إسلام ويب

الإمام ابن باز.... الفاجعةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلماء ورثة الأنبياء، رفعهم الله درجات، وأخبر أنهم أهل خشيته، وأمر الناس بسؤالهم وطاعتهم واتباعهم. والشيخ ابن باز كان واحداً من أولئك العلماء الأعلام، وقد تركت وفاته حيزاً لا يسده فرد بعينه؛ لأن الرجل كان أمة، ولمزيد من فهم وإدراك هذه الحقيقة تأتي هذه المادة حاملة في طياتها نبذة موجزة عن حياة الشيخ من ولادته حتى وفاته رحمه الله.

    1.   

    مكانة العلماء في الأمة الإسلامية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أشهد أن لا إله إلا الله هذه الحقيقة التي أشهد عليها سبحانه وتعالى أهل العلم فعظمهم ورفع قدرهم وقرنهم بنفسه وملائكته، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] أشهدهم على أجل مشهود وهو توحيده سبحانه وتعالى، وهذا يدل على فضلهم، ونفى المساواة بينهم وبين غيرهم، فقال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وأخبر أنه رفعهم درجات، فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وأخبر أنهم أهل الفهم عنه، فقال: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وأخبر أنهم أهل خشيته، فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].. جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8].

    لماذا كانوا أخشى الأمة لله؟

    لكمال علمهم بربهم سبحانه وتعالى، وما أعد لأوليائه أو لأعدائه.. علمهم النافع دلهم على معرفة الرب، والمعرفة بما يحبه ويرضاه وبما يكرهه ويسخطه سبحانه وتعالى، فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية وهم أهل العلم، أبصر الناس بالشر ومداخل الشر، قال عز وجل: قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ [النحل:27] هؤلاء العلماء الربانيون الذين فهموا أن العذاب يحيق بأهل العذاب.

    وكذلك قال سبحانه وتعالى عنهم في قصة قارون : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْر [القصص:80]، وكذلك فإنهم ينهون الناس عن الشر لمعرفتهم به: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63].

    العلماء هم ولاة الأمور

    هؤلاء العلماء هم ولاة الأمر وولاة الأمر تابعون لهم.. ولاة الأمر هم العلماء والأمراء، والأمراء يتبعون العلماء؛ لأنهم ينفذون ما يقوله أهل العلم، فقوله سبحانه وتعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] يدخل فيه العلماء أولاً، ثم يدخل فيه المنفذون لكلامهم ثانياً.

    هؤلاء العلماء طاعتهم طاعة لله عز وجل، فقد أمر سبحانه وتعالى بها، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] قال ابن عباس رضي الله عنه: [ يعني أهل الفقه والدين وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني القرآن في دينهم ودنياهم ] وكذلك فإنه عز وجل قد أوجب الرجوع إليهم وسؤالهم عمّا أشكل، فقال: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ( إن العلماء ورثة الأنبياء ).. (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب).. (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً؛ ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    إنهم المبلغون عن الأنبياء الذين ينقلون للناس أحاديث الأنبياء، فهم يعلمونها، ويحفظونها، ويعرفون صحتها، ويميزون أمرها، ويعلمون شرحها، وينقلونها للناس.

    إنهم الطائفة التي أراد الله بهم الخير العظيم.. (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    إن نجاة الناس والعالم والأمة منوطة بوجود العلماء، فإن يقبض العلماء يهلك الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

    كيفية قبض العلم

    عباد الله: هذا موكب أهل العلم يسير، ويقبض الله سبحانه وتعالى من شاء منهم، ويذهب من العلم طائفة عظيمة بقبض عالم من العلماء، قال ابن عباس [ أتدرون ما ذهاب العلم؟ قالوا: لا. قال: ذهاب العلماء ].

    الناس أحوج إلى العلماء منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب نحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثاً، والعلم يحتاج إليه في كل وقت؛ كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة".

    هؤلاء العلماء يهتدى بهم في الظلمات، ويبينون الحق من الباطل عند الاشتباه، وهم زينة أهل الأرض كما أن النجوم زينة السماء، وهم رجوم للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل؛ فيرجمون أهل الأهواء والضلالات بالآيات من الكتاب والسنة، ولأن تموت القبيلة بأسرها أيسر من أن يموت عالم واحد، هذا فضلهم قد جاءت به الآيات والأحاديث.

