إسلام ويب

المشي .. كيف وإلى أين؟للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين شامل يتناول مظاهر الحياة كلها؛ والمشي نشاط إنساني ومظهر من مظاهر تحرك الإنسان على الأرض لعمارتها، وتنظيم علاقات الجنس البشري فيها، ولذلك لم تغفله النصوص الشرعية؛ فقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية لتبين آدابه، ولترشد المسلم إلى غايات ينبغي أن يسعى إليها، وتحذره من السعي الذي يبغضه الله ولا يرضاه.

    1.   

    آداب المشي في القرآن الكريم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    انتهينا -أيها الإخوة- من الكلام عن آداب تلاوة القرآن الكريم، نتحدث اليوم -إن شاء الله- عن أدب إسلامي آخر وهو المشي، وربما يستغرب الإنسان ويقول: ماذا يمكن أن يوجد على المشي في هذه الشريعة؟! والحقيقة أن هناك كلاماً كثيراً في هذه الشريعة ورد في النصوص الشرعية يتعلق بالمشي، فلعلنا نذكر بعضه إن شاء الله في هذا الموضع.

    أولاً: بالنسبة للقرآن الكريم، فإنه قد جاء ذكر آداب المشي في القرآن الكريم في عددٍ من السور مثل سورة لقمان وسورة الفرقان، قال الله سبحانه وتعالى عن وصية لقمان لولده: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:18-19].

    ومعنى قول الله سبحانه وتعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً [الإسراء:37] أي: لا تمش مشية الخيلاء متكبراً جباراً عنيداً؛ فإن فعلت ذلك أبغضك الله، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18] والمختال: المعجب في نفسه، والفخور: أي على غيره.

    وأوصى ولده بقوله: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) أي: امشِ مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً وسطاً بين بين، هذا ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله، وقال العلامة الألوسي رحمه الله تعالى في تفسيره روح المعاني قال: (ولا تمش في الأرض) التي هي أحط الأماكن منزلةً (مرحاً) أي: فرحاً وبطراً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18] هذا هو التعليل للنهي، والمختال من الخيلاء، وهي التبختر في المشي كبراً، ولذلك قيل: إن اشتقاق اسم الخيل من الخيلاء، لأنه ما ركبها أحدٌ إلا وجد في نفسه خيلاء، فسميت الخيل خيلاً من هذا.

    وقوله تعالى: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) قال رحمه الله: بعد اجتناب المرح فيه، توسط فيه بين الدبيب والإسراع، من القصد وهو الاعتدال، وقال ابن مسعود : [كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشياً بين ذلك].

    و في البداية والنهاية أن عائشة نظرت إلى رجلٍ كان يتماوت في مشيته فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء، فقالت: [كان عمر رضي الله عنه سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع] فالمراد إذاً بالإسراع فيه ما فوق دبيب التماوت، وعلق في الحاشية بقوله: ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً متماوتاً فقال: [لا تمت علينا ديننا أماتك الله تعالى] ورأى رجلاً مطأطئاً رأسه فقال: [ارفع رأسك إن الإسلام ليس بمريض].

    فيكره مشي التماوت الذي يخفى فيه الصوت وتقل الحركات ويتزيا صاحبه بزي العباد كأنه يتكلف في صفاته بما يقربه من صفات الأموات، ليُوهم أنه ضعف من كثرة العبادة، وكأن هذا الذي يمشي مشية التماوت يريد أن يقول للناس: من كثرة عبادتي وصيامي أنني متعب في المشي، وهذا من أنواع الرياء، لأن المسلم مطالب بإخفاء عمله، والسلف رحمهم الله كان بعضهم من كثرة الصيام يصفر لونه، فكانوا يدَّهنون حتى لا يظهر جفاف الشفاه ولصوق الجلد من كثرة الصيام، وكانوا يدهنون في نهار اليوم الذي يصومون فيه، حتى لا يظهر أثر العبادة وأثر الصيام؛ فيكون خفياً، فهو أقرب إلى الله عز وجل.

    فمشية التماوت التي يظهر صاحبها أنه عنده تعبٌ شديدٌ من العبادة هي أمرٌ مذموم، وورد في صفته صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وقال تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان:19]وكونه عليه الصلاة والسلام كأنه ينحط من صبب لا يتنافى مع قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] لأن بعض الناس إذا علم أن مشية النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث كأنه ينحط من صبب، وأنه يسير بشيءٍ من الإسراع، وأنه يتقلع تقلعاً: (كان إذا مشى يتقلع) -كما سيأتي معنا بعد قليل- ظن أن هناك تعارضاً بين هذا وبين قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] فيظن أن الهون في المشي يتنافى مع كونه أنه ينحط من صبب -كأنه ينحط من مكان مرتفع- وأنه يتقلع تقلعاً.

    فقال الألوسي رحمه الله: إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل، وذكر بعض الأفاضل أن المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه، وقال السخاوي : محل ذم الإسراع ما لم يخش من بطء السير تفويت أمرٍ ديني، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مما لا ينبغي.

    وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه، وقيل: جعل البصر موضع القدم، فإن من عيوب الإنسان أن يتلفت وهو يمشي يميناً وشمالاً يتفرج، وربما وقعت عيناه على امرأة ونحو ذلك، وقد ذكروا -في مسألة غض البصر- أن رجلاً كان يمشي وينظر إلى امرأة في جانب الطريق فارتطم بعمودٍ فسال دمه من هذه الصدمة؛ فالالتفات يميناً وشمالاً لا إلى الأمام لا شك أنه من عيوب المشي.

    قال: وقيل جعل البصر موضع القدم، هذا بالنسبة لما ذكره في هذا الموضع.

    وقال: ( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) من أَقْصَدَ الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها ليصيبها، أي: سدد في مشيك، والمراد: امش مشياً حسناً، وكأنه أُريد التوسط به بين المشيين السريع والبطيء، هذا بالنسبة لما ذكره في هذا الموضع.

    وذكر الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء:37]: نهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية، (وقُرئ مرَحاً ومرِحاً) إذا قرأنا: ( ولا تمش في الأرض مَرِحاً ) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبختراً متمايلاً مشي الجبارين، قال: وأصل المرح في اللغة شدة الفرح والنشاط، وأطلق على مشي الإنسان متبختراً لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادةً.

    ولا شك أن الذي يمشي مشية الخيلاء متبختراً متفاخراً عُرضة لعذاب الله، والدليل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره عن مسلم بن جحاشن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: يا بن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد -وهذا مشي الجبارين المتغطرسين- فجمعت ومنعت -جمعت الأموال ومنعت الفقراء- حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة)؛ لأنه إذا بلغت الروح التراقي فلا توبة ولا تنفع التصرفات المالية، أو لا تنفذ التصرفات المالية في تلك اللحظة.

    وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل الذي كان يمشي متبختراً فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فهناك عقوبة للمتجبرين في مشيتهم، فالذي يمشي مشية الخيلاء متغطرساً مهدد بعقوبة من الله، ويوم القيامة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون كأمثال الذر على صور الرجال يطؤهم الناس بأقدامهم).

    انتبهوا يا أيها الإخوة! قضية المشي هذه قضية مهمة ورد ذكرها في القرآن في هذه السور الثلاث في لقمان والفرقان والإسراء، فالمسألة مهمة.

    يقول الله تعالى في سورة الفرقان: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] أول صفة لعباد الرحمن ذكرها أنهم يمشون على الأرض هوناً قال ابن كثير رحمه الله: هوناً أي بسكينةٍ ووقار من غير جبرية -أي بدون تجبر ولا استكبار- كما قال الله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء:37].

    فأما هؤلاء -أي: المؤمنون عباد الله- فإنهم يمشون من غير استكبارٍ ولا مرح ولا أشرٍ ولابطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياءً -يمثلون تمثيلاً ويتظاهرون تظاهراً ويتماوتون تماوتاً- فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، هذا في قوة مشيته وسرعته عليه الصلاة والسلام، فلا تفهم من قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] أن تلك مشية المتماوت البطيء المتثاقل في الحركة؛ بل لا تبختر ولا تماوت، وامش بين بين، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعفٍ وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً فقال: ما بالك أأنت مريض؟! قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هاهنا السكينة والوقار كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون -ركضاً وهرولةً وإسراعاً مفرطاً مبالغاً فيه- وائتوها وعليكم السكينة والوقار -والسكينة والوقار ليس معناها أن نسحب أرجلنا سحباً على الطريق- فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) هذا بالنسبة لما ذكره رحمه الله في سورة الفرقان.

    1.   

    آداب المشي في السنة النبوية

    لنشرع الآن في ذكر بعض الأحاديث التي وردت في صفة مشي النبي صلى الله عليه وسلم، ورد في الصحيح -والصحيح من الأحاديث إما أن يكون في البخاري أو في مسلم أو في كليهما أو ما ورد مستكملاً لشرط الحديث الصحيح- ففي الصحيح -أي في البخاري ومسلم - من حديث أنس رضي الله عنه وهذا اللفظ لفظ مسلم : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ).

    وكان صلى الله عليه وسلم أيضاً: (إذا مشى لم يتلفت) رواه الحاكم رحمه الله تعالى وهو حديثٌ صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع ، وقال المناوي في شرح الحديث: لم يلتفت لأنه كان يواصل السير ويترك التواني والتوقف.

    والالتفات للحاجة لا بأس به، الإنسان يحتاج للالتفات إذا مشى من سيارةٍ أتت ونحو ذلك أو ليرى شيئاً؛ لكن ليس تلفت المتفرجين الذي يحصل من الناس اليوم وهم يسيرون في الشوارع وتقع أعينهم على ما لا يرضي الله، وكذلك التلفت يبطئ السير، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى لحاجة مشى ومضى وعزم؛ ولم يكن يتباطأ في مشيته ولم يلتفت؛ لأنه كان يواصل السير ويترك التواني والتوقف، والتلفت في المشي يسبب التواني والتوقف والتلكؤ في المشي، فإذا لم تكن حاجة للتلفت فمن الأدب ألا يتلفت الإنسان في مشيته وهو يمشي: (وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى مشى أصحابه أمامه وترك ظهره للملائكة) والملائكة كانوا يحرسونه من أعدائه، والله سبحانه وتعالى حسبه.

