إسلام ويب

الصيام فضائل وأحكامللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهر رمضان من الشهور العظيمة وهو أفضل شهور السنة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر فيه من قراءة القرآن وإطعام الطعام، كما كان يحرص على تأخير السحور وتعجيل الفطور، وقيام الليل وتحري ليلة القدر. ويجب الصيام على المسلم البالغ العاقل القادر المقيم، كما يجب تبييت نية صيام رمضان من الليل.

    1.   

    بعض الأحكام المتعلقة بشهر رمضان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    فأحمد الله الذي جمعنا في هذا المجلس المبارك، وأسأل الله سبحانه كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.

    لا يخفى عليكم بأن هذه الليلة هي ليلة التاسع عشر من شعبان، وليس بيننا وبين رمضان سوى أيام معدودات، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا أيامه، وأن يعيننا على صيامه وقيامه.

    التهنئة بقدوم شهر رمضان

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن الاستعداد لرمضان، فكان يبشر أصحابه في آخر يوم من شعبان، فيقول لهم: ( قد أظلكم شهر كريم مبارك، افترض الله عليكم صيامه، وسن لكم قيامه، وهو شهر الصبر، والصبر جزاؤه الجنة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان له مثل أجره، وكان عتقاً لرقبته من النار، وهو شهر المواساة، من وفق فيه إلى خصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ).

    وكان صلى الله عليه وسلم يهيئ أصحابه رضوان الله عليهم لاغتنام أيام هذا الشهر المبارك ولياليه في طاعة ربهم، فكان يقول لهم: ( أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطهن أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله عز وجل في كل يوم جنته، ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد مردة الشياطين، ويغفر لهم في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر؟ قال: لا، وإنما يعطى الأجير أجره إذا وفّى عمله ).

    أيها الإخوة الكرام! من حسن الاستعداد لرمضان أن يتعلم الناس أحكام الصيام، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على أن يبين للناس فضائل رمضان، وأن يبين لهم فرائض رمضان، ومستحبات رمضان، ومكروهات رمضان، ومبطلات الصيام، وكان صلوات ربي وسلامه عليه في ذلك كله نعم المعلم والمؤدب.

    فضل شهر رمضان على غيره من الشهور

    ولا بد أن نعلم أيها الإخوة الكرام! أن لله عز وجل خواصاً في الأزمنة والأمكنة والأحداث والأشخاص، وأنه جل جلاله يميز ما شاء بما شاء، فكما أنه ميز مكة على سائر البلاد، وميز محمداً صلى الله عليه وسلم على سائر الناس، وميز جبريل على سائر الملائكة، كذلك في الأزمنة ميز يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، وميز ليلة القدر على سائر الليالي، وميز شهر رمضان على سائر الشهور، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

    فالمسلم لا بد أن يدرك أن هذا الشهر لا كغيره من الشهور، فالحسنة في رمضان لا كالحسنة في سائر الأزمان، كما أن السيئة في رمضان لا كالسيئة في سائر الشهور، فرمضان هو الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين.

    هو الشهر الذي اختصه الله عز وجل بنزول الوحي، وهو الشهر الذي نصر الله فيه الحق وأهله، وخذل الباطل وجنده في بدر وفي فتح مكة، وفي اليرموك وفي شقحب وفي الزلاقة، وفي حطين وفي غيرها من أيام الله التي كان للإسلام والمسلمين فيها نصر عظيم.

    ورمضان كذلك أيها الإخوة الكرام! هو الشهر الذي وعد الله فيه من أخلص العمل بمغفرة الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ).

    اغتنام رمضان بالأعمال الصالحة

    فلذلك كل إنسان يستعد ويضع لنفسه خطة وبرنامجاً من أجل أن يغتنم الأيام والليالي والساعات والدقائق والثواني، ولا يفوته من رمضان شيء، فيكون ما بين صلاة وذكر، وقرآن، وصدقة، وتفطير للصائمين، وحضور في مجالس العلم، وقيام لله عز وجل بالليل، وصلة للأرحام، وإحسان للجيران، وكف للسان، وحفظ للسمع، وغض للبصر، واشتغال بما يحبه الله ويرضاه، ولذلك كان الصالحون من هذه الأمة إذا دخل رمضان يقول قائلهم: إنما هما خصلتان إطعام الطعام، وقراءة القرآن.

