إسلام ويب

آداب الدعاءللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن جملة مباركة من آداب الدعاء، فذكر بضعة عشر أدباً من آداب الدعاء وذكر أسباب إجابة الله لمن يدعوه، وأن من الأسباب ما يتعلق بالداعي، ومنها ما يتعلق بالدعاء نفسه، ومنها ما يتعلق بالزمان والمكان، وهناك موانع لها. وختم بذكر مسائل تتعلق بالدعاء وهي التباكي في الدعا، وطلب الدعاء من الغير ومسح الوجه بعد الدعاء.

    1.   

    مقدمة في فضل الدعاء

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد: فإن الله عز وجل قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] وفي الحديث القدسي: {يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر} وهل ينقص المخيطُ البحرَ شيئاً؟ كلا. فكل ما يسأله العبد فهو قليل بالنسبة إلى ما عند الله عز وجل ولذلك لا يستكثر الله تعالى شيئاً أعطاه إياك، وكذلك أمر الله بالدعاء ووعد بالإجابة.

    ولذلك فإننا نجد على مدار العصور من يوم أن خلق الله آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أن الله سبحانه يفتح أبواب الإجابة للسائلين، فما من عبد يسأل الله عز وجل بصدق وإخلاص وتجرد إلا أجابه الله عز وجل، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: [[إني لا أحمل هم الإجابة لكني أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن معه الإجابة]] وقصص الذين استجاب الله عز وجل لهم كثيرة من الأنبياء والصحابة والصالحين من القدماء والمتأخرين وغيرهم، وبعض الناس قد يستغرب كيف يكون لهذا الدعاء التأثير مع أن كل شيء بقضاء وقدر، وبعض الناس يقول: ما دام كل شيء مكتوب، فلماذا أدعو؟

    والجواب على هذا الإشكال أن يقال: إذا كنت تقول هذا الكلام عليك ألا تأكل ولا تشرب ولا تتزوج ولا تخرج ولا تدخل بل ولا تتنفس؛ لأن كل شيء مكتوب، فلماذا إذاً جاءت قضية الدعاء، قال: لماذا أدعو؟ وهو إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا أراد النكاح تزوج، وإذا أراد الولد تزوج، فنقول: نعم الأسباب مكتوبة والنتائج مكتوبة.

    1.   

    أسباب إجابة الدعاء

    للإجابة خمسة أسباب هي سبب الإجابة:

    ما يتعلق بالداعي

    الأول: يعود إلى الداعي كأن يكون الداعي صائماً، أو مسافراً، أو والداً يدعو لولده، أو مظلوماً، أو مضطراً يستغيث برب العالمين، فإن هؤلاء يجيبهم الله عز وجل؛ لأن الغالب على من كانت هذه حاله، أن يدعو بصدق وإخلاص وتجرد واضطرار وخشوع كما قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباًوَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]

    ما يتعلق بالدعاء نفسه

    والثاني: يعود إلى الدعاء كأن يدعو الإنسان ربه (باسمه الأعظم) الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) وكذلك: {دعوة ذي النون عليه السلام (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) ما دعا بها مسلم قط في أمر إلا أجابه الله عز وجل} كما صح عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.

    ما يتعلق بالزمان

    والثالث: يعود إلى الزمان فإن هناك أزمنة فاضلة يكون الدعاء فيها مجاباً، وذلك كليلة القدر، ويوم الجمعة، فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياها، وهي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، وهي أيضا آخر ساعة من صلاة العصر، فهي مقسمة بين هذين الوقتين من يوم الجمعة.

    وكذلك من الأوقات الفاضلة التي يجاب فيها الدعاء: آخر ساعة من الليل قال تعالى: وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18] وقد سئل رسول الله هل من ساعة أقرب من ساعة؟ قال: {نعم، إن الله تعالى ينـزل في جوف الليل الآخر، فإذا استطعت أن تكون ممن يذكر الله عز وجل في تلك الساعة فكن} وكذلك هناك أوقات كثيرة يجاب فيها الدعاء.

    ما يتعلق بالمكان

    والرابع: يعود إلى المكان. هناك أماكن فاضلة يستجاب فيها الدعاء، وذلك كالحرم، وخاصة إن كان الإنسان في داخل البيت، فالنبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت ودعا في نواحيه، ومن المعلوم أن الحجر من البيت؛ فإذا كان الإنسان في الحجر فهذا مكان يرجى فيه إجابة الدعاء، وكذلك الملتَزَم: وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة؛ فإنه موضع يشرع ويستحب ويجاب فيه الدعاء بإذن الله عز وجل، كما في حديث ابن عباس وغيره عند أبي داود وهي أحاديث يشد بعضها بعضاً، وكذلك عند الصفا فوق الصفا وفوق المروة ، وكذلك عند المشعر الحرام فهذه أماكن يجاب فيها الدعاء.

    الخلو من موانع إجابة الدعاء

    والخامس: الخلو من موانع الإجابة: وذلك كأكل الحرام؛ فإن العبد إذا كان يأكل حراماً، كالربا، أو يأكل أموال الناس بالباطل، أو يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يأكل أموال الناس بالغش؛ فإنه لا يجاب له دعاء، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: {الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له}.

    1.   

    آداب الدعاء

    وللدعاء آداب كثيرة منها:

    الوضوء

    يستحب لمن أراد أن يدعو الله عز وجل أن يتوضأ؛ لأن الدعاء داخل الصلاة أو خارجها، ولذلك صح عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { لما انتهى من غزوة حنين، بعث جيشاً إلى أوطاس، وكان عليهم رجل يقال له أبو عامر الأشعري، فضربه رجل بسهم فأثبته في رجله، قال أبو موسى: فأخذته، فنـزا منها الدم، فقال أبو عامر وقد أحس بقرب أجله: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، واطلب منه أن يستغفر لي، قال أبو موسى: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته الخبر، فتوضأ واستقبل القبلة ثم رفع يديه، وقال: (اللهم اغفر لعبيدك أبي عامر، اللهم اغفر له اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك) فلما رأى أبو موسى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولي فاستغفر يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر لـعبد الله بن قيس ذنبه -وعبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه- وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً)} والحديث متفق عليه، فيستحب لمن أراد أن يدعو أن يتوضأ.

    استقبال القبلة

    فقد صح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة وقال: كما في حديث p=1000136>أبي هريرة

    المتفق عليه {اللهم اهد دوساً} وهي قبيلة p=1000136>أبي هريرة

    ، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه، كما في دعائه عليه الصلاة والسلام عند الصفا وعند المروة ، وبعد ما رمى جمرة العقبة والجمرة الثانية، وكذلك كان عند المشعر الحرام يستقبل القبلة في دعائه، فينبغي للعبد أيضاً إذا أراد أن يدعو الله عز وجل أن يستقبل القبلة.

    رفع اليدين

    فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه سلمان الفارسي: {إن الله عز وجل يستحي من عبده إذا مد إليه يديه أن يردهما صفرا} والحديث رواه الترمذي وحسنه وأبو داود وغيره وهو حديث حسن، والأحاديث الواردة في مشروعية رفع اليدين في الدعاء كثيرة جداً، حتى إن الإمام السيوطي رحمه الله صنف كتاباً سماه فَضُّ الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء تحدث فيه عن أحاديث رفع اليدين في الدعاء، قال في مطلع هذا الكتاب: (إن أحاديث رفع اليدين وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم من نحو نيف وأربعين حديثاً عن بضع وعشرين صحابياً) وقال: (إن الأحاديث في رفع اليدين مشهورة بل متواترة) ومن هذه الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين أراد أن يدعو لـأبي عامر الأشعري كما سبق، ويحكى أن بعض الصالحين رفع يديه إلى السماء يدعو، فرآه رجل من أهل الذمة يهودي أو نصراني، فقال له: يا هذا إني أراك حين ترفع يديك، ترفع يدك إلى السماء وتخفض رأسك إلى الأرض! -لأن هذا مشروع في الداعي أن يرفع يديه ويخفض رأسه، ولا يجوز لمن يدعو؛ وخاصة في الصلاة: أن يرفع بصره إلى السماء- فأين مطلوبك في السماء أو في الأرض؟ فقال هذا الرجل الصالح: إنا نستمطر بأيدينا أرزاقنا، ونستدفع بالثانية شر آجالنا -يعني شر الميتة السوء- أسمعت؟ قال: نعم، قال: إن الله عز وجل يقول: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22] فالعبد يسأل الله عز وجل رزقه، رزق الدنيا والآخرة، ويقول عز وجل: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) [طه:55] فنحن ندفع شر ميتتنا بذلك، فأسلم هذا الذمي.