    (وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى أسرع) وهذا الحديث قد جاء مرسلاً فهو حديث ضعيف، وكذلك مما ورد مما لم يصح وهو مشهور عند الناس حديث الترمذي : (ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تُطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث) هذا جاء في الترمذي عن أبي هريرة وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن معناه موجود، أنه عليه الصلاة والسلام: (كان إذا مشى أقلع) وصححه في صحيح الجامع ومعنى أقلع: مشى بقوة، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً، أقلع: يتقلع في المشي، لا كمن يمشي على طريقة النساء، وجاء في الحديث الصحيح أيضاً: (كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنه يتوكأ) فهو إذا مشى صلى الله عليه وسلم كانت خطواته جادة، كأنما ينحدر من صبب.

    وجاء عند ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي مشياً يُعرف فيه أنه ليس بعاجزٍ ولا كسلان) حديث صحيح.

    وكان أشبه الناس بمشية النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة ؛ فقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم أيضاً عن عائشة قالت: (كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً) فكان أشبه الناس مشياً بمشية النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها رضوان الله.

    مشية النساء

    ومشية النساء في الشارع تختلف عن مشية الرجال، فلابد أن تمشي المرأة على جانب الطريق والرجال في الوسط، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن المرأة إذا جاءت إلى رجل أجنبي للحاجة تكون مشيتها ما أخبر الله تعالى به في كتابه في سورة القصص عن بنت الرجل الصالح لما جاءت إلى موسى عليه السلام، لأن أباها لا يستطيع أن يأتيه بنفسه، قال الله: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] ليست بسلفع خراجة ولاجة، بل تمشي على استحياء، ما جاءت إليه جريئة سليطة، لأن مخاطبة المرأة لرجل أجنبي صعبة على العفيفة، أما الآن فصارت أسهل عندهن من شرب الماء من كثرة المكالمات الهاتفية والاختلاط في العمل، وكثير من الأماكن صار كلام المرأة مع الرجل الأجنبي عادياً جداً، فأصبحت المرأة تأتي الرجل الأجنبي بكل ثقة وجرأة ولم تعد تمشي على استحياء كما يقتضي الأدب الإسلامي في مشية المرأة المسلمة.

    ابن القيم يصف مشية الرسول صلى الله عليه وسلم

    وقد وصف ابن القيم رحمه الله مشية النبي صلى الله عليه وسلم في كتابه زاد المعاد فقال رحمه الله: كان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشيةً وأحسنها وأسكنها، قال أبو هريرة : (ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه) وذكر حديث الترمذي الذي تقدم ذكر ضعفه، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صبب) وقال مرةً: (إذا مشى تقلع) قلت: والكلام لـابن القيم رحمه الله، والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته.

    فلا يسحب رجليه سحباً كما يفعل بعض الناس، بل كان صلى الله عليه وسلم يرفعها رفعاً ويضعها وضعاً.

    فإذاً كان يرتفع من الأرض بجملته كحال المنحط من صبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة ًواحدة كأنه خشبةٌ محمولة، وهي مشيةٌ مذمومةٌ قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب كمشي الجمل الأهوج وهي مشيةٌ مذمومة أيضاً، تجد أن كل شيء يتحرك فيه وهو يمشي، فهذه مشية الأهوج، وهي دالةٌ على خفة عقل صاحبها، أي إذا رأيت من يمشي مشي الأهوج في الشارع، وكل شيء يتحرك فيه، فاعلم أن في عقله خفة، وليس من اللازم أن يكون مجنوناً، لكن في عقله خفة، ولا سيما إذا كان يكثر الالتفات حال مشيه يميناً وشمالاً.

    وإما هذا الاحتمال الآخر: أن يمشي هوناً، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان:63] قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبرٍ ولا تماوت، وهي مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يجهد نفسه ورسول الله صلى الله عليه وسلم غير مكترث، وهذا يدل على أمرين، أن مشيته لم تكن بتماوت ولا بمهانة، بل كانت أعدل المشيات.

    1.   

    أنواع المشيات

    ثم قال رحمه الله: والمشيات عشرة أنواع:

    منها: هذه الثلاثة التي مضت، وهي: التماوت، والهوجاء، والهون.

    الرابعة: السعي.

    الخامسة: الرمل؛ والرمل أسرع من السعي، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى، ويسمى الخبب أيضاً، وفي الصحيح من حديث ابن عمر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خب في طوافه ثلاثاً ومشى أربعاً).

