إسلام ويب

شرح سنن أبي داود [556]للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من محاسن الشريعة الإسلامية أنها جاءت بحفظ الأخوة وترابطها، فأمرت بكل ما يكون سبباً في تماسك الأخوة، ونهت عن كل ما يكون سبباً في زعزعتها وفك روابطها، ومن ذلك أنها نهت عن الغيبة وحذرت منها أيما تحذير، بل وبينت أن المسلم يجب عليه أن يدافع عن أخيه المسلم إذا سمع من يذكره بسوء، وألا يرضى بهذا، ولحاجة بعض الناس للغيبة في بعض الأحيان فقد بينت الشريعة الإسلامية الحالات التي تجوز فيها الغيبة للحاجة.

    1.   

    ما جاء فيمن رد عن مسلم غيبة

    شرح حديث (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من رد عن مسلم غيبة.

    حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن سليمان عن إسماعيل بن يحيى المعافري عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حمى مؤمناً من منافق -أراه قال-: بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) ].

    أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب من رد عن مسلم غيبة، أي: أنه عندما يحصل من أحد اغتياب لمسلم فإنه يرد على ذلك المغتاب، بمعنى: أنه يذكره وينصحه ويبين له أن هذا غير سائغ، أو أن هذا الرجل الذي يغتابه فيه خير كثير، أو أن كلامك فيه غير صحيح، أو أنك ظالم لنفسك في نيلك منه، فيذب عنه عندما يسمع أحداً يغتابه، ويدافع عنه، وذلك ببيان خطأ هذا الذي تكلم فيه، وبيان أن الغيبة هي كما جاء في الحديث (ذكرك أخاك بما يكره) وذلك في غيبته، وأن هذا مما جاءت السنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحذير منه والمنع منه، فهذا هو المقصود برد الغيبة أو الكلام عن المؤمن.

    ومن أمثلة ذلك: ما حصل في غزوة تبوك، لما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن كعب بن مالك أين هو؟ فقال أحد الناس: منعه النظر في عطفيه، وهذا ذم له، فقال أحد الصحابة: إنه ليس كذلك وإنما هو كذا وكذا، وأثنى عليه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الذب عن الشخص الذي اغتيب ممن اغتابه.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث معاذ بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمى مؤمناً من منافق -وأراه قال-: بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم)، أي: أنه دافع عن هذا الشخص الذي تكلم فيه، فجازاه الله تعالى بأن يبعث له ملكاً يحميه من نار جهنم، ومن العذاب في نار جهنم، وهذا يدل على فضل الذب عن عرض المسلم، وأن الشخص إذا تكلم فيه بما لا ينبغي فإن من يسمع ذلك ينبه الإنسان الذي يحصل منه الكلام؛ لأنه إذا نبهه قد يترك، ولكنه إذا سكت عن كلامه وبقي يقول ما يقول ولم يُنبه، فإن ذلك يهون عليه أمر الكلام في الناس، ولكنه إذا نُبه فقد يكون ذلك سبباً في تنبهه وعدم استمراره في الوقوع في أعراض الناس، فيكون بذلك أحسن إلى من ذب عنه، وأحسن إلى نفس الذي تكلم فيه، وذلك بأن يعدل عما كان قد وقع فيه من الكلام في الناس بما لا ينبغي أن يتكلم فيه.

    وقوله: (من منافق) هذا يدل على أن الكلام في الناس وذم الناس والوقع في أعراضهم، قد يكون الذي يحصل منه هذا هو من المنافقين.

    وقوله: (ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) أي: أنه رماه بشيء اختلقه وافتراه عليه، أو أنه قال ذلك من أجل ذمه ومن أجل النكاية به، وإن كان فيه ذلك العيب الذي قاله، فهناك غيبة وهناك بهتان، وهو الكذب، وكل منهما مذموم، والبهتان أشد من الغيبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهتان أشد جرماً وأعظم إثماً.