    ولذلك فإنه يشرع للإنسان أن يرفع يديه، وكذلك لا بأس إذا اشتد بالإنسان الدعاء أن يبالغ في رفع يديه إلى السماء، ولذلك قال أبو موسى: [[ورفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه حتى رأيت بياض إبطيه]] وكذلك قال أنس كما في صحيح مسلم وغيره: [[أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا في الاستسقاء رفع يديه حتى رأى الناس بياض إبطيه]] وكذلك صح عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفا أنه قال: [[الاستغفار هكذا يعني: الإشارة بالسبابة]] قال بعض أهل العلم: لأن العبد إذا استغفر فإنه يسب نفسه، وينسب نفسه إلى التقصير، وإلى الذنب، وإلى الخطأ، فهو يستغفر الله من ذنوبه، فيرفع إصبعه السبابة، وأما الدعاء: فأن ترفع يديك حذو منكبيك، وأما الابتهال: فهو أن تمد يدك مداً، فإذا بالغ الإنسان في الدعاء فلا بأس أن يرفع يديه.

    البدء بالثناء على الله والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم

    نحن نعلم أن الإنسان لو أراد أن يسأل ملكاً من ملوك الدنيا أو أن يسأل إنساناً كرئيس دائرة، أو مسئول في جهة، لقدم لذلك السؤال بمدحه والثناء عليه، وذكر فضله السابق حتى يتوصل به إلى ما يريد، فما بالك إذا كان العبد يريد أن يسأل الله عز وجل، والله تعالى لا يمكن أن يحيط العباد بكنه فضله وكرمه وجوده، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عائشة أنها وقعت يدها على قدميه صلى الله عليه وسلم وهما منصوبتان في المسجد، وهو يقول: {اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك} فسبحان من جعل عجز العاجزين عن شكره والثناء عليه شكراً لهم، كما جعل معرفة العارفين بأنهم لا يدركون كُنه صفته إيماناً منهم، ولذلك جاء في حديث فضالة بن عبيد أن رجلاً دخل المسجد، فصلى فقال: رب اغفر لي وارحمني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {عجلت أيها المصلي، إذا دخلت فقعدت في الصلاة فاحمد الله، وصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ثم سل حاجتك ثم جاء رجل آخر، فصلى، فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سأل حاجته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المصلي سل تجب، أو ادع تجب} والحديث رواه الترمذي وأبو داود وسنده صحيح.

    فينبغي لمن أراد أن يدعو أن يقدم بين يدي دعائه بحمد الله والثناء عليه عز وجل، ولذلك علمنا الله تعالى في سورة الفاتحة أن العبد يدعو فيبدأ بالذكر والثناء قبل الدعاء، فيقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4] وهذا كله ثناء على الله عز وجل بفضله، وإنعامه، وكرمه، وجوده، وأسمائه، وصفاته وفضله الدنيوي والأخروي، ثم يقول بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ثم يبدأ بالدعاء اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    وهكذا ينبغي للداعي، وذلك أن الثناء هو أعظم من الدعاء، ولذلك جاء أمية بن أبي الصلت وهو شاعر من شعراء الجاهلية، إلى رجل من أجواد العرب وكرمائهم المشهورين، وهو عبد الله بن جدعان وكان رجلاً جواداً، سمحاً، كريماً في الجاهلية، وكان له داعيان في طرف مكة: داعٍ في الشمال، وداعٍ في الجنوب، يقول: يا ناس تعالوا للطعام في دار عبد الله بن جدعان؛ ولذلك مدحه الشاعر بقوله:

    له داعٍ بمكة مشمعلٌ     وآخر فوق دارتهــا ينادي

    إلى قطع من الشيزى ملاء     لباب البر يُلبَك بالشهادِ

    يعني يطعم الناس البر مصحوباً بالعسل وغيره من أطايب الطعام بلا مال، بل يدعو الناس إلى ذلك، وجاءه أمية ابن أبي الصلت يطلب حاجة فقال له:

    أأذكر حاجتي أم قد كفاني     حباؤك، إن شيمتك الحباء

    إذا أثنى عليك المرء يوماً     كفاه من تعرضه الثناء

    هذا في شأن المخلوق، يقول: هل احتاج أن أقول لك إني أريد كذا وكذا، أو يكفيني ما هو معروف من جودك وكرمك.

    فالعبد يقدم بين يدي دعائه لله عز وجل: بالثناء على الله تبارك وتعالى، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نُقِلَ عن بعض الصالحين أنه قال: إذا أردت أن تدعو الله عز وجل فصل على النبي صلى الله عليه وسلم في أول دعائك، ثم صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما تنتهي من الدعاء؛ فإن الله تبارك وتعالى يقبل صلاتك على نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم من أن يرد ما بين هاتين الصلاتين، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه علي وعمر وجاء موقوفاً ومرفوعاً: {كل دعاء محجوب حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم} وجاء في حديث فضالة بن عبيد السابق: أن النبي عليه السلام أرشد المصلي إلى أن يذكر الله، ويحمده، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، قبل الدعاء، ولا شك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الدعاء آكد من الصلاة عليه في أول الدعاء.

    الإسرار بالدعاء

    إذا كان الإنسان منفرداً سواء أكان في صلاة أو في غيرها، فإنه يشرع له أن يسر بالدعاء، ولذلك قال الله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55] والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي موسى المتفق عليه وقد سمع الناس يدعون ويرفعون أصواتهم: {أيها الناس! اربعوا على أنفسكم -يعني ارفقوا بأنفسكم- إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً} فينبغي للعبد إذا دعا الله عز وجل ألا يبالغ في رفع صوته، وله في ذلك قدوة وأسوة بعبد الله زكريا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً [مريم:2-3] يعني بينه وبين الله عز وجل، ولذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: [[لقد أدركت أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سراً، فيكون جهراً أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوتٌ، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم عز وجلً]].

    وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله لإخفاء الذكر والدعاء فوائد:

    أن ذلك أعظم إيماناً؛ لأن العبد إذا أسر فمعنى ذلك أنه يعلم أن الله تبارك وتعالى يعلم السر وأخفى، فهذا أقوى إيماناً.

    أنه أعظم في الأدب والتعظيم، فإن الإنسان لو أراد أن يسأل ملكاً من ملوك الدنيا ما كان يرفع صوته بحضرته، بل كان يهمس ويخفض صوته، فالله عز وجل أحق أن يتأدب معه العبد في دعائه.

    أنه أبلغ في التضرع والخشوع، بحيث أن العبد الذليل السائل، يخشع منه كل شيء، تخشع جوارحه، وتدمع عينه، ويخشع صوته أيضاً.

    أنه أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء.

    أنه دال على قرب صاحبه من الله عز وجل فكأنه لشعوره بأن الله عز وجل قريب منه يناجيه مناجاة القريب، لا يناديه نداء البعيد، فهو يشعر أن الله تبارك وتعالى قريب، كما أخبر: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] لذلك يناجيه مناجاة القريب، لا يناديه بصوت مرتفع مناداة البعيد.

    أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال؛ لأن العبد إذا بالغ في رفع صوته ملّ وتعب، وسئم، وأصابه من ذلك ضعف وعجز عن الاستمرار في الدعاء.

    الدعاء للنفس في البداية

    الدعاء للنفس في البداية، ولذلك علمنا الله عز وجل فيما أخبر به من دعاء الأنبياء والصالحين أنهم كانوا يدعون لأنفسهم قبل غيرهم رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ [الحشر:10] وقال: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف:151] فكان الواحد منهم يدعو لنفسه قبل أن يدعو لغيره، ولذلك صح عن أبي بن كعب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه) والحديث رواه الترمذي وغيره، وهو حديث صحيح، ولا يشكل على هذا أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دعا لغيره، كما قال لـابن عباس: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل} وكما قال: (اللهم اغفر لعُبيدك أبي عامر) وكما دعا لـأم إسماعيل {يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغور الماء لكان عيناً معيناً} لا يشكل هذا؛ لإنّ الإنسان إذا أراد أن يدعو لغيره فقط. دعا لغيره، ولكن إذا أراد أن يدعو لنفسه ويدعو لغيره؛ فإنه يقدم نفسه، ولذلك ليس من الصواب أن تقول لإنسان: يا فلان رحمك الله وإياي! لكن قل: رحمني الله وإياك، ولكن لو قلت له: رحمك الله. فقط، فلا بأس، فإذا أردت أن تدعو لنفسك ولغيرك فابدأ بنفسك قبل غيرك، ولكن ينبغي أن لا يخص الإنسان نفسه دون غيره بدعاء، فإن كنت تدعو في حضرة قوم فلا يجوز أن تخص نفسك بدعاء دونهم إذا كنت تدعو وهم يؤمنون، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما رواه ثوبان: {لا يحل لامرئ أن يؤم قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم} والحديث رواه الترمذي وأحمد وغيره.