    السادسة: النسلان، والنسلان هو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي ولا يكرثه، ولا يسبب الإجهاد الكثير، الهرولة اليسيرة، وفي بعض المسانيد أن المشاة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشي في حجة الوداع -أي: من عرفة إلى مزدلفة ، ومن مزدلفة إلى منى - شكوا إليه تعب المشي فأوصاهم عليه الصلاة والسلام بوصية فيها تخفيف عليهم، تتعلق بسرعة المشي، قال: (استعينوا بالنسلان) وهذا الحديث صحيح، رواه الحاكم وصححه الذهبي ، فإذا كنت تمشي مسافة طويلة وأردت أن تستعين بشيءٍ يخفف عنك المشي الطويل فعليك بالنسلان، وهو الهرولة الخفيفة، فعند ذلك ستجد أنك قطعت مسافة أكثر براحة أكثر.

    السابعة: الخوزلة: وهي مشية التمايل وهي مشيةٌ يقال: إن فيها تكسراً وتخنثاً.

    الثامنة: القهقرى: وهي المشي إلى الوراء، وسيأتي حديث يتعلق بها.

    التاسع: الجمزى: وهي مشيةٌ يثب فيها الماشي وثباً، ويقفز قفزاً.

    العاشر: التبختر، وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه وأعجبته نفسه فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، قيل: إنه قارون.

    وأعدل هذه المشيات مشية الهون والتكفؤ، أما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: دعوا ظهري للملائكة ولهذا جاء في الحديث: (وكان يسوق أصحابه) ومعنى (يسوق أصحابه) أنهم يمشون أمامه ويمشي وراءهم، وكان يمشي حافياً ومنتعلاً.

    ومما يتعلق بآداب المشي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يحتفوا أحياناً لأجل أن يتعود الإنسان على الخشونة -يخشوشن- كما قال: (تمعددوا) انتسبوا إلى معد بن عدنان يعني في هيئته وشمائله، (واخشوشنوا) وفي رواية: (واخشوشبوا).

    إذاً: اعتادوا الخشونة، لأن الإنسان تتعاوره الظروف؛ فلن يكون دائماً في أماكن الترف والأماكن المهيأة، قد يضطر أن ينام أحياناً على الحجارة، وأن يمشي بدون نعال، فإذا كان هذا الإنسان مرفهاً مترفاً فلن يستطيع أن يتحمل، ولذلك تجد أصحاب الترف والميوعة لا يكادون يطيقون الحج، ويقولون: تعبنا وجهدنا ونحو ذلك، لأنه ليس متعوداً على المشقة، وأول ما يقع في شيء من المشقة في الطواف من زحام أو نحو ذلك يتأفف تأففاً عظيماً، وربما قال: ليتني ما حججت، وهذه عبارة سمعناها من بعضهم، قال: لو أدري أن الحج هكذا ما جئت.

    وكان صلى الله عليه وسلم يماشي أصحابه فرادى وجماعات، وكان في السفر ساقة أصحابه؛ أي: يمشي وراءهم: (يزجي الضعيف ويردفه ويدعو له) وهذا الحديث رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح.

    وقد ذكر العلامة السفاريني رحمه الله في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب بعنوان المشيات عشرة أنواع، ونقل كلام ابن القيم رحمه الله، وأضاف إليه بعض الإضافات، فمن الإضافات التي أضافها السفاريني على كلام ابن القيم ، لما عرض أحاديث مشية النبي صلى الله عليه وسلم وأنه إذا مشى كأنه ينحدر من صبب وأنه يمشي بنشاط وقوة، قال: فدلت هذه الأحاديث وأمثالها مما لم نذكر أن مشيته صلى الله عليه وسلم لم تكن بمماتةً ولا مهانة، والصبب الموضع المنحدر من الأرض، وذلك دليلٌ على سرعة مشيه، لأن المنحدر لا يكاد يثبت في مشيه، والتقطع الانحدار من الصبب، والتقطع من الأرض قريب لبعضه من بعض، وأراد به قوة المشي وأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً لا كمن يمشي اختيالاً يقارب خطوه، فإن ذلك من مشي النساء.

    لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء؛ أن يمشي الرجل مشية المرأة.

    ثم قال متعقباً في قضية المشي إلى الصلاة ومستدركاً: نعم. ينبغي للإنسان أن يقارب خطاه إذا كان ذاهباً إلى المسجد لأجل الصلاة، لأن كل خطوة تكتب حسنة وتمحو سيئة وترفع درجة، فمن أجل هذا استحب بعض العلماء تكثير الخطى بتقاربها حتى تكون أكثر.

    1.   

    آداب المشي مع الغير

    وقال رحمه الله مضيفاً مطلباً وهو حكم المشي مع الغير: قال الإمام ابن عقيل: من مشى مع إنسانٍ فإن كان أكبر منه وأعلم فعن يمينه، يقيمه مقام الإمام في الصلاة، فهو قد قاس موضعه في المشي على موضع الإمام في الصلاة، وإذا كانا سواءً استحب له أن يُخلي له يساره حتى لا يضيق عليه جهة البصاق والامتخاط فإذا أراد الآخر أن يمتخط ويبصق فلا يكون هو عن يساره.

    ومقتضى كلامه استحباب مشي الجماعة خلف الكبير، وإن مشوا على جانبيه فلا بأس كالإمام في الصلاة، يعني يكتنفونه وفي صحيح مسلم في حديث يحيى بن يَعْمُر أنه هو وحميد بن عبد الرحمن مشيا عن جانبي ابن عمر رضي الله عنهما؛ فإذا جاء اثنان إلى عالم اكتنفاه عن يمينه وشماله، وهذا من الأدب معه.