    أما إطعام الطعام؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر ( أن من فطر صائماً كان له مثل أجره، فقال الصحابة: يا رسول الله! ليس كلنا يجد ما يفطر به صائماً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ولو على تمرة، ولو على مذقة لبن، ولو على جرعة ماء )، فلو أنك فطرت صائماً على جرعة ماء فإن الله يكتب لك مثلما كتب له من الأجر والثواب، ومن فطر صائمين، أو من فطر عشرة، أو فطر مائة أو ألفاً، أو من فطر مائة ألف يكتب الله له مثل ما كتب لهم، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وليس بالضرورة أن يكون الطعام فاخراً، ولا أن تكون الأنواع متعددة، بل لو فطرته على تمرة، أو على مذقة لبن، أو على جرعة ماء، يكتب الله لك مثلما كتب له من الأجر والثواب.

    والخصلة الثانية: قراءة القرآن، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة )، كان عليه الصلاة والسلام في رمضان يتدارس القرآن مع جبريل، ولا يخفى عليكم أن المدارسة أعم من التلاوة أو التسميع، المدارسة معناها: أن بينه وبين جبريل تدبراً، ومذاكرة، واستعادة لأجل الحفظ، وأيضاً بينه وبين جبريل ترتيل وتجويد وبيان وتفسير إلى غير ذلك من معاني المدارسة.

    الاهتمام بقراءة القرآن في رمضان

    وأفضل ما يشغل به الوقت في رمضان قراءة القرآن؛ ولذلك كان أهل العلم وأئمة السلف إذا دخل رمضان طووا كتبهم، فلا يشتغلون بالحديث، ولا يشتغلون بالفقه، ولا يشتغلون بفروع العلم، وإنما يقبلون على القرآن، حتى ذكروا عن الإمام العلم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي كما نقله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء وصح عنه ذلك: أنه كان له في رمضان ستون ختمة، كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة، يعني: له في كل يوم ختمة، وفي كل ليلة ختمة.

    وبعض الناس قد يستغرب ويقول: كيف ذلك؟ نقول: ما كانوا يشتغلون بشيء سوى القرآن، يعني: ما كانوا يشتغلون لا بمسابقات، ولا مباريات، ولا مسلسلات، ولا فوازير، ولا أفلام، ولا جرائد، ولا مجلات، ولا مجالس للغو واللهو، ولا يشتغلون بما لا يعنيهم، ولا يشتغلون بالأسواق ولا بالبيع والشراء، وإنما كانوا يقبلون على القرآن بالليل والنهار، بل حتى من كان دون الشافعي تقىً وهدى، كمثل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أنه كان له في رمضان سبع عشرة ختمة، يعني: كان يختم القرآن في رمضان سبع عشرة مرة، ولذلك من الآن وقت لنفسك كم مرة ستختم القرآن في رمضان، هل سيكون لك في كل ثلاث ختمة، أو في كل خمس ختمة، أو في كل ست ختمة، أو في كل سبع ختمة، فالناس في ذلك ما بين مقل ومستكثر، والموفق هو الحال المرتحل، الذي كلما ختم بدأ، يفعل ذلك مرة بعد مرة، هذا هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، له مع القرآن شأن عجيب.

    ومن رحمة الله عز وجل أنه شرع لنا قراءة القرآن على سائر الأحوال، فيمكنك أن تقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، وماشياً، وراكباً، ومضطجعاً، ويمكنك أن تقرأ القرآن في الخلوة والجلوة، وإذا كنت وحدك أو كنت بين الناس، تقرأ القرآن في المسجد وفي السوق، وفي كل مكان يلهج لسانك بالقرآن، ولا تظن أن الله عز وجل مضيع من عملك شيئاً، ولما ( سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ: (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة )، فـعمر رضي الله عنه بدأ يحسب كم مرة يستطيع في كل ساعة أن يقرأ هذه السورة المباركة، ( فقال: يا رسول الله! إذاً تكثر قصورنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكثر وأطيب )، قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الحديث إسناده جيد.

    فانظر أيها الأخ الكريم! لو أنك في سيارتك أو في وسيلة المواصلات، أو كنت راجلاً تمشي على رجليك، كم مرة تستطيع أن تردد هذه السورة المباركة، (قل هو الله أحد)، كم مرة تستطيع أن تردد سورة الفاتحة، وما منا واحد إلا وهو حافظ لها والحمد لله، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ).

