إسلام ويب

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال النووي رحمه الله: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لـمسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    هذا هو الحديث الخامس من الأربعين النووية التي جمعها واختارها الإمام النووي رحمه الله، وفيها من التوجيه والأخلاق والآداب والمواعظ ما هو غني عن البيان.

    وهذا الحديث النبوي الشريف يعتبر أصلاً من أصول الدين، وهو أبين وأوضح حديث يرد البدع على المبتدعين، ويلزم المسلمين جميعاً أن تكون أعمالهم وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.

    وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود الذي قال فيه: (حدثني الصادق المصدوق) وقلنا: إنه استهله بهذه العبارة؛ لأن موضوع حديثه يحتاج إلى يقظة، وإلى انتباه، وفيه بُعد عن العقل البشري.

    كنية عائشة رضي الله عنها

    قال: (عن أم المؤمنين)، وصفها بما وصفها به الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الوصف لأمهات المؤمنين، ثم كناها، فهي أم المؤمنين وأم عبد الله ، والاسم إذا صدر بأب أو أم فهو كناية، كنيت بـأم عبد الله وبأم المؤمنين، ويتفق العلماء على أن الأمومة للمؤمنين أمومة تكريم وتشريف، وليست أمومة محرم، فلا يحق لأي إنسان أن يخلو بها، ولا أن تكشف وجهها للغريب كما تكشف الأم لولدها، ولكنها أمومة تشريف وتعظيم وتكريم لحرمة نكاحها.

    فلا يحق لأحد من العالمين أن يتزوج بإحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، ومن هنا قيل عنهن: أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على كل مؤمن كما تحرم الأم على ولدها، ولكن لا يخلو بها، ولا يرثها، ولا تكون هناك أحكام الأمهات بينهن وبين سائر المسلمين، قال الله: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، لماذا؟ تعظيماً وتكريم، وإذا كان الأمر كذلك، فالأم دائماً مشفقة على أولادها، وقد قال بعض الصحابة لأم المؤمنين عائشة : (يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء ولكني أستحي، قالت: ما كنت سائلاً أمك عنه فسلني، فقال: الرجل يأتي أهله ويكسل أعليه غسل؟ فقالت: مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصيح فيصيح معهم) تعني: أنت طويلب علم صغير، وتأتي إلى الأمور الدقيقة وتسأل فيها، وذكرت له الحكم.

    زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم لماذا حرمن على جميع المسلمين وكن أمهات المؤمنين؟

    يقول العلماء: الزوجة إذا ماتت والزوج إذا مات والتقيا في الجنة، فهل تكون الزوجة في الدنيا زوجة في الجنة؟

    نعم، قال الله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] فإن كتب الله للزوجين المسلمين دخول الجنة فالزوجة في الدنيا لزوجها في الآخرة، ولكن ما كل زوجين يمكن أن يحكم لهما بالجنة، ولكن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين مقطوع بدخولهن الجنة، ومقطوع بأنهن زوجاته في الآخرة، فإذا كن زوجاته في الدنيا وهن زوجاته في الآخرة، فيحرم على أي إنسان أن يتزوج بواحدة منهن.

    والرسول صلى الله عليه وسلم حي في قبره حياة برزخية كما أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وللحياة البرزخية أمور تدخل في هذا الباب، نقول: أمهات المؤمنين، من باب التشريف والتكريم، ولا تجري عليهن بقية أحكام الأمومة مع أولادهن.

    يقال: هذه أم فلان إذا كان ولدها اسمه كذلك،، وأبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، إذا كان هذا اسم ولده، والتعريف بالكناية أشد وأعظم تكريماً من التعريف بالاسم العلم فقط.

    جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والله يا عائشة إني أعرف متى تكونين راضية عني ومتى تكونين غير راضية؟ قالت: وكيف تعرف ذلك؟ قال: إذا كنت راضية قلت: ورب محمد! وإذا كنت غير راضية قلت: ورب إبراهيم).

