إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب المواقيت [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله للصلوات الخمس مواقيت محددة الأول والآخر، وقد بين الله ورسوله هذه المواقيت، وشرحها العلماء، وأطالوا في ذلك؛ لأنها متعلقة بأفضل العبادات، وأعظم القربات، فالصلاة لا تقبل إلا بعد دخول وقتها، فوجب معرفة المواقيت للقيام بالصلاة في وقتها المحدد شرعاً.

    1.   

    مقدمات أصولية تتعلق بالمواقيت

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فيقول المؤلف رحمه الله: [ كتاب الصلاة، باب المواقيت ].

    المواقيت: جمع موقت، والموقت هو الوقت المؤقت لشيء ما، وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى قائلاً: كتاب الصلاة، ثم قال: باب المواقيت ليبين لنا أن مواقيت الصلاة من ضمن مباحث الصلاة.

    وهذا الباب جعله الإمام مالك رحمه الله أول أبواب الموطأ، وقال: باب الوقوت (جمع كثرة لوقت) وقالوا: إنه راعى الأوقات المختلفة في أداء الصلاة من أفضلية الوقت إلى آخر ما يجزئ في الوقت من الوقت الضروري، ووقت القضاء لمن نام أو نسي، وهناك أوقات الصلوات الخمس، ووقت الجمعة، وغير ذلك.

    والتوقيت للصلاة واجب كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أي: موقتاً بزمن.

    تقسيم أوقات العبادة إلى مضيقة وموسعة

    العبادات المؤقتة ينقسم وقتها بالنسبة إليها إلى قسمين:

    القسم الأول: وقت موسع.

    القسم الثاني: وقت مضيق.

    فالوقت الموسع كأوقات الصلوات، فمثلاً: وقت صلاة الظهر من زوال الشمس إلى مجيء وقت العصر، ووقت العصر من أول وقتها إلى غروب الشمس، ومعنى موسع: أن يستطيع الإنسان أن يأتي بالفريضة في وقتها ثم يأتي بمثلها معها في وقتها.

    والوقت المضيق كصوم رمضان، فشهر رمضان هو وقت الصوم، وهو مضيق بمعنى: أنك لا تستطيع أن تأتي في يوم من رمضان بفريضتين: فريضة شهرك الحاضر وقضاءً عما عليك من الماضي، بخلاف وقت الصلاة، فإنك تستطيع أن تُصلي الحاضرة، وتُصلي النافلة، وتُصلي ما كان عليك من قضاء في الوقت الواحد، وفي الصلوات قد يصبح الوقت الموسع مضيقاً إذا لم يبق من الوقت إلا ما تدرك به صلاة الوقت الحاضر.

    تقسيم خطاب الشرع إلى خطاب تكليف وخطاب وضع

    والله سبحانه وتعالى بين توقيت العبادات من باب خطاب الوضع؛ لأن خطاب الشرع ينقسم إلى قسمين:

    خطاب التكليف، وخطاب الوضع.

    فخطاب التكليف هو: الذي فيه الأمر والنهي بالتشريع أو التحريم.

    وخطاب الوضع هو: العلامة أو الشرط أو المانع المتعلق بهذا العمل الذي كُلف به المسلم.

    فقوله سبحانه وتعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] هذا خطاب تكليف، كلف فيه المسلم أن يقيم الصلاة وأن يؤتي الزكاة، وقوله سبحانه: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] خطاب تكليف؛ كلف فيه المسلم بالصوم.

    ولكن تحديد متى نصوم ومتى نصلي يجيء بيانه بخطاب الوضع، فقال سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]، فعين لنا زمن الصوم الذي فرض علينا، وكذلك قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، فهذا خطاب وضع من جهة بيان وقت الصلاة، فنصلي لدلوك الشمس، وهو تحركها بعد الاستواء عن كبد السماء إلى جهة الغرب، إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ أي: ظلمة الليل.

    فدلوك الشمس شمل الوقت المشترك لصلاتي: الظهر والعصر، وغسق الليل شمل الصلاتين المشتركتين في ذلك الوقت وهما: المغرب والعشاء، ثم قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ وهو: مشتمل على صلاة الصبح، فهذا الخطاب الذي بين أوقات الصلوات يسمى: خطاب وضع، والخطاب الذي جاء بتكليف المكلف بالواجب عليه في العبادات هو خطاب تكليف.

    كذلك الحج، قال الله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] فهذا خطاب تكليف، فعلى كل مستطيع أن يحج، ولكن متى نحج؟ جاء خطاب الوضع في قوله: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، فبين لنا وقت الحج، والسنة بينت أنه من أول شوال، فيجوز الإحرام في شوال، وذي القعدة، وجزء من ذي الحجة، وهذا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم.