    وقوله: (حبسه الله على جسر جهنم) أي: على الصراط المنصوب على متن جهنم؛ لأن الصراط هو جسر ممدود على متن جهنم، يمر الناس عليه، ويجوزون منه إلى الجنة، ومن كان معذباً فإنه يقع ويلقى في النار، والناس يمرون عليه على قدر أعمالهم، فالصراط هو الجسر المنصوب على متن جهنم في الطريق إلى الجنة؛ لأنه لا يوصل إلى الجنة إلا من فوق الجسر، فمن تجاوز الجسر وصل إلى الجنة، ومن وقع في النار ولم يتجاوز الجسر فإنه يعذب في النار، وإذا كان من أهل الإيمان فإنه يعذب على مقدار جرمه، وعلى مقدار كبيرته، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، ولا يستمر بقاؤه في النار، وإنما الذين يستمر بقاؤهم في النار هم الكفار الذين لا يخرجون منها بحال من الأحوال، بل يبقون فيه أبد الآباد والعياذ بالله!

    وقوله: (حتى يخرج مما قال) معناه -والله أعلم-: أنه يعاقب على ما قال وأنه يخرج منه بتحصيل العقوبة عليه بذلك الذنب الذي اقترفه.

    والحديث حسنه الألباني ، ولكن في إسناده المعافري وهو مجهول، ولا أدري ما وجه تصحيح الألباني له في هذا الموضع، وهل له شواهد تدل عليه؟ وإن كان الألباني قد ضعفه في مشكاة المصابيح وضعيف الجامع. وأما بالنسبة لهذا الإسناد فإن فيه المعافري وهو مجهول.

    تراجم رجال إسناد حديث (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة...)

    قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد ].

    هو عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الربعي، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن المبارك ].

    هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحافظ في التقريب لما ذكره قال: ثقة إمام مجاهد جواد، وذكر جملة من صفاته ثم قال: جمعت فيه خصال الخير.

    [ عن يحيى بن أيوب ].

    يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الله بن سليمان ].

    عبد الله بن سليمان صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن إسماعيل بن يحيى المعافري ].

    إسماعيل بن يحيى المعافري مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ] .

    سهل بن معاذ بن أنس لا بأس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    [ عن أبيه ].

    أبوه معاذ بن أنس رضي الله عنه صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

    والعقاب والإثم في الغيبة يحصل للمنافق وغير المنافق، والذب عن عرض الأخ ليس مقصوراً على المنافق، بل لو لم يكن المغتاب منافقاً فإن الذاب عنه يؤجر؛ لأنه يدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قال: أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تمنعه من الظلم).

    شرح حديث (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن الصباح حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا الليث قال: حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله وأبا طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهم يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته) ].

    أورد أبو داود حديث أبي طلحة زيد بن سهل وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته)، وهذه عقوبة للذي لا يذب عن المسلم في حال إيذائه وفي حال النيل من عرضه، وكذلك في حال التعدي عليه، بل عليه أن ينصره كما جاء في الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) أي: إن كان ظالماً يمنعه من الظلم، وإن كان مظلوماً يعينه على الظالم، ويكون معه على الظالم.

    وقوله: (وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته) وهذا في مقابل ما مضى؛ لأن الأول خذل أخاه، فإنه يخذل في موطن يحتاج فيه إلى النصرة، وإذا حصلت منه النصرة فإنه ينصر في مكان يحتاج فيه إلى النصرة.

    والحديث كما هو واضح في حق من لا يذب عن مسلم، ولا يكون عوناً لمسلم عندما تنتهك حرمته وينال من عرضه.

    ولكن الحديث في إسناده ضعف، وقد ضعفه والألباني .

    تراجم رجال إسناد حديث (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته ...)

    قوله: [ حدثنا إسحاق بن الصباح ].

    إسحاق بن الصباح مقبول، أخرج له أبو داود .

    [ حدثنا ابن أبي مريم ].

    ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ أخبرنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني يحيى بن سليم ].

    يحيى بن سليم مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ أنه سمع إسماعيل بن بشير ].

    إسماعيل بن بشير مجهول، أخرج له أبو داود .

    [ يقول: سمعت جابر بن عبد الله ].

    جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    [ وأبا طلحة بن سهل الأنصاري ].

    أبو طلحة هو زيد بن سهل الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    وقوله: [ قال يحيى : وحدثنيه عبيد الله بن عبد الله بن عمر وعقبة بن شداد ].

    يحيى هو الذي مر في الإسناد الأول، وهو مجهول، وقد علق عنه أبو داود في هذا الإسناد.

    [ حدثنيه عبيد الله بن عبد الله بن عمر ].

    هو عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ وعقبة بن شداد ].