    ويقال: يا أبا القاسم! تكريماً للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: (تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي)؛ فلا ينبغي للإنسان أن يكني نفسه (أبا القاسم)؛ لأن هذه الكنية من الكنايات الخاصة به صلى الله عليه وسلم، لكن أن تسمي بمحمد وأحمد ومحمود، فلا مانع.

    إذاً: كنيت عائشة رضي الله تعالى عنها تكريماً لها، وهل كان لها ولد اسمه عبد الله حتى كنيت بـأم عبد الله ؟! بعض العلماء يقول: كانت قد حملت وأسقطت وسمي السقط عبد الله، ولكن علماء الحديث يجزمون بأنها لم تحمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لم تلد من رسول الله قط، وإنما كنيت بابن أختها، ويجوز التكني بدون ولد، وهذا شائع في اللغة.

    تكنية الصغير ومن لا ولد له

    وتقدمت معنا قصة الشافعي ومالك رضي الله عنهم جميعاً، عندما جاء الشافعي إلى المدينة، وكان قد بدأ الدراسة في مكة، ثم جاء إلى المدينة وهو في سن الثانية عشرة، ليقرأ الموطأ على مالك ، واستضافه في بيته، وكانت ابنة مالك تسمع من أبيها: الشافعي جاء.. الشافعي ذهب، ويثني عليه لذكائه وحكمته وحرصه على طلب العلم.

    فلما استضافه مالك يوماً من الأيام، قالت: اليوم سأرى كيف عبادته، فقدمت العشاء ثم أحضرت الوضوء، فلما جاءت في الفجر لتعطيه ماء للوضوء لصلاة الفجر، وجدت ماء الوضوء الذي وضعته له بعد العشاء، لم يمسه، ولم يكن هناك غيره، فلما أصبحت قالت لأبيها: تقول لي: الشافعي .. الشافعي .. وما أفعاله بأفعال طلبة العلم! قال: ولماذا؟ قالت: قدمنا له العشاء فأكل كثيراً وليس هذا من صفة طلبة العلم، وأحضرنا له الماء في إناء ليتوضأ ويقوم من الليل ويصلي، فما توضأ ولا صلى ركعة، قال: سأسأله عن هذا! فلما أصبح سأله، قال: نعم، أما كثرة الأكل، فإني منذ خرجت من عند أمي -أمه هي التي ربته وسبحان الله! مالك أيضاً أمه التي ربته؛ لأن أباه خرج في الغزو، وكذلك أبو حنيفة وأحمد رحمهم الله جميعاً- قال: منذ خرجت من عند أمي -وكان في غزة- ما شبعت من طعام قط؛ لأني أتحرج من الحرام، ولما جئت إلى بيت مالك ، وهو إمام دار الهجرة، علمت أنه يتحرى الحلال، فأردت أن أشبع بالحلال فأكلت كثيراً، أما عدم الوضوء في الليل فإني لم أنم، ولم ينتقض وضوئي للعشاء، وصليت الفجر بوضوء العشاء، قال: ولماذا؟ ما الذي أزعجك أو أقلقك ولم تنم؟ قال: حينما جئت إلى المدينة، صرت أمشي في طرقاتها وأتذكر الماضي وأقول: من هنا خرج رسول الله، ومن هنا جاء رسول الله، وهنا أوقفته العجوز، وهنا كلم الغلام -وهذا محل الشاهد- إذ مر على غلام صغير معه طائر نغري، وهذا الطائر معروف بكثرة عند أهل المدينة، وكان يلعب به، ثم مات الطائر، ولما رجع رسول الله عليه الصلاة والسلام وجد الطائر قد مات، والطفل يبكي عليه، فقال له: (يا أبا عمير ! ما فعل النغير؟) أبو عمير هذه كناية، فكناه وهو صبي ليس له ولد، فأخذت أتفكر في هذه العبارة: ( يا أبا عمير ما فعل النغير؟) ومعلوم أن المدينة محرم الصيد فيها، قال: فاستخرجت من هذا الحديث أربعين مسألة فقهية!! منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كنى هذا الغلام بما لم يولد له، فكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كنيت بـأم عبد الله وهي لم تلد قط.