    1.   

    التدرج في فرضية صيام رمضان وأنواع الصيام

    إخوتي الكرام! من الاستعداد لرمضان كذلك أن نتعلم أحكام الصيام، وقد علمنا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصيام تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، فالصيام منه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم، ويمكن أن نقول: منه ما هو مباح.

    الصوم الواجب

    أما الصوم الواجب فإنه على ثلاثة أضرب: صوم رمضان، وصوم النذر، وصوم الكفارات.

    صوم رمضان: واجب بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد جعل الله وجوبه على التدرج، وهذه سنة ربنا جل جلاله في كل تشريع، يتدرج بالناس كما ثبت من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أول ما فرض الصيام صيام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ففي أول الأمر كان المفروض صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم فريضة الصيام إلى أن قال سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم، يعني: كان صيام رمضان على التخيير، من شاء صام، ومن كان ذا سعة فإنه يمكنه أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نزل قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، فلما نزلت هذه الآية صار صيام رمضان واجباً على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم، وهذه هي الشروط الخمسة الموجبة لصيام رمضان.

    فمن توافرت فيه هذه الشروط الخمسة فصوم رمضان في حقه واجب، يعني: إذا كان مسلماً بالغاً عاقلاً قادراً، ومعنى قادراً: أنه صحيح البدن، متمكناً من الصيام، ومعنى مقيماً أي: غير مسافر، فهذا في حقه صوم رمضان واجب.

    ثم كان للرجل أن يأكل ويشرب ما لم ينم، وهذا في طور من أطوار تشريع الصيام، لك أن تأكل وتشرب فإذا نمت فلا يحق لك أن تستيقظ بالليل لتأكل أو تشرب، إلى أن كان رجل من الأنصار يقال له: صرمة بن قيس رضي الله عنه جاء بعدما غربت الشمس إلى بيته، وبينما زوجه تهيئ له طعاماً إذ غلبته عيناه فنام، يعني: بينما كانت زوجته تعد له الطعام ليفطر غلبته عيناه فنام، فجاءت زوجته فقالت: يا هنتاه أنمت؟ فأصبح رضي الله عنه صائماً، يعني: صار صائماً يومين متتابعين ما تخللهما إفطار، فلما انتصف النهار غشي عليه، والمدينة حرها شديد وصيفها قائظ وعطشها مر، وهذا الرجل ما كان نائماً، وإنما كان يعمل في زرعه فغشي عليه، فجاء الفرج من الله، قال سبحانه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، إلى أن قال سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

    فهذه هي الأطوار التي مر بها تشريع الصيام، وهذا هو الصوم الواجب صوم رمضان وصوم النذر، والنذر إذا ألزم المكلف نفسه بصيام أيام ما كلفه الله بها صار هذا في حقه واجباً.

    ثم صيام الكفارات: ككفارة اليمين لمن عجز عن الخصال الثلاثة، وكفارة الظهار لمن عجز عن تحرير رقبة، وكذلك كفارة القتل الخطأ لمن عجز عن الرقبة، وقل مثل ذلك في كفارات كثيرة.

    الصوم المندوب

    وأما الصوم المندوب الذي شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشمل الأيام التي تعلمون، كالإثنين والخميس والثلاثة البيض، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام عاشوراء وتاسوعاء، وصيام يوم عرفة، وصيام الأيام الأول من ذي الحجة، وصيام شهر الله المحرم .. إلى غير ذلك مما سنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الصوم المكروه

    ثم هناك الصوم المكروه، والمكروه هو الذي كرهته الشريعة، فمن ذلك: صيام الدهر، والرسول صلى الله عليه وسلم ( لما سئل عن رجل يصوم الدهر، قال: لا صام ولا أفطر )، فصوم الدهر مكروه.

    وكذلك مما يكره: الوصال في الصوم، وقد ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواصل )، يعني: يصوم فإذا غربت الشمس لا يطعم طعاماً ولا يقرب ذواقاً حتى يكون اليوم الذي يليه، وهكذا ربما واصل أسبوعاً لا يأكل ولا يشرب، فأراد الصحابة أن يحاكوه فمنعهم، وقال لهم: ( إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ).

