اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب المواقيت [1] للشيخ : عطية محمد سالم


كتاب الصلاة - باب المواقيت [1] - (للشيخ : عطية محمد سالم)
جعل الله للصلوات الخمس مواقيت محددة الأول والآخر، وقد بين الله ورسوله هذه المواقيت، وشرحها العلماء، وأطالوا في ذلك؛ لأنها متعلقة بأفضل العبادات، وأعظم القربات، فالصلاة لا تقبل إلا بعد دخول وقتها، فوجب معرفة المواقيت للقيام بالصلاة في وقتها المحدد شرعاً.
مقدمات أصولية تتعلق بالمواقيت
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:فيقول المؤلف رحمه الله: [ كتاب الصلاة، باب المواقيت ].المواقيت: جمع موقت، والموقت هو الوقت المؤقت لشيء ما، وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى قائلاً: كتاب الصلاة، ثم قال: باب المواقيت ليبين لنا أن مواقيت الصلاة من ضمن مباحث الصلاة.وهذا الباب جعله الإمام مالك رحمه الله أول أبواب الموطأ، وقال: باب الوقوت (جمع كثرة لوقت) وقالوا: إنه راعى الأوقات المختلفة في أداء الصلاة من أفضلية الوقت إلى آخر ما يجزئ في الوقت من الوقت الضروري، ووقت القضاء لمن نام أو نسي، وهناك أوقات الصلوات الخمس، ووقت الجمعة، وغير ذلك.والتوقيت للصلاة واجب كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أي: موقتاً بزمن.
 (يريد الله بكم اليسر) قاعدة عامة في التكاليف
انتهى المؤلف رحمه الله من مقدمة الصلاة، وشرطها الأساسي وهو الطهارة، ثم جاء بعد ذلك بكتاب الصلاة، وبدأ كتاب الصلاة بالوقت؛ لأنها لا تؤدى إلا في وقتها المحدد لها، ومن ناحية أخرى نجد كل خطاب الوضع مرتبطاً بعلامات كونية أو أمور وضعية متعارف عليها، ويستوي في معرفتها أعلم الناس هندسة وعلوماً عامة وأجهل الناس بتلك العلوم، فيستوي فيها العامي والمتعلم.فمثلاً أوقات الصلوات الخمس رُبطت بأمور بأمور يستوي في معرفتها العامة والخاصة، بل قد يكون العامي صاحب البادية أعرف بها من الحاضر، حيث جعل الله مواقيت الصلاة مرتبطة بحركة الشمس، فالفجر من انفجار النهار عن ظلام الليل، وهي نتيجة اقتراب الشمس من الظهور، وتقدم أشعتها، فيظهر بعض الضوء، ويتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والظهر حينما تزول الشمس عن كبد السماء ونرى الفيء.فالشمس حينما تشرق، تأخذ في نصف الدائرة، فإذا توسطت نصف الدائرة وهو الربع الأول من الدائرة الكاملة، يمتد ظل كل شيء إلى الغرب، فلما تزحزحت عن نقطة الصفر في متوسط الدائرة، وانحازت إلى الربع الثاني إلى جهة الغرب؛ تحول الفيء إلى الشرق، فنحن وإن كان بيننا وبين الشمس مئات الآلاف من الأميال فإننا ندرك حركتها عندنا في الأرض؛ بتحول الظل من الغرب إلى الشرق، ثم يأتي وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثله، ثم يأتي وقت المغرب عندما تغرب الشمس، وما بين الظهر والمغرب وقت للعصر. الذي في البادية أدرى بالأوقات من الذي في الحاضرة؛ لأن الحضري ساكن في شقة أو في بيت وربما لا يراقب الشمس، وخاصة طلوع الشمس، وأهل البادية أعرف بذلك من الآخرين.والمغرب وقته من غياب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة التي في الأفق، ومن غيبوبة الشفق إلى طلوع الفجر وقت للعشاء.