إسلام ويب

كيف تتعلم الحلم والأناةللشيخ : خلف المطلق

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحلم صفة من صفات الكمال، وهو من صفات الله تبارك وتعالى، ونعمة من نعمه سبحانه، يهبها لمن يشاء من عباده، فبدون الحلم لا يجد الإنسان في الحياة طمأنينة ولا لذة. وللغضب أسباب يجدر بالإنسان أن يجتنبها ويحذر منها حتى تتحقق له السعادة التي ينشدها.

    1.   

    الحلم صفة كمال

    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، ماكثين فيه أبداً.

    ].وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [الإسراء:111].

    الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:36-37].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا، وإمامنا، وأسوتنا، وقدوتنا، وحبيبنا، وخليلنا، وقرة أعيننا محمد بن عبد الله، الذي قال الله فيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:45-46]، وقال الله فيه: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].

    اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام: الحِلْم صفة من صفات الكمال؛ ولذلك اتصف الله عز وجل بها، فهي من صفات الله جل وعلا، إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44]، وفي الدعاء المعروف: (لا إله إلا الله الحليم العظيم) فالحلم من صفات الكمال.

    وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم من أحلم الناس صلوات الله وسلامه عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم حث على الحلم، وقال في أشج عبد القيس : (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة)؛ لأنه لما أتى مع وفد عبد القيس أسرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل تأنى حتى تأكد من الرواحل، وغيَّر ملابسه، ولبس ثيابه الحسنة، ثم أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة).

    فالحلم نعمة من نعم الله جل وعلا، ولذلك كيف يجد الإنسان طعم الحياة ويعيش سعيداً بدون الحلم؟!

    فكِّر الآن في جيرانك، وفي بني عمك، وزملائك، الذي يفقد الحلم يأتيه من منغصات الحياة على قدر ما يفقد، والذي فيه شيء من الحلم ينال من السعادة على قدر ما فيه من الحلم، فالناس يتفاوتون في هذه الصفة الحميدة، فالذي يتصف بـ(10 %) من الحلم ينال من السعادة والطمأنينة على قدر هذه النسبة، والذي يتصف بـ(50 %) ينال كذلك، فالحلم نعمة من نعم الله جل وعلا.

    ولذلك: هل الحلم جِبِلَّة فطر الله الإنسان عليها، أم أنه مكتسَب يستطيع الإنسان أن يكتسبه بالمِران؟

    لا إشكال بأن الحلم شيء منه فطري، فنحن نجد الآن عائلات من الناس عندهم الحلم، وعائلات عندهم العَجَلة والطيش؛ ولكن يستطيع الإنسان أن يكتسب الحلم، فـ(الحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم)، فيستطيع الإنسان أن يكتسب الحلم، فالحلم نعمة من نعم الله جل وعلا.

    لكن ينبغي أن نعلم أنه ما من صفة حميدة إلا وهي بين خصلتين ذميمتين:

    الخوف من رب العالمين جل وعلا: صفة حميدة؛ لكن بين خصلتين ذميمتين:

    إن زاد أصبح يأساً وقنوطاً من رحمة الله، وكبيرة من كبائر الذنوب.

    وإن فُقِد أصبح أمناً من مكر الله.

    وحب الرسول صلى الله عليه وسلم:

    إن زاد أصبح غلواً في الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا كان هذا الحب يحمل الإنسان على الغلو، وعليه فإنه يوصل إلى الذنب.

    وإن نقص أصبح جفاءً.

    والشجاعة: كذلك خصلة حميدة بين:

    الجرأة.

    والجبن.

    الرأي قبل شجاعة الشجعانِ     هو أولٌ وهي المحل الثاني

    فإذا هما اجتمعا لنفس مرةً     بلغت من العلياء كل مكانِ

    بينما تجد أن بعض الناس يغضب لأتفه الأسباب، ويقيم الدنيا ويقعدها، وإذا غضب لا يدري مَن يضرب برجله، ومن يضرب بيده، ولا يدري ماذا يخرج من فمه.

    وتجد بعض الناس في الطرف الآخر بليداً، يرى المعاصي، ويرى أن بيته في ضياع، وعنده من البرود وعدم المبالاة ما الله به عليم.

    فهذا ذميم وهذا ذميم، بينما تجد بعض الناس يقولون عن البليد: هذا حليم، وهذا ليس الحلم الذي يحثنا الله عز وجل عليه.

    1.   

    أسباب فقدان صفة الحلم

    يا إخواني: الحلم نعمة من نعم الله جل وعلا، فلماذا يفقدها كثير من الناس؟ ما هو السبب؟

    الأسباب: -حفظني الله وحفظكم- كثيرة في فقدان الحلم:

    ضعف الإيمان بالقضاء والقدر

    منها: أن الإيمان بالقضاء والقدر ضعيف في نفوس بعض الناس، والثقة فيما عند الله جل وعلا ضعيفة كذلك في نفوسهم.

    والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الدين.

    فالإنسان الذي يعلم أن له رباً يعلم ما كان وما يكون، وأن هذا الرب حليم، وحكيم، يضع كل شيء في موضعه المناسب، وأن ربه أرحم به من نفسه لنفسه، ومن أمه له: (لَلَّهُ أرحم بعبده من هذه بولدها) الحديث الذي لا يخفى عليكم، وأن له رباً هو أعلم بمصالح الأمور، يفوض الأمور إليه ويعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه، فحينئذٍ يفوض الإنسان الأمور إلى الله، ويتوكل على الله عز وجل في أموره.. في حركاته.. في سكناته.. في تصرفاته.. في معاملاته.

    فاعلم أن لك رباً إن أعزك فلا مذل لك، وإن أذلك فلا معز لك، إن أعطاك فلا مانع لما أعطى، وإن منعك فلا معطي لما منع، يعلم الشيء الذي في صالحك، كل شيء عنده في خزائنه، فلا تنظر إلى أي شيء إلا إلى ما عند الله، اتجه بقلبك إلى الله عز وجل، لا تطلب إلا من الله، وارضَ بقضاء الله وقدره، وحينئذٍ تعطى نسبة من الحلم.

    تزور الآن بعض كبار السن في المستشفى، وعندهم مرض من الأمراض المستعصية، فتجد عنده من الطمأنينة، ومن الهدوء، والسكينة، والرضا بالقضاء والقدر، وشكر الله، والثناء على الله جل وعلا، ما تغبطه عليه، وربما يكون عامياً من العوام، ما تخرج من كلية من الكليات، والله لنجد عند بعض عجائزنا وبعض كبار السن من الهدوء، والطمأنينة، والسكينة، والرضا بالقضاء والقدر، ما لا نجده عند بعض من يحمل الشهادات العليا في أي تخصص من التخصصات، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران:26]، ليس ضرورياً أن يكون ملك رئيس دولة، بل أي ملك، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران:26] ليس بيد غيرك، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26].. تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1].

    كلما يزداد الإنسان من الرضا بالقضاء والقدر، في اختيار الله له، يفوض الأمور إلى الله، ويتوكل على الله جل وعلا، تجد الطمأنينة والراحة تنزل على ذلك الشخص، فلا تعصف به العواصف، ولا يأتيه القلق الذي يأتي كثيراً من الناس، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ [الحديد:22] وكلمة مصيبة نكرة في الآية وهي في سياق النفي فتعم جميع المصائب، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23].

    يفوض الإنسان الأمور إلى الله عز وجل، ولا يتطلع إلاَّ إلى ما في يد الله، فهذه من الأشياء التي تعطي الإنسان الطمأنينة والسكينة، وتُبْعِدُ عنه قلقَ الحياة.

    عدم فهم حقيقة النفس الإنسانية

    كذلك -حفظني الله وحفظكم-: الناس الذين حولك هل هم ملائكة؟!

    بعض الناس عنده مدينة الخيال، يريد من كل إنسان ممن حوله أن يلتزم الأدب، والأخلاق، ولا يؤذي غيره. فتجده يفكر في شيء لا يوجد إلا في جنات النعيم التي قال الله فيها: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً [الواقعة:25-26]، يفكر في الجنة التي قال الله عز وجل فيها: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    فالناس الذين حولك ما أَعْطَوا الله حقه حتى يعطوك حقك، تجد أن كثيراً من الناس يقول: الناس اليوم لا يشتغلون إلا بالمصلحة، إذا كان لهم مصلحة عندك أقبلوا عليك، وإذا انتهت المصلحة ذهبوا وتركوك، هل هذا لك وحدك أو هو -أيضاً- لله؟! ماذا يعمل الناس مع الله؟!