    عقبة بن شداد ويقال: عتبة بن شداد ضعيف، أخرج له أبو داود .

    وقوله: [ قال أبو داود : يحيى بن سليم هذا هو ابن زيد مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وإسماعيل بن بشير مولى بني مغالة، وقد قيل: عتبة بن شداد موضع عقبة ].

    هذا تعريف من المصنف بنسبه حيث قال: ابن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: زيد بن حارثه .

    وقوله: [ وقد قيل: عتبة بن شداد موضع عقبة ].

    أي: أنه جاء عقبة وجاء عتبة في الطريق الثانية المعلقة.

    والإسناد مداره على يحيى بن سليم وهو مجهول.

    1.   

    من ليست له غيبة

    شرح حديث الأعرابي الذي قال فيه: (اللهم ارحمني ومحمداً...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من ليست له غيبة.

    حدثنا علي بن نصر أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث من كتابه قال: حدثني أبي حدثنا الجريري عن أبي عبد الله الجشمي قال: حدثنا جندب رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد، فصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقولون: هو أضل أم بعيره؟! ألم تسمعوا إلى ما قال؟! قالوا: بلى) ].

    أورد أبو داود باب من ليس له غيبة، أي: من تجوز غيبته، والأصل أن المسلم لا يُتكلم في عرضه، ولكن هناك أمور تستثنى فيمن يتكلم في عرضه، وقد ذكرها العلماء، وأوصلها بعضهم إلى سبعة، وهي موجودة في كتب المصطلح، وموجودة في رياض الصالحين في باب الغيبة، ومنها أن يتكلم الإنسان في باب الجرح والتعديل، وبيان معرفة حال الأحاديث وصحتها؛ لأنها تنبني على الكلام في الرجال، وهذا لا يعتبر من الغيبة وإنما هو من النصيحة.

    وكذلك المستشار عندما يستشار فعليه أن يبين ما عنده في الرجل، حتى يبني المستشير أمره على كلام المستشار، سواء كان في مصاهرة أو مشاركة في تجارة أو غير ذلك؛ لأن هذه أمور يحتاج الناس إلى معرفتها، فمن سئل فعليه أن يجيب بالذي يعلمه، ولا يعتبر ذلك من الغيبة.

    وكذلك فيما إذا كان الكلام في قصص وفي أناس مجهولين، ولا تعرف أشخاصهم، وليس هناك شيء يدل على معرفتهم؛ لأنه إذا وجد شيء يدل على معرفة الشخص فكأنه مسمى، لكن إذا لم يكن هناك شيء يدل على معرفته، فإن ذلك سائغ، ومن أمثلته حديث أم زرع الطويل الذي فيه قصة النساء اللاتي كن يتكلمن عن أزوجهن، وكل واحدة منهن تقول: زوجي كذا وزوجي كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (كنت لك كـأبي زرع لـأم زرع) إلخ الحديث الطويل المشهور وهو في الصحيح.

    فالحاصل: أن هناك مواضع يجوز الكلام فيها ولا يعتبر ذلك من الغيبة.

    وقد أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث من أجل الجملة التي فيه وهي: (هو أضل أم بعيره؟)؛ لأن هذا كلام في غيبته، وهو كلام يسوءه وهو كلام ذم، ولكن هذه الزيادة لم تأت من طريق صحيح، وإنما جاءت من هذا الطريق وفيه ضعف، ولكن أصل الحديث ثابت؛ لأن هذا الأعرابي هو الذي بال في المسجد، وهو الذي أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، فقال: لقد تحجرت واسعاً)، فهذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما هذه الجملة فقد جاءت من هذه الطريق، وهي غير صحيحة؛ لأن فيها ضعفاً، وأما ما عداه من ألفاظ أخرى فإنها ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما، وأما هذه الجملة فليست صحيحة، لأنها جاءت بهذا الإسناد الذي هو غير صحيح.

    تراجم رجال إسناد حديث الأعرابي الذي قال: (اللهم ارحمني ومحمداً...)

    قوله: [ حدثنا علي بن نصر ].

    هو علي بن نصر بن علي بن نصر ، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

    [ أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث ].

    هو عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري ، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: حدثني أبي ].

    أبوه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا الجريري ].

    هو سعيد بن إياس الجريري ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي عبد الله الجشمي ].