    فكون الإمام مثلاً يدعو فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت، والناس يقولون: آمين، فالناس ما جاءت إلى المسجد حتى تدعو لك أنت فقط، بل جاءت تدعو لنفسها، ولذلك علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام الدعاء الذي تسمعونه في القنوت (اللهم اهدنا) حتى يكون الإمام دعا لنفسه ولغيره، ويكون المأموم يؤمن على هذا الدعاء لنفسه ولغيره أيضاً، كما أنه لا يجوز للإنسان أن يحجِّر رحمة الله عز وجل، فلا يصنع كما صنع ذلك الأعرابي الذي دخل المسجد فصلى؛ ثم رفع يديه إلى السماء فقال: {اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حجرت واسعاً} فرحمة الله وسعت كل شيء، ولذلك تدعو لنفسك ولغيرك من المسلمين، وادع للضالين بالصلاح، وادع للكافرين بالهداية، وهذا كله قليل بجانب رحمة الله، وسعة فضله تبارك وتعالى.

    تكرير الدعاء ثلاثاً

    فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود أنه عليه الصلاة والسلام {كان يعجبه أن يدعو ثلاثاً أو يستغفر ثلاثاً} والحديث رواه أبو داود والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح، فكان عليه الصلاة السلام إذا دعا كرر دعاءه ثلاث مرات، ولكن هذا ليس عاماً أي ليس ملزماً في كل دعاء، ولذلك -مثلاً- في الدعاء الذي تعلمناه في الصلاة {رب اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني} ليس فيه تكرار ثلاث مرات، وكذلك {أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر} ليس فيه تكرار ثلاث مرات، كذلك {اللهم اهدني فيمن هديت} ما ورد تكريره فيما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن، لكن لا بأس أن يكرر الإنسان الدعاء ثلاثاً خاصة إذا كان هذا الدعاء مهماً وعاماً وفيه مصلحة عامة لجمهور الناس؛ فإنه يستحب للإنسان أن يكرره ثلاث مرات.

    العزيمة في المسألة

    فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم أنه قال: {إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، لكن ليعزم المسألة} فكثير من الناس أصبحت كلمة إن شاء الله على لسانهم، فتجده يقول لإنسان إذا أراد أن يدعو الله له: جزاك الله الخير إن شاء الله، الله يوفقك إن شاء الله، أسأل الله إن شاء الله أن يعافيك، وهذا كله خلاف المشروع ولا ينبغي، بل مكروه؛ لأن تعليق الإنسان الدعاء بالمشيئة يحمل على أحد أمرين: فأنت إذا طلبت من إنسان طلباً وعلقته بمشيئته -مثلاً- إذا قلت: يا فلان أريد منك أن تعطيني هذا الشيء إذا شئت، فقولك: إذا شئت، يُحمل على أحد أمرين: إما أن حاجتك إلى هذا الأمر ليست كبيرة، ولذلك علقته بمشيئته، وإما أن تكون خائفاً أن تثقل عليه بهذا الطلب وتشق عليه فتعلق الأمر بمشيئته، وكلا الأمرين منتفٍ بالنسبة لدعوة المخلوق للخالق جل وعلا، فالله عز وجل واسع الفضل والعطاء، ويحب أن يسأله عبده، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {ومن لم يسأل الله يغضب عليه} وكذلك الله عز وجل لا يستعظم شيئاً أعطاه عبده، وهو غني عن عباده، فكلا الأمرين منتف، ولذلك ينبغي للإنسان أن يعزم في المسألة.

    الإكثار من الدعاء

    فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله عز وجل لا يتعاظم شيئاً أعطاه} رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والطبراني في كتاب الدعاء وسنده صحيح، وقوله عليه السلام: { فليعظم الرغبة } يشمل أموراً:

    أولها: أن الإنسان يعزم في المسألة فلا يقيدها بالمشيئة كما سبق، فلا يقول: اللهم أسألك إن شئت أن تغفر لي، وإن شئت أن ترحمني.

    الأمر الثاني: أن يسأل الله الخير الكثير، ولذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا سألتم الله عز وجل فاسالوه الفردوس الأعلى فإنه أعلى الجنة، ووسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن عز وجل} حتى إن كان العبد ظالماً ومخطئاً وعاصياً ومقصراً ومحتقراً لنفسه، فعليه أن يسأل الله أعظم السؤال، ويدعوه أعظم الدعاء، ويسأل الله الفردوس الأعلى، ويسأل الله من كل خير، ولا بأس أن يقول العبد وهو المقصر الظالم المسرف على نفسه: (اللهم إني أسألك أن تبلغني منازل الصديقين، اللهم إني أسألك أن تبلغني منازل الشهداء، اللهم إني أسألك أن تبلغني منازل الصالحين) إلى غير ذلك من الدعوات، ولذلك كما ينقل عن بعض الصالحين (أنه رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم إني أسألك الجنة، ثم رجع إلى نفسه وقال: أو مثلي يسأل الجنة، اللهم إنني أعوذ بك من النار) فهذا إن صح فليس بصواب، ولا يقتدى به في ذلك، بل على العبد أن يسأل الله الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، بل وعليه أن يسأل الله عز وجل الفردوس الأعلى من الجنة؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظم شيئاً أعطاه عبده.

    عدم الدعاء باستعجال العقوبة على النفس، أو الدعاء على المال أو الأهل أو الولد

    ففي صحيح مسلم عن أنس أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَتَ من شدة المرض حتى صار كالفرخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {هل كنت تدعو بشيء، قال: نعم يا رسول الله، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! لا تطيقه، أو قال: لا تستطيعه، هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار! فدعا الله عز وجل فشفاه}.

    فلا يجوز ولا ينبغي للعبد أن يسأل الله عز وجل أن يعجل له العقوبة في الدنيا، كيف تدعو الله عز وجل أن يعجل لك العقوبة في الدنيا؟! والله عز وجل وصف نفسه بأنه رحيم، جواد، واجد، ماجد، كريم، لطيف، حنّان، منان، رحيم، رحمان، فاسأل الله عز وجل أن يغفر لك ذنبك، ويتجاوز عنك، ويرزقك خير الدنيا والآخرة.

    كذلك الدعاء على الأهل والمال والأولاد، هذا كله لا يجوز، ولذلك ورد عن جابر مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على الأولاد، ولا تدعوا على خدمكم، لا توافقوا من الله عز وجل ساعة عطاء فيستجيب لكم} رواه أبو داود وسنده صحيح، فكون الإنسان يدعو على نفسه، أو على زوجته، أو على أولاده، أو على خدمه، أو على ماله من بيت أو مزرعة أو سيارة أو غير ذلك، هذا كله غير مشروع ولا ينبغي، وبعض الناس رجالاً ونساءً -خاصة النساء- كثيراً ما تدعو على أولادها بالموت أو الهلاك أو المرض أو بغيره، وهذا لا يجوز؛ لأنه قد يوافق ساعة إجابة فيستجيب الله عز وجل خاصة دعاء الوالد إذا دعا على ولده، ولاشك أن هناك فرق بين الدعاء الذي يخرج من قلب صادق وبين الدعاء الذي يكون على اللسان، لكن -أيضاً- حتى الدعاء وإن كان يطلق من الإنسان بدون إرادته فإنه ينبغي للإنسان وخاصة النساء أن يعودن أنفسهن على عدم الدعاء على أولادهن إلا بخير.

    الأخذ بجوامع الدعاء

    المقصود بجوامع الدعاء: الكلمات المختصرات التي تشمل معنىً كبيراً، ولذلك في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم {فُضِّل بخصائص منها: أنه أوتي جوامع الكلم} أي الكلمات المختصرة التي تشمل معنىً كبيراً، وكذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم {كان يعجبه الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك} رواه أبو داود وأحمد والحاكم وصححه وابن أبي شيبة وهو حديث صحيح، أما التطويل والتفصيل؛ فإنه غير سائغ ولا مشروع، ففي حديث صحيح رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابناً له يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وزقومها وغسلينها وكذا وكذا، فقال له: أي بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء} اسأل الله عز وجل الجنة، فإذا أُعطيتها؛ أعطيتها وما فيها، واستعذ بالله عز وجل من النار، فإنك إذا أعذتها؛ أعذت منها ومما فيها.

