إسلام ويب

سلسلة كن صحابياً صناعة الرجالللشيخ : راغب السرجاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من معجزات الإسلام العظمى أنه أخرج لنا رجالاً سادوا البلاد والعباد، فبنوا لنا حضارة ما عرف التاريخ مثلها، واختفت عندهم الذلة والسلبية، والأنانية والغلظة، وحقارة الأهداف وتفاهة الطموح، وأصبح الواحد منهم يوزن بأمة بأجمعها، وكان الفوز والفلاح باتباع أثر هؤلاء الرجال، والوصول إلى ما وصلوا إليه.

    1.   

    تابع أسباب الإحباط من إمكانية تقليد جيل الصحابة

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس الثالث في مجموعة: كن صحابياً، وسبق لنا أن تحدثنا عن موضوع أسميناه: القابضون على الجمر، والقابضون على الجمر هم: المسلمون الذين يتمسكون بدينهم في زمان كثر فيه الشر، وانتشرت فيه المعاصي، وتعددت فيه الفتن.

    القابضون على الجمر هم: الذين يسيرون في طريق الصحابة حتى بعد ألف وأربعمائة سنة أو أكثر من انتهاء جيل الصحابة، وهم لا يأخذون من الأجر كأجر صحابي واحد، بل يأخذون كأجر خمسين صحابياً، وعلى النقيض من هذه الطائفة الرائعة من المسلمين، أعني: طائفة القابضين على الجمر، هناك طائفة أخرى من المسلمين تعاني من مشكلة أعتبرها خطيرة، ألا وهي مشكلة الإحباط من إمكانية تقليد جيل الصحابة، أو التعامل معه كقدوة عملية نستطيع أن نعمل مثلها، فهؤلاء يعتقدون أنه من المستحيل علينا أن نفعل مثلما كان يفعل الصحابة، أو نفكر مثلما كانوا يفكرون، أو نعبد الله عز وجل كما كانوا يعبدون، لماذا يا ترى هذا الإحساس في داخل بعض المسلمين؟

    سبق وأن ذكرنا فيما مضى أربعة أسباب لهذا الأمر نذكرها باختصار:

    أولاً: الاعتقاد بأن وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الصحابة كان سبباً في وصولهم إلى هذا المستوى الراقي، وقد ذكرنا أن وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مهماً جداً، لكنه ليس حتمياً لتطبيق شرائع الدين، وإلا لما أمر الله عز وجل اللاحقين بنفس التكاليف التي أمر بها الصحابة، والموضوع فيه تفصيل كثير، والذي يريد أن يعرف التفاصيل فليرجع إلى الدرس السابق.

    ثانياً: رفع الصحابة رضوان عليهم فوق بشريتهم، والحديث عنهم بشيء من المبالغة التي تؤدي إلى استحالة التطبيق.

    ثالثاً: الاعتقاد بأن كل الصحابة تفوقوا في كل المجالات بصورة واحدة، ونسيان أن كل صحابي قد تفوق في مجال من المجالات، وتفوق عليه غيره في مجال آخر، ولن تستطيع كإنسان أن تحصّل إنفاق أبي بكر مع إدارة عمر مع جهاد خالد مع علم عائشة مع فقه عبد الله بن عباس مع حياء عثمان مع قضاء علي ، فذلك مستحيل، فالناس التي تنظر للجيل كله كوحدة واحدة صعب عليها أن تقلد كل الجيل، وإنما تقلد واحداً تشعر أنت أن إمكانياتك وقدراتك ومواهبك تتوافق مع المجال الذي هو كان متفوقاً فيه.

    رابعاً: تعمد بعض العلماء إغفال أخطاء الصحابة الناتجة عن كونهم بشراً، والبشر جميعاً يصيبون ويخطئون، فالعلماء عملوا ذلك منهم بحسن نية، وحرصاً على تنزيه الصحابة، لكن هذا الأسلوب من التربية أدى إلى اعتقاد أن الصحابة لا يخطئون أبداً، وبالتالي إذا أخطأ المسلم الآن فإنه يحبط في أن يصل يوماً ما إلى ما وصل إليه الصحابي.

    إذاً هذه أربعة أسباب أدت إلى إحساس بعض المسلمين أو كثير من المسلمين إلى أنه صعب عليه أن يقلد الصحابة، فلا يفعل كثيراً من الطاعات، وإذا ذكرته بصحابي ما وقلت له: كان يفعل كذا وكذا، يقول لك: والله أنا لست صحابياً، فأنا لست عبد الله بن عمرو ولست أبا ذر ، وقد يرتكب المنكرات، فإذا ذكرته بصحابي تغلب على شهوته وامتنع عن المنكر، قال لك: والله أنا لست صحابياً فلست أبا بكر ولا عمر وهكذا.

    والحقيقة أن هذا شيء خطير جداً، أن يفتقد المسلمون قدوتهم الصالحة، أن يعتقد المسلمون أن هذه القدوات قدوات غير عملية، أو أن اتباعها ضرب من الخيال.

    وسنتكلم بمشيئة الله تعالى عن سبب خامس مهم جداً أدى إلى اعتقاد كثير من المسلمين إلى استحالة تقليد الصحابة، ولذلك عندما نعالج هذا السبب -في اعتقادي- سيؤدي إن شاء الله إلى خير كثير، وسيكون عند كثير منا أمل في الوصول إلى ما وصل إليه الصحابة إن شاء الله تعالى.