    الصوم المحرم

    ثم هناك الصوم المحرم، وهو في الأيام التي منع الشرع من صيامها، كيوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم الشك، ويوم الشك هو اليوم الثلاثون من شعبان الذي يشك هل هو المتمم لشعبان أم هو الأول من رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقدموا رمضان بصيام يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصم )، وقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: ( من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ).

    الصوم المباح

    ثم هناك الصوم المباح: وهو أن يمتنع الإنسان من الطعام والشراب حمية أو طلباً لعلاج، كما يقول لك الطبيب أحياناً: تأتيني غداً إن شاء الله في الساعة العاشرة أو في الساعة الحادية عشرة ولا تطعم شيئاً، فتبقى على ذلك من العاشرة من مساء هذا اليوم، يعني: ثنتي عشرة ساعة لا تقرب طعاماً ولا شراباً، فهذا الصوم مباح ليس لك فيه أجر ولا ثواب.

    1.   

    تعريف الصيام

    ولذلك نقول في تعريف الصيام أيها الإخوة الكرام! هو التعبد لله بالامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا بد أن نقيد بداية بقولنا: هو التعبد لله، يعني: أنا امتنعت عن الطعام والشراب، لا حمية للبدن واستجابة للطب، ولا تقليداً للناس ولا خوفاً منهم، وإنما أفعل ذلك تعبداً لله عز وجل؛ لأنه جل جلاله أمرني بأن أصوم؛ ولأن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم قد أمرني بالصيام.

    1.   

    سنن النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

    الحرص على أكلة السحر

    أيها الإخوة الكرام! كان من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، أنه كان يحرص على أكلة السحر، وكان يقول لأصحابه: ( لا يدعن أحدكم سحوره ولو على جرعة ماء )، وكان يقول لهم: ( تسحروا فإن في السحور بركة ).

    وقد قال علماؤنا: البركة من ثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن فيه عوناً على الطاعة، وكل ما يعين على الطاعة فهو مبارك.

    الوجه الثاني: لأن الوقت وقت مبارك، والسحور يقع قبيل الفجر، ذلك الوقت الذي يتنزل فيه ربه جل جلاله إلى سماء الدنيا ويقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).

    الوجه الثالث: أن السحور في الغالب يصحبه طاعة، يعني: الإنسان إذا قام يتسحر ففي الغالب قد يركع لله ركعات، وقد يرتل من القرآن آيات، وقد يلهج لله عز وجل بدعوات، وقد يأتي ببعض الأذكار والتسبيح والتهليل والتكبير وما إلى ذلك، فالسحور في الغالب يصحبه طاعة، ومن أجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تسحروا فإن السحور بركة )، والسنة في السحور تأخيره، قال صلى الله عليه وسلم: ( نحن معاشر الأنبياء أمرنا بثلاث: بتعجيل فطورنا، وتأخير سحورنا، ووضع أيماننا على مياسرنا في الصلاة )، ولذلك ما جرت به عادة كثير من الناس من أنهم يأكلون أكلة إذا انتصف الليل قبل أن يناموا يسمونها عشاء، ثم بعد ذلك لا يستيقظ أحدهم إلا إذا طلع الفجر نقول: هذا خلاف السنة، والسنة أن تستيقظ قبل الفجر فتتناول شيئاً ولو جرعة من ماء، من أجل أن تحقق هذه السنة.

    تعجيل الفطر

    ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه يعجل الفطر، كان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: ( إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم )، وكان يقول لهم: ( لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر )، فاحرص متى ما غربت الشمس وتحقق غروبها أن تبادر بالإفطار.

    قال علماؤنا: حتى من لم يجد شيئاً فإنه ينوي قطع الصيام، فلو كان الإنسان في طريق ولم يجد ماءً ولا شيئاً، فإنه ينوي قطع الصيام.

    هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في الإفطار

    ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( كان يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء )، فلنحرص على هذا الترتيب أيها الإخوان! فإنه لا أفضل ولا أحسن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، احرص على أن تفتتح إفطارك برطبات، فإن لم تجد فتمرات، فإن لم تجد فلتبدأ بالماء، ولا تلتفت إلى ما يقال سوى ذلك.

    الإكثار من قراءة القرآن والإنفاق في وجوه الخير

    ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان، اقرأ القرآن على كل أحوالك قائماً وقاعداً وماشياً وراكباً ومضطجعاً، في بيتك وفي المسجد وفي السوق وفي السيارة، وفي المواصلات، اجعل لسانك يلهج بهذا الكتاب العزيز طلباً للثواب من الله عز وجل.

    ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان الإكثار من الجود، يجود بطعامه، يجود بثيابه، يجود بماله، يجود بجاهه، يجود بعلمه صلوات ربي وسلامه عليه، ففي رمضان أكثر من الجود بما تستطيع، ليس بالضرورة أن يكون الجود مالاً، فلربما يتصدق بعض الناس بما خلق وبما بلي من الثياب، فهذه الثياب التي هي عندك ثياب بالية قد زهدت فيها وشبعت منها، قد تكون عند غيرك ثياباً جديدة حسنة تستر عورته، وتسد في حياته مسداً عظيماً، فتصدق من طعامك، وتصدق بعلمك، فعلم الناس ما يجهلون، وتصدق بجاهك في بذل الشفاعات في حق لا في باطل، وفي خير لا في شر.

    قيام الليل في رمضان

    ومن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان المواظبة على القيام والإطالة فيه، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام أخبرنا بأن القيام في رمضان لا كالقيام في غيره من الشهور، وأن جائزتك من قيام رمضان أن تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة القيام ليلتين أو ثلاثاً، فلما كانت الليلة التي بعدها، صلى بأصحابه العشاء ثم قام فدخل بيته، وبقي الصحابة ينتظرون، ثم بدءوا يحصبون بابه عليه الصلاة والسلام فما خرج عليهم إلا بعدما طلع الفجر، وقال لهم: ( ما خفي علي صنيعكم البارحة، والله ما بت غافلاً، ولكني خشيت أن تفرض عليكم )، يعني: ما كان صلى الله عليه وسلم نائماً، كان في بيته قائماً لله عز وجل، لكنه ما أراد أن يتابع سنة القيام جماعة بالناس، خشية أن تفرض عليهم، وبقي الصحابة رضوان الله عليهم يبتدرون السواري إذا صلوا العشاء، والسواري هي الأعمدة، يعني: كل واحد منهم يقوم عند سارية من سواري المسجد النبوي ولهم بالقرآن دوي كدوي النحل، وكانوا يطيلون القيام حتى كانوا يستندون على العصي من طول قيامهم، وبقي الأمر هكذا في عهد أبي بكر وصدراً من خلافة عمر يصلي الرجل وحده، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرجلان والثلاثة والجمع، حتى قال عمر رضي الله عنه: لأجمعنهم على أقرئهم، وأقرؤهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي الله عنه، فصار الناس يصلون خلف أبي صلاة القيام، وقال عمر رضي الله عنه كلمته المشهورة: نعمت البدعة الحسنة هي، وما قصد عمر رضي الله عنه بذلك أنه أحدث في الإسلام حدثاً، بل أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما زال المحظور الذي خشيه عليه الصلاة والسلام، وهو أن تصير فريضة، أي: أن تصير صلاة التراويح فريضة.

    وأما قدرها فالأمر في ذلك واسع، وقد روى الإمام مالك في الموطأ: من حديث يزيد بن رومان عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس على أبي فكان يصلي بهم ثلاثاً وعشرين ركعة، وثبت أن أهل مكة في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كانوا يصلون ثلاثاً وعشرين، فكان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس في المدينة تسعاً وأربعين.

    ولذلك قال أهل العلم: الأمر في ذلك واسع، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم طلوع الفجر فليوتر بواحدة ).

    وهنا سؤال يكثر طرحه في رمضان، يقول القائل: أنا أصلي مع الإمام والإمام يصلي إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، لكنني أرغب في المزيد، فهل أترك الوتر مع الإمام؟

    نقول له: لا، بل أوتر مع الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى مع الإمام حتى يفرغ كتب له قيام ليلة )، ثم ارجع إلى بيتك إذا شئت المزيد فلا بأس، صل مثنى مثنى، ولا توتر مرة أخرى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا وتران في ليلة ).

    تحري ليلة القدر

    ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه كان يتحرى ليلة القدر، ( فاعتكف في العشر الأول، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواسط، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواخر )، وصارت هذه سنته حتى فارق الدنيا، واعتكف أزواجه من بعده.

    كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلباً لليلة القدر، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ( من حرم خيرها فقد حرم )؛ ولأن الله عز وجل قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر.