    فكون السائل -مثلاً- يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وقصورها وحورها وما فيها من النعيم، وكذا وكذا وكذا، ويبدأ يفصل في صفة الجنة، أو يقول: اللهم إني أعوذ بك من النار وما فيها من السلاسل والأغلال والجحيم ويبدأ ويعدد صفة النار أعوذ بك من النار وما فيها، فهذا كله غير مشروع؛ لأنه من الاعتداء كما سيأتي، بل ينبغي للإنسان أن يقول كما قال ذلك الأعرابي: {يا رسول الله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أسأل الله عز وجل الجنة وأعوذ به من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولهما ندندن} وكذلك عبد الله بن المغفل رضي الله عنه سمع ابناً يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الداخل إلى الجنة -أي أن الرجل واثق كأنه قد دخل الجنة؛ ورأى هذا القصر الأبيض عن يمين الداخل إليها- فقال له أبوه: أي بني! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إنه سيكون في هذه الأمة أقوامٌ يعتدون في الطهور والدعاء} رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد وسنده صحيح.

    ولذلك علمنا الله عز وجل في القرآن الكريم أدعيةً جوامعَ مختصرة قال تعالى: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] وقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] وهذه أيضا من الدعوات الجوامع؛ كذلك دعوة ذي النون عليه السلام: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] وأواخر سورة البقرة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] وغير ذلك من الأدعية الجوامع، وهي كثيرة في القرآن الكريم.

    أما في السنة النبوية فعن قطبة بن مالك رضي الله عنه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم جنبني منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال والأدواء} رواه الترمذي وحسنه، وكذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بقوله كما عند الترمذي وأحمد: {اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، اللهم إني أسألك حبك، وحب من أحبك، وحب العمل الذي يقربني إلى حبك} أيُّ دعوة أجمع وأوسع وأخصر وأبلغ من هذه الدعوة النبوية الكريمة، فلا بد من مراعاة الاختصار في الدعاء والاقتصار على الجوامع من الدعاء.

    ترك الاعتداء في الدعاء

    هذا أدب عظيم أخل به كثير من الناس، ولذلك سوف أبسط الحديث عنه بعض البسط لا كله، فلذلك الله عز وجل يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]. المعتدين يعني: في الدعاء وفي غيره، فالاعتداء يكون في الدعاء وفي العبادة وفي غيرها، وقد سبق في حديث سعد بن أبي وقاص، وابن مغفل، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه: {سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الدعاء} والاعتداء: هو أن يتعدى الإنسان الحد المشروع في الدعاء، كالجهر الكثير والصياح ورفع الصوت بما لا داعي له، خاصة ونحن نجد في هذا العصر مكبرات الصوت، فأحياناً تجد في بعض البلدان إذا كانت صغيرة تجد مكبر الصوت يرفع الدعاء فيسمعه أهل البلد في كل مكان، وهذا الداعي يزعق بالصياح والبكاء، ورفع الصوت بالدعاء، بحيث إنه يسمع من لا حاجة لهم به كمن يكونون مشتغلين مع إمام آخر، أو مشتغلين بصلاة أو بذكر أو بغير ذلك، وهذا يحدث من الأضرار ما هو معلوم، فهذا من الاعتداء خاصة إذا كان صاحبه ذا صوت مرتفع وهذا شيء لا داعي له.

    ومن الاعتداء في الدعاء: الدعاء بالمحال، كأن يدعو الإنسان ربه أن يبلغه منازل الأنبياء؛ لأنه لا يمكن أن يبلغ العبد منـزلة نبي من الأنبياء، أما منازل الصديقين ومنازل الشهداء ومنازل الصالحين فلا بأس، كذلك أن يدعو الإنسان بالخلود لنفسه أو لغيره، كبعض الناس المتملقين إذا كانوا أمام سلطان أو حاكم أو خليفة أو ملك أو رئيس دعوا له بدعوات منها: خلد الله ملكك، ونحن نقرأ اليوم في بعض الكتب القديمة عن حكام قد ماتوا أو انقرضوا وبادوا وأكلت الأرض أجسادهم، وتجد بعض الناس كان يقول: فلان خلد الله ملكه، لا يخلد إلا مُلْكُ الواحد الباقي جل وعلا، أما ملك المخلوقين فهو وهم إلى زوال.

    وكذلك من الاعتداء في الدعاء: أن يدعو الإنسان بأمور دنيوية تفصيلية، لا داعي لها -كما سبق- فهذا يخالف الدعاء الجامع، كأن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك بيتاً في الحي الفلاني، مكوناً من كذا طابق، سعة الشارع الذي فيه البيت كذا وكذا، اللهم إني أسألك سيارة موديل كذا وكذا، صفة السيارة كذا وشكلها كذا، هذا كله من الاعتداء في الدعاء، ومثله: أن يسأل الله زوجة صفتها كذا، وطولها كذا، وشكلها كذا، ولونها كذا، وشعرها كذا، هذا كله من الاعتداء في الدعاء، وكذلك إذا دعا على قومٍ أو دعا لقومٍ فإنه يفصل في هذا الدعاء، -مثلاً- بعض الناس إذا دعا على أحد من الظالمين والفاسقين والكافرين دعا عليه دعاء تفصيل؛ بإن يفعل الله بعيونه كذا وبرأسه كذا ويجدع أنفه، ويقطع أذنه، ويصيبه بكذا وكذا من الأمراض، ويبدأ يدعو بدعوات تفصيلية ممجوجة، ليس لها مكان، لماذا لا يدعو الله عز وجل على هذا الإنسان بالهلاك وكفى؟! لماذا هذا التفصيل الذي يعتبر من الاعتداء في الدعاء؟! وكذلك لو دعا لأحدٍ فإنه قد يدعو بدعاء فيه تفصيل لا داعي له، فالصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم تعلموا في مدرسة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون بالدعاء الجامع، حتى إذا دعوا على أحد اختصروا. من ذلك قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان أميراً على الكوفة فشكوه إلى عمر فأرسل عمر لجنة تقصي حقائق فكانت هذه اللجنة تنـزل في كل مسجد من المساجد، ويسألون أهل المسجد ما رأيكم في أميركم سعد بن أبي وقاص؟ قالوا: والله ما نعلم إلا خيراً، فلما جاءوا إلى مسجد بني عبس قام رجل اسمه أسامة بن قتادة وقال: أما إذ سألتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. يريد أن يقول أنه ظالم، ويُفَضِّل بعضنا على بعض، وأنه جبان، فهكذا اتهمه، فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقال: اللهم إن كان عبدك هذا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. فدعا عليه بدعوة جامعة، فطال عمر هذا الرجل حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وافتقر حتى كان يتكفف الناس في الأسواق -نسأل الله السلامة- وأصيب بالفتن حتى كان يجلس في الشوارع يتعرض للجواري ويغمزهن، وإذا قيل له ذلك قال: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، فالتفصيل في الدعاء لأحد أو على أحد أو الدعاء للنفس أو للغير هذا من الاعتداء في الدعاء.

    ومن الاعتداء في الدعاء: أن يدعو الإنسان بتيسير معصية، أو يدعو على نفسه أو أهله أو ولده أو ماله بشر، كما سبق، يقول الله عز وجل: وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً [الإسراء:11] ولذلك جاء التقييد في الأحاديث {أن الله عز وجل يجيب العبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم }.

    ومن الاعتداء في الدعاء، -وهذا أمر قد عم وطم وفشا مع الأسف الشديد بين الناس كباراً وصغاراً شيباً وشباناً-، أن كثيراً من الناس قد أولعوا بالدعاء بألفاظ مفقرة فقرات، وكلمات مسجوعة، وأدعية منكرة، اخترعوها من عند أنفسهم، أو وجدوها في كراريس أو كتب أو رسائل؛ ما أنـزل الله بها من سلطان، ولا أصل لها من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، ولا معول عليها، فجعلها هؤلاء الناس شعاراً لهم، واستعاضوا بها عما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم، أو عما أخبرنا الله عز وجل من أدعية الأنبياء والصالحين ونحوهم.

    وهذا كله قد يمنع إجابة الدعاء كما ذكره القرطبي، ولذلك تعجبني كلمة قالها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين يقول: الأولى ألا يتجاوز الدعوات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته، فما كل أحد يحسن الدعاء، لذلك روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول: [[إن العلماء يحتاج إليهم حتى في الجنة، قالوا له: كيف يا أبا عبد الرحمن! يحتاج إليهم حتى في الجنة؟!. قال: نعم. إذا قيل لأهل الجنة: تمنوا. لم يدروا ماذا يقولون، حتى يسألوا العلماء فيخبرونهم ماذا يتمنون]].