    دخول الوقت شرط لصحة الصلاة

    إذاً: مالك رحمه الله راعى في كتابه الموطأ أن أول ما يكلف به العبد فعلاً الصلاة، ولكن الصلاة تبدأ من الميقات أي: من التوقيت، أي: بدخول الوقت، والطهارة شرط لصحة الصلاة، ودخول الوقت شرط لصحة الصلاة، فمن صلى صلاة قبل وقتها فلا يعتد بها، ومن صلى صلاة دون أن يتوضأ فلا يعتد بها، فراعى أن أول ما يكون هو دخول الوقت، فإذا دخل الوقت وجب عليه أن يتوضأ ليصلي، لقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا... [المائدة:6]، ولا يكون القيام إلى الصلاة إلا بعد دخول وقتها، ولكن كتب الحديث المرتبة على أبواب الفقه قد يختلفون في البداية، فبدأ البخاري صحيحه بباب الإيمان والعلم، وكذلك فعل مسلم فبدأ بباب الإيمان، وجاء أبو داود فبدأ بكتاب الصلاة، وبدأ كتاب الصلاة بالطهارة؛ لأنها شرط في صحتها، ثم جاء بعد ذلك بستر العورة وهو باب اللباس، ثم أتى بالمساجد ومواضع الصلاة، وكذلك فعل غيره.

    والذي يهمنا أن الناس يختلفون في ترتيب كتب الفقه، ولكنهم مجمعون في الجملة بأنهم يبدءون بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم بالأحوال الشخصية، ثم بالجنايات، ثم بأحكام القضاء؛ لأن العبادات فرض عين على كل شخص، فهي أهم، وهي حق الله على العباد، والمعاملات هي لمصلحة الناس فيما بينهم من بيع وشراء وكفالة وضمان وحوالة إلى غير ذلك، وكذلك الأحوال الشخصية من الأنكحة والعشرة الزوجية وحق الزوجات والأولاد والنفقات والطلاق والعدد ونحو ذلك.

    ويؤخرون بعد هذا باب القضاء؛ لأن الإنسان في الغالب بعد أن يبيع ويشتري ويتكسب ويتزوج يصير له الأولاد، فتقع المشاكل مع الجيران، فيأتي باب القضاء، فكتب الفقه تتفق على هذا الترتيب في الجملة، وبعضهم قد يقدم باباً على باب، ولكن من حيث الجملة فالترتيب عبادات، معاملات، أحوال شخصية، جنايات، قضاء.

    انتهى المؤلف رحمه الله من كتاب الطهارة من وضوء، ومن غسل، وبيان حكم الجنب، والتيمم، والإنسان يتطهر استعداداً للصلاة؛ لأن الطهارة سواء بالوضوء أو بالغسل تصح قبل دخول الوقت، فهو قد يتهيأ للصلاة قبل دخول وقتها.

    (يريد الله بكم اليسر) قاعدة عامة في التكاليف

    انتهى المؤلف رحمه الله من مقدمة الصلاة، وشرطها الأساسي وهو الطهارة، ثم جاء بعد ذلك بكتاب الصلاة، وبدأ كتاب الصلاة بالوقت؛ لأنها لا تؤدى إلا في وقتها المحدد لها، ومن ناحية أخرى نجد كل خطاب الوضع مرتبطاً بعلامات كونية أو أمور وضعية متعارف عليها، ويستوي في معرفتها أعلم الناس هندسة وعلوماً عامة وأجهل الناس بتلك العلوم، فيستوي فيها العامي والمتعلم.

    فمثلاً أوقات الصلوات الخمس رُبطت بأمور بأمور يستوي في معرفتها العامة والخاصة، بل قد يكون العامي صاحب البادية أعرف بها من الحاضر، حيث جعل الله مواقيت الصلاة مرتبطة بحركة الشمس، فالفجر من انفجار النهار عن ظلام الليل، وهي نتيجة اقتراب الشمس من الظهور، وتقدم أشعتها، فيظهر بعض الضوء، ويتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والظهر حينما تزول الشمس عن كبد السماء ونرى الفيء.

    فالشمس حينما تشرق، تأخذ في نصف الدائرة، فإذا توسطت نصف الدائرة وهو الربع الأول من الدائرة الكاملة، يمتد ظل كل شيء إلى الغرب، فلما تزحزحت عن نقطة الصفر في متوسط الدائرة، وانحازت إلى الربع الثاني إلى جهة الغرب؛ تحول الفيء إلى الشرق، فنحن وإن كان بيننا وبين الشمس مئات الآلاف من الأميال فإننا ندرك حركتها عندنا في الأرض؛ بتحول الظل من الغرب إلى الشرق، ثم يأتي وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثله، ثم يأتي وقت المغرب عندما تغرب الشمس، وما بين الظهر والمغرب وقت للعصر.

    الذي في البادية أدرى بالأوقات من الذي في الحاضرة؛ لأن الحضري ساكن في شقة أو في بيت وربما لا يراقب الشمس، وخاصة طلوع الشمس، وأهل البادية أعرف بذلك من الآخرين.

    والمغرب وقته من غياب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة التي في الأفق، ومن غيبوبة الشفق إلى طلوع الفجر وقت للعشاء.