    وقالوا في سبب نزول السورة بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم حكى لأصحابه قصة رجل من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة، ثمانون سنة وهو مجاهد في سبيل الله، قال الصحابة: ومن يطيق ذلك؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة ).

    قال علماؤنا: كأن الله تعالى أراد أن يعوض أمة محمد صلى الله عليه وسلم نظراً لقصر أعمارهم بالمقارنة مع أعمار الأمم التي كانت قبلهم، فعوضهم الله بليلة القدر، يعني: ( أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين، وقل من يجوز ذلك )، يعني: قل من يجاوز السبعين، فلما كانت أعمار هذه الأمة قصيرة الله عز وجل عوضهم بهذه الليلة المباركة، التي تعدل العبادة فيها عبادة أكثر من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ ولذلك الموفق هو من التمسها.

    وإياك إياك عبد الله! أن تعمد إلى ليلة بعينها وتهمل ما سواها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فلما كانت ليلة إحدى وعشرين أمطرت السماء حتى وكف المسجد )، (وكف المسجد) يعني: نزل منه الماء؛ لأن سقفه كان من جريد النخل، ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بأصحابه فسجد في الطين، فلما انفتل في صلاته إذا أثر الطين على جبهته وروثة أنفه عليه الصلاة والسلام )، فكانت هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، وكان أبي بن كعب ( يحلف بالله الذي لا إله غيره لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، يقول: بالعلامة التي أرانا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواترت في هذه السبع، فتحروا فيها ليلة القدر ).

    قال علماؤنا وهذا قول الجمهور: بأن ليلة القدر متنقلة، ففي سنة من السنين تكون ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى تكون ليلة خمس وعشرين، وفي ثالثة تكون ليلة سبع وعشرين، وفي رابعة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة تسع وعشرين، وهكذا تتحرك هذه الليلة، ولذلك الإنسان الموفق الكيس الفطن هو الذي يجتهد في ليالي العشر كلها.

    1.   

    القاعدة فيما يفطر من الأدوية وغيرها

    يكثر سؤال الناس في رمضان عن بخاخ الفم وبخاخ الأنف، وقطرة الأذن، والحبوب التي توضع تحت اللسان، والحقن العضلية، والجلدية والوريدية والشرجية، ويكثر سؤال الناس في رمضان كذلك عن معجون الأسنان، وكذلك عن بلع الريق وغير ذلك من هذه النوازل، فما حكم ذلك؟

    أقول أيها الإخوة الكرام: خذوها قاعدة، ما لم يكن طعاماً ولا شراباً، ولا هو في معنى الطعام والشراب فإنه ليس بمفطر، بمعنى: أن الجسم لا يستفيد منه تغذية ولا قوة على الصيام فإنه لا يعد مفطراً.

    سؤال الناس عن حكم استعمال الكحل؟

    الجواب: الكحل هل هو طعام أو شراب تستفيد منه؟ لا، والعطور هل نستفيد منها؟ ما نستفيد منها، والعطر في العموم يروح به الصائم عن نفسه ويستجمع به قوته على طاعة الله عز وجل ويستقبل به عهداً جديداً وما إلى ذلك.

    وقل مثل ذلك في الحقن، سواء كانت حقنة في العضل أو حقنة في الوريد، فهذه ليست مفطرة، اللهم إلا ما كان مغذياً، لأنه يمكن للإنسان أن يستغني به عن الطعام والشراب شهوراً، بل سنين.

    وقضية البخاخ لمن كانوا من أهل الربو -نسأل الله العافية للمسلمين أجمعين- القول الذي يظهر رجحانه والعلم عند الله تعالى أنه ليس بمفطر لمَ؟

    قالوا: أولاً: قياساً على المضمضة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح للصائم أن يتمضمض، وهذه المضمضة قد يبقى منها شيء ومع الريق تنزل إلى الجوف، فهذا المحلول الذي يوجد في هذا البخاخ كما ذكر الأطباء، هو عبارة عن أكسجين وماء وبعض المستحضرات الطبية، والماء فيه شيء يسير جداً، قالوا: ولا يصل إلى الجوف، فإنما يقصد به توسيع الشعب الهوائية، ولذلك ليس هو طعاماً ولا شراباً، ولا هو في معنى الطعام والشراب، فالذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أنه ليس مفطراً، سواء كان يؤخذ عن طريق الفم أو يؤخذ عن طريق الأنف.

