إسلام ويب

توحيد الله أولاًللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوحيد أساس الدين، وحصنه الحصين، إليه دعا الأنبياء، وبه نادى الكتاب والسنة، وحاجة البشر إليه عظيمة، ومن أجل ذلك لزم الحديث عنه وبيان قوادحه ونواقضه، وفي هذه الخطبة بيان لأهمية التوحيد، وتحذير من الإخلال به، وبيان لمبررات الخوف من هذا الإخلال.

    وفي ختام الخطبة توضيح لواقع الناس مع قوادح التوحيد من حيث العلم النظري والواقع العملي.

    1.   

    أهمية التوحيد

    الحمد لله الذي خلقنا لعبادته وتوحيده، ومنَّ علينا وتفضل بتسبيحه وتمجيده وتحميده، أحمده سبحانه وأشكره، وعد الشاكرين بمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل رسله وأكرم عبيده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله ربكم الذي خلقكم، واستعينوا على طاعته بما رزقكم، فربكم جلت حكمته لم يخلقكم هملاً، ولم يترك أمركم في هذه الحياة مهملاً، بل خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً.

    حاجة البشر إلى دين الله

    أيها المسلمون: إن بني الإنسان حين يضلون عن سبيل الله يتخبطون في فوضى التديُّن، ويغرقون في ألوان الشرك، وأوحال الجاهلية: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:31-32].

    وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:116] .

    البشر عقولهم قاصرة عن أن تدرك طريق الصلاح بمفردها، أو تستبين سبيل الرشاد بذاتها، إنها لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعاً أو تدفع ضراً.

    لا يرتفع عن النفوس الشقاء، ولا يزول عن العقول الاضطراب، ولا ينزاح عن الصدور القلق والحرج إلا حين توقن البصائر، وتسلِّم العقول بأنه سبحانه هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الجبار المتكبر، له الملك كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112].

    وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النساء:125] .

    أيها الإخوة: إن إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة يرتقي بالمؤمن في خُلُقه وتفكيره، وينقذه من زيغ القلوب وانحراف الأهواء وظلمات الجهل وأوهام الخرافة، ينقذه من المحتالين والدجالين وأحبار السوء ورهبانه، ممن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، التوحيد الخالص المخلص يحفظ الإنسان من الانفلات بلا قيد أو ضابط.

    مكانة التوحيد في الدين الإسلامي

    أيها الإخوة: توحيد الله هو العبودية التامة له سبحانه، تحقيقاً لكلمة الحق (لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله) صلى الله عليه وآله وسلم، تحقيقاً لها في لفظها ومعناها، والعمل بمقتضاها، يقيم المسلم عليها حياته كلها، صلاته ونسكه، ومحياه ومماته، توحيدٌ في الاعتقاد، وتوحيدٌ في العبادة، وتوحيدٌ في التشريع، توحيدٌ تُنَقَّى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في الألوهية لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الجوارح والشعائر من أن تُصرف لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الأحكام والشرائع من أن تتلقاه من أحد دون الله عز وجل.

    التوحيد هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وقطب رحاه، وذروة سنامه، قامت عليه الأدلة، ونادت عليه الشواهد، وأوضحته الآيات، وأثبتته البراهين، نصبت عليه القبلة، وأسست عليه الملة، ووجبت به الذمة، وعُصِمت به الأنفس، وانفصلت به دار الكفر عن دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي، ومهتدٍ وغوي.

    1.   

    التوحيد في القرآن والسنة

    أيها الإخوة: لقد كانت عناية القرآن بتوحيد الله عظيمة، فهو القضية الكبرى، وهو مهمة رسل الله الأولى، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] .

    وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45] .

    ذكر التوحيد في القرآن الكريم

    فالقرآن كله حديث عن التوحيد، وبيان حقيقته والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديث عن ضده من الشرك بالله وبيان حاله وأهله وسوء منقلبهم في الدنيا وعذاب الهُون في الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31] .

    إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] .

    والأوامر والنواهي ولزوم الطاعات وترك المحرمات هي حقوق التوحيد ومكملاته، القرآن العظيم يخاطب الكفار بالتوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به ويعتنقوه يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] .

    فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50-51]

    وكل نبي يقول لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه ُ الأعراف:59].. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    والتوحيد يخاطَب به المؤمنون ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص فيه أو الخلل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136] .

    ومن صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] .

    ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] .

    بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بنبذ الشرك، والبراءة من أهله، والإعراض عنه وعنهم، فقال عز وتبارك: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج:26] .

    وقـال عز وجـل: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:132-133] .

    وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66].

    قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرعد:36] .

    وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص:87] .

    اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106] .

    قال أهل العلم رحمهم الله تعليقاً على هذه الآيات وأمثالها: فإذا كان يُنْهَى عن الشرك مَن لا يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟!

    ولقد قال إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [إبراهيم:35-36] .