    عدم دراسة سيرة الصحابي كاملة

    خامساً: أن كثيراً من المسلمين يأخذ قصة الصحابي من نصفها، فيبدأ في دراسة حياة الصحابي منذ لحظة إسلامه، ويغفل تماماً الفترة التي عاشها الصحابة في الجاهلية، وينسى كيف كان الصحابي قبل أن يصير إلى ما صار إليه، لذلك إذا قمت بدراسة حياة الصحابي كوحدة متكاملة، فدرسته في جاهليته، ثم درسته في إسلامه، وقرأت عن أخلاقه قبل الهداية، وأخلاقه بعد الهداية، وعلمت أهدافه وطموحاته قبل أن يمن الله عز وجل عليه بهذا الدين، وقارنتها بأهدافه وطموحاته بعد أن أصبح مسلماً، عند ذلك تعلم أن الوصول إلى ما وصل إليه الصحابة ليس بمستحيل، لأن كثيراً من الصحابة بدءوا بدايات أصعب بكثير من بدايتنا، فأنت عمرك -مثلاً- ما سجدت لصنم أو عبدت شجرة، وليس كل المسلمين كانوا مدمنين على الخمر قبل الهداية، وليس كثيراً من المسلمين قعد سنوات من عمره لا بأس بها يعذب ويقتل في المؤمنين، ولست من قبيلة بينها وبين قبيلة الرسول صلى الله عليه وسلم عداء طويل وقديم مستحكم يصدك عن الإيمان، فكثير منا كانت بدايتهم أفضل بكثير من بدايات الصحابة، فإذا كان الصحابة الذين بدءوا هذه البدايات الشاقة قد وصلوا إلى هذه الدرجة، فمن البديهي أن الذي بدأ من درجة أفضل يستطيع أن يصل إلى ما وصلوا إليه، لكن بشرط أن يسير في نفس الطريق الذي ساروا عليه، والذي غيَّر الصحابة ونقلهم هذه النقلة الهائلة من عباد الحجر إلى قواد البشر، ومن أذل الناس إلى أعز الأولين والآخرين، ومن أمة لا يأبه بها ولا يعتد برجالها ولا نسائها، بل ولا يعتد بوجودها أصلاً إلى أمة تسود البلاد والعباد، وتبني حضارة ما عرف التاريخ مثلها أبداً، وليس في ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة، بل في سنوات معدودة، هو ببساطة: الإسلام، فالذي غيَّرهم هو كتاب ربنا سبحانه وتعالى، والذي غيرهم هو اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي غيرهم هي هذه الكلمة الخالدة العظيمة والثقيلة جداً: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لذلك كان كثيراً جداً ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم للناس في مكة: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تملكوا العرب والعجم)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي قال الكلمة بصدق ملك العرب والعجم.

    وفي مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله).

    والقرآن الكريم كتاب عجيب ومعجز، لا تنتهي عجائبه ولا تنقضي غرائبه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، وتخيل نفسك تحمل كتاباً لا يستطيع أهل الأرض جميعاً على اختلاف علومهم وخبراتهم وفنونهم ومعارفهم وبلدانهم وأزمانهم الإتيان بمثله، وإعجازه متجدداً ومتعدد: إعجاز لغوي، وإعجاز بلاغي، وإعجاز علمي، وإعجاز تاريخي، وإعجاز تشريعي، وإعجاز غيبي، يخبرك عن أشياء لم تحصل بعد وستحصل يوم القيامة، هذا هو إنباء العليم الخبير سبحانه وتعالى، وأنواع مختلفة ومتعددة من الإعجاز.

    1.   

    صناعة الإنسان في الإسلام

    لكن تبقى معجزة القرآن الكبرى ومعجزة الإسلام العظمى هي: صناعة الإنسان، فشتان بين الرجل قبل إسلامه وبعد إسلامه، فبعد إسلامه كأنك جئت برجل جديد تماماً، فاختفت الذلة واختفت السلبية، واختفت الأنانية والغلظة، واختفت حقارة الأهداف وتفاهة الطموح، واختفت كل هذه المظاهر المنكرة، وظهر خلق جديد اسمه الإنسان، لقد أصبح الإنسان إنساناً بعد إسلامه، وقبل الإسلام كان مفتقداً لأهم شيء يميزه كإنسان، كان يفتقد عقله، وانظر إلى وصف ربنا سبحانه وتعالى لمن لم يؤمن، لمن لم يعرف كلمة التوحيد، لمن لم يوجه حياته كلها لله رب العالمين، يقول الله عز وجل في كتابه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179]، فهو في الشكل الخارجي إنسان، له قلب مثل قلب الإنسان، لكن لا يؤدي الوظيفة التي خلق من أجلها: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ [الأعراف:179]، بل لا يستحقون أن يكونوا أنعاماً: بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، فكل إنسان لا يعرف ربه، ولا ينفع معه شرع ولا دين ولا إسلام، لا يستحق لقب إنسان مهما كان شكله طيِّباً، أو لبسه حسناً، أو أمواله كثيرة، أو سلطانه عظيماً، ومهما كان يتحرك كالإنسان، ويأكل كالإنسان، ويتكلم كالإنسان، لكن فقد أغلى نعمة عند الإنسان، فقد الدليل على إنسانيته، فقد العقل الذي يختار به طريق الله عز وجل: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، فالإنسان قبل الالتزام بهذا الدين ميت موتاً حقيقياً، وإن كان ظاهراً يقوم ويقعد ويمشي ويتحرك ويأكل ويشرب، لكنه ميت القلب، ميت الإحساس، ميت المشاعر، ميت العقل، ميت الغاية، ميت الهدف، ليس له أي قيمة، وبعد الالتزام بالإسلام تدب فيه الحياة فجأة، فتتحرك كل ذرة في جسده، وكأنه ولد من جديد، وبعث من جديد، وصار يرى الحق بعد سنوات من الظلام، وانظر إلى كلام ربنا عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122].