    وهذا دليل على أنه ليس كل أحد يحسن الدعاء ويحسن الأمنية، فينبغي على الإنسان أن يقتصر على الدعاء المأثور، ولذلك نقل الأثرم عن أحمد رضي الله عنه أنه قال له: (ماذا أدعو به في صلاتي؟ قال: تدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث كما في الصحيح {ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه} قال: نعم. يتخير مما ورد) يعني مما ورد سواء بلفظه أو بمعناه؛ لأن الأدعية غير متعبد بألفاظها فليست كالقرآن أو كبعض الأذكار، فإن حفظت اللفظ دعوت باللفظ، وإذا لم تحفظه بلفظه دعوت بالمعنى، فتدعو بالخير، وبالجنة، وبالنجاة من النار، وما أشبه ذلك، فلا ينبغي للإنسان أن يتوسع في تلك الأدعية، والأشياء التي لم يكن لها أصل ولا نقل، ولذلك فإن الاقتصار على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو السلامة في ذلك لفظاً أو معنى.

    ومن الاعتداء في الدعاء -أيضاً-: الإطالة في الدعاء بما يتضمن المشقة على الداعي، وعلى المؤمّن، وسآمته، وتفرق قلبه عن الدعاء، فضلاً على أن من يطيلون في الدعاء لا بد أن يخرجوا عن الدعاء المأثور إلى غيره فيقعون في المحظور السابق، خاصة أن كثيراً من الناس لا يحسنون الدعاء، وقد يأتي الواحد منهم بألفاظ غريبة ومعانٍ منكرة، ومن هذه الألفاظ والمعاني المنكرة ما نقله الإمام الخطابي في كتابه شأن الدعاء: (أن أعرابياً رفع يديه إلى السماء يستسقي؛ وقال: رب العباد ما لنا ومالك، قد كنت تسقينا فما بدا لك) وهذا رجل فيه عجرفة وتهور وعدم فهم وعدم علم، ولذلك دعا بهذه الدعوة، وكذلك ما نقله الخطابي رحمه الله أيضاً: (أن رجلاً من قريش، لما هدموا الكعبة، خرجت حية عظيمة، فخاف الناس منها، فقام شيخٌ كبير من قريش وقال: (اللهم لا ترع، اللهم لا ترع، اللهم ما أردنا إلا حماية بيتك وحياطة حرماتك وهذا أيضاً لا يليق؛ لأن الله عز وجل لا يخاف سبحانه وتعالى، وإنما الخوف يكون للعبد العاجز الضعيف الجاهل، فقوله (اللهم لا ترع) ليس له وجه، وإنما هو من الجهل، ومثل ذلك يقع فيه كثير من الناس.

    ومن الاعتداء في الدعاء: تسمية الله عز وجل بأسماء لم تثبت لا في الكتاب ولا في السنة، مثل ما يقوله بعض العوام حين يقول: يا سبحان يا سبحان، يا برهان، يا سلطان، مثلاً، فإن هذه الأدعية ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، ومثل قول بعضهم: يا غفران، فإن العبد إذا أراد أن يسأل الله عز وجل غفرانه، فإنه يسأل بغير هذا فيقول: يا غفور اغفر لي -مثلاً- أو يا غفور أسألك غفرانك، وكذلك مثل قول بعضهم: يا رب طه وياسين، ويا رب القرآن العظيم، فإن هذا غير سليم، وغير صحيح، وقد ذكر الخطابي أن ابن عباس أنكره على من قاله؛ لأنه قد يوهم أن القائل يعتقد أن القرآن مخلوق، والقرآن كلام الله عز وجل منـزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وعلى كل حال فالاعتداء في الدعاء أمره يطول وأكتفي بما ذكرت.

    ترك التكلف في السجع في الدعاء

    فقد جاء عن مسروق أن عائشة رضي الله عنها قالت للـسائب [[إياك والسجع، إياك والسجع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يسجعون]] رواه أحمد وابن أبي شيبة والطبراني في الدعاء وسنده حسن، وكذلك روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لـعكرمة مولاه: [[وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه]] والمقصود على كل حال (السجع المتكلف) وإلا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، اللهم إني أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع} رواه النسائي والحاكم وقال الذهبي: هو على شرط مسلم فهذا سجع مطلوب، مناسب وعلى البديهة، وغير متكلف، وبعض الناس زينوا كتباً ورسائل فيها أسجاع، زينوا بها دعواتهم، وألفاظاً منمقة خاوية من المعاني، مع أن السجع بذاته أسلوب قد عفا عليه الزمن؛ ما لم يكن سجعاً عفوياً غير متكلف.

    وأودّ التنبيه على أن هناك كتاباً اسمه الدعاء المستجاب من السنة والكتاب، وهذا أيضاً مليئ بأدعية منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير منها ما بين ضعيف وموضوع وهو لـأحمد عبد الجواد، فينبغي الحذر من هذا الكتاب وعدم طبعه أو بيعه أو تداوله أو الدعاء بما فيه من الأدعية، وبعض الأئمة والداعين يدعون بأدعية أخذوها من هذا الكتاب، مع أن كثيراً مما فيه غير صحيح، وهناك كتاب آخر أفضل منه جمع الأدعية الصحيحة واسمه الدعاء المستجاب من السنة الصحيحة والكتاب.

    ذكر ما يترتب على استجابة الدعاء

    فإذا سألت الله عز وجل أمراً من أمور الدنيا أو الآخرة؛ فاذكر في دعائك ما سيترتب على إجابة الله عز وجل لك من الخير الدنيوي والأخروي، ولذلك كان من دعاء موسى عليه السلام حين قال: هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:30-32] ثم عقّب على ذلك ببيان ما يترتب على الإجابة فقال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً [طه:33-35] وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، قال فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص: {إذا جاء الرجل يعود مريضاً فليقل: اللهم اشف عبدك فلاناً، ينكأ لك عدواً، أو يمشي لك إلى صلاة} فحين دعا بالشفاء لفلان؛ بيّن ما يترتب على إجابة هذا الدعاء؛ من أن هذا الرجل رجل صالح؛ إذا شفي مشى إلى المسجد، وضر أعداء الإسلام بلسانه وماله وقلمه وغير ذلك مما يستطيع، وكذلك روى أبو داود بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم حين دعا في معركة بدر قال وقد رفع يديه حتى رأى الناس بياض إبطيه:{اللهم أسألك عهدك ووعدك -أي بنصر المؤمنين- ثم قال صلى الله عليه وسلم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم} فبين ما يترتب على عدم الإجابة من الأضرار التي يراها البشر، وكذلك إذا دعا على الظالمين والفاسقين وأمثالهم من المجرمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، سواء كانوا طغاة يؤذون العباد أو ظلمة أو مرابين أو أصحاب أفكار هدامة منافية للإسلام، أو دعاة على أبواب جهنم، أو أياً كانوا؛ فإذا دعا عليهم يبين ما يترتب على وجودهم من الأضرار، وله في ذلك أسوة بموسى عليه الصلاة والسلام حين قال: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [يونس:88] فبين ما يترتب على وجودهم، ثم قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:88] وقال عز وجل: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس:89] فلا بأس أن يقول الداعي: اللهم إن هؤلاء الظالمين قد آذوا عبادك وكذبوا رسلك وأفسدوا في الأرض؛ اللهم فخذهم أخذ عزيز مقتدر فإنهم لا يعجزونك أو ما شابه ذلك.

    كراهية استبطاء الإجابة

    فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن أبي هريرة أنه قال: {يستجاب لأحدكم ما لم يعجل -كيف يعجل؟- يقول: دعوت فلم يستجب لي} متفق عليه، فلا ينبغي للعبد أن يستعجل الإجابة، وكل واحد منا يستعجل الإجابة، بل أكثر الناس إن لم يكن كلهم يستعجلون الإجابة، ويستبطئونها إذا تأخرت عليهم. وهناك وسائل تطمئن قلب الإنسان وتجعله يدعو وهو مطمئن، منها: أن تعلم أن الدعاء عبادة، وأنه من العبادات التي يتوفر فيها الإخلاص والإقبال على الله سبحانه وتعالى، فلو لم يتوفر لك إلأ الأجر والمثوبة من الله عز وجل على دعائك لكفى، فالعبد إذا دعا يكون داعياً بإخلاص فيكتب له أجر وهذا كافٍ، كما أنه إذا صلى يكتب له أجر، فإذا تذكرت ذلك علمت أن الدعاء عبادة فأنت رابح على كل حال.