    الكثير منهم كما قال الله عز وجل: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانَ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت:51].

    ويقول الله عز وجل: وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ أين يذهب؟ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ أعطاه ظَهْرَهُ فـنَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ [الزمر:8].

    كيف -يا أخي- تطلب من البشر أن يعطوك أكثر مما يتعاملون به مع رب العالمين جل وعلا؟! الناس الذين حولك بشر، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بأناس يذنبون، فيستغفرون، فيغفر الله لهم).

    وماذا حصل في بيت آدم، أبي البشر؟!

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا في أول بيت وجد في الأرض، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    وماذا حصل بين الأسباط إخوة يوسف؟! في بيت يعقوب؟!

    حدَّثوا فكذبوا، وعدوا فأخلفوا، وهم ممن اصطفاهم الله عز وجل.

    فالإنسان يريد زوجة -كما يقال- كالإنسان الآلي يحركها بالجهاز كما يحرك سيارته! يا أخي! المرأة التي عندك هي كائن بشري، قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خُلِقَت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمه كسرته، وكسرُها طلاقُها، وإن استمتعتَ بها استمتعتَ بها وفيها عوج).

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة).

    بعض الناس -الآن- تؤثر الخلافات الزوجية في نفسه، وفي قلبه لماذا؟!

    لأنه يريد امرأة معصومة من الأخطاء، لا تُخطئ. والمرأة كائن مِمَّن قـال الله فيهم: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً [النساء:28]، امرأة تخطئ وتصيب؛ لكن مع هذا لا يستطيع الإنسان أن يستغني عنها.

    ينبغي -يا إخواني- أن نقول للجيل الوافد -الذين نجد عندهم من القلق، وتنغيص الحياة، والعجلة في كثير من الأمور ما لا يوجد عند كبار السن، الذين عندهم التجارب، ويعرفون قدر الحياة-: أنت الآن في الدنيا، والشيء الذي تنشده لا يوجد إلا في جنات النعيم.

    ولذلك ينبغي أن نفهم أن نِعَم الدنيا كثيرة لا تعد ولا تحصى، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]؛ لكن لا توجد نعمة من النعم إلا وفيها نسبة من الشر، إلا ما استُثْنِي، فهذه النعم فيها منغِّص إلا ما استُثْنِي كالأنبياء وغيرهم، وإلا فلا توجد نعمة من نعم الدنيا إلا وتجد فيها نسبة من الشر، وليس هناك شر في الدنيا إلا وفيه نسبة من الخير، حتى في وجود إبليس؛ فإن وجوده له حكمة، إذ لو أن الله لم يخلق هذا الشيطان لما قامت كثير من العبادات لله جل وعلا، وما قام سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا الصراع بين الحق والباطل، وحزب الرحمن وحزب الشيطان، والدعوة إلى الله عز وجل، ولم يقم الجهاد في سبيل الله جل وعلا، ولم يحصل أناس على رتب الشهادة، وما تحققت كثير من آثار أسماء الله الحسنى؛ كالتواب: فلا بد أن يوجد من يتوب عليه، الغفور: لابد أن يوجد من يَغْفِر له.. خيرات كثيرة.

    فينبغي -حفظني الله وحفظكم- للشاب أن يفهم: أنه لا توجد نعمة من النعم إلا وفيها شيء من الشر والتنغيص، فالإنسان عليه أن يستفيد من خيرها ويتقي شرها، مثل النار الموجودة في البيت، خطر، عظيم جداً، فربما في يوم من الأيام تكون سبباً في هلاكك وهلاك أسرتك؛ لكن هل تستطيع أن تستغنيَ عنها؟!

    لا تستطيع أن تستغني عنها.. كيف تنضج الطعام؟! وكيف تستدفئ في الشتاء؟! فلها فوائد كثيرة جداً، فالإنسان يتعامل معها، ويتقي خطرها.

    فكذلك البشر -حفظني الله وحفظكم- الموجودون حواليك يتصفون بصفات وأخلاق كثيرة جداً، كل منهم فيه صفة من صفات الخير وصفة من صفات النقص، فهذا عيبه الجبن، وهذا عيبه البخل، وهذا عيبه الغضب، وهذا عيبه أن لا يحب إلا نفسه، وهذا عيبه أن لا يمشي إلا في مصالِحِه، وهذا عيبه كذا، وهذا عيبه كذا، كيف تعيش سعيداً في الدنيا بين هؤلاء؟!

    كثير من البشر الذين تراهم كالعقارب، متى ما حصل الاحتكاك لدغك، فكيف تعيش مع هؤلاء؟!

    هذا الجو الذي ينبغي للشاب أن يعرفه، إذا كان أحد الشباب يريد أن يسافر إلى بلد باردة وقيل له: والله البلدُ بلدٌ بارد، وليس فيها ملابس، وأخبروه بالجو الذي سيتحول عليه واشترى الملابس الدافئة، وأَخَذَ معه البطانيات، والأسباب التي تأتي له بالتدفئة، وذهب، فيستطيع أن يعيش في هذا الجو البارد الشديد ولن يتضرر؛ لكن إذا ذهب إلى هذا الجو ولم يدرِ ما هو الجو الذي يريد أن يعيش فيه، وليس عليه ملابس، وليس عنده دفايات، ولا يستطيع أن يتقي البرد؛ لأنه ليس لديه ما يتقي به، فإنه سيتضرر من هذا الجو الذي سيعيش فيه.

    عدم معرفة حقيقة الحياة الزوجية

    إخواني: الإنسان الذي يريد أن يعيش في الدنيا لا يتعامل إلا مع الله جل وعلا، فعندك الآن زوجة، والزوجة نعمة من نعم رب العالمين، ولا تعرف قدرها إلا عندما تأتي الإجازة الصيفية، وتذهب إلى أهلها، وتجلس في البيت وحدك، أو عندما ترقد هي في المستشفى، وتجلس مع أطفالك السبعة أو الثمانية، هذا ترضعه، وهذا تطبخ له، وهذا تسهر معه، وهذا كذا، وأنت تنتظر! متى يبلغك المستشفى بوفاتها، حينئذٍ في هذه الحالة تعرف فائدة الزوجة، وأنه لو كان المهر ملايين الريالات لدفعتها للوصول إلى هذه المرأة.

    فالمرأة هذه التي تأتيك امرأة أخبرك الرسول صلى الله عليه وسلم أن فيها خيراً، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، فالمرأة سكن، لو كان عندك أكبر قصر في الرياض وما عندك امرأة فما عندك سكن؛ لأن المرأة هي السكن، يسكن بصرُك، ويسكن سمعُك، ويسكن قلبُك، وتهدأ أعصابُك، خيراتٌ كثيرة؛ لكن كيف تتعامل مع المرأة؟

    يظن كثير من الناس أن أعلى شخصية في الدولة -كالملك، أو الوزير، أو العالم الفلاني، أو الشيخ الفلاني، أو التاجر الفلاني- أن زوجاتهم لا يغضبنهم، من قال لك هذا؟! الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لن تستقيم لك على طريقة).

    والقصة التي تعرفون: أن رجلاً ذهب يريد أن يشتكي زوجته إلى عمر فلما وصل إلى عند الباب سمع امرأةَ عمر ترفع صوتها على عمر فرجع الرجل، ولما دعاه أمير المؤمنين قال: أتيتُ أشتكي زوجتي، فلما سمعتُ ما حدث في بيتك رضيتُ. هل تغير الواقع الذي في بيته؟! لا؛ ولكن رضي أن يعيش في الواقع الذي كتبه الله عز وجل له.

    فالمرأة -يا إخواني- تُخطئ، وأذكر شخصاً من الناس يقول: عندي أم فلان، من عشرين سنة ما أغضبتني. سبحان الله! هل يُصَدَّق هذا الرجل؟! إلا إذا كان هذا الرجل بليداً، وظيفته في البيت قيادة السيارة، ويأتي بالخبز وينام حتى يدعى للمائدة، لا يتدخل في البيت بأمر ولا نهي، ولا يريد أن يدخل في التوجيه، فهذا يمكن.