    وتعالوا بنا لننظر كيف أن الإنسان يسلم؟ وكيف أن الواحد ينتقل من الكفر إلى الإيمان؟ وكيف أن الواحد ينتقل من اللاإنسانية إلى الإنسانية، ولنتأمل الطريقة الرائعة التي اختارها ربنا عز وجل لعباده إذا أرادوا أن يخرجوا من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، فأول شيء يعمله الإنسان: الغسل، ليس من نجاسات الجسم الخارجية أو المتعلقات الظاهرة، بل من كل متعلقات الكفر والرذيلة.

    الخطوة الثانية: أن يلبس ملابساً طاهرة.

    الخطوة الثالثة: أن يقول بلسانه وقلبه وجوارحه وكل ذرة في كيانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وبهذا صار مسلماً، وبهذا يكون قد ولد من جديد، وبهذا يكون قد بعث من جديد، وصار إنساناً له إنسانيته.

    الخطوة الرابعة: صل ركعتين، وقل فيها: يا رب أنا رجعت إليك بعد سنوات طويلة من الهروب، واقتربت منك يا رب بعد سنوات طويلة من البعد، وعندها أيضاً ستقرأ في هاتين الركعتين قرآناً، وستقرأ أعظم نعمة التي تجعل من الإنسان إنساناً، وبدونه لا يوجد إنسان، لذلك فإن الله يقدم نعمة القرآن على نعمة خلق الإنسان، قال تعالى: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن:1-2]، ثم قال: خَلَقَ الإِنسَانَ [الرحمن:3]، فالإنسان من غير قرآن ليس بإنسان، فهذه هي صناعة الإنسان في الإسلام.

    وسأسألكم سؤالاً يحتاج إلى قليل من التفكير والتأمل، هل نحن أسلمنا؟! ولا تستغرب السؤال فكلنا لنا أسماء إسلامية، وكلنا ولدنا مسلمين، لكن يا ترى هل نحن أسلمنا إسلاماً حقيقياً؟ ألسنا نريد أن نبتدي بداية كبداية الصحابي الذي اغتسل ولبس الثياب وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى ركعتين، ثم بعد ذلك باع نفسه لله عز وجل؟ وهل عرفنا معنى: إسلام؟ أليس إسلاماً لله رب العالمين؟ فتسلم نفسك له عز وجل، فإذا أمرك بالإنفاق فأنفق، وإذا قال: جاهد فجاهد، وإذا قال: عاهد فعاهد، وإذا قال: أنا أريدك في المكان الفلاني لزمك أن تبقى في المكان الفلاني، وإذا قال: أنا لا أريدك في المكان الفلاني لزمك عدم الذهاب إليه، فهذا هو الإسلام الذي أمر الله به: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:71]، وقال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]، وهذا هو المسلم الذي أسلم إسلاماً صحيحاً، ولا ينفع أن يجادل المسلم في أوامر الله عز وجل ويقول: الحمد لله كلنا مسلمون: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]، أي: حتى يحكموك يا رسول الله، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، ولا ينفع أن يختار المسلم شيئاً ويترك شيئاً من الدين ثم يقول: أنا مسلم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، فليس لدينا فرصة الاختيار بين أوامر الله عز وجل، أو الاختيار بين قواعد الإسلام، وفي الطرف الآخر: من أسلم حياته لشهوته، أو أسلم حياته لمنصبه، أو أسلم حياته لزوجته وأولاده، أو أسلم حياته لماله فليس بالمسلم الذي أراده الله عز وجل.

    إذاً: فهذه هي الخطوة التي فرقت مع الصحابة، نعم كانت بدايتهم أصعب من بدايات معظمنا، لكنهم فهموا الدين كما ينبغي أن يفهم، فكانوا الصحابة كما عرفناهم.

    1.   

    الصحابة قبل الإسلام وبعده

    تعالوا لنرى نموذجاً لصحابي قبل الإسلام وبعده:

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي يُعدُّ شخصية من أروع الشخصيات في تاريخ الإنسانية كلها، هذا الرجل الذي تجسدت فيه كل معاني الكمال البشري، ولا تستغربوا من كلمة: (الكمال)، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن كثيراً من الرجال قد كمل، ففي مسند الإمام أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي موسى الأشعري قال: (كمل من الرجال كثير)، بمعنى: أنه استكمل الفضائل التي يمكن أن تكون موجودة في الرجال، من عقيدة وتقوى وإخلاص وأمانة وعدل وقوة وتواضع وزهد وذكاء وقيادة، فقد كان شخصية متكاملة متوازنة، شخصية نادرة فعلاً، وأنا أريدك أن تستخدم كل وسائل التنقيب والتفتيش وتحاول أن تجد لنا واحداً مثله في أمة من الأمم، كأمريكا مثلاً، أو في أمم كاملة كأوروبا، أو في أمة كاملة كالصين أو اليابان أو روسيا، وعدِّد ما شئت من الأمم غيرها، فمستحيل والله أن تجد واحداً على عشرة منه، أو واحداً على مائة، أو واحداً على ألف من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وهذه والله ليست مبالغة، بل ووالله العظيم أن هذا أقل من الواقع بكثير، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لو وزن بأمة الإسلام -ليس أمريكا ولا الصين ولا روسيا فقط- لرجحت كفته، إذا خلا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، فهو في كفة وبقية الأمة في كفة بما فيها عثمان وعلي وطلحة والزبير وحمزة وخالد وسعد وكل الصحابة من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين أتوا من بعدهم، كـالبخاري ومسلم وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، بل وعلماء الطب والهندسة والفلك والكيمياء، وكذلك بما فيها من المجاهدين والعلماء والدعاة والصالحين، فكل الأمة يرجح بهم عمر رضي الله عنه، وهذا ليس من كلامي، بل من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عنه بأكثر من رواية، منها: ما جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (وجيء بـعمر فوضع في كفة وجيء بجميع أمتي في كفة فوضعوا فرجح عمر)، إذا: فنحن نتكلم عن رجل أسطورة، وشخصية نادرة تماماً.