    من هم العلماء

    إنهم العارفون بشرع الله، المتفقهون في دينه، الذين يقولون: قال الله وقال رسوله، الذين يعلمون معاني الكتاب والسنة.

    العلماء هم الذين يعملون بعلمهم.

    العلماء هم الذين يخشون الله.

    العلماء هم الذين لا يخافون في الله لومة لائم.

    العلماء هم أهل السنة، وهم أهل الحديث، وهم أهل الفقه، هؤلاء هم العلماء المقصودون بهذه النصوص الشرعية.

    1.   

    فاجعة وفاة ابن باز وبعض خصاله

    لقد فجعنا وفجع المسلمون في العالم برحيل الشيخ العلامة/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله من آل باز، المولود في الرياض في الثاني عشر من ذي الحجة في عام [1330هـ] الذي أصابه المرض مبكراً في عينيه، فنتج عن ذلك أنه أصيب بالعمى في سن التاسعة عشرة :

    عزاء بني الإسلام قد عظم الأمر      وليس لنا إلا التجلد والصبر

    فشيخ المعالي غاب عنا مسافراً     إلى ربه إذ ضمه اللحد والقبر

    لقد كان بدراً ضاء في الكون نوره     ألا إنه على أنه الشيخ المبجل والحبر

    فسمعته في الناس فهي فريدة     وسيرته بيضاء ما مسها غدر

    وإن هو أعمى العين فالقلب مبصر     يساعده في علمه العقل والفكر

    فهاهي تنعاه الجزيرة كلها      لقد مسها من فقده الحزن والضر

    إني لأحسبه والله حسيبه ممن انطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، رزقه الله بصيرة ونوراً في قلبه، وفراسة يميز الصادق من الكاذب، واختيار الناس للمهمات، كان قوياً في أمر الله على ما يستطيع ويقدر.

    من خصال ابن باز: رده على أهل الباطل والبدع

    هو الذي رد على أهل الباطل باطلهم، ولما قال عظيم من عظماء الدنيا: إن القرآن فيه خرافات كقصة أصحاب الكهف، وعصا موسى! كتب الشيخ مبيناً أن ذلك ردة وكفر، ولما كتب إليه نائب لذلك القائل أن القائل لا يقصد، وأنه متراجع عن قوله، كتب له الشيخ آمراً: إن كان صادقاً فليعلن توبته على الملأ كما أعلن كفره على الملأ.

    هو الشيخ الذي رد على أهل الباطل باطلهم، وعلى أهل البدع بدعهم، فهذه كتبه ورسائله حافلة بالرد عليهم.. بين لما أمر الله أهل العلم أن يبينوا، رحمة الله تعالى عليه، وهذه مقالاته في التحذير من البدع كالاحتفالات غير الشرعية البدعية من المولد، وذكرى الإسراء، وليلة النصف من شعبان، وغيرها قائمة عندما يرى المنكرات أمامه يتكلم، وعندما يرى انتشار ألوان الفحش والفساد من الأفلام والأغاني يتكلم عن ذلك، وعندما يرى منكر سفر الناس إلى بلاد الكفار يتكلم عن ذلك، وعندما يرى فشو المنكرات يتكلم عن ذلك، وهذه رسائله في المحرمات المنتشرة، وفي البدع الكثيرة، مع أخذه -رحمه الله- بالحكمة والموعظة الحسنة.

    نحن لا نبرئه فهو بشر، ولا نرفعه إلى رتبة الأنبياء فليس بمعصوم، الحق ما وافق الكتاب والسنة: كان إماماً بحق لـأهل السنة والجماعة في عصره، ومجدداً للدين، فكم أحيا الله به من سنة، وأمات من بدعة، وأيقظ من غفلة، وهدى من ضلالة! فهو إمام -إن شاء الله- داخل في قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    كان ساعياً في إزالة المنكرات، وخطاباته الكثيرة لم يطلع عليها الناس؛ لأنه كان يخاطب صاحب المنكر أو صاحب الشأن ولا يريد الفضيحة والتشهير، ويسير على الحكمة في ذلك مع ما في فعله -رحمه الله تعالى- من الاجتهاد، فاجتهد وتصدى للنوازل الكبار والمسائل الصعبة الشائكة التي وجدت في هذا العصر، والمتعلقة بأنواع المكتشفات والمخترعات، بما رزقه الله من العلم والفهم والبصيرة، فترأس مجمع الفقه الإسلامي الذي أصدر عدداً من الفتاوى في النوازل الفقهية المعاصرة التي يحار فيها العلماء ويضطربون.