    فهذه معالم وأمارات وتوقيت يتفق في معرفتها الجميع؛ لأن التشريع للجميع، ولا يكلف الله الناس معرفة علم الفلك، ولا يجب أن نعرف أوقات الصلاة بتوقيت فلكي، وإنما جاءت الساعة تسهيلاً وتقريباً لذلك، ولهذا لو رأينا ساعة الفلك مغايرة لساعة الجيب؛ لألغينا ساعة الجيب، فلو أن الساعة في جيبك تشير أنه بقي على المغرب نصف ساعة، ورأيت الشمس تغرب بعينك، فبأي الساعتين تعمل؟ هل بساعة الشمس التي تنظر إليها بعينك أو الساعة التي في يدك؟

    تلغي الساعة التي في يدك وتعدلها، وكذلك صوم شهر رمضان، والعالم كله يعرف متى يدخل رمضان ومتى يخرج رمضان، وهل نعرف ذلك بالحساب كما يقولون؟ لا، لحديث: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، ورؤية الهلال أيسر في البادية من الحاضرة، فالحاضرة فيها دخان، وكهرباء، و.. و.. إلى آخره، وأضواء الكهرباء تضعف من البصر، بخلاف أهل البادية فهم حديدو الأبصار، يرون الهلال في أول يوم، ويعرفون منازله، ويطلبونه فيه، وكذلك الحج.

    والزكاة جُعِل قدرها (2.5%) وهذا المقدار لا يغلط فيه الإنسان عند الحساب، وقال الله في زكاة الزروع: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فهذا تكليف، وقال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] وهذا خطاب وضع، وكم قدر الزكاة؟

    بينت السنة أنه إما العشر وإما نصف العشر، وهذه أمور عامة يعلمها العامة والخاصة، وهذا دليل على أن الإسلام هو الدين الباقي، والدين الشامل، وهو دين الفطرة؛ لأنه يستوي فيه جميع الخلق: من عرب، ومن عجم، ومن حضر، ومن بدو، ومن متعلم، ومن عامي.

    فبدأ المؤلف كتاب الصلاة بالمواقيت، وجاء بالأحاديث المتعلقة بالباب، وفيها الكفاية إن شاء الله.

    1.   

    بيان النبي صلى الله عليه وسلم لأوقات الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) رواه مسلم].

    معنى زوال الشمس

    قوله: (إذا زالت الشمس)، معنى زالت: ذهبت عن كبد السماء؛ لأنها تشرق في أول الأمر من المشرق، وتأخذ في حركتها في نصف الدائرة، ويقولون: قدر ثماني عشر، والدائرة الكاملة قدرها ست وثلاثون درجة، فهي تأخذ ثماني عشرة درجة في هذا الوجه، وثماني عشرة درجة في الوجه الثاني من جهة الأرض، فتكون ثماني عشرة درجة مضيئة بطلوع الشمس، وثماني عشرة درجة ليل؛ لعدم وجود الشمس هناك، فإذا أخذت نصف الثماني عشرة درجة، فهي تسعة، وهذا هو وسط وكبد السماء، وفيء الزوال يختلف صيفاً وشتاء، بل ويختلف على درجات الأرض، فهو على مستوى خط الاستواء يختلف على مدار السرطان أو على الجهة الشمالية أو الجهة القطبية، حتى إنه في منتهى تكوير الأرض في السويد والنرويج من جهة القطب المتجمد الشمالي قد يختفي الظل، وقد يبقى النهار عدة أشهر، والليل عدة أشهر، وقال لي إنسان: جلسنا هناك على قمة ونحن ننظر الشمس، ففي حوالى دقيقة واحدة اختفت الشمس من جهة، وظهرت من الجهة الثانية حالاً، ولم يوجد هناك فترة طويلة!!

    إذاً: تختلف مواقيت زوال الشمس عن كبد السماء بالنسبة لسقوط ظل أشعتها إلى الأرض، فعند الزوال في وقت اعتدال الليل والنهار تكون الأشعة متعامدة من السماء إلى الأرض على زاوية قائمة، وفي بعض الفصول في الشتاء أو في الربيع أو في الخريف، يكون ظل الزوال قدماً أو قدمين إلى ستة أقدام بقدم الإنسان.

    ونحن لا نستطيع أن نحدد مكان الشمس في كبد السماء في نقطة الصفر، ولا نعلم أول زوالها وتحولها إلى الغرب؛ لأن المسافة بعيدة جداً، ولكن يكفي أن ننظر إلى ظل الأشياء في الأرض، فما دام الظل إلى جهة الغرب فهي لا زالت في الربع الذي من جهة المشرق، وإذا تحول الظل إلى المشرق فقد زالت الشمس، ويسمى الظل بعد الزوال فيء؛ لأنه رجع، فنعرف بذلك أن الشمس زالت عن كبد السماء.

    وقوله: (إذا زالت الشمس)؛ لأن نقطة الزوال بالذات لا تصح فيها الصلاة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت قيام الشمس في قائم الظهيرة، وهو وقت الاستواء قبيل الزوال، وجاء في الحديث: (ثلاث ساعات، نهينا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حينما تطلع الشمس من المشرق حتى يكتمل طلوعها وترتفع، وحينما يقوم قائم الظهيرة -أي: تكون الشمس في كبد السماء بالذات- وحينما تضيَّف الشمس للغروب، حتى يكتمل غياب قرص الشمس)، فهذه الأوقات الثلاثة نهي عن الصلاة فيها، وعن قبر الموتى فيها، لكن يجوز قضاء الفائتة فيها.