    قال إبراهيم التيمي : ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!

    هذا بعض خبر القرآن.

    التوحيد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم

    أما السنة: فإن بِعثةَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسالتَه وسيرتَه مِن أولِها إلى آخرِها، مكيها ومدنيها، حضرِها وسفرِها، سِلمِها وحربِها، كلُّها في التوحيد، منذ أن أُمِرَ بالإنذار المطلق في سورة المدثر: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] إلى الأمر بإنذار العشيرة الأقربين: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] إلى الأمر بالصدع بالدعوة: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] .

    ثم من بعده الأمر بالهجرة: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] والإذن بالقتال والجهاد: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] إلى فتح مكة حين كسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأصنام بيديه، وتلا: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] إلى الإعلام بدنو الحِمام: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:3] .

    لم تخلُ فترة من هذه الفترات البتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك عليه الصلاة والسلام تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب ، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمرُه ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله.

    من أجل هذا كان التوحيد أولاً، ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.

    علاقة التوحيد بأركان الإسلام

    أما أركان الإسلام الخمسة الكبرى ومعالمه العظمى، فشُرِعت لتعلن التوحيد وتجسده وتقرره وتؤكده، تذكيراً وتطبيقاً، وإقراراً وعملاً.

    فالشهادتان: إثبات للوحدانية، ونفي للتعدد، وحصر للتشريع والمتابعة في شخص المرسَل المبلِّغ محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

    والصلاة مفتتحة بالتكبير المنبئ عن طرح كل مَن سوى الله عز شأنه، واستصغار كل من دون الله عز وجل، ناهيك بقرآن الصلاة وأذكارها في منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

    أما الزكاة فهي قرينة الصلاة في التعبد والاعتراف للرب بجليل النعم، وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءة من عبادة الدرهم والدينار، وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت:6-7] .

    أما الصيام الحق فهو الذي يدع الصائم فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه.

    أما الحج فشعار الأمة كلها في هذه البطاح والبقاع، فهو التلبية بالتوحيد ونفي الشرك.

    يقول أبو إسحاق الشاطبي -رحمه الله- في ذلك كله: نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد.

    وفي مأثور نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الورد اليومي الذي يجعله المسلم في حزبه: {أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } وفي الدعاء النبوي: {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم }.

    أسباب الاهتمام بالتوحيد

    عباد الله: ما كانت هذه الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظاهرة، والبراهين المتواترة، إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية، وشدة شأن الخوف على الناس من الانحراف والقلوب من الزيغ.

    ولماذا لا يُخاف عليهم والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتغويهم؟ وفي الحديث القدسي: {خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنَزِّل به سلطاناً } رواه مسلم وأحمد من حديث عياض بن حمار المجاشعي .

    كيف لا يكون خوفٌ والرسول صلى الله عليه وسلم خاطب أصحابه الصفوة المختارة من الأمة: {أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر } ؟!

    ويزداد الخوف حين يتأمل متأمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: {الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل } بل لقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن فئاماً من الأمة تعبد الأوثان، وقبائل تلحق بالمشركين.

    والحافظ ابن كثير رحمه الله يعلق على قول الله تعالى: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] قال رحمه الله: فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته.

    لماذا يا عباد الله لا يُخاف الخللُ في التوحيد والنقصُ في صدق التعبد والتعلق؟! لماذا لا يُحذر من الشرك وأنواعه وأسبابه، والله عز وجل يقول في محكم تنزيله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]؟!

    قال بعض أهل العلم: في هذه الآية دلالة على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً، فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله، لكنه لا يخلص له في عبوديته، فيتعلق بغير ربه، ويعمل لحظ نفسه، وطلب دنياه، أو ابتغاء رفعة أو منزلة، أو قصد إلى جاه عند الخلق، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخَلْق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.

    صور من الإخلال بالتوحيد

    أيها الإخوة في الله:! الأمر خطير ودقيق، شرك خفي في المحبة والتألُّه والخضوع والتذلل، مَن أعطى حبه وذُلَّه وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله، فكيف يكون محققاً للتوحيد؟! وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121] .

    اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة:31] .