    من خصال ابن باز: جمعة بين الفقه والحديث

    كان مجدداً جامعاً بين الفقه والحديث، يعرف الحديث وصحته، ويحفظ من أحاديث دواوين السنة الكثير، يعرف الرجال وضبط الأسماء، وتصحح النسخ والطبعات بين يديه مع كونه ضريراً، كان بحراً في معرفة أقوال العلماء لا يخرج عنها، ولا تكاد تجد له فتوى شاذة، فظهر -رحمه الله- عدلاً وسطاً بين طرفين، مال أحدهما إلى الحديث ولم يشتغل بالفقه كما ينبغي، ومال الآخر إلى الفقه وأقوال الفقهاء ولم يهتم بالحديث كما ينبغي، فكان جامعاً بين الفقه والحديث.

    من أعظم ميزات منهج الشيخ: الجمع بين الفقه والحديث، هو الرئيس المسكت الذي تجتمع على قوله الآراء، وربما اختلف العلماء بين يديه في النقاشات في لجنة الفتوى، أو في مجلس هيئة كبار العلماء، فإذا قال قولاً فصل بينهم وأذعنوا له، ورضخوا لرأيه، وجعلوا لقوله صوتين في لجنة الفتوى مقابل صوت واحد لكل عضو من أعضاء اللجنة، هاتوا واحداً سيجتمع عليه العلماء بعد رحيل الشيخ فتكون له الكلمة المطاعة على الجميع، ويكون له النفوذ في كثير من أقطار الأرض من الجهة العلمية، ومن الإذعان للفتوى..!

    من خصال ابن باز: التواضع والأمانة

    كان ينزل إلى مستوى العامة لتفهيمهم، ولم يكن يخاطبهم من علو، بل كان كثيراً ما يجيب باللهجة العامية الدارجة، ليفهموا عنه، كان متواضعاً لله عز وجل، قلما كان يعلق في دروسه مكتفياً بكلام أصحاب الكتب، كأن الدرس له ولمراجعته ومذاكرته وفائدته، وتعليقاته على فتح الباري اليسيرة يعلق على ما لا بد منه، كان يذكر مشايخه ويترحم عليهم.

    ومن تواضعه: أنه كان يقوم إلى العجائز والضعفة الواقفات ببابه لقضاء حوائجهن من مال أو سؤال أو قضية طلاق.. وغيرها، وأوقف مرة نقاشاً مع علماء كبار ليجيب امرأة بالهاتف، فلما عاتبه بعضهم قال: هذه صاحبة حاجة.

    ومن تواضعه: جلوسه على الأرض للطعام، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد.

    وبساطة لباسه: يلبس ثوباً فضفاضاً لا رقبة له، ولا يتعدى أنصاف ساقيه، وبشته ليس نفيساً غالي الثمن، ولباسه وحذاؤه وعصاه تدل على زهده في الدنيا، ينفق مرتبه وربما يستدين لقضاء حوائج المسلمين.

    كان في غاية الديانة والأمانة، يُستأمن على الملايين من صدقات المسلمين وزكواتهم، فيجتهد في إنفاقها في وجوهها.

    اهتمام ابن باز بطلابه وبمن حوله من الناس

    كان يهتم بطلابه، ولما درس في الخرج جعل لهم سكناً، وطلب لهم سكناً إضافياً لما ضاق، ومكافآت، وعقد لهم الدروس والحلق بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء، كان يذكر عنه بعض طلابه الذين يقرءون عليه تفسير ابن كثير بين العشائين أنه كان كثيراً ما يتأثر ويبكي، وربما يطول الدرس بسبب تأثره دون أن ينتبه، فإذا انتبه أنهى الدرس وأقيمت صلاة العشاء.

    وكان يناقش طلابه وخصوصاً في درس المواريث، ويتفقد أحوالهم، ويقضي حاجاتهم، ويخرج معهم إلى البر، ولا ينسى إقامة الرياضات البدنية لهم، كرياضة العدو والمسابقة على الأقدام التي وردت بها السنة، كما جاء في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع.

    كان مشاركاً للناس والأهالي، ولما دهمت السيول بلدة الدلم في سنة (1360هـ) خرج يشجع الأهالي على إقامة السدود، وأخرج من بيته التمر والقهوة إلى مواقع العمل لخدمة الناس، ولما هاجمت أسراب الجراد البلد خرج الشيخ معهم لقتله بالجريد، وكان حريصاً على الأوقاف، وإدارتها، وإقامة المدارس.