    وقد جاء في الحديث: (من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك العصر)، يعني: أدرك الوقت، وإلا فإنه سيصلي الركعات الثلاث الباقية بعد غياب القرص، فسيغيب القرص وهو يصلي، وهذا مستثنى من النهي عن الصلاة عند غروب الشمس أو عند شروقها، فقد جاء في الحديث: (من أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح)، وهذه هي الأوقات الاضطرارية.

    والأوقات الاضطرارية تكون لإنسان نسي الصلاة، أو نام عن الصلاة، أو لصبي بلغ، أو كافر أسلم، أو مجنون أفاق، أو امرأة كانت حائضاً فطهرت، فهؤلاء من صلى منهم حينذاك وكان الوقت مثلاً قبل شروق الشمس بما يسع ركعة، فتوضأ واستعد للصلاة، ولم يبق على طلوع الشمس إلا ما يسع ركعة، فيصلي تلك الركعة ويكون قد أدرك الصبح في وقتها، وكذلك الحائض إذا طهرت قبل أن تشرق الشمس بما يسع ركعة، فعليها أن تصلي الصبح، وكذلك الصبي إذا بلغ في هذا الوقت، والمجنون إذا أفاق في هذا الوقت، والكافر إذا أسلم في هذا الوقت؛ فإننا نكلفه بالصلاة؛ لأنه أدرك جزءاً من الوقت، وهو الجزء الضروري لأصحاب الأعذار.

    والمؤلف هنا ذكر أحاديث المواقيت العامة لعامة الناس، أما أحاديث أهل الأعذار فسيأتي الإشارة إليها كما في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الظهر).

    وكذلك يستثنى من كراهة الصلاة في وقت الاستواء قضاء الفائتة، وسيأتي التنبيه على الأوقات المنهي عن الصلاة فيها إن شاء الله.

    وقت صلاة الظهر

    قوله رحمه الله: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر وقت العصر).

    أي: فإذا زالت الشمس عن كبد السماء دخل وقت الظهر، وقوله: (وكان ظل الرجل كطوله): الرجل مجرد مثل، والمراد أن يكون ظل كل شيء مثله، فإذا غرست عوداً أو غرست عصاً أو كان هناك بيت، وكان الظل بمقدارها؛ فحينئذ دخل وقت الظهر.

    وبهذه المناسبة يقولون في بعض الرياضيات: هذه المنارة كيف تعرف طولها؟

    يقولون: تستطيع أن تعرف طولها بعصا طولها متر واحد، فإذا جئت بين الظهر والعصر وغرست العصا، وأخذت مقياسها من الأرض إلى أعلاها، وتأخذ امتداد ظلها وطولها مثلاً متر، وطول ظلها على الأرض مترين مثلاً، فتكون نسبة الظل إلى الشاخص اثنين إلى واحد، فتعرف بذلك طول المنارة أو عمود الكهرباء أو النخلة الطويلة أو أي جرم ممتد، فتأخذ ظله، فلو كان مثلاً مائة متر، وأنت عندك العصا وقد عرفت مقدار ارتفاعها، وكان ظلها ضعفها، فإذا كان ظل العصا ضعفها فكذلك النخلة أو المنارة يكون ظلها ضعفها، فإذا وجدت الظل مائتي متر فيكون ارتفاعها مائة متر، أو وجدت ظلها مائة متر فيكون ارتفاعها خمسين متراً فقط، وهكذا.

    وقت صلاة العصر

    قوله: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس).

    أي: وقت العصر بعد أن يصير ظل الإنسان مثله ما لم تصفر الشمس، وهذا الوقت الاختياري، وهو وقت الفضيلة، مع أن وقت العصر يمتد إلى ما قبل غروب الشمس بما يسع ركعة، وهو الوقت الاضطراري.

    فالعصر له وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت اضطرار، فالوقت الاختياري بعد أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال.

    ومعنى قول الفقهاء (بعد ظل الزوال): أن للشيء ظل وقت الاستواء، ويكون قدره قدماً أو قدمين، وهذا حينما تكون الشمس في كبد السماء؛ لأن أشعة الشمس في فصل الشتاء لا تنزل متعامدة على الأرض، بل تنزل بزاوية منحرفة، وهذا الانحراف يجعل للشيء ظلاً عندما تكون الشمس في كبد السماء، ولكن في شدة الصيف، وعندما يستوي الليل والنهار؛ تكون أشعة الشمس متعامدة، فتنزل على رأس الشاخص فلا يكون له ظل عند الاستواء.

    فهناك ظل للزوال يختلف باختلاف الفصول وباختلاف مواقع الأرض من العالم، فننظر قدر ظل الزوال حينما زالت الشمس، فنحسب الظل الموجود وقت الزوال، ثم نضيفه إلى الظل الموجود وقت قياس الظل، فإذا صار ظل كل شيء مثله عدا ظل الزوال، فيكون هذا آخر وقت الظهر.

    إذاً: حينما تكون الشمس في كبد السماء فإما أن يكون للشيء ظل في الأرض موجود بالفعل، وذلك لعدم تعامد أشعة الشمس على الأرض، وإما ألا يكون له ظل، وآخر وقت الظهر عندما يصير ظل كل شيء مثله، فإن كان يوجد ظل للزوال أضيف إلى ظل الشاخص، وإن لم يكن له ظل عند الاستواء فنحسب ظله فقط.