    الأمر الثاني: أن تعلم أن الله عز وجل أعلم بمصلحتك منك، فقد تدعو الله عز وجل بأمر يعلم الله أنه لو أجاب دعاءك وحقق لك ما تريد؛ لكان هذا ضرراً عليك في الدنيا أو في الآخرة، أو يعلم الله تبارك وتعالى بعلمه وحكمته أن من المصلحة لك أن يؤجل إجابتك عن هذه السنة إلى السنة التي تأتي بعدها، أو عشر سنين، أو أكثر، أو أقل، فيعلم الله عز وجل أن مصلحتك في تأجيل الإجابة أو في عدمها، فأنت حينئذٍ تستسلم لما يقع وتعلم أن الله عز وجل أبصر بمصلحتك منك. فكم من إنسان -مثلاً- يسأل الله زوجةً صالحة، فيبطئ عليه هذا الأمر، وقد يسأل امرأة بعينها أن ييسر الله سبيل الزواج منها، فربما لو حصل هذا الأمر لحصل بينهم من المشاكل والهموم والمتاعب والقضايا الكثيرة المتشابكة ما تجعل حياة الإنسان تتحول إلى نوع من العذاب، حتى يتمنى أنه لم يرها، ويقول لها: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، وقد يقع هذا للإنسان، فقد يدعو الإنسان ربه بتعجيل سفر، قد يكون لطاعة إما لحج أو لعمرة أو لجهاد ليس من الأمور الواجبة على الإنسان لكن من النوافل؛ فلا يتيسر له هذا الأمر، فيعلم بعد ذلك أنه كان الخير فيما اختاره الله عز وجل له.

    الأمر الثالث: الذي يعين الإنسان على الصبر وعدم استعجال الإجابة: أن يقدر أن الله عز وجل دفع عنه بهذا الدعاء شراً أو ضراً كان سينـزل به لو لم يدعُ؛ فإذا تذكرت أن الله دفع عنك بهذا الدعاء شراً فإنك تستمر في الدعاء.

    الأمر الرابع: أن تعلم أن هذا امتحان لصبرك وجلدك وتحملك هل تستمر في هذه العبادة أم تحزن وتستحسر وتترك عند ذلك الدعاء.

    الأمر الخامس: أن ينحي الإنسان باللوم على نفسه، تلوم نفسك إذا لم تُجَب، ولذلك يقول الله عز وجل: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة:186] فيمكن أن يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي، أو التقصير، أو الخطأ، أو إخلالك بطريقة الدعاء، أو اعتداؤك فيه، أو ما شابه ذلك، فتعود باللائمة على نفسك، وعَوْدُكَ باللائمة على نفسك من أعظم أسباب الإجابة.

    ولذلك يروى في الروايات الإسرائيلية، وهي قصة وإن لم تكن مضبوطة بأسانيد، لكنها من حيث المعنى صحيحة: أن رجلاً كان يدعو الله عز وجل ستين سنة في حاجة، وبعد ستين سنة ما أجاب الله تعالى دعاءه، فنظر هذا الرجل العابد إلى نفسه، وقال: والله يا فلان لو كان فيك خير لأجاب الله دعاءك، ما تركك الله طيلة هذه الستين سنة إلا لأنك لست أهلاً لأن يجاب دعاؤك، فسمع منادياً يقول له: والله لاحتقارك لنفسك في هذه الساعة أحب إلينا من عبادتك ستين سنة.

    فأعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح، بل أعمال الجوارح مرهونة ثمرتها وقيمتها وأجرها بأعمال القلوب، فكون الإنسان يكون في قلبه ذل وانكسار، وتواضع وخشوع، ومقت للنفس، وازدراء لها، هذا من أعظم أسباب القربة إلى الله عز وجل، وأوسع باب تدخل فيه على رب العالمين هو باب الذل والانكسار بين يديه جل وعلا، ولا يجوز للإنسان أن ييأس كما قال تعالى: إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من رجل مسلم يسأل الله عز وجل دعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله عز وجل بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يجيبه، أو يدفع عنه من الشر مثلها، أو يؤخر ويدخر له في الآخرة مثلها، قالوا: يا رسول الله! إذاً نكثر قال: الله عز وجل أكثر} رواه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم وصححه وهو حديث صحيح، فلا يجوز للإنسان أن ييأس من روح الله عز وجل.

    1.   

    مسائل متعلقة بالدعاء

    الخشوع والبكاء في الدعاء

    فيما يتعلق بالخشوع والبكاء، لا شك أن الخشوع مطلوب في الدعاء قال تعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء:90] وقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَة [الأعراف:55] وقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16] وقال: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52].

    أما البكاء فإن بعض الناس يتباكى في صلاته، ويظهر منه أثناء الدعاء حروف وأصوات بكاء ليس مضطراً إليها، وإنما هو يتكلف هذه الأصوات، ولا شك أنه لا ينبغي للإنسان أن يتباكى ويرفع صوته بحضرة الناس في ذلك إذا كان في صلاة؛ لأن هذا يخشى على صاحبه أن يكون نوعاً من الرياء، إضافة إلى أن هذا في الصلاة لا يصلح ولا ينبغي، كذلك فيما يتعلق بالخشوع، أن بعض الناس نتيجة خشوعه قد يرفع بصره إلى السماء، وقد صح في سنن النسائي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء حال الدعاء، أو لتخطفن أبصارهم} فبعض الناس إذا رفع يديه في دعاء القنوت قال: يا رب، ورفع يديه ينظر إلى السماء وهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.

    طلب الدعاء من الغير

    كقولي لأخي ادع لي، أو استغفر لي، أو لا تنساني من دعائك، وما أشبه ذلك، والذي يظهر لي والله تعالى أعلم بالصواب: أن هذا لا بأس به، ولذلك روى جابر كما في سنن أبي داود بسند صحيح: {أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله صل علي وعلى زوجي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صلى الله عليك وعلى زوجك} وهذه امرأة جزاها الله خيراً، تطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها ولزوجها، وهكذا تكون المرأة المؤمنة حريصة على الخير لها ولزوجها.؟

    وكذلك أسامة بن زيد كما في الصحيحين لما قتل الرجل قال: {يا رسول الله استغفر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة} وكذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أنهم سيأتيهم أويس بن عامر القرني مع أمداد من أمداد اليمن، وهو رجل فيه كذا وكذا من صفته، وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أن يطلبوا من أويس القرني أن يستغفر لهم، فلما جاء قابله عمر وطلب منه أن يستغفر له، ويدعو له، ومن قبل أخوة يوسف قالوا لأبيهم: يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف:97].

    وفي صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله قال: قدمت إلى الشام، فأتيت أبا الدرداء في منـزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: {دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، على رأسه ملك موكل يقول: آمين، ولك بمثل} ثم لقي أبا الدرداء بعد ذلك، فقال له مثل ما قالت أم الدرداء، والظاهر أن هذا كان مأثوراً مشهوراً عند السلف، أما ما ورد من النصوص في النهي عن سؤال الناس، فالذي يظهر لي والله تعالى أعلم بالصواب أن المقصود سؤال الناس ما يتعلق بالأمور الدنيوية.

    مسح الوجه بعد الدعاء

    سبق أن رفع اليدين خلال الدعاء مستحب، لكن مسح الوجه باليدين هل هو مشروع؟ وكذلك تقبيل اليدين؟ أما تقبيل اليدين فكثير من الناس يمسح وجهه ثم يقبل يديه، وهذا لا شك فيه أنه غير مشروع، ولم ينقل لا بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف؛ لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن غيره من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين، أما مسألة مسح الوجه باليد فالكلام فيها يختلف، فقد ورد فيها أحاديث، منها حديث ابن عمر: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه} رواه الترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وكذلك قال المباركفوري: الحديث ضعيف، ومثله قال ابن الجوزي كما في العلل المتناهية، وكذلك قال أبو زرعة: حديث منكر أخاف أن لا يكون له أصل، وهذا الحديث حديث ابن عمر، صححه البعض وحسنه البعض، ففي بعض نسخ الترمذي أنه قال: صحيح، وكذلك ابن حجر في بلوغ المرام قال: وله شواهد منها حديث ابن عباس رضي الله عنه عند أبي داود؛ مجموعها يقتضي أنه حديث حسن، والسيوطي يقول في الحديث الأول حديث ابن عمر: رجاله رجال الصحيح غير حماد بن عيسى شيخ صالح ضعيف، ولحديثه شواهد فهو حديث حسن.أ.هـ وللحديث شاهد عن يزيد بن أبي سعيد الكندي عند أبي داود وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، وكذلك حديث مرسل عن الزهري عند عبد الرازق، وهو مرسل ضعيف، فمراسيل الزهري كالريح -كما يقولون- وكذلك رواه الفريابي بسند حسن عن الحسن بن أبي الحسن وهو الحسن البصري:- أنه كان يمسح وجهه بيديه، وسنده عنه حسن.