    وتعال لننظر ونتأمل من هو عمر بن الخطاب قبل إسلامه؟ وما هو تاريخ هذه الشخصية النادرة في تاريخ الأرض؟ وكيف كانت بداية هذا العملاق؟ يا ترى هل كانت بدايته كبدايتنا أم أصعب؟ عمر بن الخطاب جلس أكثر من نصف حياته يسجد للأصنام، ويقدم فروض العبادة والطاعة، فهو رضي الله عنه ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، يعني: أنه كان أصغر من الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، فقد كان عمره سبعة وعشرين سنة وقت البعثة، وأسلم بعد ست سنوات كاملة من الرسالة، ومعنى هذا أن عمره عند الإسلام كان ثلاثاً وثلاثين سنة في أصح الروايات، وفي رواية تقول: أن عمره عند الإسلام كان ستاً وعشرين سنة، ومات وعمره ثلاث وستون سنة تقريباً، يعني: أنه ثلاث وثلاثون قعد سنة في الكفر، وثلاثون سنة وهو مؤمن، وضمن سنوات الكفر ست سنوات كاملة وهو يعيش مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، ومع ذلك يصر على كفره وإنكاره لوحدانية الله عز وجل، ويصر على عبادة الأصنام، فهذا هو عمر قبل أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولم يكن كافراً عادياً، بل كان من أشد الكفار غلظة على المسلمين، فقد كان يعذب جارية بني مؤمل -وبني مؤمل أحد فروع قبيلة عمر ، وقبيلة عمر هي بني عدي- من الصباح إلى المساء، ويتركها في الليل ليس رحمة بها ولكن يقول: والله ما تركتك إلا ملالة، أي: أنه تعب من تعذيبها، وهذا كان عقل عمر الذي رضي أن يسجد لصنم، فيطلبه ويرجوه ويخافه ويعتمد عليه، هو نفس العقل الذي كان بعد إسلامه، فعرف ربه كما لم يعرفه كثير من الخلق، وهو هذا العقل الذي صار يدير دولة كبيرة كسرت شوكتي فارس والروم اللتين ملكتا المشرق والمغرب، ما هو الذي حصل في عقل عمر ؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله خلقت إنساناً جديداً.

    وانظر إلى قلب عمر كيف كان يقبل أن يجلد بالسياط امرأة مسكينة ضعيفة، لا لشيء إلا لأنها آمنت بالله وحده، وما نقم منها إلا أنها آمنت بالله العزيز الحميد، وهذا هو قلب عمر نفسه بعد كلمة الإسلام، فقد تغير وصار يخاف خوفاً غير متخيل على كل مسلم في الأرض، سواء كان يعرفه أو لا يعرفه، فقد كان يقول لقواد جيشه: لا تدخلوا بجيش المسلمين في غيضة، يعني: لا تدخلوا الجيش في أي شيء فيه خطورة، فإن رجلاً من المسلمين أغلى عندي من مائة ألف دينار، ويقول هذا الكلام صادقاً من قلبه، فهو الحريص على هذه الدولة الشاسعة، وهو نفسه الذي كان يعذب المرأة التي آمنت بالله وبرسوله، وكان ذلك بزمن قصير قبل إسلامه.

    إذاً: فنقطة البداية عندنا لا شك أنها أفضل من نقطة بداية عمر رضي الله عنه وأرضاه، فنحن لم نسجد للأصنام نصف حياتنا، ولم نلهب بالسياط أجساد المؤمنات، بينما عمر قبل إسلامه كان حريصاً على صد أخته عن الإسلام، وتعرفون قصة إسلامه مع أخته، وبعد إسلامه كان حريصاً على إدخال أهل الأرض جميعاً إلى هذا الدين، حتى لو فقد حياته وماله ومنصبه وكل ما يملك، فتغير عمر تماماً، وهو الذي لم يكن عنده مانع في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض أن يقتل أبا لؤلؤة المجوسي العبد الذي كان يعيش في المدينة المنورة، وذلك عندما توعده بالقتل، لكن عمر أمير المؤمنين يرفض أن يقتله أو يحبسه؛ لأنه لم يكن عنده قرينة قوية ضده، فخشي أن يظلمه، وكانت النتيجة أن قُتِل عمر على يد هذا الخبيث، فكان ذلك عدلاً منه بين البشر، وهذا هو الكمال البشري الذي قصده الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث، عمر الذي كره الرسول صلى الله عليه وسلم كراهية حملته على الاستخفاف بكل العقبات التي سيواجهها من بني هاشم قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، والمشاكل الكبيرة التي ستحصل من جراء ذلك، بعد إسلامه أصبح يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ماله وولده والناس أجمعين، بل وأكثر من نفسه التي بين جنبيه، فهذا هو عمر بعد الإسلام، وهذا هو عمر قبل الإسلام، والفرق بين العمرين لحظة واحدة، لحظة صدق واحدة، قرأ فيها ثمان آيات فقط من صدر سورة طه، ثم بعدها أسلم إسلاماً حقيقياً، فاغتسل ولبس ثوبه وشهد شهادة الحق وصلى ركعتين، ثم أصبح عمر العملاق الأسطورة الفاروق.