    أما إنسانٌ يريد أن يشعر بأنه ربان السفينة، ويريد أن يحمل بيته وأسرته على معالي الأمور، وأن يبعدهم عن سفاسفها فلابد أن يقع شيء من الخلاف، فمن قال لك: إن بيت فلان لا يقع فيه خلاف بين الزوجين فقل: كذبتَ! لا يوجد أعلى من بيت النبوة، ولا عرَفَت الدنيا نساء أحسن من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، اللاتي اختارهن الله عز وجل؛ إلا مريم بنت عمران وأمثالها؛ اختار الله لنبيه خيرة نساء الدنيا، ومع ذلك كن يغضبنه صلى الله عليه وسلم، حتى حَلَفَ واعتزلهن شهراً صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد تسعٍِ وعشرين ليلة، فقيل: (يا رسول الله! بقي يوم، قال: لا. الشهر تسعٌ وعشرون).

    وكان يقول لـعائشة : (إني لأعلم إذا كنتِ علي غضبى، وإن كنتِ عني راضية، قالت: كيف تعرف؟ قال: إن كنتِ راضية تقولين: ورب محمد -إذا أرادت أن تحلف- أما إن كنتِ غضبى فتقولين: ورب إبراهيم -أي: إذا سمعها تقول: ورب إبراهيم عَلِم أن في نفسها عليه شيئاً- فتقول: أجل يا رسول الله! والله لا أهجر إلا اسمك).

    وكان في بيتها، فأتت إحدى نسائه بقَدَح فيه طعام، وأرادت أن يأكل الرسول منه، فلما دخلت بالطعام أخذت فهراً من الحصى وضربت به القصعة حتى سقط الطعام، وتكسرت القصعة، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم وجمع الطعام وقال: (غارت أمُّكُم! غارت أمُّكُم!) وأخذ قصعتها، وأعطاها صاحبة القصعة، وترك القصعة المكسورة لها، هذا بيت الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالمرأة نعمة من نعم الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، فيضاجعها في آخر النهار) لأن الخلاف بين الزوجين مهما عظم، فإنه ينطفئ بسرعة، يجلدها في أول النهار جلد العبد، وآخر النهار يضحك معها، ويضاجعها في آخر النهار. سبحان الله! بعض الناس لا يستطيع أن يقف في دائرة الوسط، إما في أقصى اليمين، أو في أقصى اليسار، إن غضب الزوج أصبحت هذه المرأة أمامه شيطاناً لا ينظر في شيء من محاسنها، وإذا رضي لا ينظر في شيء من عيوبها.

    يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله بالعدل: (لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنة -لا يكرهها ويبغضها- إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر).

    فيا إخواني: ينبغي للإنسان أن يعلم أن المرأة التي عنده هي المرأة التي كتبها الله عز وجل له، فيحاول أن لا يدقق في كثير من الأخطاء، فإذا بدأ يدقق في كثير من الأخطاء أتعب نفسه وأتعب أسرته، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما أكل عسلاً عند إحدى زوجاته تواطأت حفصة وعائشة على أن يقُلْنَ له: نجد معك رائحة المغافير -وهو يكره الرائحة الكريهة-، فحرم العسل والرواية الثانية: أنه لما وطئ الجارية في بيت حفصة غضِبَتْ، وقال: لا تخبري أحداً. وحرَّم الجارية، فنزل قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1] فذهبت وأخبرت عائشة ، والرسول صلى الله عليه وسلم لما عَلِمَ ذلك ما ذكر كل الأمور، بل عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم:3].

    فالذي يدقق على المرأة، وينظر في ملاحظاتٍ إن قامت، وملاحظاتٍ إن جلست، وملاحظاتٍ إن خرجت، وملاحظاتٍ إن دخلت، أنا لا أنصح الرجل هذا بكثرة البقاء في البيت، تكون له أوقات يجلس مع العائلة يربيهم ويوجههم؛ لكن إذا جلس في البيت فلا بد أن يرى أخطاءً فيوقع الشيطان بينه وبين زوجته.

    الشخص الجيد هو الذي يعرف الواقع، وأن الناس كلهم من حوله عندهم من الزوجات مثل ما عنده، فهذه ناقصة في كذا، وهذا ناقصة في كذا، وهذه ناقصة في كذا، وهذه ناقصة في كذا؛ لكن بالتقويم:

    - تذهب بالزوجة إلى المحاضرات.

    - تأتي بالكتب الدينية.

    - ترى بعض الأُسَر الطيبة، فتقوم بزيارات إليهم، إذا زُرْتَهم في بيوتهم فتستفيد الزوجة، وبناتك يستفدن من بناتهم، وأولادك يستفيدون من أولادهم، وأنت تستفيد منهم؛ فالزيارات بين الأسر الطيبة مفيدة.

    - سماع الأشرطة الدينية.

    - قراءة الكتب.

    كما أنها تهذب الرجال فهي كذلك تهذب النساء.

    ثم إن الإنسان -يا إخواني- الآن مع أسرته لا يغضب إلا الفم، أما القلب فلا يغضب، بل يبقى هادئاً، فالشيطان أحْرَص ما يكون أن يُوْقِع من الخلافات بين الزوجين، (فيبثُّ سراياه كما يبثُّ بعض الناس عماله، ويحاسبهم في آخر النهار، ماذا عملت؟! يقول أحدهم: عملتُ كذا، فيقول: لم تعمل شيئاً، حتى يأتي شيطانٌ خبيث ويقول: لم أزل بفلان حتى طلق امرأته، فيقول: ادنُ مني، ادنُ مني، أنت أنت).

    فالإنسان الذي يطلق امرأته، هذا مثل الإنسان الذي جعل متفجرات في بيته، ونسف البيت، وجعل أعلاه أسفله.

    فإذا علم الإنسان أن هذا طبع النساء، وأنه ما من امرأة إلا وفيها ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أنها سَكَنُه، ولا تستطيع أن تستغني عنها، عَلِم كيف يتعامل مع هذا المخلوق الذي لا غنى لأحدهما عن الآخر.

    أهمية الحلم والتسامح في صلة الأرحام

    كذلك القرابة، القرابات -حفظني الله وحفظكم- عندك الآن أقارب، ماذا تريد منهم؟! بعض الناس تغضبه زوجته في اليوم خمس مرات، وأبناؤه يغضبونه عشر مرات، ويرضى عنهم؛ لكن عنده صندوق أسود كصندوق الطائرات لا يسجل إلا سيئات القرابة، لو أحسن إخوانُه وبنو عمه له سنوات طويلة ما ذكر تلك المحاسن، لكن تجده يسجل السيئات، فيجتمعون في المناسبات والولائم يوم الخميس وكل واحد في صدره غل على الآخر! هل تطلب من إخوانك أن يعطوك أكثر مما يعطيك أولادك؟

    هل تطلب من بني عمك أن يعطوك أكثر مما يعطيك إخوانك؟ فلماذا تنسى أخطاء الزوجة، وتنسى أخطاء الأولاد، ولا تنسى أخطاء القرابة؟!

    اسمعوا يا إخواني: الناس الذين يريدون أن يتبادلوا المنافع فيما بينهم هم الذين يضخِّم الشيطان الأخطاء في نفوسهم!

    أنت عندك قرابة، وهذا مكان عبادة، فإن كنت تريد ما عند الله والجنة، وتريد طول العمر وسعة الرزق -وهاتان خصلتان محبوبتان عند الناس- عليك بصلة القرابة، (من أحب أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره؛ فليَصِلْ رَحِمَه)، ونحن نرى هذا في الواقع، فلا ترى رجلاً باراً بأمه، وأخواته، وأبناء أخيه الأيتام إلا وتجد البركة في وجهه أينما ذهب، يميناً أو شمالاً، وهذا مصداق قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53].

    وفي الآخرة: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21]، لا ترض إلا الفردوس الأعلى من الجنان.

    لكن إن قطعت القرابة فأبشر بعقوبة تعجَّل لك في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك اسأل كبار السن، إذا رأوا رجلاً عاقاً لوالديه قاطعاً لأرحامه قالوا: اترك هذا؛ هذا حبله قصير. ينتظرون متى تحل المصائب به في الدنيا، وما من ذنب أجدر من أن يعجِّل الله لصحابه العقوبة في الدنيا قبل الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.