    هذا مشرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد والتضحية، وذاك مشرك في باب الأسباب، وآخر في باب النفع والضر، وانظروا في السحر والشعوذة، والتطير والتشاؤم، والرقى والتمائم، والحلف بغير الله، في صور لا تكاد تحصر، ناهيك بدعاء غير الله، والغوث من المقبورين، والغلو في الصالحين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويعلقون عليها القناديل والسرج والستور، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون بها، ويتطور الحال حتى يتخذوها أعياداً ومنسكاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الإخوة! وصورة جديدة من صور الخلل في التوحيد، باءت بها فئات من المنتسبين إلى الإسلام، تزعم الثقافة والاستنارة، لا ترضى بحكم الله ولا تسلم له، بل إن في قلوبها لحرجاً، وفي صدورها لغيظاً وضيقاً، إذا أقيم حدٌ من حدود الله ارتعدت فرائصهم، واشمأزت قلوبهم، قاموا وقعدوا، وأرغوا وأزبدوا، ولهم إخوان يمدونهم في الغي، يزعمون الحفاظ على حقوق الإنسان، وما ضاعت حقوق الإنسان وحقوق الأمم إلا بهم وبأمثالهم، الإسلام عندهم ظَلَم المرأة وهَضَم حقوقها، والحدود قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الإبداع والفكر، وأحكام الشرع كلها عودة إلى عصور الظلام والتعصب والانغلاق، بل لقد أدخلوها في نفق الإرهاب المقيت فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] .

    الله أكبر! التوحيد صعب على الأذلاء، ومن سيم الخسف والذل والتبعية أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] صعب على من استمرءوا الفساد، وولغوا في الأوحال وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45] إنهم لا يعرفون التوحيد، ولا يعرفون صفاء الدين، مستعبَدون في فكرهم، مشركون في تفكيرهم، وكأنهم قالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، بل لعلهم قالوا: سنطيعكم في كل الأمر.

    إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه، أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن الأمة، فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها وسمتها ورؤيتها وغايتها، مشدودة من خارجها من الشرق والغرب في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب، وقد تجلى ذلك في تجاهلهم بل تمردهم على تاريخ الأمة وأصالتها وتراثها.

    وبعد أيها الإخوة: فإن نعمة التوحيد يخرج بها قلب العبد من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده، يخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود إلى المعرفة واليقين والطمأنينة والرضا والهداية، يخرج من الدينونة المذلة لأرباب متفرقين إلى الدينونة الموحِّدة لرب الأرباب: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] .

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-61] .

    نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وقوع الناس في قوادح التوحيد

    الحمد لله، ولا نعبد إلا إياه، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، حمى حِمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فأظهر الله به دينه على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    أيها المسلمون: تحقيق التوحيد يحتاج إلى يقظة قلبية دائبة دائمة، تنفي عن النفس كل خاطرة تقدح في عبودية العبد لربه، وتدفع كل خالية شيطانية في كل حركة أو تصَرُّفٍ ليكون ذلك كله خالصاً لله وحده دون مَن سواه.

    ومع شديد الأسف -أيها الإخوة- فإن قوادح التوحيد ونواقضه صارت عند كثير من الناس من أخفى المعاصي معنىً، وإن كانت من أجلاها حكماً، فلظهور حكمها ترى المسلمين عامتهم يتبرءون منها، ويغضبون كل الغضب إذا نُسبوا إليها، وهم في هذا الغضب محقون، ولكن لخفاء معناها وقع فيها من وقع وهم لا يشعرون.

    ولقد قرر أهل العلم أن الخوض في قوادح التوحيد والحديث عن مظاهر الشرك هي طريقة القرآن، وذلك من أجل تحذير المسلمين وليس الحكم عليهم به، فـأهل السنة والجماعة لا يُكَفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا زال أهل العلم يتكلمون عن أحكام الردة وأسبابها، وطرق الزيغ والضلال، ومسالك الابتداع، والتحذير منها، فمن علِم العقائد الصحيحة وعلَّمها ودل عليها، ونبه إلى طرق الزيغ والكفر والبدع؛ فقد سلك مسلك حق، ونهج منهج نصح.

    وإن مما ينبغي التنبيه إليه أن من الخطأ في المنهج، وعدم التوازن في العرض وطرق التعليم أن ترى كثيراً من الكتب والمؤلفات تفصِّل في الفروع وأحكام المسائل حتى النادر منها وبعيد الوقوع، وهذا شيء في بابه حسن، ولكنهم لا يَعْنَون بالأصول مما يحتاجه الناس والناشئة، فلا يفصِّلون في التوحيد وأنواعه وحقوقه، ولا يبينون ضده من الشرك وأنواعه ومظاهره وأسبابه.

    وثمة خطأ منهجي آخر، وهو أن المتقدمين رحمهم الله سلكوا في باب العقائد مسالك كلامية، ومصطلحات منطقية، فخفي على الناس كثير من مهمات العقائد وأصول الدين، ولو سلكوا مسلك القرآن في البيان، لكان المتعلمون والناس أحرى بهداية الله وفضله في هذا الباب.

    يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله: ينبغي منع من يُشْهِر علم الكلام بين العامة لقصور أفهامهم، ولأنه لا يؤمَن عليهم من الزيغ والضلال، ولا بد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه؛ إذ هو بيِّنٌ واضح يُدْرَك ببداهة العقل.

    ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وأخلصوا دينكم لله، وحققوا توحيدكم، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

    ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، حامي جناب التوحيد، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.

    وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك المؤمنين.

    اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واهدهم لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.