    يقول: (ما لم تصفر الشمس) فهذا آخر وقت العصر الفضيل، ولماذا تكون الشمس مصفرة عند الشروق، وعند الغروب تكون محمرة؟

    يقولون: في أول خروجها تختلط أشعتها بالرطوبة التي كانت في الليل، فتكوِّن هذه الرطوبة مع أشعة الشمس البيضاء هذه الإضاءة، هكذا يعللون، ولا ندري بحقيقة ذلك، فإذا أخذت الشمس ترتفع ذهبت رطوبة الجو، واكتمل ضوء الشمس وشعاعها، فصارت بيضاء نقية.

    إذاً: وقت العصر من نهاية وقت الظهر ما لم تصفر الشمس، وهذا هو الوقت الفضيل الذي ينبغي ألا تؤخر العصر عنه إلا لضرورة، وبعد اصفرارها يدخل وقت الاضطرار، والذي يصلي العصر بعد اصفرارها يصليها أداء باتفاق الجميع، فوقت العصر يمتد إلى ما قبل غروب الشمس بما يسع ركعة، ولكن الأفضل أن تصلي في الوقت الفضيل، وهو ما لم تصفر الشمس وتتغير، وقد جاء في الحديث: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر ماله وأهله)، فالرجل يصلي العصر، ويدرك وقتها، ولما فاته من وقتها الفضيل أفضل من أهله وماله.

    إذاً: وقت الفضيلة للعصر، من بعد خروج وقت الظهر إلى أن تبدأ أشعة الشمس بالاصفرار، وما بعد الاصفرار فهو وقت ضروري.

    وقت صلاة المغرب

    قوله: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق):

    العصر ينتهي وقته بغروب الشمس، ويقولون: كل صلاة يبدأ وقتها بنهاية ما قبلها إلا الظهر؛ لأن ما قبلها وهو الفجر ينتهي بطلوع الشمس، وما بين طلوع الشمس إلى زوال الشمس ليس من وقت الصبح ولا من وقت الظهر، ولهذا يقولون: إن أول الأوقات وقت الظهر، وأول ما نزل جبريل عليه السلام ليبين للنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة إنما كان في صلاة الظهر، ويقولون: إن آدم أول ما نزل إلى الأرض صلى صلاة الظهر، فيقولون: إن الظهر هي أول التوقيت، فأول الأوقات الظهر، يليها العصر، ثم في نهياتها يليها المغرب، ثم في نهايتها يليها العشاء، ثم في نهايته يليه الصبح، وما بين الصبح والظهر فترة طويلة بين الوقتين.

    ونذكر حديث جبريل عليه السلام عندما بيَّن للرسول صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، وذلك بعد ليلة الإسراء والمعراج إذ فرضت الصلاة، وفرضها الله على رسوله كفاحاً، ونعلم بالقصة عندما خففها من خمسين إلى خمس، فلما نزل صلى الله عليه وسلم، لم يأته جبريل لصلاة الصبح، ولكن جاءه لصلاة الظهر، وجاءه في يومين متواليين، فصلى به في اليوم الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، ثم من الغد صلى به الصلوات الخمس في آخر وقتها إلا المغرب فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد، ولذا كان وقتها ضيقاً عند المالكية كما سيأتي في بيان وقتها.

    وثبت أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة عن وقت الصلاة، فقال: (صل معنا، فصلى من الغد الصلوات الخمس في أول أوقاتها، ومن بعد الغد صلى الصلوات الخمس في آخر وقتها، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال: ما بين هذين وقت).

    وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الصلاة كتاب موقوت، وأشار القرآن إلى أوقات الصلاة كما في قوله تعالى: أًقِمِ الصَلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، وجاءت السنة وبيّنت وفصلت الأوقات، وبيّن صلى الله عليه وسلم أول الوقت وآخره، وأخبر أن أفضل الأعمال إيمان بالله ثم الصلاة في أول وقتها.

    فالمغرب يمتد وقته ما لم يغب الشفق، ولكن الأفضل في المغرب أن يبادر به، وعند المالكية أن وقت المغرب لا يمتد إلى الشفق إلا عند الضرورة، وعندهم أن وقتها يخرج بالأذان والإقامة وصلاة ركعتين وصلاة الفريضة وصلاة ركعتين، وبهذا ينتهي وقت المغرب الاختياري؛ لأن جبريل صلى برسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب في اليومين في وقت واحد، والرسول صلى الله عليه وسلم لما بيّن للأعرابي الأوقات صلى المغرب أيضاً في وقت واحد، وفي بعض الروايات أنه أخره إلى غياب الشفق وقال: (ما بين هذين وقت).

    إذاً: السنة بينت أوقات الصلاة، وفي هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: (والمغرب ما لم يغب الشفق)، والشفق عند الجمهور أنه الحمرة التي تكون عند غروب الشمس، وهي كالصفرة التي تكون قبيل طلوع الشمس، وكلها من آثار أشعة الشمس، فالاصفرار قبل طلوع الشمس، فأشعة الشمس تسبق إلينا قبل أن تبرز الشمس، والشفق هو: بقايا أشعة الشمس بعد أن غربت الشمس.