    وفي الآخرة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    كيفية المحافظة على صلة الأرحام

    هل تريد أن تعيش مع هذه القرابة وكلهم قد رضوا عنك؟

    اسمع التوجيه في مثل هذه الأمور: الذي يريد أن يعيش بين القرابة وكلهم يحبونه ويدعون له: لا يطلب منهم شيئاً، بل يطلب كل شيء من عند الله، ولهم عليك ثلاثة حقوق، عدَّها بأصابعك:

    الحق الأول: أن تكف أذاك.

    والحق الثاني: أن تبذل ما تستطيع من المعروف.

    والحق الثالث: أن تصبر على ما يأتي من الأذى.

    فإذا أتيت بهذه الثلاثة أصبحت واصلاً، ف (ليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطِعَت رحمُه وصَلَها).

    تدخل الآن بين القرابة فتجد أن من الأسباب التي جَعَلت كل واحد منهم يغضب على الآخر، ويأتي مثل هذا القلق، أن أحدهم يقول: ابني مرض في المستشفى وفلان ما زارنا، والله إذا مرض ولده ما نزوره.. ابني لما تزوج ما أهدى لنا هدية، ولما تزوج ابنه أدخلت عليهم خروفين.. بنتنا أتت بمولود ما أعطونا هدية، وبنتهم لما ولدت أعطيناها كذا.

    سبحان الله! ألا نطلب ما عند الله ونعطي من أجل الله؟!

    فالإنسان الذي ينظر إلى هذه الأمور يفرق الله بينه وبين جماعته، فأنت ابذل الأمور لله، فإذا قصَّروا في واجبك، وجلست بعد العشاء مع الأسرة ووجدت الأسرة كلهم يوبخونك، فالزوجة تقول: رأوك ضعيف الشخصية، واستطالوا في أذاك.

    والابن يقول: نعم والله! لو كنت توقف الواحد عند حده ما استجرءوا على هذه الأمور.

    والبنت هي الأخرى تتكلم بكلام.

    فقل: سبحان الله! ماذا تريدون؟! تريدون أن أخرج على إخواني وبني عمي وأوقع القطيعة بيني وبينهم؟!

    يا أم فلان! أنت من أقرب الناس إلي، أسألك سؤالاً: زرناهم لله أم من أجلهم؟

    فستقول: لله.

    فقل: أعطيناهم لله؟

    فستقول: نعم.

    فقل: بذلنا لله؟

    فستقول: نعم.

    فقل: هل نريد الجزاء من عندهم أم من عند الله؟

    فستقول: من عند الله،

    فقل: إذاً: والله لا أقطع شيئاً أبذله لله، سأعطي من يعطيني ومن لا يعطيني، وأزور من يزورني ومن لا يزورني، وأساعد من يساعدني ومن لا يساعدني، من أجل الله ليس من أجل سواد عيونهم.

    فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة أحبه الله، وجعل الله حبه في قلوب قرابته، العجوز تدعو له، وكبير السن يدعو له، والأطفال يحبونه ويدعون له، سبحان الخلاق العليم، هذا هو الذي يسلم من قلق الحياة، كلما تزداد زهداً فيما عند القرابة وما عند الأولاد وما عند الناس تسلم من أذى الناس، وتعيش سعيداً؛ لكن إذا جلستَ؛ فالعينُ تنظر والأذنُ تسمع، تريد مدحاً، وتريد ثناءً، وتريد عطاءً، وتريد إكراماً، أتعبك الناس، فإذا أخطأ الناس عليك؛ فستتأذى؛ لكن إذا ذهبتَ إلى فراشك ففوض الأمر إلى الله، ولا تعطِ إلا لله، ولا تسافر إلا لله، ولا تقم إلا لله، ولا تقعد إلا لله، لا تطلب من أحد شيئاً.

    فهؤلاء الذين يجعل الله عز وجل حبهم في قلوب الناس، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96]. (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه).

    هذه -يا إخواني- الأشياء المؤثرة التي تأتي بالغضب ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها، فيبتعد الإنسان عن المؤثرات بمكارم الأخلاق.

    بعض إخوانكم الآن يقول: إذا أتيت في دائرة حكومية أشتغل، أو عند الجيران، أو عند بعض القرابة، أرى أن بعض الناس عنده سرعة غضب، ويغضب لأتفه الأسباب، والسبب عنده شعور بالنقص في داخله، وأن الناس لا يحترمونه، ولا يأخذون برأيه، يقول: هذا الرجل اعتنى به -ما أعطى حتى أولاده- فيقبل رأسه، ويسلم عليه: مساك الله بالخير .. صبحك الله بالخير...

    فيقول: سبحان الله! يصبح هذا الذي كان يؤذي الناس يشتغل بمدحي والدعاء لي.

    قال: أنا راضٍ عنه كرضا الرسول عن أبي بكر .

    يؤذي الناس إلا هذا الرجل، ما السبب؟!

    لأن هذا الرجل أعطاه شيئاً من العناية.

    ما قال: والله هذا إنسان حقود سأوقفه عند حده، هذا لا يستحق الإكرام، يأتي يسلم على كبار السن فإذا وصل إليه أعطاه أطراف أصابعه وتركه، سيؤذيك كما آذى غيرك؛ لكن من يصل إلى هذه الأمور؟ يصل إليها الذين يتعاملون مع رب العالمين جل وعلا.

    فإذا أخطأ الناس عليك فكن مثل النخلة، يرميها الصبيان بالحجر فتسقط عليهم الرطب، وهكذا بعض الناس كهذه الشجرة المباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فالقرابة يرمونه فلا يرد عليهم إلا بالجميل، كما قال الله عز وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34] فيعطونك السيئة فادفعها بالتي هي أحسن، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] لكن هذه لِمَن يا إخواني؟! وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    يا إخواني: كثير من الناس كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (منعاً وهات) كثير من القرابة يطلبون جميع حقوقهم ولا يعطونك حتى ربع الحق.

    ( منعاً ): يمنعونك حقك.

    ( وهات ): يطلبون حقوقهم فأعطهم جميع الحقوق.

    فأنت أعطهم لله، والذي لك اطلبه من رب العالمين، وستجد طول العمر، وسعة الصدر، والسمعة الطيبة، والخير الكثير، مَن الذي أعطاك ذلك؟! الله أم هم؟!

    الله الذي أعطاك، ففي كل أسرة تجد العائلة من مائة نفر، فلا تجد من ينجح في هذا الاختبار إلا اثنين أو ثلاثة، فيصيرون إلى هذه المستويات.

    - أذكر أن عندنا في قريتنا عجوزاً من الفقيرات؛ لكن جيبها لا يَخلو من الحلوى، تمشي في الشارع وكلما رأت طفلاً أعطته.

    لَمَّا ماتت بكت عليها القرية بأكملها.

    - وأذكر أناساً من القرابة لا يطلبون من الناس شيئاً، وكل الجماعة عندهم محبوبون، يزورون الناس في الأعياد، والمناسبات، في أفراحهم، وفي أتراحهم، يبذلون؛ لكن لا يطلبون من أحد شيئاً، سبحان الله! ما سمعتُ لساناً إلا وهو يدعو لهم، وما رأيته في يوم من الأيام قد أخرجه الغضب إلى السباب والشتم، يجلس الإنسان وتدخل السنة وتخرج وما تطرق الغضب من أجل الدنيا إلى قلبه.

    فضل الصبر على أذى الأقارب

    فلا بد -يا إخواني- من مكارم الأخلاق.

    وأنا أراجع الكتب التي تتكلم عن الحلم فوجدتها قد جَمَعَتْ شيئاً كثيراً جداً من الأحاديث والآيات في أمور شتى، ولذلك أتى شخص من الناس يشتكي قراباته.

    فقال له: هل أنت صادق في كلامك؟

    قال: نعم والله.

    فقال: إن كنت صادقاً فأبشر بالخير، فالله يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134]، ما هي الجائزة؟ محبة الله وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134]، فلولا وجود هؤلاء الذين يؤذونك ستُدْفن في المقبرة.