    إذاً: من بدايته أسهل نحن أم عمر ؟ لا شك أن بدايتنا أسهل، فنحن لم نحاول أن نقتل أحداً في حياتنا أصلاً فضلاً عن محاولة قتل رسول الله، أيضاً: عمر قرأ ثمان آيات فقط من صدر سورة طه فصار عمر بعد أن قرأها، بينما نحن بين يدينا الكتاب كله، فيا ترى هل يمكن أن نعمل مثل عمر رضي الله عنه؟ إن لحظة صدق واحدة يمكن أن نغير فيها من مجرى حياتنا كلها، وأنا أريدك أن تتخيل لو أن عمر بن الخطاب مات وهو عنده ثلاثون سنة مثلاً، يعني: قبل أن يسلم أهل الأرض، هل كان سيُسمع عنه؟ وأي خلود كان سيحقق؟ وإلى أي مجد كان سيصل؟ وماذا سيكون موقفه يوم القيامة؟ والآن راجع حياته في الجاهلية والإسلام وقارن بينها، بعد لحظة الصدق المجيدة، وبعد كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبعد تعظيم الهدف، وفهم حقيقة العبودية، وفهم الغاية من الخلق، وفهم حقيقة أن الذي خلق لا بد أن يحكم، بعد كل هذا انظر إلى عمر ، فقد أصبح ملء سمع الدنيا وبصرها، وأصبح ملهم هذه الأمة، وأصبح مخوفاً لكل أعداء الله عز وجل حتى الشيطان، فكانت نقلة هائلة انتقلها عمر عندما قرر أن يسلم لله عز وجل.

    والقرار في أيدينا، إما أن نعيش على هامش الحياة بلا هدف ولا طموح، وإما أن ننال شرف الدنيا والآخرة، وعز الدنيا والآخرة، ومجد الدنيا والآخرة.

    عمرو بن الجموح رضي الله عنه

    وهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه وأرضاه الذي لم يُسمع عنه شيئاً قبل إسلامه، ولا أحد كان يعرفه في الجزيرة العربية، فعقليته كانت ساذجة وبسيطة ومحدودة جداً، لدرجة أنه قعد سنين طويلة يسجد لصنم من خشب عمله بيديه، لا أقول: عشرين أو أربعين سنة، بل أكثر من ستين سنة وهو يسجد لصنم صنعه بيده، فوهن العظم وخط الشيب في الرأس، وكان المفروض أن يزداد حكمة كما يقولون، لكن كان كبيراً جداً في السن ولا يوجد عقل، وكان يمكن أن يموت في أي لحظة ويغلق الستار على حياة تافهة لا تساوي شيئاً في ميزان الناس، بل ولا في ميزان التاريخ ولا في ميزان الله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى أراد له الهداية، فآمن بعد الستين، وحدث انقلاب هائل في حياته، أو قل: حدث انعدال هائل في حياته، ففطرته عدلت، وعقله المظلم استنار، وطموحاته التافهة الفارغة عَظُمت.

    وهنا تأمل في عمرو بن الجموح كيف صار يفكر بعد الإسلام، وكيف أن عرجته الشديدة لم تمنعه من الجهاد في سبيل الله، وكان معذوراً في ذلك، فعندما تجهز المسلمون لغزوة أحد أصر عمرو بن الجموح أن يخرج مع المسلمين للجهاد، وحاول أبناؤه أن يمنعوه من الخروج، لكنه ذهب يشتكيهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: أنا معذور بنص القرآن الكريم: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور:61]، بل ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا نبي الله إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة)، فأنا لا أريد عرجتي هذه أن تمنعني من الجهاد ومن دخول الجنة، وانظروا إلى أي حد هو مشتاق إلى الجهاد، وانظروا إلى الأهداف العالية والطموحات السامية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه: (دعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة)، وتأمل قوله: (يرزقه الشهادة)، أي: يرزقه الموت فالشهادة موت، لكنه موت في سبيل الله، فتأمل الهدف الذي صار عند عمرو بن الجموح ، والأمنية التي تمناها الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن الجموح ثم رفع عمرو بن الجموح يده إلى السماء وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائباً. فالخيبة أن يعود إلى أهله سالماً، والغاية والأمنية والمطلب والفوز أن يموت في سبيل الله، فما الذي حصل في عقل وقلب وجوارح عمرو بن الجموح رضي الله عنه؟ وكيف تغير هذا التغيير الهائل؟ فقد قعد أكثر من ستين سنة في الكفر ولم يمض عليه في الإسلام غير ثلاث أو أربع سنوات، وكيف نما فكره وعقله بهذه الصورة؟! لقد صنع الإسلام عمرو بن الجموح وصيَّره إنساناً، فعرف طريق ربه عز وجل، وقبل هذا كان شخصاً آخر، لكن الآن أصبح عمرو يعيش حياة عظيمة، هي حياة الإنسان كما أراده الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30]، فلا ينفع أن يكون خليفة الله عز وجل يعيش حياة الكفر والشرك واللعب والمعصية والتفاهة والفراغ، بل حياة الخليفة حياة جادة، وحياة الخليفة حياة الإنسان.