فهذه معالم وأمارات وتوقيت يتفق في معرفتها الجميع؛ لأن التشريع للجميع، ولا يكلف الله الناس معرفة علم الفلك، ولا يجب أن نعرف أوقات الصلاة بتوقيت فلكي، وإنما جاءت الساعة تسهيلاً وتقريباً لذلك، ولهذا لو رأينا ساعة الفلك مغايرة لساعة الجيب؛ لألغينا ساعة الجيب، فلو أن الساعة في جيبك تشير أنه بقي على المغرب نصف ساعة، ورأيت الشمس تغرب بعينك، فبأي الساعتين تعمل؟ هل بساعة الشمس التي تنظر إليها بعينك أو الساعة التي في يدك؟تلغي الساعة التي في يدك وتعدلها، وكذلك صوم شهر رمضان، والعالم كله يعرف متى يدخل رمضان ومتى يخرج رمضان، وهل نعرف ذلك بالحساب كما يقولون؟ لا، لحديث: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)، ورؤية الهلال أيسر في البادية من الحاضرة، فالحاضرة فيها دخان، وكهرباء، و.. و.. إلى آخره، وأضواء الكهرباء تضعف من البصر، بخلاف أهل البادية فهم حديدو الأبصار، يرون الهلال في أول يوم، ويعرفون منازله، ويطلبونه فيه، وكذلك الحج. والزكاة جُعِل قدرها (2.5%) وهذا المقدار لا يغلط فيه الإنسان عند الحساب، وقال الله في زكاة الزروع: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فهذا تكليف، وقال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] وهذا خطاب وضع، وكم قدر الزكاة؟بينت السنة أنه إما العشر وإما نصف العشر، وهذه أمور عامة يعلمها العامة والخاصة، وهذا دليل على أن الإسلام هو الدين الباقي، والدين الشامل، وهو دين الفطرة؛ لأنه يستوي فيه جميع الخلق: من عرب، ومن عجم، ومن حضر، ومن بدو، ومن متعلم، ومن عامي.فبدأ المؤلف كتاب الصلاة بالمواقيت، وجاء بالأحاديث المتعلقة بالباب، وفيها الكفاية إن شاء الله.
بيان النبي صلى الله عليه وسلم لأوقات الصلاة
قال المؤلف رحمه الله: [ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) رواه مسلم].
 وقت صلاة الصبح
قوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس). وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، والفجر فجران كما قال صلى الله علي وسلم: (الفجر فجران: فجر يلوح في الأفق كذنب السرحان -أي: مرتفع عمودي مثل ذنب الذئب- وفجر ينتشر -كجناحي الطير- يمتد في الأفق)، فالفجر الأول لا يُحل الصلاة، ولا يُحرم الطعام، وهو لحظات ويختفي، والفجر الثاني هو الذي يحل الصلاة، ويحرم الطعام على الصائم.قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسيره: الفجر الأول فيه آية من أعظم آيات القدرة الإلهية، وذلك أن الفجر الثاني مسبب عن اقتراب الشمس، فسبقت أشعتها حتى انفجر ضوء الفجر من ظلام الليل، فطلوع الفجر الصادق هو نهاية الليل، وهو أثر من آثار حركة الشمس وقربها منا، والشفق هو: بقايا حركة الشمس وذهابها عنا، فالفجر الثاني والشفق أثران من آثار الشمس، وهذا معقول في السببية، لكن الفجر الأول نور يمتد في الأفق، ومن أين يأتي هذا النور؟ هل هناك كوكب أضاء تلك اللحظة حتى ظهر هذا الفجر، ثم ذهب ذلك الكوكب؟ لا يوجد!وهل هو من القمر؟ لا يوجد قمر! وهل هو أثر من الشمس؟ لكن الشمس ما زالت بعيدة!