    فلا بد أن يوجد من يؤذيك فتصبر، وإلا هذه الصفات من صفات أهل الجنة لن تتصف بها.

    وأتى رجل يشتكي من قراباته، فقال أحد الإخوة: اقرأ سورة يوسف، ويُذْهِب الله ما بك.

    قال: أنا أعرف سورة يوسف.

    قال: من الفائز؟ من الذي كان الله معه؟

    قال: يوسف.

    قال: ما هو السبب؟

    قال: الصبر والتقوى، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

    فلابد -يا إخواني- أن نرتقي للتعامل مع الله جل وعلا.

    مَن الذي عنده أقارب لا يؤذونه؟! مَن الذي عنده زوجة لا تؤذيه؟!

    مَن الذي عنده أولاد لا يؤذونه؟!

    هذه هي الدنيا؛ لكن لابد من الصبر على الأذى، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، فعلى الإنسان أن يبتعد عن هذه المؤثرات التي تُذْهِب الحلم عنه، وتقربه من الغضب، ولذلك يندر أن تجد إنساناً يتصف بالحلم أصيب بالضغط والسكر، بل الناس يستغربون! فلان أصيب؟! والله ما كنا نظن أن هذا سيصل إليه.

    الحلم نعمة من نعم الله عز وجل، وهو يدل على العقل. والكرم والحلم سببان من أسباب السيادة والقيادة.

    ببذلٍ وحِلْمٍ ساد في قومه الفتى     وكونُك إياه عليك يسيرُ

    دخل رجل على أحد السلف، فسلم وهو ساكت، فلما انتهى الشخص وذهب الغضب قال: لماذا لَمْ تَرُدَّ علي؟! قال: لو رددتُ عليك أغضبتُك، وليس في قلبي لك إلا ما تحب.

    فالغضب -يا إخواني- شر، والغضب درجة من درجات الجنون، يرتفع العقل معه، فمن الناس من إذا غضب يرتفع العقل (5 %)، وبعضهم يرتفع بمقدار (10 %) أو إلى (50 %)، حتى أن بعض العلماء يقول: إذا وصل الغضب إلى أن ينغلق العقل فلا يقع الطلاق، إذا كان لا يدري ما يقول.

    1.   

    الآثار السيئة للغضب

    أتاني أحد الناس في صلاة العصر يبكي، قال: طلقتُ زوجتي، وماذا أعمل بأولادي؟!

    فقلت له: كيف طلقتها؟

    قال: يا أخي وصَلَتْ الأخطاء إلى أشياء لم أحتملها.

    وابنتي تقول لي: إني طلقت ست مرات. وأنا والله ما أدري ماذا خرج من فمي، ولا أعرف أن الطلاق خرج؛ لكن ما أدري هل هي مرة أو أكثر.

    وبنتي تقول: إني طلقت ست مرات.

    تقول: إن إناء الماء كان عندي فأخذته ورميته قبل أن أطلق. والله العظيم ثم والله أني ما أدري هل رميت الإناء أو ما رميته.

    وتقول لي: إن أمي بجوارك عندما طلقت. وأنا والله لا أدري أين هي جالسة عندما خرج الطلاق مني.

    الطلاق شر!

    ذاك الرجل الذي أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (أوْصِنِي، قال: لا تغضب، فردد مراراً، قال: لا تغضب).

    الجرائم المستعصية التي نسمع عنها في السجون مِن أهم أسبابها الغضب، كم سُفِكت بسبب الغضب الدماء، ولا يدري الإنسان إلا وقد تلطخ بدم، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93]. (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِب دماً حراماً).

    كم وقع بسبب الغضب من عقوق الوالدين؟!

    كم وقع بسبب الغضب من أمور الطلاق؟! نَسَفَ الإنسان بيته؛ يدور على المشايخ: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً آخر، فماذا يعمل بهؤلاء الأولاد الذين يملئون البيت ضجيجاً؟! ماذا يعمل بهم؟! نسأل الله العافية، ونسأل الله السلامة.

    الغضب -يا إخواني- سبب لانطلاق الفم، ولتحرك الأعضاء بدون إرادة، كثير من المعاصي والمنكرات، ومن كبائر الذنوب، ومن خسارات الدنيا والآخرة تقع بسبب الغضب؛ لكن هل هذا الغضب من أجل الله؟! لا.

    1.   

    تقسيم الغضب إلى مذموم وغير مذموم

    ليس الغضب كله مذموماً، ولو كان مذموماً ما اتصف الله به، وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180]، ولذلك من صفات الله: صفة الغضب، فهي صفة من صفاته الفعلية جل وعلا.

    فلو كان الغضب صفة نقص ما اتصف الله به؛ لكن الغضب في وقت الغضب، وبالمقدار المطلوب لا يُذَم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتُهِكَت حرمات الله، الإنسان الذي يخرج من بيته والأولاد لا يصلون ولا يركعون لله ركعة، وكأن شيئاً ما حصل، يرى المعاصي والمنكرات ويجلس فيها، لا يغضب لله، يرى على ابنته بعض الأشياء التي ربما تُذْهِب عرضها ولا يغار، لا يغار على زوجته، ولا يغار على بناته، الواحد إذا غضب في مثل هذه الأمور فهذا الغضب عبادة يثاب عليها، لذلك ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغضب من أجل الدنيا وحطامها أبداً، وإنما كان يغضب إذا انتُهِكَت حرمات الله.

    أما الآن فقد عكس الناس الأمور، فتجد أحدهم يغضب من أجل نفسه ولا يغضب من أجل الله، فاتصفوا بصفة النقص المذمومة، كم مر بنا من حالات الغضب ندمنا عليها؛ مِن كلامٍ خرج من اللسان، ومِن بعض التصرفات؟! يندم الإنسان على مثل هذه الأمور.

    القصة القديمة التي لا تخفى عليكم، أن رجلاً اشترى مفروشات لمجلسه، فأتى طفله الشقي بسكين، وجلس يقطع في هذه المفروشات التي تعب الوالد في شرائها، قال: أعطني يديك التي قطعت الفراش، فأخذ بالسكين يضرب في يدي الطفل، حتى حمله إلى المستشفى، فأصيب الطفل بغرغرينة، وقُطِعت يداه، فلما ذهب الوالد إلى المستشفى قال الطفل: يا أبي! أعطني يدي ولا أعود إلى تقطيع المفروشات، فأخذ المسدس وضرب به رأسه، فمات منتحراً نسأل الله العافية والسلامة.

    فهذا الغضب صفة قبيحة، وقد تجد في إخوانك وبني عمك من هو سريع الغضب، والذي عنده عجلة وطيش معه خفة عقل، وينزل من عيون الناس، والذي عنده حلم وأناة ورفق، محبوب، وهذه من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانَهُ ولا نُزِع من شيء إلا شانه).. (مَن يحرم الرفق يحرم الخير كله).. (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله).

    1.   

    المحافظة على الأذكار والطاعة وأثرها في دفع الغضب

    ومن الأسباب -يا إخواني- التي تُبْعِد الغضب: أن الإنسان يحافظ على الأوراد الصباحية والمسائية؛ لأن هذه تبعد الشيطان عنك، وكثير من إخوانكم الذين يحافظون على الأوراد من سنوات طويلة يقول أحدهم: إذا دخلتُ البيت ووجدتُ الخطأ أحس أن الله أعطاني السداد، وأعانني على إقناع المخطئ بالخطأ، وأن الخلاف الذي وقع في البيت يزول.

    وإذا أتيت في يوم لم أقرأ وردي فيه فإن الخطأ الذي أراه في البيت في حجم البيضة يصبح عندي في حجم الجبل، فلا أدري إلا وقد غضبت ورفعت الصوت، ولا ينتهي الغضب إلا وأجد أشياء أندم عليها من التصرفات الخاطئة.

    فالإكثار من الأوراد الصباحية والمسائية، والاستعانة بالمولى جل وعلا يعين الإنسان على التوجيه، فيُعانُ الإنسان.

    أحد الناس ينصح ولده، وقد استعصى الولد عليه، قال: اسمع أنا أريد أن أتشرف بالإشراف على تربيتك، وعلى نصحك، وإن كنت لا تريدني فأخبرني الآن، واعزلني، لن أقول لك شيئاً!