    ولما عين في إدارة الجامعة الإسلامية بـالمدينة النبوية في عام (1381هـ) وما بعدها كان يتفقد الفصول والطلاب، ويعتني بالوافدين من البلدان الأخرى، وقضاء حوائجهم، وتوفير الكتب لهم، والاهتمام بتعليمهم اللغة العربية.

    ولما عين رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء عام (1395هـ) وغادر المدينة النبوية إلى الرياض للمنصب الجديد حصلت مشاهد من التأثر لدى أصحابه وطلابه، وألقى كلمة اختلط فيها الكلام بالبكاء والنشيج من الجميع حتى قال أحد الحاضرين في نفسه:

    بكينا وفاءً لامرئ قل أن يرى      له في الدعاة العاملين نظير

    فخلوا ملامي إن ألح بي البكا     فإن فراق الصالحين عسير

    1.   

    جوانب من سيرة ابن باز

    .

    المناصب التي تولاها ابن باز وبيان نجاحه في أعماله

    أيها الإخوة! قليلون أولئك الذين تولوا المناصب فلم يتغيروا، ولم يظلموا ولم يتجبروا، كان الشيخ واحداً من هؤلاء القلة، لم يخربه المنصب، ولم يشغله بالدنيا.. لم يتجبر ويظلم من تحته.. كان متواضعاً.. كان إدارياً ناجحاً، كما تولى إدارة الجامعة الإسلامية، وإدارة اللجنة الدائمة للإفتاء، وهيئة كبار العلماء، كان رجلاً منظماً في وقته وعمله ودروسه وطعامه ومجلسه، يعطي كل ذي حق حقه، كثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان ابتداؤها منه، وكثيرة هي المشاريع الخيرية التي كان إنهاؤها على يديه.. من المساجد ومدارس تحفيظ القرآن ومنشآتها.. المشاريع الخيرية المتعددة المبثوثة، كان أبو عبد الله هو الذي يدفع بها، وهو الذي يكتب عنها، وهو الذي يطلب المسئولين لإنفاذها، له شفاعات عظيمة، وله تمييز عظيم لأصوات الناس مع كثرتهم، حتى لربما عرف المتكلم ولو لم يسمع صوته منذ سنين، ويحفظ الأشخاص، ويسأل عن أحوالهم، وأحوال بلدهم وأقاربهم، مع كثرتهم البالغة، يترددون على مجلسه بالعشرات، أو بالمئات أحياناً يومياً.

    هذا الإمام العلم -أيها الإخوة- لسنا نزعم أنه أعلم من الشافعي أو أحمد أو ابن تيمية .. كلا والله، ولكن أهميته في عصره لا تقل عن أهميتهم في عصورهم إن لم تكن أكثر، وحاجة الناس إليه أكثر لقلة العلماء في هذا الزمان بالنسبة للعلماء في الأزمنة الماضية.

    صور من ورع ابن باز وخشيته

    كان يكثر ذكر الله تعالى حتى وهو على الطعام وبين اللقم، كان ورعاً في الفتوى، كثيراً ما يقول: ننظر فيها -تحتاج إلى تأمل- اكتبها للجنة ونبحثها مع الإخوان، ولا يستنكف أن يقول في درسه في صحن الحرم المكي على الملأ من الناس -وسمعته بنفسي-: المسألة مشتبهة علي. ولا يجيب، وكم من مرة سألته فيتوقف عن الإجابة، ولو عُرضت على طالب علم صغير لتسرع فيها!

    كان صاحب خشية لله.. سريع الدمعة.. شديد التأثر.. يقطع درسه بالبكاء لما يغلبه، لا عجب في ذلك، فقد قال الله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] يقطع الجواب لإجابة المؤذن، ويستدرك ما فاته من الأذان لو سهى وأكمل المكالمة، ولا يفوت الذكر بعد الصلاة بالرغم من كثرة السائلين حوله، ويقطع الكلام مع الشخص عند الخروج من المسجد لأجل أن يقول الذكر.

    كان عادلاً حتى بين زوجتيه، له زوجتان بلغ من عدله أنه لا يصلي سنة المغرب البعدية إلا في بيت التي هو عندها الليلة، فيبدأ من بداية الليلة من بعد المغرب ومن بعد صلاة الجماعة، فلا يصلي سنة المغرب إلا في بيت التي هو عندها.