    إذاً الخلاصة: أن الأحاديث في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ضعيفة، بل شديدة الضعف لا يجبر بعضها بعضاً، ليس فيها حديثان ضعيفان فقط بحيث يكون مجموعهما حديث حسن، بل أمثلها حديث ضعيف وفيها ضعيف جداً، فالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، لكن لا نقول إن هذا العمل بدعة، ولا ننكر على من فعله؛ لأنه عندنا الآن في إحدى نسخ الترمذي يقول: صحيح، وابن حجر يقول: مجموعها يقتضي أنه حديث حسن، والسيوطي يقول: حديث حسن، وهناك علماء آخرون حسنوا الحديث، وبناءً على ذلك لا يمكننا أن نرمي من مسح وجهه بيديه بأنه مبتدع، لكن نقول: الأولى بالنسبة لطالب العلم ألا يمسح وجهه بيديه.

    اللهم ارزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من أحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك، اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأهواء، والأدواء، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلـة

    صفة رفع اليدين في الدعاء

    السؤال: ما الفرق بين الدعاء والابتهال؟ وما كيفية صفة رفع اليدين في الدعاء؟ هل يضمهما أم يباعد بينهما؟

    الجواب: الفرق بين الدعاء والابتهال، أنه في الدعاء يجعل يديه حذو منكبيه، أي قبالة وجهه، وأما الابتهال فهو أن يبالغ في رفع يديه، حتى ورد في بعض الألفاظ أن ظهر يديه يكون إلى السماء، حين يبالغ في رفع اليدين، والابتهال يكون حين يشتد بالإنسان الأمر، ويجد في قلبه من شدة الرغبة والسؤال؛ فيرفع يديه، وهذا غالباً ما يكون في الإنسان في حالة اضطرار أو شدة، أما رفع اليدين فيرفعهما مضمومتين إلى جوار بعضهما.

    رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة

    السؤال: ما حكم رفع اليدين أثناء الدعاء بعد الصلوات المفروضة، وبعد السنن الراتبة؟

    الجواب: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه بعد الصلوات المفروضة ولا غيرها، بل الدعاء في أثناء الصلاة أفضل، والصلاة لها ثمانية مواطن للدعاء يمكن أن تراجع، أما أن يدعو بعد السلام فلا بأس أن يدعو بما ورد، بل يشرع: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله. اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك. هذا كله ورد ويحتمل أن يكون قبل السلام أو بعد السلام، لكن إذا دعا به بعد السلام فلا بأس، ولا يشرع له أن يرفع يديه، وكذلك بعد النافلة لا يشرع أن يرفع الإنسان يديه، وإن رفعهما لا يشرع له أن يحافظ على ذلك.

    رفع اليدين للتأمين يوم الجمعة في الخطبة

    السؤال: هل يجوز رفع اليدين عند التأمين على دعاء الإمام وهو يخطب خطبة الجمعة؟

    الجواب: لا ينبغي لا للإمام ولا للمأمومين أن يرفعوا أيديهم عند الدعاء، بل يدعو الإمام بأصبعه، والمأموم يؤمن على دعائه، اللهم إلا في حالة الاستسقاء والاستصحاء، فقد صح كما في الصحيحين: {أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل قال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعو الله أن يغيثنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا فما نـزل صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته عليه الصلاة والسلام، يقول أنس: والله ما رأينا الشمس سبتاً، أي أسبوعاً كاملاً}.

    وأبيض يستسقي الغمام بوجهه     ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ     فهم عنده في خيرةٍ وفواضل

    {فجاء الرجل -أو غيره في الأسبوع القادم- وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه، وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على ضراب الآكام وبطون الأودية، ومنابت الشجر} قال: فانقشعت عن المدينة حتى أصبحت في مثل الجوبة، أي: المدينة صحو، وما حولها غيم ممطرة، تبارك الله رب العالمين.

    الكسل في الدعاء

    السؤال: بعض الأوقات يدعو الإنسان ولكن يحس من نفسه عدم محبة الدعاء، وبعض الأوقات تنشرح نفسه للدعاء، ما هو سبب ذلك، نرجو منكم التوضيح؟

    الجواب: قد يكون هذا أمراً طبيعياً؛ لأن الإنسان إذا أقبل على عبادة فإن القلوب لها إقبال، ولها إدبار، فأحياناً يشعر بنشاط ورغبة، وأحياناً يشعر بكسل وخمول، لكن على الإنسان أن لا يستجيب لهذه الرغبة في عدم حب الدعاء أو عدم الرغبة فيه، بل أن يدعو الله عز وجل ويكره نفسه على هذا الأمر، ولا يطيل إطالة قد تجعله يمل، إذا شعر بثقل هذا الأمر عليه.

    ألفاظ الدعاء

    السؤال: ذكرت أن الدعاء ليس من الألفاظ المتعبد بها، بل يتعبد بمعناها، ألا يستثنى من ذلك ما ورد من الأدعية المرتبة على أحوالٍ ومناسبات خاصة؛ كأدعية الركوع، والسجود، ورؤية الهلال، ودخول المسجد، ونحوها؟

    الجواب: لا شك أن الأولى والأفضل أن يلتزم الإنسان باللفظ النبوي؛ لأنه أسلم، من الوقوع في الخطأ، والاعتداء في الدعاء؛ كما سبق التحذير منه، لكن المشهور أن الأدعية ليس متعبداً بألفاظها وحروفها، أما الأذكار فلا، فمثلاً قوله: سبحان ربي العظيم في الركوع، أو سبحان ربي الأعلى في السجود، هذا متعبد به، ومثل بعض الأدعية الواردة خاصة في الصلاة مثل قول: (رب اغفر لي) فهذا يحسن بالإنسان أن يلتزم لفظه، لكن لو غير في لفظه، بأن قدم أو أخر، لو قال: اللهم ارحمني واغفر لي وارزقني واهدني وما أشبه ذلك، فإن هذا لا بأس به.

    الدعاء بعد الصلاة

    السؤال: ذُكر أن الشيخ عبد العزيز بن باز قال: إن الدعاء بعد الصلاة بدعة، ورد ذلك في كتاب الفتاوى الجزء الأول، فما صحة ذلك؟

    الجواب: اعتقد أن السائل ما ضبط الكلمة، وليت الكتاب كان عندنا حتى نقرأ كلام سماحة الشيخ عبد العزيز لنتبين هل الدعاء بعد الصلاة بدعة هكذا مطلقاً، بدون تفصيل لا أدري هل أطلقه الشيخ أم لا، على كل حال لا أستطيع أن أقول شيئاً؛ لأن الكتاب غير موجود لدينا الآن.

    الدعاء في السجود

    السؤال: هل يجوز الدعاء في السجود في الصلاة بالأمور الدنيوية والأخروية أم لا؟ وهل يجوز الدعاء بالأمور الدنيوية والأخروية سواء في السجود أو غيره، أم لا؟

    الجواب: لا بأس أن يدعو الإنسان في سجوده بما أحب من الأمور الدنيوية والأخروية، وأجمع ذلك كله قوله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] ويجوز أن يقول الإنسان هذا الدعاء في السجود، ولا يحتج بعدم مشروعية قراءة القرآن راكعاً أو ساجداً؛ لأنه ما قاله على سبيل القراءة هنا، بل قاله على سبيل الدعاء، وكذلك الدعاء لنفسه ولوالديه ولأهله، لا بأس أن يدعو للجميع، لكن عليه أن يدعو بدعوة مجملة كما سبق، مثلاً (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين) أما أن يقول بعض الناس: اللهم اغفر لي ولوالدي ولإخواني ولأخواتي ولجداتي و...، ويذهب يعدد الأقارب فرداً فرداً ثم ينتقل إلى الجيران ثم ينتقل إلى المعاريف، فهذا من الاعتداء في الدعاء كما سبق.

    دعاء القنوت

    السؤال: في دعاء القنوت في صلاة التراويح هل هناك دعاء مخصوص بحيث لا يفضل أن يتجاوزه الإمام، حيث يلاحظ الآن تطويل الأئمة في ذلك ويأتون بأدعية كثيرة، أرجو التفصيل في ذلك وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ذكرني السائل أمراً كنت قد نسيته، وهو مسألة دعاء القنوت، أنه ورد في دعاء القنوت عند الترمذي وغيره بسندٍ حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم علّم الحسن بن علي دعاء القنوت: {اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، تباركت وتعاليت} فهذا الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت، وكذلك صح من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر القنوت: {اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك} فهذا الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    لكن ورد عن عمر رضي الله عنه عند البيهقي بسندٍ صحيح أنه كان يقول في دعاء القنوت: [[اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك؛ إن عذابك الجد بالكفار ملحق]] فهذا ثبت عن عمر، وكذلك ورد أنه كان يدعو على كفرة أهل الكتاب الذي يصدون عن سبيل الله ويكذِّبون رسوله، فهذا دليل على أنه لا بأس أن يدعو الإنسان في القنوت بما ورد، لكن مع التزام الآداب السابقة.