    ماذا تظنون أن يقول الولد للوالد؟!

    هل يقول: عزلناك؟!

    لا بد -يا إخواني- أن يُطْرَح النقاش بين الرجل والمرأة وبين الأولاد، تناقشهم في كثير من الأمور، ولو خالفوك في بعض الأمور فأعطهم الحرية، إلا في شيء يهدد بنيان الأسرة.

    يقول بعض الإخوان: إني أقول لأم فلان: أنا أقبل الأخطاء بالنقاش؛ لكن تعلمين أن الله أعطاني الحكم، فأنا حاكم البيت، فالمعاصي والمخالفات إذا وصلت إلى كرسي الحكم فهذه لا أرضى بها، وأنتِ لا ترضين أن زوجك يصبح في يوم من الأيام سائقاً، تُجْعَل له غرفة عند الباب، يأتي بالخبز، والدواء فقط. والمرأة الطيبة لا ترضى بمثل هذه الأمور.

    يا إخواني: الحلم نعمة من نعم الله، وأنا أعلم أنه لو كان الحلم يباع في السوق لا شتراه كل واحد منا، لماذا؟

    لأننا نرى أن من يتصفون بهذه الصفة هم من أسعد الناس، والحليم دائماً مغبوط، زوجته مرتاحة، وذريته، وزملاؤه، وجيرانه، بخلاف سريع الغضب، دائماً يأتي بمشاكل لنفسه، ولمن حوله.

    فالحلم نعمة من نعم الله جل وعلا، على الإنسان أن يتصف بها؛ لكن كما قلت لكم: إن الإنسان إذا علم الواقع الذي يعيش فيه، وأن هذه الدنيا لا بد فيها من منغِّصات، وأنه مهما حاول الزوجان ألا يقع بينهما شيء من الخلاف لابد أن يقع؛ لكن هناك خلاف يُقْبَل وهناك خلاف لا يُقْبَل، فإذا كان يأتي الخلاف بين الزوجين إلا في الشهر مرة واحدة، أو في الشهرين، أو في نصف الشهر، فهذه أمور مقبولة، ولا يخلو بيت من مثل هذه الأمور، أما إذا كان غالب الوقت في غضب وفي خلافات وفي كراهية، فحينئذٍ لا بد من أن يدخل بين الزوجين مَن يُصْلِح بينهما.

    فالارتقاء -يا إخواني- بمعرفة ما قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، والإنسان إذا كان يتجه إلى الله عز وجل وتغلو عنده الآخرة، يعطيه الله الحلم، لماذا؟

    لأنه يصبر لله، ويعطي لله، ويبذل لله، ويكرم الناس من أجل الله، ويساعدهم من أجل الله، لا يريد شيئاً من الناس، فهذا من أين يأتيه الغضب؟! ومن أي شيء يأتيه؟!

    فهو إذا رأى سفيهاً من السفهاء في الحي لا يحتك به:

    ولقد أمر على اللئيم يسبني     فمضيتُ ثمت قلت: لا يعنيني

    إذا سمع بعض الكلمات كأنه ما سمعها، ومشى، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63] لا يمكن أن يأتي إلى المؤذي ويمسكه بتلابيبه ويضربه في بطنه؛ لكنَّ بعض الناس إذا رأى بعض السفهاء، قال: والله هذا خبيث لن يؤدبه احد غيري فيذهب بنية أن يؤدبه، فيقع بينهما من العراك ما الله به عليم، اترك هذا الكلب حتى يأتي كلب آخر فيعض كل واحد منهما الآخر، وأنت سالم وبعيد عن مثل هذه الأمور.

    يا إخواني: الإنسان دائماً يفكر إذا خُيِّر بين أمرين، (ما خُيِّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)، البعد عن سفاسف الأمور.

    كذلك في المزاح، فالمزاح هذا يجر البلاء، وتكون عاقبته غير محمودة، فالإنسان يمزح بقدر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقاً صلوات الله وسلامه عليه؛ لكن بعض الناس الآن يأتي بكلام يؤذي الناس الآخرين، فتقع أمورٌ لا تُحْمَد عقباها.

    حُسْنُ الخلق شيء متكامل، كلما يزداد الإنسان معرفة بمثل هذه الأمور، ويتجه إلى رب العالمين جل وعلا، ويتجه إلى الآخرة، تسهل الدنيا وحطامها عنده، وتجد -سبحان الله!- أن القلوب تتجه إليه، وأن الناس يحبونه، ولا يقع معهم في صراع ولا جدال.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة في كيفية تجنب الغضب

    السؤال: فضيلة الشيخ! أنا شخص سريع الغضب، وكثير من الناس ابتعدوا عني بسبب ذلك، فكيف أتخلص من هذا العيب؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

    الجواب: حفظنا الله وإياكم ووفقنا إلى ما يحب ويرضى.

    هذا الشخص أوصيه أن يمشي مع الأخيار، وأن يتعلم الحلم؛ لأن -سبحان الله!- بعض الناس يعيش في مجتمع مؤذٍ، حتى الحليم يصبح حيران فيه، وكثرة الضرب في الحديد البارد تلينه، فإذا كان الإنسان في مجتمع يؤذي ولا يجد من يرحمه، فهذا كالنار تحت القدر، تترك القدر يفور.

    فأنا أوصي هذا الشخص إذا أراد أن يتعلم الحلم أن يزور الأخيار، ويمشي معهم، ويجالسهم، ويكثر من قراءة القرآن، وسماع الأشرطة الطيبة، حينئذٍ يعطيه الله عز وجل حلماً.

    وهذا شيء معروف عند كثير من الناس، فكلما يزداد الإنسان في معرفة الدين، والعمل به، يعطيه الله عز وجل من الحلم، فعندك -مثلاً- الآن أحد إخوانك دائماً يرفع صوته عليك، ويجد اللذة مع أصدقائه ولا يجد اللذة مع والديه، إذا جاء يوماً من الأيام واهتدى وتوجه إلى الله، أصبح من أبر الناس بوالديه وقرابته.

    يا إخواني: هناك مدرسة الآن موجودة ولله الحمد، مدرسة الأخيار، والله يا إخواني إن تَزُر الواحد منهم أنت تشعر بضعف الإيمان تخرج من عنده إلا وقد زاد إيمانك، الإنسان الذي يمشي مع الأخيار يعطيه الله العقل، ويسمع النصيحة، ويسمع التوجيه، ويعطيه الله عز وجل قبولاً.

    هل رأيتم أحداً الآن يمشي مع الأخيار، ويتجه إلى الله، عيناه تدمع، وقلبه يخشع، ويزداد حباً لله، ويزداد تعلقاً بدين الله، ورأيتم عنده من الأشياء التي تنكرونها؟!

    لا. أبداً، بل يتأدب بآداب الإسلام، وإذا تأدب بآداب الإسلام احترمه الناس، وإذا احترمه الناس بادلهم نفس الاحترام، فلا يجد شيئاً يؤذيه.

    لكن إذا أصبح مثل العقرب -العقرب لا يراه أحد- فيمشي وإذا بهذا يأخذ النعل، وهذا يأخذ العصا، فيأتي العقرب يقول: لماذا الناس إذا رأوني فروا، فهذا يصيح، وأهل البيت يجتمعون ويطاردونني يميناً وشمالاً؟!

    نقول: لأنك مؤذٍ.

    الفأر إذا أتى الولد الصغير يقول: يا أبي الفأر في المستودع.

    هل يقول: دع الفأر

    لا، بل يدعو أفراد الأسرة فيجتمعون، هذا عند النافذة، وهذا عند كذا، وكل واحد منهم مستعد، فيأتي الفأر ويقول: لماذا يكرهني أصحاب هذا البيت؟!

    يا إخواني: حسن الخلق يجعل الناس يحترمونك، وإذا احترمك الناس ما أتاك الغضب، حتى أنا ما رأيت شيئاً جلب لصاحبه الخير كما جلب حسن الخلق، (ذهب حسن الخلق بخيرات الدنيا والآخرة)، وقال الله لنبيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    حتى للبهائم: مثلاً: عندك قطتان في البيت، قطة تلعب مع الأطفال، وهي تصبر عليهم، هذا يطأ ذيلها، وهذا يجر شعرها، وتلعب معهم، وتداعبهم، هذه القطة إذا اشتروا شيئاً أعطوها، حتى تجد أن الطفل يخرج اللحمة من فمه ويعطيها إياها، وتجدها تنام تحت ( المكيف ) في الصيف، وتحت البطانية مع الولد في الشتاء.