    إذاً: الشفق الحمرة، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن الشفق هو: البياض، والبياض يأتي بعد الحمرة، وبعض المفسرين والعلماء قال: لقد رقبت الشفق الأبيض، فإذا به قد يبقى إلى نصف الليل.

    إذاً: الشفق هو الحمرة، وسيأتي بيان دليله.

    وقت صلاة العشاء

    قوله: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط):

    وقت صلاة العشاء يبتدئ من غياب الشفق، ولكن الأفضل تأخيرها مثل الظهر في شدة الحر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم).

    وأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة في أول وقتها، كما جاء في السنة إلا الظهر في شدة الحر فإنه يبرد بها، وإلا العشاء فالأفضل في وقتها التأخير، ودليله حديث أنه أخرها ذات ليلة: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر العشاء يوماً ثم خرج وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فكان عليه الصلاة والسلام إذا رآهم اجتمعوا عجل بالعشاء، وإذا رآهم تأخروا أخرها، لينتظر المتأخرين ليدركوا الصلاة معه.

    إذاً: وقت العشاء يبدأ من ذهاب الشفق الأحمر، ولكن الأفضل تأخيرها كما جاء في الحديث: (إلى نصف الليل الأوسط).

    وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم أخّر العشاء يوماً، وأعتم بها، حتى كانت تخفق رءوسهم من النعاس، ثم خرجوا صلوا معه ولم يتوضئوا كما في حديث ابن عباس ، وتقدم إيراده في نواقض الوضوء، في مسألة النوم هل هو ناقض أو مظنة للنقض.

    فهم كانوا يجلسون في المسجد بعد المغرب، وينتظرون العشاء، وكان يطول الوقت بهم حتى تخفق رءوسهم من النعاس، وفرق بين النعاس وبين النوم، فخرج عليهم وهم في مجالسهم فقال: (ليس على وجه الأرض غيركم يعبد الله، وإنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فهو عليه الصلاة والسلام أخر العشاء أحياناً لبيان الأفضلية، وهديه عدم التأخير الكثير للعشاء، وهذا هو الحكم العام.

    وقت صلاة الصبح

    قوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس).

    وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، والفجر فجران كما قال صلى الله علي وسلم: (الفجر فجران: فجر يلوح في الأفق كذنب السرحان -أي: مرتفع عمودي مثل ذنب الذئب- وفجر ينتشر -كجناحي الطير- يمتد في الأفق)، فالفجر الأول لا يُحل الصلاة، ولا يُحرم الطعام، وهو لحظات ويختفي، والفجر الثاني هو الذي يحل الصلاة، ويحرم الطعام على الصائم.

    قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره: الفجر الأول فيه آية من أعظم آيات القدرة الإلهية، وذلك أن الفجر الثاني مسبب عن اقتراب الشمس، فسبقت أشعتها حتى انفجر ضوء الفجر من ظلام الليل، فطلوع الفجر الصادق هو نهاية الليل، وهو أثر من آثار حركة الشمس وقربها منا، والشفق هو: بقايا حركة الشمس وذهابها عنا، فالفجر الثاني والشفق أثران من آثار الشمس، وهذا معقول في السببية، لكن الفجر الأول نور يمتد في الأفق، ومن أين يأتي هذا النور؟ هل هناك كوكب أضاء تلك اللحظة حتى ظهر هذا الفجر، ثم ذهب ذلك الكوكب؟ لا يوجد!

    وهل هو من القمر؟ لا يوجد قمر!

    وهل هو أثر من الشمس؟ لكن الشمس ما زالت بعيدة!

    قال: وهذا دليل على قدرة المولى سبحانه بأن يوجد المسبب بدون سبب، وليس السبب إلا أمراً معقولاً بالنسبة إلينا، والله سبحانه قادر على أن يوجد الشيء بلا أسباب، بل بمحض الإرادة والقدرة الإلهية، فليس هناك شمس، وهذا أثرها! ونحن نقرأ في أحوال الجنة إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، فالحور العين اللاتي في الجنة خلقهن الله من غير أبوين، فهن لسن من ذرية آدم وحواء، وإنما أنشأهن الله إنشاء من غير أب ولا أم.

    البشر من ذرية أبينا آدم وأمنا حواء كما قال الله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، وخلق الله عيسى من مريم من غير أب، فهناك أسباب ومسببات، لكن الحور العين في الجنة خلقت بلا أب ولا أم، والطيور التي في الجنة ليست من نسل طيور، وكذلك اللحوم الموجودة، والفواكه الموجودة، لا نقول: إن الفواكه من غرس في الجنة، وإن الطيور الموجودة هناك يكون لها بيض وعشش ثم تفقس البيض عن طيور، بل ينشئها الله سبحانه وتعالى بدون أن يتوقف وجودها على سبب مادي.

    فكذلك الفجر الأول هو دليل على قدرة المولى سبحانه، ودليل على أنه قادر أن يوجد الشيء بدون مسببات مادية، وأما الفجر الصادق الذي به تحل الصلاة، وبه يحرم الأكل والشرب على الصائم.

    فيكون عند انتشار الضوء في آخر الليل، وذلك حين يتبين الخيط الأبيض وهو الفجر، من الخيط الأسود وهو الليل.

    قال المؤلف: [وله من حديث بريدة في العصر: (والشمس بيضاء نقية)].