    أبو عبد الله الجشمي مقبول، أخرج له أصحاب السنن، وهو علة الحديث.

    [ قال: حدثنا جندب ].

    هو جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    سعة رحمة الله عز وجل

    وفي قوله: (أتقولون: هو أضل أم بعيره؟) ذم له، لكونه قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، والله تعالى يقول: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] فكونه يقول مثل هذه العبارة هذا خطأ، وقد جاء في الطرق الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لقد تحجرت واسعاً) يعني: أن رحمة الله وسعت كل شيء، وهو قال هذه الكلمة التي قالها.

    1.   

    ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه

    شرح أثر قتادة (أيعَجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضيغم ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه.

    حدثنا محمد بن عبيد حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضيغم أو ضمضم؟ -شك ابن عبيد- كان إذا أصبح قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك؟ ].

    أورد أبو داود باب ما جاء في الرجل يحل الرجل قد اغتابه، أي: يجعله في حل من غيبته، سواء طلب هو، أو أنه قال ذلك مطلقاً، ويسمح عن غيره ممن أخطأ عليه.

    وقد أورد أبو داود هذا الأثر المقطوع عن قتادة أنه قال: (أيعجز أحدكم أن يكون كـأبي ضيغم أو ضمضم؟ -شك ابن عبيد- كان إذا أصبح قال: اللهم أني قد تصدقت بعرضي على عبادك ). أي: أنه مسامح للذين يتكلمون في عرضه.

    تراجم رجال إسناد أثر قتادة (أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضيغم ...)

    قوله: [ حدثنا محمد بن عبيد ].

    هو محمد بن عبيد بن حساب، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي .

    [ حدثنا ابن ثور ].

    ابن ثور هو محمد بن ثور ، وهو ثقة أخرج له أبو داود والنسائي .

    [ عن معمر ].

    هو معمر بن راشد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن قتادة ].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث (أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن عبد الرحمن بن عجلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم ؟ قالوا: ومن أبو ضمضم ؟ قال: رجل فيمن كان قبلكم ...) بمعناه، قال: (عرضي لمن شتمني) ].

    أورد أبو داود هذا الحديث هنا مسنداً، ولكنه مرسل؛ لأن الذي نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصحابي، وإنما هو من التابعين فهو منقطع، وهو مثل الذي قبله في المعنى.

    تراجم رجال إسناد حديث (أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ ...)

    قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ].

    هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حماد ].

    حماد بن سلمة بن دينار البصري ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

    [ عن ثابت ].

    هو ثابت بن أسلم البناني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبد الرحمن بن عجلان ].

    عبد الرحمن بن عجلان مجهول الحال، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود .

    ومع كونه أرسله فهو مجهول الحال، وعلى هذا فالحديث فيه الإرسال وفيه جهالة حال هذا المرسل.

    طريق أخرى لحديث (أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ ...) وتراجم رجال إسنادها

    [ قال أبو داود : رواه هاشم بن القاسم قال: عن محمد بن عبد الله العمي عن ثابت قال: حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه.

    قال أبو داود : وحديث حماد أصح ].

    أورد أبو داود رحمه الله طريقاً أخرى معلقة، وأشار إلى أن الطريق المرسلة التي فيها المجهول الذي أرسل الحديث وأضافه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أصح من هذه الطريق الثانية.

    قوله: [ رواه هاشم بن القاسم ].

    هاشم بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن محمد بن عبد الله العمي ].

    محمد بن عبد الله العمي لين الحديث، أخرج له أبو داود .

    [ عن ثابت قال: حدثنا أنس ].

    أنس هو ابن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد اختلف رواة سنن أبي داود في هذا الحديث، فمنهم من ذكره متصلاً عن أنس بهذا الإسناد الذي ذكره هنا، ومنهم من ذكره معلقاً، والأشخاص الذين يأتون في المعلقات أحياناً لا يترجم لهم.

    والإنسان إذا جعل الناس في حل من غيبته فلا يعد هذا من الذلة وعدم عزة النفس، بل هذا من التسامح، والإنسان كما هو معلوم يثاب على تسامحه وعلى عفوه، لكن كونه يقول هذا الكلام لا أعلم شيئاً يدل عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737354383

    عدد مرات الحفظ

    684509443