    وأيضاً مراعاة لروح الشريعة التي قررت أن مبناها على التيسير في آيات الصيام قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].

    وقل مثل ذلك في معجون الأسنان، فإن الصحابي قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم )، عليه الصلاة والسلام، يعني: ما رآه مرة ولا مرتين ولا عشراً، وإنما ما لا يحصي.

    وأيضاً لا مانع أن يتبرد الصائم، فإن أنساً رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء البارد وهو صائم، في يوم شديد الحر )، فلا مانع أن يتبرد الصائم ويأخذ دشاً أو دشين أو ثلاثة بل الكثير، أما من جلس عامة نهاره تحت الدش فما نستطيع أن نقول له: بأن صومك باطل، لكن نقول له: أجرك ناقص؛ لأنك قصدت بذلك أن تزيل مشقة الصيام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أجرك على قدر نصبك )، فإنسان صائم يذكر الله عز وجل ويسعى على قوته وقوت عياله، وآخر صائم لكنه نائم ثم إذا استيقظ هرع إلى الدش أو غطس في الحوض أو في البحر، وجلس تحت المكيف، بينهما في الأجر والثواب كما بين المشرق والمغرب.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أعنا على الصيام والقيام، اللهم وفقنا لصالح الأعمال، اللهم اجعلنا فيه من عبادك المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحاف حسناتنا يوم نلقاك، وكما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    النية في صيام رمضان

    ثم بعد ذلك أيها الإخوة الكرام! الصوم له ركنان:

    الركن الأول النية: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل )، وقال: ( من لم يجمع النية من الليل فلا صيام له ).

    والنية معناها: العزم، أي: أن الإنسان يعزم على الشيء، وهذه النية النبي صلى الله عليه وسلم بين أنها لا بد أن تكون في الليل، ولذلك في اليوم التاسع والعشرين من شعبان لا بد أن يبقى الناس مستيقظين، حتى يتأكدوا إن كان غداً من رمضان أو هو المتمم للثلاثين من شعبان، حتى من نام فإنه لا بد أن يستيقظ قبل طلوع الفجر الصادق، فيسأل الناس ويتأكد، أما من نام على الشك، فقال: إن كان الغد من رمضان فنحن صائمون، وإن كان المتمم لشعبان فنحن مفطرون، فهذه لا تعد نية، ويلزمه القضاء، هذا في صوم الفريضة.

    والمالكية رحمة الله عليهم خففوا عنا فقالوا: كل صوم متتابع تجزئ فيه نية الليلة الأولى، يعني: كل صوم متتابع مثل صيام رمضان أو صيام الكفارات المتتابع، فلو أن الإنسان نوى من الليلة الأولى بأنه سيصوم رمضان فهذه النية تكفيه، قالوا: لأنها عبادة واحدة مجزأة إلى أجزاء، كمثل: صلاة العشاء فإنها عبادة واحدة مقسمة إلى ركعات.

    فصوم رمضان عبادة واحدة تجزئ فيه نية الليلة الأولى، لكن لو انقطع التتابع، مثلاً: لو أن الإنسان مرض أو سافر، أو أن المرأة حاضت فأفطرت، فهنا لا بد أن تستأنف نية جديدة هذا في صيام الفريضة.

    أما في صيام التطوع كالإثنين والخميس مثلا، فجمهور العلماء قالوا: النية تجزئ ولو كانت بالنهار، شريطة أن تكون قبل الزوال، فلو أن إنساناً شُغل في أثناء النهار وفوجئ بأن الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة وهو لم يطعم ولم يشرب، وقال: والله المغرب ما بقي له إلا سويعات فـأنا اليوم صائم، فعند الجمهور هذا الصوم مجزئ وصحيح، واستدلوا على ذلك بما ( ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرجع إلى أهله بعدما تطلع الشمس فيقول: هل عندكم من طعام؟ فإذا قالوا: نعم، طعم، وإذا قالوا: لا، قال: فإنني اليوم صائم ).