    وإذا لم يكن له حاجة بكلام معه فتقديمه من الأدب، لكن عليه أن يحذر من أن يصيبه كبر، فإن ابن مسعود لما خرج أصحابه يمشون وراءه قال: [ارجعوا فإنها ذلةٌ للتابع وفتنةٌ للمتبوع] ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتواضع ويمشي وراء أصحابه.

    وقال عبد القادر رحمه الله تعالى: وإن كان دونه في المنزلة يجعله عن يمينه ويمشي عن يساره وقد قيل: المستحب عن اليمين في الجملة، لتخلى اليسار للبصاق وغيره، وقال مالك بن معوذ : كنتُ أمشي مع طلحة بن مصرف ، فصرنا إلى مضيق فتقدمني، ثم قال: لو كنتُ أعلم أنك أكبر مني بيومٍ ما تقدمتك، هذا بعض ما يتعلق بمشي النبي صلى الله عليه وسلم وأدبه.

    1.   

    مقاصد المشي بين الطاعة والمعصية

    أما بالنسبة للمشي فإن المشي لابد أن يكون في طاعة الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة: (والرِّجلان يزنيان فزناهما المشي) أي: المشي إلى ما حرم الله.

    وقال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين في عبوديات الجوارح: وأما المشي الواجب فالمشي للجُمعات والجماعات -فهناك مشي واجب ومكروه وجائز ومحرم ومستحب، المشي الواجب هو المشي إلى الجُمعات والجماعات، والمشي حول البيت للطواف الواجب مثل العمرة الواجبة والحج الواجب سواء كان فرضاً أو كان نذراً- والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه -إذا قيل له: تعال إلى القاضي فقد دعي إلى حكم الله ورسوله فلابد أن يجيب- والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر لما استحبه بعضهم من حج الماشي، لكن بدون أن يكون من مسافاتٍ بعيدة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ركب.

    والمشي الحرام: المشي إلى معصية الله، والماشي إلى المعصية من رَجْل الشيطان، ما هو الدليل؟

    الدليل: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64] قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جند إبليس.

    من أحكام المشي

    وأما بالنسبة لبعض ما يتعلق بالمشي من أبواب الفقه والأدب وغيرها، فمما يتعلق بالطهارة مشي المرأة إذا كانت تمشي فمرت بموضعٍ فيه قذر، وقد رخص لها بأن ترخي جلبابها شبراً أو ذراعاً؛ لأجل ألا تنكشف قدماها إذا هبت ريحٌ ونحو ذلك، ولا شك أن ارتخاء الجلباب أمر مستحب، لكنه صار شيئاً غير موجود في هذه الأيام تقريباً، فلا توجد الآن امرأة تسحب عباءتها شبراً أو ذراعاً بخلاف نساء العهد القريب، ربما بعض الناس إذا دقق في عباءة جدته رأى أنها تسحب وراءها شبراً أو شبرين، حتى إذا هبت الريح لا تنكشف قدماها، أما الآن فقد قصرت العباءات وظهرت الأقدام وأطراف السيقان وغيرها، وظهرت أشياء كثيرة، ليست فقط الأقدام أو الأصابع.

    ولو أنها مشت في مكانٍ قذر، فما هو الحكم بالنسبة لهذا؟ جاء في النسائي وغيره عن محمد بن إبراهيم عن أم ولدٍ لـإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده) الحديث بهذا السند ضعيف، لأن فيه جهالة أم ولد لـإبراهيم بن عبد الرحمن .

    وجاء عند أبي داود بإسنادٍ صحيح: (عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلتُ: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس بعدها طريقٌ هي أطيبٌ منها، قلتُ: بلى، قال: فهذه بهذه) رواه أبو داود ، وصححه في المشكاة.

    فإذا كان بعده طاهر طهره، لأن التراب مطهر للنجاسة العالقة بالثياب، فهذا حكم فقهي.

    استحباب المشي لصلاة الجمعة

    كذلك مما يتعلق بالمشي استحباب المشي إلى صلاة الجمعة، فهو أفضل من الركوب، لقوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيح: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل -وفي رواية: غسل واغتسل- وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، وأنصت ولم يلغُ، كان له بكل خطوةٍ عمل سنة).

    إذاً: المشي إلى صلاة الجمعة وإلى العيدين أفضل، فإن كانت المسافة بعيدة جداً ركب إلى الموضع الذي لا يشق عليه المشي منه وأكمل الباقي مشياً، وفي صلاة العيدين إذا ذهب ماشياً من طريق يرجع من طريقٍ آخر.

    وأيضاً فإن المشي للصلاة من العبادات العظيمة، فقد جاء في الصحيح عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رافع وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرامٌ على النار) فالمشي إلى صلاة الجمعة من سبيل الله، فإذا اغبرت القدمان حرمهم الله على النار.