قال: وهذا دليل على قدرة المولى سبحانه بأن يوجد المسبب بدون سبب، وليس السبب إلا أمراً معقولاً بالنسبة إلينا، والله سبحانه قادر على أن يوجد الشيء بلا أسباب، بل بمحض الإرادة والقدرة الإلهية، فليس هناك شمس، وهذا أثرها! ونحن نقرأ في أحوال الجنة إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، فالحور العين اللاتي في الجنة خلقهن الله من غير أبوين، فهن لسن من ذرية آدم وحواء، وإنما أنشأهن الله إنشاء من غير أب ولا أم.البشر من ذرية أبينا آدم وأمنا حواء كما قال الله: وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، وخلق الله عيسى من مريم من غير أب، فهناك أسباب ومسببات، لكن الحور العين في الجنة خلقت بلا أب ولا أم، والطيور التي في الجنة ليست من نسل طيور، وكذلك اللحوم الموجودة، والفواكه الموجودة، لا نقول: إن الفواكه من غرس في الجنة، وإن الطيور الموجودة هناك يكون لها بيض وعشش ثم تفقس البيض عن طيور، بل ينشئها الله سبحانه وتعالى بدون أن يتوقف وجودها على سبب مادي.فكذلك الفجر الأول هو دليل على قدرة المولى سبحانه، ودليل على أنه قادر أن يوجد الشيء بدون مسببات مادية، وأما الفجر الصادق الذي به تحل الصلاة، وبه يحرم الأكل والشرب على الصائم.فيكون عند انتشار الضوء في آخر الليل، وذلك حين يتبين الخيط الأبيض وهو الفجر، من الخيط الأسود وهو الليل.قال المؤلف: [وله من حديث بريدة في العصر: (والشمس بيضاء نقية)].في الحديث الأول قال: (ما لم تصفر الشمس)، وهنا ذكر مفهومه وهو: (والشمس بيضاء نقية)، أي: ما دخلتها الصفرة ولا الحمرة.قال المؤلف: [ومن حديث أبي موسى : والشمس مرتفعة]. أي: لم تتضيف للغروب، وقد ذكرنا أن دائرة الشمس من شروقها إلى غروبها ثماني عشرة درجة، ووقت الزوال عند الدرجة التاسعة من الثماني عشرة، وما بين كبد السماء إلى الغروب تسع درجات، فحينما تزول الشمس من كبد السماء إلى جهة الغروب تكون أمامها تسع درجات، وبعد أربع درجات ونصف تكون الشمس في نصف ربع الدائرة العلوي، فوقت العصر حين تكون الشمس في نصف الربع الأعلى، وحينئذ تكون الشمس بيضاء نقية؛ لأنها لم تقترب جداً من جهة الغروب، وعندما تقترب من جهة الغروب تحمر أو تصفر.
أفضل أوقات العصر والعشاء

 مشروعية اتخاذ منبه ونحوه للإيقاظ للصلاة
يجب أن ننتبه إلى ما نحن عليه اليوم، خصوصاً مع هذه الأجهزة المخترعة الجديدة التي لم تكن من قبل، وتستغرق منا أكثر من نصف الليل، أو إلى ثلث الليل، والناس حولها وهي تشغلهم وتلهيهم، فإذا ذهب أحدهم لينام لا يوقظه إلا حر الشمس، فهذا تفريط منه، لكن إذا اضطر الإنسان للسهر كأن جاءت مناسبة أو كان عنده مشكلة سهر لها، أو عنده ضيوف أو كان عنده مريض سهر عليه؛ فينبغي أن يعمل الاحتياط من أجل صلاة الصبح، مثل الساعات المنبهة التي فيها الجرس أو ساعة التلفون أو أي وسيلة من الوسائل التي توقظه لصلاة الصبح.وعمل هذه الاحتياطات من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رجع مرة من بعض الغزوات، وعرس بآخر الليل في بعض الأودية، وقال: (من يكلأ لنا الصبح؟) فقال بلال : أنا يا رسول الله! والمعنى: من يحرسه ويوقظنا حينما يرى الفجر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علم بأنهم في عودة من غزوة بعد سفر طويل، والتعب موجود، فيخشى أن يغلب عليهم النوم ولا يستيقظون من شدة التعب حتى يطلع الفجر ويخرج الوقت، فاتخذ وسيلة لحفظ الوقت بحسب ظروفهم.