    في الحديث الأول قال: (ما لم تصفر الشمس)، وهنا ذكر مفهومه وهو: (والشمس بيضاء نقية)، أي: ما دخلتها الصفرة ولا الحمرة.

    قال المؤلف: [ومن حديث أبي موسى : والشمس مرتفعة].

    أي: لم تتضيف للغروب، وقد ذكرنا أن دائرة الشمس من شروقها إلى غروبها ثماني عشرة درجة، ووقت الزوال عند الدرجة التاسعة من الثماني عشرة، وما بين كبد السماء إلى الغروب تسع درجات، فحينما تزول الشمس من كبد السماء إلى جهة الغروب تكون أمامها تسع درجات، وبعد أربع درجات ونصف تكون الشمس في نصف ربع الدائرة العلوي، فوقت العصر حين تكون الشمس في نصف الربع الأعلى، وحينئذ تكون الشمس بيضاء نقية؛ لأنها لم تقترب جداً من جهة الغروب، وعندما تقترب من جهة الغروب تحمر أو تصفر.

    1.   

    أفضل أوقات العصر والعشاء

    صلاة العصر في أول وقتها

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية)].

    قال الراوي: كنا نصلي العصر مع النبي صلى الله عليه وسلم، أي: بالمدينة، فينقلب أحدنا إلى رحله، وبعضهم كان رحله في العوالي، مثل أهل قباء، ومن عتبة مسجد قباء إلى باب السلام ثلاثة كيلو كما هو معروف، فيمشي هذه المسافة والشمس حية، بمعنى: لم يبدأ عليها التغير؛ لأن التغير بداية موتها أي: بداية غروبها، فمعنى قوله: والشمس حية، أي: على حقيقتها وسلامتها من التغير، قياساً أو تشبيهاً بالتغير الذي يطرأ على الإنسان بالمرض، ويؤدي به إلى الموت، والشمس حية أي: نقية قوية في ضوئها وحرارتها.

    استحباب تأخير العشاء

    قال: [ (وكان يستحب أن يؤخر من العشاء) ].

    أي: وكان صلى الله عليه وسلم يستحب -وليس بواجب- أن يؤخر من العشاء، ولكن إذا كان المسجد له جماعة من المصلين ينتابونه من أماكن مختلفة، فينبغي على الإمام ألا يشق عليهم، إلا إذا كانوا أهل حي معين، وكانوا أفراداً مخصوصين، مثل أن يكونوا في بادية أو في منطقة أهلها قد اتفقوا فيما بينهم وتراضوا على أن يؤخروا العشاء؛ فلا مانع من ذلك؛ لأنه من حقهم، وقد رضوا بأن تؤخر العشاء.

    ولكن المساجد العامة مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن، فإنه ينتابه الناس من الآفاق، وربما تأتيه النسوة وقد تركن الأطفال في البيوت، ووراءهن أعمال كثيرة من تحضير العشاء وغير ذلك، فلا ينبغي تأخيرها حينئذٍ، إنما يستحب تأخيرها لمن كان وحده ولا يتعلق به حق الآخر، أو لمن كانوا جماعة وتواطئوا على ذلك، فلا مانع من أن يؤخروها، إذا حصل الاتفاق بينهم.

    أما المساجد العامة التي يأتيها عامة الناس وخواصهم، ويأتيها النساء والرجال، فلا ينبغي تأخيرها، بل تقديمها أول الوقت أنسب وأرفق لمصلحة العباد.

    كراهة النوم قبل العشاء والحديث بعدها

    قال: [(وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)].

    كان يكره النوم قبلها؛ أي: ما بين المغرب والعشاء، ويقولون: الصلاة في هذا الوقت هي صلاة الأوابين، وبعضهم يقول: صلاة الأوابين هي صلاة الضحى حين ترمض الفصال، أي: يشتد حر الرمل على الفصيل الصغير، فلا يستطيع أن يتحملها فيبرك.

    فيكره النوم قبل العشاء؛ لأنه قد يمتد به النوم إلى أن يطلع الفجر فتفوته العشاء، أو ينتبه في ثلث الليل الأخير، وهذا تأخير عن وقتها الفضيل، فيصليها في وقت الضرورة.

    وكان يكره الحديث بعدها؛ لأن الحديث بعدها يطيل السهر، وإطالة السهر تقلل النوم، وإذا حصل ذلك استمر به النوم حتى طلوع الفجر أو طلوع الشمس، فدفعاً للمضرة كره النوم قبلها حفاظاً على العشاء، والحديث بعدها حفاظاً على الصبح حتى لا يغلبه النوم.

    وعلى أن يرتب وقته بالليل، ليضمن حفظ صلاته، فلو كان الإنسان متعباً مرهقاً ولم يجد فرصة للنوم إلا بعد المغرب، وأراد أن يغفو غفوة أو يستلقي أو يستريح، فعليه أن ينبه أهله أن يوقظوه عند أذان العشاء، وبالنسبة للكلام بعد العشاء، يقولون إنه لا ينبغي الكلام بعد العشاء إلا مع الضيف، والزوج مع زوجه، وطالب العلم في مدارسته، وأشياء معينة محدودة، وما عدا ذلك فيكره حفاظاً على الفجر.