    الوضوء يكفر سيئات المشي المحرم

    وكذلك فإن الوضوء مما يزيل آثار المعصية التي حدثت في الرجلين، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء) وقال في آخره: (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب).

    إذاً: الاهتمام بالوضوء أمرٌ مطلوب؛ ذلك لأن الوضوء المسبغ على السنة من الأسباب التي تكفر سيئات المشي المحرم الذي مشاه الإنسان برجليه، وكذلك فإن المشي إلى الصلاة من مكفرات الذنوب، كما جاء في عددٍ من الأحاديث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة) أي: بعد خروجه من خطاياه بالوضوء الكامل المسبغ يكون مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة.

    المجيء إلى المسجد بسكينه ووقار

    وكذلك من الآداب ما تقدم أن الإنسان إذا مشى إلى الصلاة فإنه يمشي وعليه السكينة والوقار، ولا يهرول هرولة ويجري جرياً كما يفعل كثير من الناس إذا سمع الإقامة جاء يجري، يدخل في الصلاة وهو لاهث مضطرب الأنفاس، يضيق صدره ويعلو وينخفض من شدة جريه وسعيه، على أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع أنه لا بأس أن يسرع أكثر من المعتاد لأجل اللحوق بالركعة، خصوصاً إذا كانت في هذه الركعة إذا فاتت فاتت الصلاة، كما لو جاء قبيل الركوع من الركعة الثانية من صلاة الجمعة، لو فاتته فاتته الجمعة، قال: فلو أنه اشتد لأجل هذه المصلحة الأعلى فإنه لا بأس بذلك.

    لكن الناس الآن يجرون بكل حال على ركوع الركعة الأولى أو الثانية، وخصوصاً إذا صار المسجد عريض الصف يركضون ويجرون جرياً حتى يشوشوا على الناس وعلى الإمام في الصلاة.

    وينهى عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة) كما جاء في الصحيح.

    أما بالنسبة لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] ففسر مجاهد آثارهم بالخطوات والمشي إلى الجمعة والجماعات والصلوات، وكل هذا يكتب عند الله، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيح: (إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصلي مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام).

    فكلما كان بيتك أبعد كان أجرك أعظم، ولذلك لما أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من موضعهم إلى قرب المسجد نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: (بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم تكتب آثاركم.

    وكذلك من الآداب المتعلقة بالمشي أن الإنسان إذا كان مريضاً فأتى الجماعة وهو يحتسب هذه الخطوات فإن أجره عظيم عند الله، قال عبد الله بن مسعود كما في صحيح مسلم : (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة -صلاة الجماعة- إلا منافقٌ قد علم نفاقه؛ إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة) يمشي وهو مريض حتى يأتي إلى الصلاة.

    وكذلك فإن من الأحكام والآداب أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) ولذلك يقول أبي بن كعب : كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاةٌ قال: فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد جمع لك الله ذلك كله) رواه مسلم .

    فإذاً في المشي إلى الصلاة أجرٌ ليس فقط في الذهاب بل حتى العودة.

    فضل المشي إلى عيادة المريض

    وعيادة المريض أيضاً مما يمشى فيه في طاعة الله، فإنه قد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة ؟ فقال: صالح -أي: مريض، لكنهم يقولون ذلك تفاؤلاً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعوده منكم؟ فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر، ما علينا نعالٌ ولا خفافٌ ولا قلانس ولا قمصٌ نمشي في تلك السباخ حتى جئناه.....الحديث).

    إذاً هؤلاء مشوا لزيارة المريض ما كان عندهم نعال، مشوا في السباخ والأراضي السبخة يكون المشي فيها صعباً- كل ذلك لأجل الأجر، فليحتسب الإنسان المسلم مشيه لعيادة أخيه المسلم.

    الجمع بين الصلاتين في المطر

    من أحكام المشي أن الصلاة في المطر تُجمع لأجل عدم إرهاق الناس بالمشي في الوحل والطين، ولذلك جاء في الصحيح أن ابن عباس أمر المؤذن في يومٍ مطير، قال: (إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: أتعجبون من ذا؟! قد فعل هذا من هو خيرٌ مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم، فتمشوا في الطين والدحض).

    فإذا وجد الطين والزلق حتى لو لم يكن هناك مطر فهذا مسوغ لجمع الصلاتين، فإذا نزل المطر فمن باب أولى.

    جواز المشي اليسير أثناء الصلاة لحاجة

    من أحكام المشي أيضاً مشي المصلي أثناء الصلاة، وهذا قد يكون لسد فرجة، وإذا مشى الإنسان منا مشية فينبغي له أن يحتسبها، والمشي لسد فرجة في الصف هي خطوات أجرها عظيم عند الله كما ورد في الحديث، وإذا كان أمامه صف فيه فرجة أو انكشفت فرجة، فمشى من صفه الخلفي إلى الإمام لسدها فهذه خطوة عظيمة، ومشي المصلي خطوات يسيرة لفتح بابٍ ونحوه أيضاً مما يجوز، فقد بوب النسائي رحمه الله في كتابه السنن : باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة، أي: بدون أن ينحرف عن القبلة ويتغير اتجاهه، ثم جاء بحديث عائشة قالت: (استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعاً والباب على القبلة -أي: الباب في جهة القبلة- فمشى عن يمينه أو عن يساره، ففتح الباب ثم رجع إلى مصلاه) المشي كان عن يمينه أو عن شماله لأجل فتح الباب الذي على القبلة حسنه الألباني في صحيح سنن النسائي .