(فجلس بلال وقام يصلي ما شاء الله، ثم أناخ راحلته، وأسند ظهره عليها ووجهه إلى المشرق ليرى الفجر، فما كان منه إلا أن نام، وناموا جميعاً، وما أيقظهم إلا حر الشمس، ففزعوا وكانوا يتحاشون أن يوقظوا رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كان نائماً، مخافة أن يكون في حالة من تلقي الوحي، لكن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ يكبر بصوت مرتفع حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى أن الشمس قد ارتفعت قال: اركبوا، حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم نزلوا فتوضئو وأمر بلالاً فنادى للصلاة ثم أقام فصلى بهم، ولما رأى استياء الناس قال: إن بهذا الوادي شيطاناً، فمن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها، ثم قال لـأبي بكر : يا أبا بكر ! إن بلالاً قام يصلي من الليل ما شاء الله ثم جاءه الشيطان يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى نام، ثم قال لـبلال : أين الصبح يا بلال ؟! قال: أخذ بروحي الذي أخذ بأرواحكم -أي: أنا واحد مثلكم- ثم قال: ماذا جرى عليك؟ فذكر له مثل ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله).الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم مظنة أن يغلبهم النوم، لما لحقهم من مشقة السفر وعودتهم من الغزو وتأخرهم في النوم؛ أوكل من يوقظهم لصلاة الفجر، ولكن الله أراد شيئاً آخر؛ أراد أن يوقع ذلك بهم في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لنا ماذا نفعل إن وقع لنا مثل ذلك، فهل نصليها بعد وقتها؟ وهل نجتاز ذلك المكان لكونه فيه شيطان؟ إذاً: الشياطين في بيوت الناس كلهم.قال ابن عبد البر : الإخبار بأن الوادي فيه شيطان أمر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أخبره بذلك، أما نحن فقد يكون الشيطان معنا ولا ندري، وليس بلازم على من وقع عليه مثل ذلك في مكان أن يخرج منه، بل يصلي الصلاة حينما ذكرها أو قام عنها.
وجوب القضاء على من ترك الصلاة عمداً
هذا، وقد أطال ابن عبد البر البحث في الاستذكار في حوالى عشر صفحات في إقامة الدليل على أنه من كان في ذمته صلوات فائتة عليه، فيجب عليه إلزام أن يؤديها، وشنّع على ابن حزم في مخالفته في هذا، وقال: قد خالف مذهبه ومذهب شيخه داود ، فإن من علماء الظاهرية من ذكر أن من اشتغل بأمر ففاتته الصلاة فعليه قضاؤها، وكذلك الحائض في بعض الحالات، وذكر حالات أوجب على أصحابها أن يقضوا ما فاتهم.قال: وهؤلاء تركوها عمداً، فعليهم القضاء، فقول ابن حزم : لا قضاء على من تركها عمداً مخالف لإجماع المسلمين، وقد خالف حتى مذهب شيخه بالذات، فلم يوافقه أي أحد، ثم قال: وادعى أن بعض السلف يوافقه على رأيه، وهذا خطأ، ولا يصح عن أحد من المسلمين ذلك، لا من الصحابة ولا من التابعين، فلا نعلم أحداً منهم قال: إن من ترك الصلاة عمداً لا يقضيها.وقد ذكر غير ابن عبد البر عن ابن عباس أنه سئل عمن ترك صلوات هل يقضيها أم لا؟ فقال: سبحان الله! النائم والناسي -وهما معذوران- يطالبان بقضائها، وهذا العاصي الآثم لا يطالب بالقضاء! أي: فالعقل لا يستسيغ ذلك. والله تعالى أعلم.