    وحقق الله لـعمرو بن الجموح ما تمناه، فمات شهيداً في هذه الغزوة، ولم يمنعه العرج من أن يقوم بشيء عجز عنه كثير من الأصحاء، فيا ترى من كانت نقطة بدايته أسهل نحن أم عمرو بن الجموح؟ ويا ترى مَنْ منا مرت عليه ستون سنة في أفكار قديمة خاطئة لا يستطيع أن يغيرها الآن؟ ويا ترى من فينا رضي أن يسجد لخشب ستين سنة؟ ويا ترى من فينا شديد العرج ومع ذلك يشتاق إلى جهاد ونضال وشهادة؟ لا شك أن بدايتنا أسهل، ولكن نحتاج إلى لحظة صدق، ونحتاج إلى أن نقبل الإسلام بالمعنى الذي يريده الله عز وجل، لا المعنى الذي تريده أهواؤنا وشهواتنا ورغباتنا، ونعمل كسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131]، فتسليم كامل مطلق، فكل حياتنا لله عز وجل وحده، وهذا هو الشيء الذي كان عند الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    مصعب بن عمير رضي الله عنه

    مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الشاب المترف، يعني: بلغة العصر الحديث: مدلع جداً، فقد كانت أمه غنية، وكانت تأتي له بملذات العيش من مكة ومن خارجها، وتعود على الترف المستورد، فالملابس من اليمن، والعطور من الشام، ولم يكن له هم في حياته إلا البحث عن اللذة المادية، وليس له أي تدخل بالذي يحصل حوله في الدنيا، وليس له في الدين أمر أو شأن، وكذلك في العلم والسياسة والحرب ليس له أي دخل، وليس له في مشاكل الناس أي دخل، فعاش حياة فارغة تماماً، وهذا كحال الشباب اليوم، فكثير من الشباب ليس له أي اهتمام إلا في لبسه وسيارته والنادي الذي يشترك فيه، والموبايل الذي يحمله، ما لونه؟ ما نوعه؟ ما رنته؟ هل فيه كاميرا أم لا؟ هل فيه ألوان أم لا؟ فتنقلب الدنيا حوله مائة مرة وهو لا يدري ما الأمر؟ لأنه مشغول ليل نهار: أغنية، فيلم، مباراة، قصة شعر، صحبة، سهرة، سيجارة، مجلة، ويخيل له أنه سعيد بذلك!

    وهذه قصة لواحد من هؤلاء الشباب، فقد أزعجني أسبوعين أو ثلاثة وهو يرن لي على الموبايل ويقفل، خمس أو ست مرات في اليوم، ويعتبر هذا نوعاً من المرح، وهو في الحقيقة خفة دم، ثم أخذته الحمية فأصبح يرن لي على الموبايل عشرين مرة في اليوم، بل وفي أوقات صعبة جداً، فقد أكون نائماً أو مشغولاً أو أقرأ شيئاً، ثم تطور معه الموضوع فصار يبعث رسائل: أنا أعرفك، ألست أنت الدكتور راغب ؟ هل عرفتني بعد أم لا؟ والحقيقة أنني فكرت أن أبلغ شرطة التلفونات، لكن لم أعمل ذلك؛ لأن هذا الشاب مسكين، فوقته ضائع، وفكره ضائع، وجهده ضائع، والمشكلة أن هذه الأشياء تسبب له نوعاً من السعادة، سعادة التافهين ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    نعود مرة أخرى لـمصعب بن عمير الذي كان يعيش مثل هؤلاء، لكن لم يكن عنده موبايل، يعني: أنه كان يعيش كهؤلاء ثم ماذا حصل؟ حصل أنه أسلم لله عز وجل، أسلم بالمعنى الذي قلناه، ومن ثم حصل له نقلة هائلة في كيان وتكوين هذا الشخص، فتحول فجأة من الشاب المترف الناعم المدلع إلى شاب صلب قوي عملاق، صاحب تقوى وزهد وعلم وقوة وتضحية وفروسية، فحرمته أمه من كل الدنيا الحلوة التي كانت تأتي بها له، لكنَّ مصعباً ذاق معنى السعادة الحقيقية، وعرف أن السعادة الحقيقة ليست في لبس أو أكل أو عطر، وإنما السعادة الحقيقة في إحساسك أن لك قيمة، وأن لك هدفاً وغاية، وأنك تعرف ربك وتعرف كيف تعبده، وأنك تجاهد في سبيل الله، وأنك تهاجر في سبيل الله، وأنك تضحي في سبيل الله، فقد تغيرت مقاييس السعادة تماماً في حياة مصعب ، فقد هاجر إلى الحبشة الأولى والثانية، ثم ذهب إلى المدينة المنورة ليعلم أهلها الإسلام، وأصبحت سعادته الكبرى أن يرى رجلاً ينتقل من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، حتى وإن كان لا يعرف هذا الرجل من قبل، بل ولم يكتف مصعب بالهجرة إلى الحبشة وتعليم الناس في المدينة ودعوتهم إلى الإسلام، وبأن كان سبباً مباشراً في إسلام مدينة كاملة أصبحت عاصمة للإسلام والمسلمين، لم يكتف بأنه نقل الدعوة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، لم يكتف بذلك كله، بل أراد أن يذوق من كل أنواع السعادة في الإسلام، فهو قد ذاق حلاوة العقيدة، وذاق حلاوة الإخوة، وذاق حلاوة الهجرة، وذاق حلاوة الدعوة، فهو يريد أن يذوق حلاوة الجهاد في سبيل الله، وهذه الأمور لها حلاوة لا يعرفها ولن يذوقها إلا الذي جربها، ولن نستطيع أن نصفها لك، فهي حلاوة فيها مشاق ومتاعب، لكن الذين يعملونها يستمتعون بها، بالإضافة إلى أنهم يتعاملون معها على أنها فرض من ربنا سبحانه وتعالى.