    هذه شفاعاته لا تعد ولا تحصى، أدى زكاة جاهه كما أدى زكاة علمه رغبة في قوله صلى الله عليه وسلم: (اشفعوا تؤجروا) -نحسبه كذلك- شفاعاته للكبار والصغار، كم من طالب قبل في جامعة، وكم من فقير حصل على صدقة، وكم من عامل استقدم زوجة، وغير ذلك كثير كثير من شفاعات أبي عبد الله ، نسأل الله أن يجعلها في ميزانه يوم يلقاه.

    لما كان قاضياً وبعد القضاء يسعى بالصلح بين الأزواج والزوجات، والإصلاح بين المتخاصمين، كان حليماً عفواً سمحاً متسامحاً، دخل عليه أيام كان قاضياً بـالدلم رجل سباب فسب الشيخ وأفحش، والشيخ ساكت لا يجيب، ثم سافر الشيخ للحج فمات ذلك الرجل، فلما قدموه لصلاة الجنازة أبى إمام ذلك المسجد وكان يعرف الواقعة، وقال: لا أصلي على شخص يشتم العالم، صلوا عليه أنتم، ولما عاد الشيخ من الحج وأخبر بموت الرجل الذي سبه والقصة، ترحم عليه وعاتب الإمام، وقال: دلوني على قبره، فصلى عليه ودعا له، وقلت له قبل موته بأيام: أريدك يا شيخ أن تسامحني وتحللني، فلا يخلو الأمر من خطأ في حقك أو تقصير أو إخلال في فهم كلامك والنقل عنك. فقال لي: مسامح، مسامح، سامحك الله.. هذا هو طبعه: المسامحة، وهذا من أسباب اجتماع القلوب عليه ومحبة الناس له، أنه لم يكن يصادم، ولم يكن يرد بسفاهة، وإنما كان حليماً رحمه الله.

    كان متأدباً حتى مع كتَّابه، فمرة أطال إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً، ثم قال: يبدو أنا قد تعبنا؛ مع أن الشيخ لم يتعب، ولكن قال ذلك مواساة للكاتب الذي كان يكتب معه، فتأخر إلى هذا الوقت، وهو الذي كان من أصحاب العبادات والطاعات.

    قال أحد الذين رافقوه من الطائف إلى الرياض براً: لما صرنا في منتصف الليل بعد الساعة الثانية عشر ليلاً قال لمرافقيه: يبدو أننا تعبنا، قفوا لننام في الطريق، فتوقفنا، فما لامست أقدامنا الأرض إلا وأخذنا النوم، والجيد منا من صلى ركعة أو ثلاث قبل أن ينام، فشرع الشيخ في الصلاة فاستيقظ الذين كانوا معه قبل الفجر، فإذا بالشيخ يصلي، كذا جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين يضحك الله إليهم.

    عالمية ابن باز وبرنامجه اليومي

    جاءت رسالة من الفلبين إلى الشيخ من امرأة تقول: زوجي مسلم، أخذه النصارى وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة وأطفالي يتامى، وليس لي بعد الله جل وعلا أحد، فسألت من يتحمل ومن يساعد؟

    فقالوا لي: اكتبي للشيخ عبد العزيز بن باز ليساعد في ذلك، فلما قرأ الشيخ الخطاب وتأثر كتب للإدارة بالمساعدة، فلما جاءه الجواب أنه لا يوجد بند لذلك، قال: اخصموا من راتبي نفقة هذه المرأة، وأرسلوها فوراً. لم يعلن القصة على الملأ، وإنما قالها الخاصة الذين عرفوا بها.

    إن علمه وصل وانتشر في العالمين شرقاً وغرباً، حتى أن بعض الدعاة لما دخل في بعض بلاد أفريقيا وجد عجوزاً، فقالت: من أين أنتم؟ فقلنا لها عبر المترجم: من بلاد السعودية . فقالت: بلغوا سلامي إلى الشيخ ابن باز ، هكذا حصل من نشر صيته في الأرض، والله إذا رضي عن عبد وضع له القبول في الأرض.