    لكن المالكية قالوا: لا، صوم التطوع كصوم الفريضة، لا بد من أن تبيت فيه النية من الليل، فإن لهم: فما أنتم صانعون بهذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي فيسأل: هل من طعام؟ قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون صائماً، وقد بيت النية من الليل، قيل لهم: فلم يسأل عن الطعام؟ قالوا: من أجل أن يتفقد أهله، يعني: هل عندكم من طعام تأكلوه، ولا يسأل عن الطعام من أجل نفسه، ولا يخفى عليكم أن هذا تأويل بعيد، وإلا فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( فإنني اليوم صائم )، والفاء كما يقول الأصوليون: من حروف التعليل، كما تقول: سها فسجد، فعلة سجوده السهو، سرق فقطع، علة قطعه السرقة، وهنا أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( هل عندكم من طعام؟ فإذا قالوا لا، قال: فإني اليوم صائم )، فالمعنى: إنني اليوم صائم؛ لأنه ما عندكم طعام، وهذا ظاهر والعلم عند الله تعالى.

    1.   

    الصيام عبادة بين العبد وربه

    واعلموا أيها الإخوة الكرام! أن كل عبادة من أجل أن تقع من الله عز وجل بموقع القبول لا بد فيها من أمرين عظيمين:

    الأمر الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل، وهذا ظاهر في الصيام، فإن الواحد منكم يرجع إلى بيته في نحر الظهيرة جائعاً عطشاناً، وقد بلغ منه التعب كل مبلغ، وهو في بيته ليس معه أحد في غرفة مغلقة، وعنده ثلاجة فيها شرابه وطعامه، وهو أحوج ما يكون إلى الطعام والشراب، لكن لا يمد إلى الطعام يداً ولا إلى الشراب يداً رغم أنه لا أحد يراه، لكنه لا يأكل ولا يشرب لكونه مؤمناً يعلم أن الله يراه، وهذه درجة الإحسان، يعلم أن الله مطلع عليه، وهو يعامل الله في صيامه؛ ولذلك لما شرح العلماء قول الله عز وجل: ( كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، قالوا: لأن في الصوم مزيتين ليستا في غيره من العبادات:

    المزية الأولى: أن الصوم سر بين العبد وربه، بخلاف الصلاة فليست سراً، والصدقة ليست سراً، والحج والعمرة وبر الوالدين وصلة الأرحام، وإماطة الأذى من الطريق كل هذا قد يراه الناس، أما الصيام فقد يكون العبد صائماً ولا يعلم به إلا الله، ولذلك كان الصالحون من هذه الأمة، الواحد منهم يصوم تطوعاً، ويعلق اللحم على بابه، ويدهن وجهه؛ يعني: لئلا يبدو عليه أثر الصيام، مثلما أن الواحد منهم كان يبكي من خشية الله ويقول: ما أشد الزكام، ويقول: الزكام هذا صعب، هو طبعاً ما كذب ما قال: أنا مزكوم، وإنما يقول: الزكام شديد، أو ما أشد الزكام، من أجل أن يجعلوا أعمالهم سراً فيما بينهم وبين ربهم جل جلاله، فالصيام سر، وممكن الواحد في رمضان يكون آكلاً ملء بطنه، وشارباً ملء بطنه ويظهر للناس أنه صائم.

    وهذه خصلة من خصال المنافقين، قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:6-7]، وقال سبحانه: يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فالواحد منهم لا يصوم ولكن يظهر للناس أنه صائم، ولربما يأتي معهم عند المغرب ويجلس متربعاً حتى إذا قال المؤذن: الله أكبر، قال: بسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، لكن من الذي يطلع على حقيقة أمره؟ الله جل جلاله، هذه المزية الأولى.

    المزية الثانية في الصيام: أنه يقطع العبد عن شهواته بما لا تفعل سائر العبادات، بمعنى: أنك في الصيام بضع عشرة ساعة كما في بلادنا هذه، من طلوع الفجر إلى دخول الليل وأنت ممتنع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، بخلاف العبادات الأخرى فلا تصنع ذلك، فالآن نحن في عبادة في مجلس الذكر لكن لو أتيتني بماء ممكن أشرب، وفي الصلاة الإنسان قبلها يأكل ويشرب، وبعدها يأكل ويشرب، وهكذا في الحج وفي غير ذلك من العبادات، أما الصيام فإنه يقطعك عن الشهوات ساعات معدودات قد تطول وقد تقصر، فإذا كان الصيام في الصيف فالنهار طويل، وإذا كان في الشتاء فالنهار قصير، ونحن في كلا الحالين عباد لله عز وجل.