    ثم خرج مصعب يجاهد في سبيل الله، فخرج في بدر، ثم خرج في أحد، وانظروا إلى الشاب مصعب بن عمير الذي كان شاباً يعيش على هامش التاريخ قبل أن يسلم، وانظروا إليه في أحد وهو يحمل راية المسلمين، وانظروا إليه بعد أن أصبح إنساناً قد انتقل من اللاإنسانية إلى الإنسانية، مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين في أحد قاتل بضراوة، وجاهد بإخلاص، وحارب بالثبات النادر، فقطعت يده اليمنى، فأمسك اللواء بيده اليسرى، فقطعت يده اليسرى، ثم سقط مصعب على الأرض، لكنه أمسك الراية بعضدية ولم يسمح لها أن تسقط، فلا يمكن أن تسقط راية الإسلام وما زالت به حياة، وأصبحت راية الإسلام هذه قضية مصعب الكبرى، وخدمة الإسلام ونصرته، أصبحت أهداف وطموحات مصعب ، وإلى آخر نبضة قلب في حياته كان مصعب في سبيل الله، ومن أرض أحد إلى الجنة مباشرة، فقد استشهد رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى النعيم الحقيقي، لا النعيم الدنيوي، فكل هذا لا يساوي غمسة ولحظة واحدة في النعيم المقيم، ففي الجنة خلود ولا موت، فهذه هي حياة مصعب بن عمير ، فيا ترى هل تريد أن تعيش عيشته أيام اللبس والعطر والمتعة والفراغ وكل حياته السابقة للإسلام؟ أم تريد أن تعيش عيشة أيام الهجرة والدعوة والجهاد والتضحية والموت في سبيل الله؟ فـمصعب هو مصعب ، والذي اختلف فقط هو الإسلام لله، والذي غيره هو الكتاب والسنة، ونحن والحمد لله بين أيدينا الكتاب والسنة، فنحن الذين نقدر على التغيير.

    قبيلة غفار

    كل هذه الأمثلة والقصص التي ذكرناها هي لأفراد لامس الإيمان قلوبهم فتغيرت، لكن خذ قصة ومثالاً لقبيلة كاملة لامس الإيمان قلوب أفرادها، فحدثت في حياتها النقلة الهائلة، وليس أي قبيلة، بل قبيلة اشتهرت بالسرقة وقطع الطريق، يعني: أنهم كانوا مجموعة من اللصوص وأبعد الناس عن طريق الهدى والصلاح، قبيلة غفار، القبيلة التي منها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي هو من أوائل من أسلم وعاد إلى قبيلته يدعوها إلى الإسلام، يدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام، يدعوهم إلى أن يعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، يدعوهم إلى ترك منهج الحياة الذي كانوا عليه تركاً كلياً، يدعوهم إلى أن يسلكوا منهجاً مغايراً تماماً، ومعنى ذلك: أنه يدعوهم إلى أن يغيروا كل شيء في حياتهم، وهذا ليس سهلاً، فبدلاً من أن يقطعوا الطريق على الناس يدعوهم إلى أن تكون رسالتهم في الحياة أن يحفظوا للناس دينهم وأموالهم وحياتهم، وبدلاً من أن يأخذوا من الناس أموالهم سيدعوهم إلى أن يعطوهم من زكاتهم وصدقاتهم، وبدلاً من أن يمتلكوا قلوب الناس بالسطو على الناس بالقوة والبطش والإجرام والظلم يدعوهم إلى امتلاك قلوب الناس بالرفق والدعوة والحلم والحب.

    فهذه معاني ما أتت في فكر قبيلة غفار قبل هذا نهائياً، وكان أمراً خطيراً على حياة أبي ذر أن يذهب ليغير منهج قبيلة كاملة، قبيلة اعتادت على قطع الطريق، ثم يقول لها: عيشوا حياة ثانية، ويصر على موقفه هذا، وتأملوا أيضاً في قبيلة غفار كيف أن مجموعة من اللصوص تعاونت على الشر والإثم ستغير حياتها كلها، وتنتقل إلى حياة أخرى نظيفة وجميلة وسعيدة بسعادة الإسلام لا بسعادة الدنيا، لا شك أن خطوة قبيلة غفار أصعب من كل خطواتنا، فلا يوجد أحد منا عنده هذه البداية الصعبة التي كانت عند قبيلة غفار، وأريدك أن تقف مع أبي ذر وهو واقف يفكر في كيف أنه سيكلم هؤلاء الناس، وسبحان الله فإن أبا ذر لم يثنه تاريخ القبيلة عن أن يتحدث معهم في أمر الإيمان، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فآمنت وأسلمت قبيلة غفار كاملة، آمن اللصوص وقطاع الطريق، فانتقلوا بإيمانهم هذا من درجة قطاع الطريق إلى درجة الصحابة مرة واحدة، وكل هؤلاء صاروا صحابة وقبلها بلحظة واحدة كانوا كلهم قطاع طريق، وبعدها بلحظة واحدة صاروا مرة واحدة من الصحابة من أفضل أجيال الخلق، تماماً كالذي ينتقل من الأرض إلى السماء والفارق لحظة واحدة، لحظة صدق، فيا ترى كم واحداً منا كانت بدايته أسوأ من بداية قبيلة غفار؟ أعتقد أنه لا أحد، وحتى لو كان فينا واحد تاريخه كله سرقة واحتيال وإجرام لا يمكن أن يبتدئ بداية كبداية قبيلة غفار، وإنما يكفي أن يعزم على التوبة ويندم على ما فات، ويقرر أن لا يعود إلى المعصية، فتصبح صفحته نقية طاهرة بيضاء.

