اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصيام فضائل وأحكام للشيخ : عبد الحي يوسف


الصيام فضائل وأحكام - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
شهر رمضان من الشهور العظيمة وهو أفضل شهور السنة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر فيه من قراءة القرآن وإطعام الطعام، كما كان يحرص على تأخير السحور وتعجيل الفطور، وقيام الليل وتحري ليلة القدر. ويجب الصيام على المسلم البالغ العاقل القادر المقيم، كما يجب تبييت نية صيام رمضان من الليل.
بعض الأحكام المتعلقة بشهر رمضان
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.أما بعد: فأحمد الله الذي جمعنا في هذا المجلس المبارك، وأسأل الله سبحانه كما جمعنا فيه أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم، وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.لا يخفى عليكم بأن هذه الليلة هي ليلة التاسع عشر من شعبان، وليس بيننا وبين رمضان سوى أيام معدودات، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا أيامه، وأن يعيننا على صيامه وقيامه.
 الاهتمام بقراءة القرآن في رمضان
وأفضل ما يشغل به الوقت في رمضان قراءة القرآن؛ ولذلك كان أهل العلم وأئمة السلف إذا دخل رمضان طووا كتبهم، فلا يشتغلون بالحديث، ولا يشتغلون بالفقه، ولا يشتغلون بفروع العلم، وإنما يقبلون على القرآن، حتى ذكروا عن الإمام العلم أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي كما نقله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء وصح عنه ذلك: أنه كان له في رمضان ستون ختمة، كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة، يعني: له في كل يوم ختمة، وفي كل ليلة ختمة.وبعض الناس قد يستغرب ويقول: كيف ذلك؟ نقول: ما كانوا يشتغلون بشيء سوى القرآن، يعني: ما كانوا يشتغلون لا بمسابقات، ولا مباريات، ولا مسلسلات، ولا فوازير، ولا أفلام، ولا جرائد، ولا مجلات، ولا مجالس للغو واللهو، ولا يشتغلون بما لا يعنيهم، ولا يشتغلون بالأسواق ولا بالبيع والشراء، وإنما كانوا يقبلون على القرآن بالليل والنهار، بل حتى من كان دون الشافعي تقىً وهدى، كمثل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان فقد ذكر ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أنه كان له في رمضان سبع عشرة ختمة، يعني: كان يختم القرآن في رمضان سبع عشرة مرة، ولذلك من الآن وقت لنفسك كم مرة ستختم القرآن في رمضان، هل سيكون لك في كل ثلاث ختمة، أو في كل خمس ختمة، أو في كل ست ختمة، أو في كل سبع ختمة، فالناس في ذلك ما بين مقل ومستكثر، والموفق هو الحال المرتحل، الذي كلما ختم بدأ، يفعل ذلك مرة بعد مرة، هذا هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، له مع القرآن شأن عجيب.ومن رحمة الله عز وجل أنه شرع لنا قراءة القرآن على سائر الأحوال، فيمكنك أن تقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، وماشياً، وراكباً، ومضطجعاً، ويمكنك أن تقرأ القرآن في الخلوة والجلوة، وإذا كنت وحدك أو كنت بين الناس، تقرأ القرآن في المسجد وفي السوق، وفي كل مكان يلهج لسانك بالقرآن، ولا تظن أن الله عز وجل مضيع من عملك شيئاً، ولما ( سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ: (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة )، فـعمر رضي الله عنه بدأ يحسب كم مرة يستطيع في كل ساعة أن يقرأ هذه السورة المباركة، ( فقال: يا رسول الله! إذاً تكثر قصورنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكثر وأطيب )، قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الحديث إسناده جيد.فانظر أيها الأخ الكريم! لو أنك في سيارتك أو في وسيلة المواصلات، أو كنت راجلاً تمشي على رجليك، كم مرة تستطيع أن تردد هذه السورة المباركة، (قل هو الله أحد)، كم مرة تستطيع أن تردد سورة الفاتحة، وما منا واحد إلا وهو حافظ لها والحمد لله، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ).