    من أحكام المشي في الحج

    وأما بالنسبة للمشي في الحج فمن أحكامه ما تقدم أن المشي يكون في الأشواط الأربعة الأخيرة، والثلاثة الأشواط الأولى يرمل فيها الطائف رملاً، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط لأجل أن يروا المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا؛ كما جاء في الحديث الصحيح.

    هل انتهت السنة هذه بفتح مكة وانتهاء الشرك من مكة ؟ الجواب: لا. بقيت سنة كل طواف قدوم، فالسنة فيه أنك ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى وتمشي في الأربعة الباقية، جاء أيضاً في الحديث لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً.

    وكذلك فإن المشي في السعي من المشي في طاعة الله، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل من الصفا مشى، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، والعلم الأخضر الموجود الآن بداية الوادي، هذا الوادي كان موجوداً، والآن بعد أعمال التوسعة انتهى فصار المسعى كله علىمستوى واحدٍ لكن العلم الأخضر الأول ينبئك عن بداية الوادي، والعلم الأخضر الثاني ينبئك عن نهاية الوادي، فجاء في سنن النسائي وهو حديثٌ صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه) وفي روايةٍ له: (حتى إذا صعدت قدماه مشى حتى أتى المروة).

    حتى كان مئزره عليه الصلاة والسلام يدور من شدة السعي، وبالنسبة لمرمي الجمار فقد جاء في الحديث الصحيح عند الترمذي : (كان صلى الله عليه وسلم إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً وراجعاً) فالسنة إذاً المشي إلى الجمار ذاهباً وراجعاً.

    المشي إلى مسجد قباء

    وكذلك فإن من الأحكام المتعلقة بالمشي المشي إلى مسجد قباء ، فقد جاء في الصحيح عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قباء راكباً وماشياً) وإذا كان ذلك يوم السبت فهو أفضل، فالذهاب إليه مشياً أو الذهاب إليه راكباً كله ورد في السنة.

    تشييع الجنازة وآدابه

    أما بالنسبة للجنازة والمشي فيها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) رواه الإمام أحمد وأبو داود .

    إذاً المشيع للجنازة يمشي في أي مكان قريباً منها، والراكب لابد أن يكون خلفها، وقال عليه الصلاة والسلام: (الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها) حديثٌ صحيح.

    أما المشي بالجنازة فلابد أن يكون إسراعاً، وقد جاء عند النسائي وهو حديثٌ صحيح عن عيينة بن عبد الرحمن بن يونس قال: حدثني أبي قال: (شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة ، وخرج زياد يمشي بين يدي السرير -أي: سرير الجنازة- فجعل رجالٌ من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم، ويقولون: رويداً رويداً بارك الله فيكم -يريدون أن تمشي الجنازة ببطء- فكانوا يدبون دبيباً حتى إذا كنا ببعض طريق المربد ، لحقنا أبو بكرة على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون من التباطؤ في المشي حمل عليهم ببلغته وأهوى إليهم بالسوط وقال: خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد نرمل بها رملاً، فانبسط القوم).

    فقد قال: نكاد نرمل بها رملاً، فهذه هي السنة في الجنازة، لا شك أن المشي أيضاً في الجنازة فيه أجرٌ عظيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل الجبل العظيم).

    النهي عن المشي بالنعال بين القبور

    ومن أحكام المشي أيضاً: عدم جواز المشي بين القبور بالنعال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يمشي بين القبور في نعليه فقال: (يا صاحب السبتيتين ألقهما) والسبتية: نوع معين من النعال.

    وقد أغرب من زعم أن النهي مختص بالنعال السبتية، والصحيح أن النهي عامٌ في كل نعل، لا يجوز المشي به بين القبور، هناك طرقات عريضة في المقبرة واسعة غير القبور، طرقات رئيسية لا بأس بالمشي فيها بالنعال، لكن إذا دخلت في مكان القبور في هذه المربعات أو في هذه الأماكن التي فيها القبور لا يجوز أن تمشي بين القبور بالنعال، ونعني القبور المقبور فيها الناس، أما القبور الفارغة فلا نعنيها.

    فكثير من الناس وحتى بعض الشباب المتدينين إذا نظرت إليه في المقبرة عند دفن الجنازة تراه يطأ القبر بنعليه ويمشي بين القبور بنعليه، ووطؤه أشد ولا شك.