    وانظر إلى التعليق النبوي الرائع على إسلام قبيلة غفار، ففي البخاري ومسلم وغيرهما: عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهم جميعاً أنهم قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غفار غفر الله لها)، أي: أن كل الذي فات قد محي، وانظر إلى أي حد الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي لهم بمعنى لطيف جداً مناسباً لهم، ويمكن أن يقول أحدهم: تاريخي كله سرقة وقطع طريق وقتل ونهب وظلم، فهل هناك شيء اسمه التوبة؟ نعم، فهذه غفار شغلتها قطع الطريق فغفر الله لها بالتوبة والرجوع إليه، فيا ترى هل نريد أن نعيش حياة غفار قبل الإسلام، أم نريد أن نعيش حياة غفار بعد الإسلام؟ نحن الذي نختار ونقرر.

    1.   

    اختيار الطريق

    إن الله عز وجل عادل لا يظلم مثقال ذرة، فقد أعطى هذا الإنسان عقلاً يستطيع أن يميز به بين الخير والشر، والصواب والخطأ، وأنزل له شرعاً سهلاً مفهوماً واضحاً، جميلاً وأعطاه فطرة سليمة تقبل الطيب وتكره القبيح، وأعطاه بعد كل ذلك فرصة الاختيار، فيختار هو كل شيء: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، أي: وضحنا له الطريقين: طريق الهداية وطريق الضلالة، طريق الخير وطريق الشر، واسمع وتدبر في الكلام المعجز في كتاب الله عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:18]، أي: الدنيا وملذاتها وشهواتها غير المكبوتة، الثمرة ولو كانت حراماً، ثم بين الله ماذا سيحصل بعد ذلك فقال: عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]، فالذي يريد الدنيا فالله سيعطيه، والذي يريد المعصية سيعملها، والذي يريد الحياة التافهة الحقيرة التي لا وزن لها سيأخذها، لذا فإن أهل المعاصي يمكن أن يرتفعوا وأن يغتنوا، ويمكن أن يحكموا، لكن ما هو الوضع في الآخرة؟ يقول الله عز وجل في بقية الآيات: ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18]، أي: يدخلها ممقوتاً مطروداً من رحمة الله عز وجل، فهذا هو الفريق الذي عاش حياته كلها بهذه الصورة، فأراد العاجلة وليس له في الآخرة نصيب.

    الفريق الثاني: يقول تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ [الإسراء:19]، أي: يريد الجنة، وتنبه فالرغبة وحدها لا تكفي، وكلام اللسان فقط ليس كاف، وإنما لا بد من العمل والحركة والسعي، قال تعالى: وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19]، لا بد من شغل وعمل، فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، وانظر إلى تعليق الله عز وجل على الفريقين فيقول: كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20]، فالذي يريد دنيا ولا يريد آخرة سيأخذ، والذي يريد آخرة حتى ولو كانت على حساب الدنيا سيأخذ أيضاً إن شاء الله.

    والمهم ماذا تريد أنت؟ فأنت الذي تحدد، وأنت الذي تختار ما لا يوجد أحد يظلم، لذا فإن الصحابي في لحظة الصدق التي أسلم فيها اختار بصدق ومضى في الطريق الواضح فوصل والحمد لله، ونحن كذلك إن أردنا أن نصل، فالله عز وجل لا يظلم، وكلامه سبحانه وتعالى كله حق: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، لا أحد، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، لا أحد، وهو القائل كما سبق: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، أي: إن عملت للآخرة ستأخذ نصيبك إن شاء الله، كلام واضح لا يحتاج إلى تأويل، تريد دنيا أم تريد آخرة؟ كن واضحاً وصادقاً مع نفسك، هذا هو مفهوم الآيات التي ذكرناه منذ قليل.

    وخلاصة القول: أن الصحابة لم يخلقوا صحابة، بل عاشوا قبل إيمانهم حياة بعيدة كل البعد عن مظاهر الإسلام أو الالتزام، فمنهم من كان يعبد الحجر أو الشجر، ومنهم من كان يسرق، ومنهم من كان يظلم، ومنهم من كان يشرب الخمر، ومنهم من كان يأد البنات، ومنهم من كان يعذب المؤمنين والمؤمنات، ثم عرض لهم طريق الخير وطريق الشر بوضوح، وفي لحظة صدق اختاروا طريق الخير فصاروا صحابة، بينما أناس كثيرون عاشوا معهم في نفس البلد والزمن والظروف، ورأوا الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنهم اختاروا طريق الشر فصاروا مشركين ومنافقين ويهود.

    فالإنسان هو الذي يختار، وليست عظمة الإنسان بكونه عاش في زمان معين، أو بكونه صاحب مال أو سلطان أو جاه، أو بكونه من سلالة فلان أو فلان، لا، إنما عظمة الإنسان الحقيقية تكون بقدر تعظيم هذا الدين، وبقدر حب الله عز وجل في قلبه، وبقدر قيمة الشرع في حياته، وبقدر احترام الإنسان لنفسه كإنسان، فهذا هو الإنسان في الإسلام.

    وأسأل الله عز وجل أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يحشرنا مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44].

    وجزاكم الله خيراً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724053764