    عباد الله: إن ذلك الشيخ كان أمة في الأعباء التي يقوم بها، يبدأ يومه قبل الفجر بالاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل، فيصلي ما كتب الله له أن يصلي، ويستغفر؛ لقوله تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:17] وبعد صلاة الفجر يحرص على قراءة الأوراد، ولا يكاد يجيب أحداً حتى يقرأ الأوراد كلها، ثم يبدأ الدرس، فيقرءون عليه حتى ساعة متأخرة من الضحى، ثم يتوجه إلى العمل للإجابة على المعاملات والأسئلة الواردة من الأقطار الأخرى، وقضايا أصحاب الحاجات والشفاعات، ثم بعد ذلك يتوجه إلى بيته فيرتاح قليلاً، ثم يدخل للإجابة على الهاتف، ثم يتغدى مع الضيوف، لم يكن يتغدى وحده رحمه الله تعالى.

    ثم بعد ذلك راحة إلى صلاة العصر، وبعدها أعمال خاصة له وبمكتبه، ثم بين المغرب والعشاء الإجابات على الأسئلة.. وهكذا بعد العشاء يلقي الكلمات في المساجد، ويحضر الندوات، ويحضر المحاضرات، كانت أعماله متوالية، وكان حريصاً على صيام يومي الإثنين والخميس، وحضور دروس الفجر، ودعوة زواره، يستقبل الوفود من البلدان المختلفة، وينجز المعاملات، وهو رحمه الله تعالى يدعو غير المسلمين للإسلام، ويأتي بالمترجمين ليقول ما يريد أن يقوله لهم حتى لم يكد يخلو يوم من أناس يسلمون بين يديه لا يقلون عن خمسة.

    هذا أبو عبد الله أمة بعمله، جماعة بمفرده، رحمه الله تعالى وجعل الجنة مثواه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    بقاء خصال الشيخ حتى آخر حياته

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين، وأعلم العلماء بكتاب الله والسنة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    عباد الله: كان شيخكم -رحمه الله تعالى- كريماً سخياً، يعطي من طلب، ولا يكاد يرد من سأل، ولم يكن يأكل وحده، فكان كثير الضيوف، ولا يأكل إلا ومعه أناس على مائدته، ولما مرض قال لنا مرة ونحن في مجلسه وقد حضر الطعام: تفضلوا أنتم وأنا اسمحوا لي. كان يعطي من طلب، ورأيته أعطى لباسه -بشته- من سأله إياه في مجلسه، متعه الله بعقله، فلم يصبه زوال ولا خرف ولا تغير، وبعض النسيان الذي حصل له لكبر السن لم يؤثر على مقدرته في الإفتاء واستحضار الأدلة، والتركيز والفهم، مع أنه دخل في التسعين، وقد سألته قبل أيام من موته عن امرأة ماتت وعليها سعي لم تأت به هل يقوم به ولدها عنها؟

    فقال: الموت ما منه حيلة، ولولدها أن يسعى عنها، كما له أن يحج عنها -ثم وقف، ثم قال:- ولكن يجب أن يكون محرماً بنسك عند سعيه عنها. فقلت له: مثل أن يحرم بعمرة ثم يطوف ويسعى لنفسه وقبل أن يقصر شعره يسعى عن أمه؟ فقال: أو قبل أن يأتي بعمرته وبعد الإحرام.. هذه الدقة وهذا الانتباه للسؤال، وفي الجواب لازمه ذلك إلى آخر عمره، عمل حتى آخر أنفاسه.

    وكانت دروسه مستمرة حتى أيام مرضه، ودرس الفجر يوم الخميس يزيد على ثلاث ساعات، عمل (58) سنة ولم يأخذ إجازة واحدة، وكان لا ينام في يومه إلا أربع إلى خمس ساعات، وبقية ذلك في العبادة ومصالح المسلمين.

    هذا الإنسان كيف يجد وقتاً لمعصية الله؟؟ من استعمله الله في طاعته.. من هيأ له هذا الأمر.. من أدخله في هذه العبادات وحوائج الناس والتدريس الفتيا كيف يجد وقتاً للمعصية.

    وقد كان مستحقاً للتقاعد منذ عشرين عاماً بكامل الراتب، ولكنه استمر لخدمة الإسلام ونصرة الدين، ومعنى ذلك أنه عملها بدون أي مقابل.

    1.   