    والقطة الثانية قطة تبول في المجلس، وتخمش الأطفال، فهذه من حين تدخل البيت يطاردونها بالعصا وبالنعال.

    فلماذا هذه القطة فرضت على أهل البيت احترامها، والقطة الآخرى فرضت على أهل البيت مطاردتها؟!

    هذه عندها خلق وهذه ما عندها خلق، وهي قطط.

    عندك الآن خلفتان، خلفة تؤذي من يحلبها، وطباعها سيئة، فهذه تباع للجزار بثمانمائة ريال، والخلفة الثانية تدر اللبن، ومؤدبة، لا تتحرك عند الحلب، ولا عند الاقتراب منها، فهذه تصل قيمتها إلى ثلاثين ألفاً، ولا يفرط الناس فيها، وهي إبل.

    عندك أخوان اثنان:

    أحدهما: عنده امرأة حفظت ماله، وربَّت أولاده، وأعانته على بر والديه، وعلى صلة أرحامه، تأتي أخواته في الإجازة فيكون في أسفل البيت، تشعر كل واحدة من أخواته أنها في بيتها.

    والآخر: زوجته لسانها مثل المنشار، إذا ضرب الجيرانُ ولدَها خرجت إلى الشارع تسب وتشتم، فرَّقت بينه وبين والديه، وبينه وبين قرابته، وتأتي تقول: لماذا الناس يحبون فلانة ولا يحبونني؟!

    مَن يسرع للزواج منها؟!

    بنت الأولى يتسابق الناس لها؛ لأنها بنت فلانة.

    وهذه لا يقربون بناتها؛ فالعرق دساس. (ذهب حسن الخلق بخيرات الدنيا والآخرة).

    وعليك أن تبتعد عن مهيجات الغضب.

    يجد الإنسان عندما يغضب فوراناً، عندي الآن قدر يفور، أتت البنت: يا أبي! القدر يفور، فماذا يقول لها؟

    أطفئي النار. فتطفئ النار فيركد الماء.

    المهيجات التي عندك الحطب الذي يوقد على قلبك ويأتي بالغضب ابتعد عنه.

    يا إخواني، انظروا إلى الشخص شديد الغضب، ضحَّى بتسع وتسعين نفساً، وذهب إلى الراهب وسأله، فقال له: لا توبة لك فأكمل به المائة -الحق بأصحابك- فذهب إلى عالم، فقال هذا العالم: (ومن يحول بينك وبين التوبة؟!) لكن بماذا أمره؟ أمره بتغيير البيئة، بلدك بلد سوء.

    فلا بد من تغيير الصحب.. تمشي مع الأخيار، وتجالس الأخيار.. تستمع إلى الخير.. تكثر من قراءة القرآن.. تتجه إلى الله، تسأل الله عز وجل التوفيق.

    والله يا إخواني -اسمعوا!- شيء رأيناه بأنفسنا وقرأناه في الكتب، الله يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وهناك أثر لبعض السلف ذكره ابن كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية: "إني لأعصي الله فأجد أثر ذلك في خلق دابتي وزوجتي". وهذا شيء جربناه، يخطئ الإنسان فيعصي الله ويذهب إلى البيت وهو مُتْعَب، يريد أن يرمي بالمتاعب، ومعه امرأة تلبس له أحسن لباس، تعد له أحسن الطعام.. تدلك رجليه.. تأخذ بخاطره.. تخفف آلامه.. إذا دخل أتى الشيطان بينه وبينها وحصل مثل الحريق في البيت، تنغَّصت الحياة، فيجلس يفكر! لعل هذه عقوبة المعصية التي عملتها خارج البيت! "إني لأعصي الله فأجد أثر ذلك في خلق دابتي وزوجتي".

    فلا بد من التوجه إلى الله عز وجل، فتزول الأسباب المهيجة للغضب.

    مشروعية ذهاب المرأة إلى المسجد وأهميته

    السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لي رجاء هو أن توجهوا كلمة إلى الرجال لحثهم على أن نحضر المحاضرات بدون أن يُنْكَر علينا، فالله يشهد أننا لا نأتي إلا بكل صعوبة!

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، إذا كانت المرأة تريد أن تخرج إلى الصلاة لا تمنع، كذلك من باب أولى إذا أرادت أن تخرج لتتعلم دينها، فلا يجوز للإنسان أن يمنعها إلا إذا كان هناك سبب شرعي. فعليه أن يوصلها لتتعلم، والمرأة إذا تعلمت أول مَن يستفيد مِن تعلمها الزوج، كيف تمنعها من سماع الخير وسماع المحاضرات؟!

    تغيرت النساء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكر ابن عمر هذا الحديث لابنه بلال، قال: [النساء تغيرن، والله لنمنعهن، قال: أخبرك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن؟! لا أكلمك أبداً].

    جزى الله المرأة خيراً، يا إخوان أين المرأة الآن التي تقول: أوصلني إلى المحاضرة، كثيرٌ من الإخوان الذين يسمعون المحاضرات عرضوا على زوجاتهم هذا، فتقول: لا. أريد أن أجلس عند التلفاز. فتجدها جالسة عند المكسرات وعند إبريق الشاي؛ لكن لو أنها مدعوة إلى قصر أفراح لذهَبَتْ شهراً إلى الخياطين والأسواق تجمع ثوباً لتحضر الرقص.

    فكل إخواني الآن في المسجد يتمنى أحدهم أن عنده زوجه تقول: أوصلنا إلى المحاضرة، تحب الخير، وتريد أن تذهب إليه. فنحن نوصلهن إلى الأسواق، ونوصلهن إلى الأعراس، ونوصلهن إلى كذا، ولا نوصلهن إلى بيت الله لتسمع المحاضرة؟!

    هذا وإن كان وجد فهي حالة فردية، وإلا كثير من الناس يتمنون، يتمنى الآن أنه يسمع من بناته، ومن أخواته من تطلب أن تحضر المحاضرات.

    نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

    ضرورة التغاضي عن بعض أخطاء الزوجة والاستشارة لحل بعضها

    السؤال: فضيلة الشيخ! لي زوجة بعض أعمالها تتصف بالجهل، وكلما حلمت عنها اعتبرت هذا الحلم ضعف شخصية، وتمادت في ذلك، فما العمل؟

    الجواب: المشاكل الزوجية أقل شيء سيؤثر فيها، تعرفون السيارة التي ليس فيها ترصيص العجلات! قطعة صغيرة من الحديد إذا نزعت من العجلات أصبحت السيارة ترتج، تذهب إلى البنشر فيضع فيها هذه الحديدة الصغيرة.

    فأقل شيء يمكنه أن يثير الخلاف بين الزوجين، وما أسرع ما ينطفئ الخلاف!

    ذهب أحد الإخوة إلى والديه، فلما وصل إليهما وقت صلاة العشاء غضب الوالد وسب الوالدة، واجترأ وسب والديها، وهذا لا يجوز، فقامت وغضبت وخرجت، قالت: الآن تعمل كذا وتعمل كذا. قال الرجل: فجلستُ أتقلب طول ليلي أسأل الله العافية.. وقع الخلاف بين والِدَيَّ.. ما هذه المصيبة التي وقعت؟! فصلى الفجر وأراد النومَ فلم يأتِه النوم، لا بليل ولا بنهار، فخرج يمشي، ولما رجع بعد طلوع الشمس سَمِعَ صوت ضحك في البيت، قال: مَن هذا؟

    فوجد أن أمه أتت بإبريق القهوة، وجلست معه، وكأن شيئاً ما حصل.

    فالزوجان لو وقع الخلاف بينهما، وارتفع وحصل بينهما ما حصل فسرعان ما ينطفئ ويزول؛ لكن -يا إخواني- إذا الإنسان استعصت عليه المرأة كهذا الأخ السائل، فلا بد أن يستعين بأهل المروءة.