    معنى (الإحداث) في هذا الحديث

    قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

    يقول العلماء: إنه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، مثل هذا النظم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، أربع كلمات تعتبر بمثابة القاموس، وتعتبر بمثابة القانون والقاعدة العامة الجامعة الشاملة لحفظ هذا الدين من أن يحدث فيه ما ليس منه، فكأنه إطار كامل جامع شامل لهذا الدين، لا يسمح لدخول محدثة في هذا الأمر، وهو كالقاعدة الأساسية، ولكن بقي علينا أن نقف طويلاً عند كلمتي: (أحدث) (أمرنا) ربما تجد إفراطاً وتفريطاً، في فهم الإحداث، وقد جاء في الحديث: (إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة)، فما هي المحدثات؟.

    أصل الحدث في اللغة: التجدد، يقال: حدث حادث، أي: هذا أمر حادث غير قديم، ويستعمل لفظ (حدث) عدة استعمالات بحسب السياق، وللغة استعمالاتها، وللشرع استعمالاته، فتقول: هذا حديث وليس بقديم، يعني: جديد، هذا حدث السن، أي: صغير، ويقال: هذه مدرسة الأحداث، أي: الصغار، ويقال: هذه حوادث، أي: جنايات، ولا يقال: حادثة إلا لأمر له خطورته؛ إذاً: معنى هذا أي: من أمر الدين.

    ويأتي الحدث في اصطلاح الدين بمعنى نقض الوضوء كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، ونحن قلنا: الحوادث مثل: أو جريمة قتل، جريمة سرقة، أو حوادث تقع، مثل حوادث المرور، وتصادم السيارات، لكن ليس المراد هذا في الحديث، وقد سئل أبو هريرة عن الحدث فقال: (فساء أو ضراط)، فالحدث كلمة عامة لكن المراد بها هنا حدثاً مخصوصاً ينقض الوضوء.

    وجاء في صحيح البخاري، في قصة رجم اليهوديين الذين زنيا، قال الراوي: (قد أحدثا جميعاً) فهل هو الحدث الذي عناه أبو هريرة ؟ لا، بل معناه حدثاً آخر وهو الزنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ائتوني بأعلم رجلين عندكم، فأتي بهما، فقال: ما تجدون حكم هذا عندكم في التوراة؟)، إلى آخره، فقول ابن عمر : (جاء اليهود إلى رسول الله برجل وامرأة قد أحدثا) فهذا حدث غير الحدث الذي في حديث أبي هريرة.

    وفي غزوة الأحزاب قال صلى الله عليه وسلم: (من يأتي بالخبر؟) ، فقام حذيفة ، قال: (اذهب وائتني بخبر القوم ولا تحدثن حدثاً) ، وهل قوله: (لا تحدثن حدثاً) هو الحدث الذي في حديث أبي هريرة أو حدث اليهودي واليهودية؟ لا، ولذا قال: والله! لقد رأيت أبا سفيان ينادي في القوم: الرحيل، وهو على راحلته، وإنها لمعقولة، فأخذت سهماً من كنانتي ولو شئت لقتلته، ولكن تذكرت قول رسول الله: (ولا تحدثن حدثاً)، فكل هذا يسمى حدثاً، فجريمة القتل أو السرقة أو نقض الوضوء أو إتيان موجب لحد، كلها تسمى حدثاً، ونقول عند ذكر الحدث في الفقه: الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فأي الأحداث المراد بها هنا في قوله: من أحدث؟ ما هو الحدث الذي يحدث في أمرنا؟ وما هو أمرنا؟

    معنى (أمرنا) في هذا الحديث

    (أمر) مفرد لأوامر، ويأتي مفرد لأمور، يقال: أمرت أمراً، وصدرت أوامر، وتقول: حدث أمر وأمور كثيرة، فأمر مفرد أوامر بمعنى: تعليمات، وهي ضد النواهي، ويكون بمعنى أمور أي: أحداث تحدث.