    آخر أيام ابن باز وحادثة الوفاة

    لما مرض الشيخ وكان يشتد عليه الألم إذا أفاق -هذا في آخر أيامه- قال لمن حوله من الكتاب والمساعدين: هاتوا ما عندكم، اقرءوا علي. فيقرءون الرسائل والخطابات وقضايا الطلاق، والشكاوى من المنكرات، وخطابات الشفاعات.. وغير ذلك مما ينفع به العباد والبلاد.

    كان لا يشتكي، جلست بجانبه وهو يتأمل فقلت: خيراً. فقال: أشكو بعض الشيء، وكان إذا اشتد به الألم وقد أصابه سرطان المريء والبلعوم في آخر عمره، إذا اشتد عليه الألم تغير لون وجهه، وسكت ووضع يده على موضع الألم، ولم يتأوه، ولم يصيح. والإمام أحمد -رحمه الله- لما مرض قد سمع أن طاوساً كان يقول عن الأنين: إنه شكوى؛ فما أنَّ أحمد حتى مات.

    أصناف الفرحين بموت الشيخ

    سيشمت بموت الشيخ ويفرح أصناف من أعداء الله، وهذه حقيقة نعرفها:

    أولهما: المنافقون الذين يريدون عزل الإسلام عن حياة الناس، وثانيهما: المبتدعة أهل الزيغ والأهواء.. هؤلاء الذين سيفرحون بموت الشيخ عبد العزيز ، أصحاب الشهوات الذين كانوا يقولون: إن المرأة ستسوق إذا مات ابن باز ، وارتحنا من فتاويه المتشددة، ولكن أخزاهم الله تعالى في الفترة الماضية، ومات الشيخ وهم في ذل وخيبة ولم يتحقق مقصودهم، لا رفع الله لهم رأساً، ولا مكنهم مما يريدون.

    دعاة تحرير المرأة والاختلاط يريدون موت الشيخ بأي طريقة، لأن فتاويه عقبة في طريقهم.. وهكذا أصحاب الشهوات والمنكرات يريدون وفاته والتخلص منه، ولكن الله لهم بالمرصاد، وسيقيض من هذه الأمة من يقوم ويتصدى، والحمد لله أن الدين لا يقوم على شخص واحد، وأن في هذه الأمة أفذاذاً وأخياراً، وعلماء ودعاة وطلبة علم يقفون بالمرصاد أمام دعاوى هؤلاء أرباب الشهوات، وهؤلاء المنافقين الذين يريدون عزل الدين عن حياة المسلمين.

    عزاء الأمة في وفاة الشيخ ابن باز

    وأما عزاؤنا في وفاة الشيخ فإن على رأس العزاء موت محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، الذي قالت عائشة فيه: (فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم باباً بينه وبين الناس في آخر عمره، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر ، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم، رجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: يا أيها الناس.. أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح.

    فعزاؤنا في موت الشيخ، أولاً: نتعزى بالمصاب الذي لقيناه ولقيته الأمة بوفاة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فكل مصيبة دونه تهون، وعزاؤنا في الطلاب الذين تركهم، والعلماء الذين خرجهم هذا الشيخ الفاضل، وهذه الكتب والرسائل التي سطرت علمه، فهو وإن رحل فإن علمه باقٍ وموجود فينا، ونحن مسئولون عن نشره وتبليغه، ومن حق الشيخ علينا أن نقوم بعد وفاته بنشر علمه وفضله ومناقبه، وأن نترحم عليه، وندعو له، ونتذكر بأسى وحزن أن أرقام الهاتف [4354444] و[4351421] في الرياض، و[5562874] في مكة ، [7460223] في الطائف ، لن يرفع الشيخ سماعته اليوم ليجيب.

    كانت أسئلة الناس يفزع بها إلى الشيخ ليجيب، كانت الملمات تعرض على هذا المجتهد، كنا إذا داهمنا الناس بالأسئلة فزعنا إلى الشيخ نتصل به وننقل إجابته، فلن يرد علينا الشيخ بعد اليوم في المستجدات، ولكن العزاء فيما تركه من الفتاوى، وفي العلماء الذين تركهم خلفه، فما من عالم مشهور في البلد إلا وللشيخ عليه فضل ومنة.

    ونتذكر برؤية جنازته تلك المشاهد العظيمة لجنائز علماء الإسلام، الذين قال السلف فيها: آية ما بيننا وما بين أهل البدع يوم الجنائز. وسيصلي على الشيخ من الجموع الغفيرة من لا يحصى ولا يعد.