    ولابد من شكوى إلى ذي مروءة     يواسيك أو يسليك أو يتوجعُ

    تذهب إلى بعض الإخوة الذين عندهم خبرة ودراية، وتذكر الحالة التي عندك، فيصرف لك إن شاء الله دواء من صيدليته يكون بإذن الله سبباً في العلاج، ولا مانع من أن يزورك في البيت، ويسمع منك، ويسمع من الزوجة، فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً [النساء:35]، إلى آخر الآيات.

    فلا بد من عرض الأمر على بعض الإخوة من طلاب العلم المعروفين الموثوقين الذين يحفظون السر، وحينئذٍ يعينك على حل المشكلة التي عندك.

    ونسأل الله لنا ولك التوفيق، وادع الله، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]، كثير من الرجال يشتكي الآن من الزوجات، والسبب هو، إذا أنت سألت -وهذا عيبنا الآن في هذا البلد- تجد أننا نسمع من طرف واحد ونحكم، أهل الزوجة يدينون الزوج؛ لأنهم لا يسمعون إلا من ابنتهم، وأهل الزوج يدينون الزوجة؛ لأنهم لا يسمعون إلا منه. فقد دخلت في مشاكل كثيرة، يأتي الزوج يشتكي، فإذا دخلنا وحققنا في الأمور نجد أن الخطأ منه، وأحياناً تأتي الزوجة، ويأتي أهلها يشتكون، فإذا سمعت من هذا ومن هذا تجد أن الخطأ أتى من قِبَل الزوجة، فالإنسان الذي يسمع من طرف واحد يخطئ.

    فهذا داوُد عليه السلام ما الخطأ الذي وقع فيه؟ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [ص:21] لما سمع كلام المدعي أصدر الحكم، وهذا هو الصحيح اللائق بالقصة الموجودة، سَمِع الدعوى وأصدر الحكم، ما سأل الخصم الآخر، فعاتبه الله، وقال له: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص:26].

    فلا بد من السماع من الطرفين، أتى رجل وعينُه على يده عند علي رضي الله عنه، فقالوا: [يا أمير المؤمنين! هذا مظلوم، قال: انتظروا! لعل صاحبه أن يأتي وقد فقد عينيه الاثنتين].

    فكم من إنسان الآن يشتكي من قبيلته فإذا دخلنا في الأمر وجدنا أن الخطأ منه!

    وكم الآن من أب يشتكي من أولاده، وإذا دخلنا في المسألة وجدنا أن الخطأ منه!

    وكم من امرأة تشتكي من زوجها فإذا دخلنا في الأمر وجدنا أن الخطأ منها!

    فلا بد -يا إخواني- من السماع من الطرفين.

    نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

    كيفية التعامل مع مشاكل الأطفال فيما بينهم

    السؤال: فضيلة الشيخ! حفظك الله، يوجد لدي بعض الأطفال يَحِقْدُ بعضهم على بعض، ويضرب بعضهم الآخر، فماذا أفعل حتى أجعلهم إخوة متحابين؟

    الجواب: هذا لا بد أن يوجد في كل بـيت، فالإنسـان صفته صفة ابن آدم: إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72]، ظلوم: يريد أن يمنع حقه ويأخذ حقوق الناس، والجهل؛ إلا من أدبه الإسلام، إذا تأدب بالإسلام زالت هذه الصفات القبيحة.

    فوجود الأبناء في البيت، والبيت أسرة، والأسرة هذه كالمملكة الصغيرة، لها حاكم وهو الأب، ولها نائب للحاكم وهي الأم، فإذا كانوا في مجرد الخلافات؛ يلمس أحدهم ثوب الآخر، ويأتي يبكي، فهذه أمور لا بد أن توجد في كل بيت؛ لكن إذا وُجِد الأذى من بعض الأولاد على بعض فلا بد من تدخل السلطة، يحكم الأب بينهما بالعدل، ويؤدب المخطئ، فالبيت إذا وُجِدَ فيه من يؤدب المخطئ هدأ البيت، وإذا خلا الأولاد من مثل هذه الأمور فحينئذٍ يأكل القوي الضعيف، وتظهر في البيت شريعة الغاب.

    كيفية حل مشكلة كثرة طلبات الزوجة

    السؤال: فضيلة الشيخ! تحاملتَ على معشر الرجال، ووقفتَ كثيراً في صف النساء، فلماذا لا تكون النساء أكثر حلماً وأناة من رب الأسرة، وأن تخفف النساءُ بعضَ الطلبات التي تُقَدَّم وتُطْلَب من الزوج؟

    الجواب: نسأل الله أن يوفقنا ويوفقكم. آمين.

    دائماً الدعاة متهمون مِن قِبَل النساء، بأنهم يتعاطفون مع الرجال، وقد مضى لي في إلقاء المحاضرات ما يقرب من (35) سنة، وهذه أول مرة أسمع فيها أن المطاوعة -كما يقولون- يُتَّهَمُون بالوقوف مع النساء.

    وإذا كان الواحد مُخَيَّراً أن يغضبكم أو يغضب الأخوات فأقول: اسمعوا! أنا أريد أن أغضبكم ولا أغضبهن؛ لكن -يا إخواني حفظنا الله وإياكم- لا بد من الكلام بالعدل. نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

    يقول: حلم المرأة في تخفيف المصروفات!

    ليس هذا من الحلم، هذه مسألة الزوج يستطيع أن يبينها للمرأة.

    الآن حكام الدنيا الذين اجتمعوا في الأمم المتحدة ، الآن هم: (160) حاكماً، هل يستطيع كل حاكم منهم أن يصرف مثل الآخر وهو حاكم؟!

    هل تطالب دولة من دول أفريقيا أن تصرف مثل مصروفات السعودية؟! لو طالبوا حكوماتهم ما استطاعوا.

    فالآن المشكلة والمصيبة عندنا أن المرأة والطفل الصغير يظنان أن الزوج يستطيع شراء كل شيء.

    أخي ضابط دخله الشهري عشرون ألف ريال، وأنا جندي، فهل تطلب زوجتي مني من المصروفات مثلما يُصْرف في بيت أخي؟! وهذه المسألة المنتشرة الآن، وهذه المرأة التي تصل إلى هذا الحد امرأة جاهلة، بخلاف نسائنا -ولله الحمد- اليوم، فقد وصلن إلى نسبة من التعليم، أما أن أطالب زوجي بمصروفات كما تصرف فلانة وفلانة، فلا.

    آباؤنا يقولون -وهم لا يعرفون القراءة والكتابة-: كل إنسان يمد رجليه على قدر لِحافِه، فالجندي الذي يريد أن يصرف كما يصرف الضابط هذا سيندم، في يوم من الأيام تركبه الديون ويصبح الزوج في السجن سجيناً، والبيت يصبح مديناً.

    أحد الناس -يغفر الله له- كان يركض في طلب الرزق يميناً وشمالاً، قيل له: يا شيخ، كَبُر سِنُّك.

    قال: هذا الإنسان الذي عنده امرأة ما تعذره، وطفل لا يدري.

    - الطفل: اشترِ لي دراجة.

    - ليس لدي مال

    فيجلس يصيح حتى يشتري له دراجة.

    المرأة تقول: أعطنا. وما عندي شيء.

    فلا بد -يا إخواني- أن تفهم النساءُ أن لكل بيت ظروفه المادية، وأن لكل بيت ميزانيته.

    فلا بد أن ننبه النساء، والسبب الآن أن بعض الرجال لا تدري المرأة ماذا عنده من المال، تظن أن الرجل عنده أموال في البيت.

    أحد إخواننا زرته في مصر، وهو من الإخوة الدعاة، دخله الشهري (150) جنيهاً، يقول: تعالي يا أم فلان، هذه (150) جنيهاً دخلي الشهري، أنا لا يمكن أن أجلس عند أبواب المساجد أمد يدي، بعد أن تأكلوه في أسبوع، فوزِّعوا الدخل على الشهر.

    لا بد -بارك الله فيكم وحفظكم- أن نُفْهِمَ النساءَ أن الموجود عندنا لهن ولأولادهن، لو مات الإنسان وعنده الملايين فلها ولأولادها، أما أن تكلف الزوج شيئاً لا يطيقه فهذا من الظلم، ونربأ بأخواتنا أن تصل الواحدة إلى مثل هذه الأمور.

    نسأل الله لنا ولكم التوفيق.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995863572

    عدد مرات الحفظ

    717717158