    و(أمرنا) هنا من القسم الثاني، وليس من باب الأوامر والنواهي، ولكن (أمرنا) أي: الشأن الذي نحن عليه، وماذا يقصد بالشأن الذي نحن عليه؟

    نحن في أحد أمرين: إما أمر الدنيا، وإما أمر الدين.

    وأمر الدنيا يشاركنا فيه كل العالم، المسلم والكافر فيه سواء، وأمور الدنيا ليست خاصة بالمسلمين بل هي عامة، فالأكل والشرب ليس من أمرنا خاصة، والسفر والحضر ليس من أمرنا خاصة، والنكاح والطلاق ليس من أمرنا خاصة، والدواء والصناعة ليس من أمرنا خاصة.

    إذاً: أمور الدنيا ليست من أمرنا خاصة، ولكنها عامة للعالم كله؛ لأن أمر الحياة يقتضيها.

    فقوله: (في أمرنا) معناه: في الشأن الخاص بنا وهو الدين. إذاً: الحدث مرتبط بشيء خاص وهو الدين وليس متعلقاً بالدنيا، ومن هنا لا يجوز لإنسان أن يقول عن أمر من أمور الدنيا: هذا محدث.. هذا ممنوع.. هذا رد، لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من أحدث في أمرنا)، من قبل كنا نسافر على الأقدام ونركب الدواب، ثم جاءت السيارات والطائرات، فهل يقول قائل: هذه أحدثت وهذه محدثة لم تكن موجودة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا، وليس لأحد حق في ذلك، بل جاء ما يرد عليه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه قال: (أنتم أعلم بدنياكم مني)؛ لأنها أمور الدنيا، وأمور الدنيا في العالم كله ليست على وتيرة ومنهج واحد، بل لكل بلد منهجه في حياته، وحتى الصناعات لا تتفق في أنحاء العالم. فالشرع الحنيف ترك أمر الدنيا للناس في دنياهم على ما تقتضيه مصالحهم، أما أمر الدين فهذا لله.

    لا يوجد بدعة حسنة في الدين

    قال: (من أحدث في أمرنا) أي: من أوجد وابتكر وأحدث شيئاً كان معدوماً، وجاء بشيء حادث لم يكن موجوداً من قبل في الدين، (فهو رد) بمعنى مردود.

    ما هي الأحداث التي ليست من أمر الدين؟ باختصار: كل جديد تراه وتسمع عنه فيما يتعلق بالتعبد، ويرجى فيه ثوابٌ عند الله، أو يخشى بتركه عقاب من الله، أي: يفعله العبد تديناً لله، فينظر هل هو مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟

    وقد قال مالك رحمه الله: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

    وقال مالك أيضاً: من سن سنة وظن أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فالذي يأتي بشيء جديد، ويقول: هذا من عندي، اعملوا به، وهو سنة حسنة، نقول له: هذا الذي جئتنا به، لماذا جئت به؟ هل الدين ناقص وتريد أن تكمله به، أو هو زائد على كمال الدين، فإن قال: الدين كان ناقصاً وأريد أن أكمله، نقول: كفرت بكتاب الله؛ لأن الله يقول: (أكملت) (وأتممت).

    وإذا قال: إنه زائد عما جاء من عند الله، فنقول: كذبت بكتاب الله؛ لأن الشيء الكامل والتام لا يقبل زيادة، إذاً: لا يمكن لأحد أن يأتي بشيء ويستحسنه ولا أصل له في الدين، ويكون حسناً أبداً.