    مشروعية اتخاذ منبه ونحوه للإيقاظ للصلاة

    يجب أن ننتبه إلى ما نحن عليه اليوم، خصوصاً مع هذه الأجهزة المخترعة الجديدة التي لم تكن من قبل، وتستغرق منا أكثر من نصف الليل، أو إلى ثلث الليل، والناس حولها وهي تشغلهم وتلهيهم، فإذا ذهب أحدهم لينام لا يوقظه إلا حر الشمس، فهذا تفريط منه، لكن إذا اضطر الإنسان للسهر كأن جاءت مناسبة أو كان عنده مشكلة سهر لها، أو عنده ضيوف أو كان عنده مريض سهر عليه؛ فينبغي أن يعمل الاحتياط من أجل صلاة الصبح، مثل الساعات المنبهة التي فيها الجرس أو ساعة التلفون أو أي وسيلة من الوسائل التي توقظه لصلاة الصبح.

    وعمل هذه الاحتياطات من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رجع مرة من بعض الغزوات، وعرس بآخر الليل في بعض الأودية، وقال: (من يكلأ لنا الصبح؟) فقال بلال : أنا يا رسول الله! والمعنى: من يحرسه ويوقظنا حينما يرى الفجر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علم بأنهم في عودة من غزوة بعد سفر طويل، والتعب موجود، فيخشى أن يغلب عليهم النوم ولا يستيقظون من شدة التعب حتى يطلع الفجر ويخرج الوقت، فاتخذ وسيلة لحفظ الوقت بحسب ظروفهم.

    (فجلس بلال وقام يصلي ما شاء الله، ثم أناخ راحلته، وأسند ظهره عليها ووجهه إلى المشرق ليرى الفجر، فما كان منه إلا أن نام، وناموا جميعاً، وما أيقظهم إلا حر الشمس، ففزعوا وكانوا يتحاشون أن يوقظوا رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كان نائماً، مخافة أن يكون في حالة من تلقي الوحي، لكن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ يكبر بصوت مرتفع حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى أن الشمس قد ارتفعت قال: اركبوا، حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم نزلوا فتوضئو وأمر بلالاً فنادى للصلاة ثم أقام فصلى بهم، ولما رأى استياء الناس قال: إن بهذا الوادي شيطاناً، فمن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها، ثم قال لـأبي بكر : يا أبا بكر ! إن بلالاً قام يصلي من الليل ما شاء الله ثم جاءه الشيطان يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى نام، ثم قال لـبلال : أين الصبح يا بلال ؟! قال: أخذ بروحي الذي أخذ بأرواحكم -أي: أنا واحد مثلكم- ثم قال: ماذا جرى عليك؟ فذكر له مثل ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله).

    الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم مظنة أن يغلبهم النوم، لما لحقهم من مشقة السفر وعودتهم من الغزو وتأخرهم في النوم؛ أوكل من يوقظهم لصلاة الفجر، ولكن الله أراد شيئاً آخر؛ أراد أن يوقع ذلك بهم في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لنا ماذا نفعل إن وقع لنا مثل ذلك، فهل نصليها بعد وقتها؟ وهل نجتاز ذلك المكان لكونه فيه شيطان؟ إذاً: الشياطين في بيوت الناس كلهم.

    قال ابن عبد البر : الإخبار بأن الوادي فيه شيطان أمر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أخبره بذلك، أما نحن فقد يكون الشيطان معنا ولا ندري، وليس بلازم على من وقع عليه مثل ذلك في مكان أن يخرج منه، بل يصلي الصلاة حينما ذكرها أو قام عنها.

    1.   

    وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمداً

    هذا، وقد أطال ابن عبد البر البحث في الاستذكار في حوالى عشر صفحات في إقامة الدليل على أنه من كان في ذمته صلوات فائتة عليه، فيجب عليه إلزام أن يؤديها، وشنّع على ابن حزم في مخالفته في هذا، وقال: قد خالف مذهبه ومذهب شيخه داود ، فإن من علماء الظاهرية من ذكر أن من اشتغل بأمر ففاتته الصلاة فعليه قضاؤها، وكذلك الحائض في بعض الحالات، وذكر حالات أوجب على أصحابها أن يقضوا ما فاتهم.

    قال: وهؤلاء تركوها عمداً، فعليهم القضاء، فقول ابن حزم : لا قضاء على من تركها عمداً مخالف لإجماع المسلمين، وقد خالف حتى مذهب شيخه بالذات، فلم يوافقه أي أحد، ثم قال: وادعى أن بعض السلف يوافقه على رأيه، وهذا خطأ، ولا يصح عن أحد من المسلمين ذلك، لا من الصحابة ولا من التابعين، فلا نعلم أحداً منهم قال: إن من ترك الصلاة عمداً لا يقضيها.

    وقد ذكر غير ابن عبد البر عن ابن عباس أنه سئل عمن ترك صلوات هل يقضيها أم لا؟ فقال: سبحان الله! النائم والناسي -وهما معذوران- يطالبان بقضائها، وهذا العاصي الآثم لا يطالب بالقضاء! أي: فالعقل لا يستسيغ ذلك. والله تعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736514010

    عدد مرات الحفظ

    684488082