرضاً على أسوأ الحالات أنك رجعت ولا زلت باقياً على إحرامك حتى هذه اللحظة، لا بد أن تعود وتلبس ملابس الإحرام وتذهب تكمل وتأتي بالعمرة، وتأتي بالطواف من جديد.

    وإذا صار ما هو أسوأ وأتيت زوجتك يعني: أفسدت العمرة الأولى، فعليك بالتوبة، وعليك بالذهاب بالإحرام والطواف والسعي لإتمام العمرة الفاسدة، وتعود إلى الميقات الأول وتحرم منه لعمرة جديدة بدل العمرة الفاسدة، ثم تدفع دماً في مكة يوزَّع على فقراء الحرم.

    أما إذا كنت -مثلاً- طفت ثلاثاً من تحت، ثم صعدت إلى الدور الثاني فأتيت بالأربعة تكملة السبعة ففعلك صحيح؛ لأنه ما دام أنه رجع، فأكيد أنه الآن أكمل السبعة أو رجع بدون إكمال السبعة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736512190

    عدد مرات الحفظ

    684488046