    الدعاء للنفس وللوالدين في الصلاة

    السؤال: من الأدعية قول: رب اغفر لي ولوالدي ولوالديهم، اللهم أصلح نيتي وذريتي ما حكم الدعاء بهذا في الصلاة، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: لا بأس، يجوز الدعاء بهذا في الصلاة؛ لأنه داخل ضمن الأدعية المشروعة على سبيل الإجمال، فالدعاء للنفس وللوالدين بالمغفرة ثابت رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [إبرهيم:41] وكذلك الدعاء في صلاح النية والذرية واردٌ أيضاً، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي [الأحقاف:15].

    طرد الشيطان عند الصلاة

    السؤال: ما هو الدعاء الذي يطرد الشيطان عند الصلاة؟

    الجواب: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    علاقة التمني بالدعاء

    السؤال: ما علاقة التمني بالدعاء، وهل ورد في الأثر إذا تمنى الإنسان فليكثر، وما حكم التمني؟

    الجواب: إذا تمنى أموراً من أمور الخير، فهذا أمرٌ حسن؛ لأن هذا التمني قد يدعو الإنسان إلى السعي إلى هذا الأمر، أو سؤال الله سبحانه وتعالى أن يحقق له رغبته وأمنيته، أما إذا كان من أمور الدنيا فهو غير محمود، لذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة وغيره أنه قال: {انظروا إلى من هو دونكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعم الله عليكم} يعني في الدنيا، فينظر إلى من دونه، ولا يتمنى مرتبة من فوقه.

    دعاء الإمام لنفسه في السجود

    السؤال: هل يدخل الإمام الذي يدعو لنفسه في الصلاة السرية بأن يدعو في السجود مثلاً هل يدخل في النهي؟ أم أن النهي خاصٌ فيما إذا دعا الإمام الدعاء الجهري كدعاء القنوت، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الظاهر أن هذا خاص فيما إذا دعا دعاءً جهرياً يؤمِّن عليه المأمومون، وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: {رب اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني} وعلمنا أن نقول هذا أئمة كنا أو مأمومين.

    البكاء في الصلاة

    السؤال: هناك ظاهرة انتشرت في الآونة الأخيرة, وهي رفع الصوت بالبكاء لدرجة إزعاج المصلين، ومعلومٌ أن بكاء الرسول صلى الله عليه وسلم كان كأزيز المرجل، فما هو توجيهكم نحو ذلك؟

    الجواب: سبق الإشارة إلى مثل هذا، والأولى أن الداعي لا يحرص على الصراخ والبكاء، ويحرص على أن يكظمه ويكتمه إن استطاع؛ خاصةً إذا كان مصلياً، وخاصةً إذا كان في حضرة الناس؛ لأن هذا من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {ورجلاً ذكر الله خالياً ففاضت عيناه} فبعض الناس كما ذكر ابن الجوزي وغيره أنه إذا كان في مجتمع من الناس، يكون عنده شيء من التكلف والتصنع والتعمل، فتجد أن عنده نفسية مستعدة للبكاء، وهذا موجود، نسأل الله العافية.

    دعاء ختم القرآن

    السؤال: دعاء ختم القرآن في الصلاة وفي غيرها، هل هو سنة أم بدعة؟

    الجواب: أما في غير الصلاة فلا بأس أن يدعو بما ورد عن أنس، أما في الصلاة فقد سبقت الإجابة عليه.

    الصلاة على النبي في آخر الدعاء

    السؤال: قلت أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الدعاء أفضل من الصلاة في أول الدعاء، لماذا؟ وما هي العلة، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: هل قلت أفضل أو آكد، يوجد فرق بين اللفظين، فعلى كل حال أنا قلت أنه آكد؛ وذلك لأن النصوص فيه أكثر، منها أن الدعاء موقوف محجوب حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث جاء موقوفاً ومرفوعاً، ومنها أيضا حديث فضالة بن عبيد الذي سقته؛ فإن فيه: {إذا قعدت في الصلاة فاحمد الله وصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم } فهذا قد يرجح أن الصلاة مشروعة في أول الدعاء وفي آخره وأنها في آخره آكد.

    معنى اللهم أعوذ برضاك من سخطك

    السؤال: ما معنى الدعاء الوارد: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك؟

    الجواب: المعنى ظاهر، أن العبد يستجير بالله منه، كما يقال إنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فتستعيذ بعفو الله من سخطه وعقوبته، وبرضاه من سخطه، وبه منه؛ لأنه لا يمكن أن يعيذك ويحميك من كل شر في الدنيا والآخرة إلا الله عز وجل، أما قول: لا أحصي ثناءً عليك، فالمعنى أن العبد مهما أثنى على الله عز وجل لا يمكن أن يبلغ قدره جل وعلا، حتى الأنبياء صلوات الله عليهم، كما ثبت في حديث ابن مسعود بسندٍ حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من عبدٍ تصيبه مصيبة أو يصيبه همٌ أو حزن فيقول: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنـزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك} فأسماء الله وصفاته عز وجل لا يحيط بها إلا هو، والرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إذا خر ساجداً تحت العرش من أجل الشفاعة؛ يفتح عليه محامد وتسبيح وثناء على الله عز وجل لا يعلمه حين كان في الدنيا، ولا يعلمه إلا ذلك الوقت.

    الاعتداء في الطهور

    السؤال: لقد ذكرت في فقرة الاعتداء، حديث الاعتداء في الدعاء والاعتداء في الطهور، فما هو الاعتداء في الطهور؟

    الجواب: الاعتداء في الطهور يعني الزيادة، ولذلك جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود وهو حديث حسن: { أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! كيف الوضوء؟ فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم } فمن الاعتداء بالطهور وضوءاً أو غسلاً أن يتوضأ الإنسان أكثر من ثلاث مرات مثلاً، أو يكون عنده وسواس ويبالغ في ذلك، ويكثر استخدام الماء فهذا من الاعتداء بالطهور.

    ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موانع الاستجابة

    السؤال: هل عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في عدم استجابة الدعاء، وما الدليل على ذلك؟

    الجواب: نعم، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب حجب دعاء التاركين، ولذلك جاء في أحاديث عديدة قوله صلى الله عليه وسلم: {أيها الناس مُروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم}.

    الخشوع وقت القنوت دون وقت الصلاة

    السؤال: يُلاحظ أن كثيراً من الإخوة جزاهم الله خيراً عند القنوت يخشعون كثيراً، ولا يخشعون عند سماع تلاوة القرآن وهو يتلى عليهم، فما سر هذا الخشوع جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: السبب في ذلك أمور منها أو من أهمها: أن الإنسان إذا سمع قراءة القرآن غالباً ينشغل ويسرح باله، فإذا جاء الدعاء شعر بأن القضية تتعلق به، فالمصلحة تخصه هو في دينه أو في دنياه، ولذلك يجمع قلبه على الدعاء، أما القرآن فإنه يغفل عنه، كذلك فإن بعض الناس اعتادوا سماع القرآن، فلا يهز قلوبهم ولا يحركها، وطبعاً السبب الأول والأخير أن قلوب هؤلاء الناس عليها ما يشبه الأقفال، كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] وإلا فالقرآن أبلغ الكلام وأعظمه، وكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: [[لو صحت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم]].

    الدعاء بين الأذان والإقامة

    السؤال: ما هي صفة الدعاء بين الأذان والإقامة، وهل ترفع فيه الأيدي أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: صفة الدعاء لم يرد تحديدها فيدعو الإنسان بما أحب، وكما سبق أن الدعاء بين الأذان والإقامة من أوقات الإجابة، أما رفع الأيدي فالأصل كما سبق ثابت بل متواتر، لكن كون الإنسان يرفع يديه في وقتٍ معين بصفة مرتبة، ويلتزم ذلك هذا الذي يخشى منه، لكن لو ثارت في نفس الإنسان دعوة وانفعل بها ورفع يديه لشدة وجده وتأثره فلا بأس بذلك، أما كونه يرفع يديه بالدعاء ما بين الأذان والإقامة حتى يقيم فلا شك أن هذا لم يرد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009659151

    عدد مرات الحفظ

    721751241