    وصف الحديث بلغة الشعر

    مهج تذوب وأنفس تتحسر     ولظى على كل القلوب تسعر

    الحزن أضرم في الجوانح والأسى      يصلى المشاعر باللهيب ويصهر

    كيف التحدث عن مصابٍ فادح     أكبادنا من هوله تتفطر

    كل امرئ فينا يدوم تعاسة     والبؤس في دمه يغور ويزخر

    لم لا وقد فقدوا أباً ومهذباً     ورعاً بأنواع المفاخر يذكر

    لما بدا للحاضرين كيانه      والنعش يزهو بالفقيد ويفخر

    هلعت لمنظره النفوس كآبة      وبدا على كل الوجوه تحسر

    نظروا إليه فصعدت زفراتهم     والدمع غمر في المحاجر يحمر

    كل يحاول أن يغطي دمعه      لكنه يلقي النقاب فيسفر

    يتزاحمون ليحملوه كأنهم      سيل يموج وأبحر لا تجزر

    يا راحلاً ريع الثقات بفقده     وبكى تغيبه الحمى والمنبر

    لو كنت تفدى بالنفوس عن الردى     لفدتك أنفسنا وما نتأخر

    لكن تلك طريقة مسلوكة     وسجية مكتوبة لا تقهر

    كل امرئ في الكون غايته الردى     والموت حتم للأنام مقدر

    كتب الفناء على الأنام جميعهم     سيان فيهم فاجر ومطهر

    لكن من اتخذ الصلاح شعاره      تفنى الخليقة وهو حي يذكر

    ما مات من نشر الفضيلة والتقى      وأقام صرحاً أسه لا يكسر

    ما مات من غمر الأنام بعلمه      الكتب تشهد والصحائف تخبر

    يا ناصر الإسلام ضد خصومه     لك في الجهاد مواقف لا تحصر

    قد كنت للدين الحنيف معضداً     وبشرعة الهادي القويم تعبر

    كم من فؤاد عام في لجج الهوى     أنقذته أيام كنت تذكر

    بصرته بهدى المشرع فارعوى     عن غيه فلك الجزاء الأوفر

    طوراً تحذره العذاب وتارة      برضا الإله وما أعد تبشر

    ولكم خطبت على الأنام مذكراً      أن الحنيف على العباد ميسر

    يا زاهداً عرف الحياة فما هوى      في المغريات ولا سباه المظهر

    نم في جنان الخلد يا علم التقى      وانعم بظل وارف لا يحسر

    إن شاء الله.

    اللهم تغمد شيخنا عندك برحمتك يا أرحم الراحمين، وارفع منزلته في أعلى عليين، واخلف في عقبه في الغابرين، واخلف على الإسلام وأهله بخير يا رب العالمين!

    اللهم اجبر مصابنا، اللهم اجبر كسرنا، وصبرنا على مصابنا، اللهم اجعلنا عاملين بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واجعلنا رجاعين لأهل العلم، واجعلنا من أهل العلم، واجعلنا أوفياء لأهل العلم، واجعلنا من الذين ينشرون العلم يا رب العالمين!

    اللهم إنا نسألك أن تعلي للشيخ درجته في الجنة، وأن تلحقه بمنازل الأبرار والشهداء والأنبياء، وأن تجعله ممن يلتقي بهم يا رب العالمين.

    اللهم إننا شهدنا بأنه صاحب فضل وعلم وخير، وإن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر أننا شهداؤك في الأرض، وقد شهدنا له بما له من الخير، وأنت تعلم السر وأخفى، وأنت بصير بالعباد، لا نزكي عليك أحداً، أنت حسيبه وحسيبنا وحسيب كل أحد.

    اللهم فإنا نسألك له المغفرة ورفعة الدرجات، انشر رحمتك عليه وعلى العباد، اللهم ارزقنا الجنة وأعتقنا من النار نحن ووالدينا وأموات المسلمين يا غفار!

    واعلموا -أيها الإخوة- أن صلاة الغائب قد ذكر فيها العلماء أقوالاً، فمنهم من قال: لا يصلى عليه إذا صلي عليه كما اختار ذلك ابن القيم وغيره من المحققين، ومنهم من قال: يصلى على أئمة الهدى صلاة الغائب، ومنهم من قال: لكل أحد، وقد صدر التوجيه بصلاة الغائب عليه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن رحمهم ورفع درجاتهم ومنزلتهم في الجنة إنه سميع مجيب قريب.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.