    المصالح المرسلة ليست من البدع

    وأشكل على بعضهم هذا فقال: كيف تقولون: لا إحداث ولا بدعة حسنة، بينما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه جمع الناس على إمام واحد، في التراويح في قيام الليل حينما كانوا يقومون جماعات أوزاعاً، ثم قال: نعمت البدعة؟ فكيف سماها بدعة ووصفها بأنها نعمة، والنعمة ضد النقمة والبأس؟

    الجواب: من جاء بعمل لم يكن سابقاً، ولكنه من أمر الدين بمعنى: لم يخالف نصاً في كتاب الله، ولم يعارض نصاً من سنة رسول الله، بل يؤيد ويخدم ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله، فهذا من أمرنا وليس بعيداً ولا غريباً عليه.

    ومن هنا قالوا: لقد جمع القرآن ولم يكن مجموعاً من قبل، فهل كان جمع القرآن حدثاً في ديننا؟ نعم هو أمر جديد، ولكن الصديق رضي الله عنه لما أشار عليه عمر بذلك نظروا في ذلك، فإذا جمع القرآن من صلب الدين، فشرح الله صدر أبي بكر لما قاله عمر، ووافق زيد وأبو بكر عمر فيما قاله، فهل كان القرآن مدوناً من قبل؟ لا، تدوينه محدث، وجمعه في صحف شيء جديد محدث لم يكن من قبل، ولكنه نصر للدين ومن صلب الدين؛ لأنه يحفظ الدين بكليته، ويحفظ كتاب الله من الضياع.

    وكذلك السنة هل كانت مجموعة؟!

    ما كان هناك صحيح البخاري ومسلم، ولا السنن كلها، وما كان هناك المسندات: مثل مسند أحمد، لم تكن هذه العلوم مدونة، ومن ثم جمعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن نقول: بداية تدوين السنة كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقول أبي هريرة لما قالوا: أكثرت يا أبا هريرة ! فقال: لم يكن أحد أحفظ مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص ؛ لأنه كان يكتب وأنا لا أكتب.

    ولما قالوا لـعبد الله بن عمرو : (إنك تكتب كل شيء عن رسول الله، ورسول الله بشر يغضب ويرضى، فسأل رسول الله، فقال: اكتب، فإني والله! لا أقول إلا حقاً) .

    إذاً: تدوين السنة كان من قبل، وقد كتب رسول الله للعمال ما يتعلق بأنصباء الزكاة، وما يتعلق بمقادير الديات، إلى غير ذلك.

    ثم وجد بعد ذلك علم النحو، وعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم المصطلح، وكل هذه العلوم دونت فيما بعد، فهل هذه محدثات في الدين، أو هي من صلب الدين؟ من صلب الدين.

    إذاً: قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: شيئاً جديداً لا صلة له بالدين، (فهو رد)، أما إذا كان من صلب الدين أو يخدم ما جاء به الدين، فليس رداً.

    وكما قالوا في جمع القرآن الكريم ولم يكن موجوداً، كذلك أيضاً تدوين الدواوين بأسماء المجاهدين كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه سجل أعطيات المهاجرين والأنصار فيما يتعلق بالغنائم وبالفيء.

    يقولون في الأصول: الإسلام جاء بجلب النفع ودفع الضر، فكل ما فيه جلب نفع للمسلمين فهو داخل في ديننا، ولكن النفع ليس متروكاً لأهواء الناس ولرغباتهم، ولكن ما شهد به الدين، وهذا باب المصالح المرسلة، وهو مفتوح على مصراعيه، فكل مصلحة لم ينفها الإسلام، وإن لم يأمر بها، لكنها تخدم جانباً من الجوانب الخمسة التي جاء الإسلام بحفظها وتدعيمها، وشرع الحدود لحفظها، فجمع القرآن وتدوين السنة وعمل الدواوين كل هذا لحفظ الدين، وكذا تدوين العلوم التي تخدم القرآن الكريم، وحفظ العقول بتحريم كل ما يضيع العقل، وكذلك حفظ النفس، وحفظ الأموال، وحفظ الأعراض، وحفظ الأنساب، فكل ما يعين على حفظ هذه الأمور فهو من الدين؛ لأن الإسلام جاء بذلك كله.