    اغتنام المشي مع الصالحين وأهل العلم

    وكذلك فإن السنة المشي مع الصالحين وأهل العلم، لأن المشي معهم مكسب عظيم، فإن الإنسان يكسب علماً وأدباً وفائدة، وقد جاء في الصحيح عن أبي ذر قال: (خرجت ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ فقلتُ: أبو ذر ، جعلني الله فداءك، قال: يا أبا ذر تعال، قال: فمشيتُ معه ساعة، فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة .. إلى أن قال: فمشيتُ معه ساعة، قال: أجلس هاهنا فأجلسني في قاعٍ حوله حجارة) إلى آخر الحديث الذي فيه (رغم أنف أبي ذر) وفي الحديث فضيلة المشي مع أهل العلم والصلاح، وأشار إلى ذلك العلماء.

    المشي مع الضعفاء وأصحاب الحاجات

    وكذلك فإن من آداب المشي أن يمشي الإنسان مع الضعفاء، فقد جاء في الحديث الصحيح: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف -أي لا يستكبر- أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضي له الحاجة).

    وكذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً) وهذا حديث حسن رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج .

    والمشي في حاجة أخيك المسلم حتى تثبتها له أجرها أعظم، ولذلك قال: (ومن مشى مع أخيه المسلم حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام) لأن الناس يمشون على الصراط، وهناك من يسقطون في النار، ومن يسرعون مثل البرق، ومثل الريح المرسلة، ومثل أجاويد الخيل.

    فإذاً المشي مع أهل الحاجات ولو لم تنقض الحاجة أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتكاف في المسجد شهراً، أما إذا انقضت فيثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام.

    حكم الحج ماشياً

    ومن أحكام المشي أيضاً: أن الإنسان إذا نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه النذر، فقد جاء في الصحيح عن عقبة بن عامر أنه قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال لي: لا تمش ولتركب) لأن المشي إلى الحج حافياً ليس عبادة وقربة في ذاته، فنذره لا يكون نذر طاعة ولا نذر عبادة.

    ولذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيخاً يهادى بين ابنيه، قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) وأمره أن يركب، وقال: اركب أيها الشيخ فإن الله غنيٌ عنك وعن نذرك.

    إماطة الأذى عن الطريق

    ومن آداب المشي أن الإنسان إذا كان ماشياً فرأى في الطريق عظماً أو حجراً يؤذي الناس فإنه يميطه وله أجرٌ عظيم، فقد جاء عن أبي هريرة في الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ وجد غصن شوكٍ على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له).

    كراهة المشي بنعل واحدة

    وكذلك فإن من الأشياء المتعلقة بالمشي أن الإنسان إذا فقد إحدى نعليه أو انقطعت فإنه لا يمشي في نعلٍ واحدة، فقد جاء في البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمش أحدكم في نعلٍ واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليخلعهما جميعاً) وهذا يمكن أن يدخل في آداب الانتعال الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى.

    أحكام سلام الماشي والراكب

    وكذلك من الآداب المتعلقة بالموضوع قوله عليه الصلاة والسلام: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) فالراكب يسلم على الماشي لأنه أقل منزلة منه، فيبدأ هو بالسلام تواضعاً له، الماشي أرفع منزلة من القاعد، إذاً يسلم الماشي على القاعد، هذا أيضاً من التواضع.

    السلام على الصبيان

    وكذلك من الآداب أن الإنسان إذا كان يمشي فمر بصبيان أن يسلم عليهم تواضعاً، فقد قال ثابت : (كنت أمشي مع أنس فمر بصبيانٍ فسلم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بصبيانٍ فسلم عليهم).

    الاعتبار بمشي يوم القيامة

    وينبغي أيضاً أن نعتبر بما يحدث في يوم القيامة من خروج الناس من قبورهم على الهيئة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ملاقو الله مشاةً حفاةً عراةً غرلاً) فلا يمش إلا إلى ما يرضي الله، فكذلك يكون العباد يوم القيامة ثم يكسون، وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه السلام.

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك أناساً يحشرون على وجوههم فاستغرب بعض الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة).

    جواز مماشاة الجنب للناس

    وكذلك فإن مما يتعلق بالمشي أن الجنب يجوز له أن يماشي الناس، لذلك قال البخاري : باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، وقال عطاء : يحتجم الجنب ويقلم أظفاره ويحلق رأسه وإن لم يتوضأ.

    احتساب الأجر فيما يصيب الماشي من أذى

    وكذلك فإن الإنسان إذا كان ماشياً فجرحت قدمه فقد يتعرض لهذا فإنه يحتسب ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي إذ أصابه حجرٌ فعثر فدميت أصبعه فقال:

    (هل أنتِ إلا أصبعٌ دميت وفي سبيل الله ما لقيت).

    جواز الإسراع في المشي لحاجة

    وفي البخاري كتاب الاستئذان عنون البخاري رحمه الله بعنوان فقال: باب من أسرع في مشيه لحاجةٍ أو لقصد، ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر فأسرع ثم دخل البيت) فإذا أسرع الإنسان في المشي لحاجة فلا بأس في ذلك، فهذا لا ينافي ما تقدم من صفة المشي.

    وهذا آخر الكلام عن موضوع المشي، وما يتعلق به من الآداب والأحكام التي تيسر جمعها، هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734964367

    عدد مرات الحفظ

    684445352