 مشروعية اتخاذ منبه ونحوه للإيقاظ للصلاة
يجب أن ننتبه إلى ما نحن عليه اليوم، خصوصاً مع هذه الأجهزة المخترعة الجديدة التي لم تكن من قبل، وتستغرق منا أكثر من نصف الليل، أو إلى ثلث الليل، والناس حولها وهي تشغلهم وتلهيهم، فإذا ذهب أحدهم لينام لا يوقظه إلا حر الشمس، فهذا تفريط منه، لكن إذا اضطر الإنسان للسهر كأن جاءت مناسبة أو كان عنده مشكلة سهر لها، أو عنده ضيوف أو كان عنده مريض سهر عليه؛ فينبغي أن يعمل الاحتياط من أجل صلاة الصبح، مثل الساعات المنبهة التي فيها الجرس أو ساعة التلفون أو أي وسيلة من الوسائل التي توقظه لصلاة الصبح.وعمل هذه الاحتياطات من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد رجع مرة من بعض الغزوات، وعرس بآخر الليل في بعض الأودية، وقال: (من يكلأ لنا الصبح؟) فقال بلال : أنا يا رسول الله! والمعنى: من يحرسه ويوقظنا حينما يرى الفجر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علم بأنهم في عودة من غزوة بعد سفر طويل، والتعب موجود، فيخشى أن يغلب عليهم النوم ولا يستيقظون من شدة التعب حتى يطلع الفجر ويخرج الوقت، فاتخذ وسيلة لحفظ الوقت بحسب ظروفهم.(فجلس بلال وقام يصلي ما شاء الله، ثم أناخ راحلته، وأسند ظهره عليها ووجهه إلى المشرق ليرى الفجر، فما كان منه إلا أن نام، وناموا جميعاً، وما أيقظهم إلا حر الشمس، ففزعوا وكانوا يتحاشون أن يوقظوا رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كان نائماً، مخافة أن يكون في حالة من تلقي الوحي، لكن عمر رضي الله تعالى عنه أخذ يكبر بصوت مرتفع حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى أن الشمس قد ارتفعت قال: اركبوا، حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم نزلوا فتوضئو وأمر بلالاً فنادى للصلاة ثم أقام فصلى بهم، ولما رأى استياء الناس قال: إن بهذا الوادي شيطاناً، فمن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها، ثم قال لـأبي بكر : يا أبا بكر ! إن بلالاً قام يصلي من الليل ما شاء الله ثم جاءه الشيطان يهدهده كما تهدهد الأم طفلها حتى نام، ثم قال لـبلال : أين الصبح يا بلال ؟! قال: أخذ بروحي الذي أخذ بأرواحكم -أي: أنا واحد مثلكم- ثم قال: ماذا جرى عليك؟ فذكر له مثل ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله).الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أنهم مظنة أن يغلبهم النوم، لما لحقهم من مشقة السفر وعودتهم من الغزو وتأخرهم في النوم؛ أوكل من يوقظهم لصلاة الفجر، ولكن الله أراد شيئاً آخر؛ أراد أن يوقع ذلك بهم في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لنا ماذا نفعل إن وقع لنا مثل ذلك، فهل نصليها بعد وقتها؟ وهل نجتاز ذلك المكان لكونه فيه شيطان؟ إذاً: الشياطين في بيوت الناس كلهم.قال ابن عبد البر : الإخبار بأن الوادي فيه شيطان أمر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله أخبره بذلك، أما نحن فقد يكون الشيطان معنا ولا ندري، وليس بلازم على من وقع عليه مثل ذلك في مكان أن يخرج منه، بل يصلي الصلاة حينما ذكرها أو قام عنها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كتاب الصلاة - باب المواقيت [1] للشيخ : عطية محمد سالم

http://audio.islamweb.net