التدرج في فرضية صيام رمضان وأنواع الصيام
إخوتي الكرام! من الاستعداد لرمضان كذلك أن نتعلم أحكام الصيام، وقد علمنا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصيام تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، فالصيام منه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم، ويمكن أن نقول: منه ما هو مباح.
 الصوم المباح
ثم هناك الصوم المباح: وهو أن يمتنع الإنسان من الطعام والشراب حمية أو طلباً لعلاج، كما يقول لك الطبيب أحياناً: تأتيني غداً إن شاء الله في الساعة العاشرة أو في الساعة الحادية عشرة ولا تطعم شيئاً، فتبقى على ذلك من العاشرة من مساء هذا اليوم، يعني: ثنتي عشرة ساعة لا تقرب طعاماً ولا شراباً، فهذا الصوم مباح ليس لك فيه أجر ولا ثواب.
تعريف الصيام
ولذلك نقول في تعريف الصيام أيها الإخوة الكرام! هو التعبد لله بالامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا بد أن نقيد بداية بقولنا: هو التعبد لله، يعني: أنا امتنعت عن الطعام والشراب، لا حمية للبدن واستجابة للطب، ولا تقليداً للناس ولا خوفاً منهم، وإنما أفعل ذلك تعبداً لله عز وجل؛ لأنه جل جلاله أمرني بأن أصوم؛ ولأن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم قد أمرني بالصيام.
 الصوم المباح
ثم هناك الصوم المباح: وهو أن يمتنع الإنسان من الطعام والشراب حمية أو طلباً لعلاج، كما يقول لك الطبيب أحياناً: تأتيني غداً إن شاء الله في الساعة العاشرة أو في الساعة الحادية عشرة ولا تطعم شيئاً، فتبقى على ذلك من العاشرة من مساء هذا اليوم، يعني: ثنتي عشرة ساعة لا تقرب طعاماً ولا شراباً، فهذا الصوم مباح ليس لك فيه أجر ولا ثواب.
سنن النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

 تحري ليلة القدر
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه كان يتحرى ليلة القدر، ( فاعتكف في العشر الأول، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواسط، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواخر )، وصارت هذه سنته حتى فارق الدنيا، واعتكف أزواجه من بعده.كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلباً لليلة القدر، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ( من حرم خيرها فقد حرم )؛ ولأن الله عز وجل قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر. وقالوا في سبب نزول السورة بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم حكى لأصحابه قصة رجل من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة، ثمانون سنة وهو مجاهد في سبيل الله، قال الصحابة: ومن يطيق ذلك؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة ).قال علماؤنا: كأن الله تعالى أراد أن يعوض أمة محمد صلى الله عليه وسلم نظراً لقصر أعمارهم بالمقارنة مع أعمار الأمم التي كانت قبلهم، فعوضهم الله بليلة القدر، يعني: ( أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين، وقل من يجوز ذلك )، يعني: قل من يجاوز السبعين، فلما كانت أعمار هذه الأمة قصيرة الله عز وجل عوضهم بهذه الليلة المباركة، التي تعدل العبادة فيها عبادة أكثر من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ ولذلك الموفق هو من التمسها.وإياك إياك عبد الله! أن تعمد إلى ليلة بعينها وتهمل ما سواها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فلما كانت ليلة إحدى وعشرين أمطرت السماء حتى وكف المسجد )، (وكف المسجد) يعني: نزل منه الماء؛ لأن سقفه كان من جريد النخل، ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بأصحابه فسجد في الطين، فلما انفتل في صلاته إذا أثر الطين على جبهته وروثة أنفه عليه الصلاة والسلام )، فكانت هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، وكان أبي بن كعب ( يحلف بالله الذي لا إله غيره لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، يقول: بالعلامة التي أرانا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواترت في هذه السبع، فتحروا فيها ليلة القدر ).قال علماؤنا وهذا قول الجمهور: بأن ليلة القدر متنقلة، ففي سنة من السنين تكون ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى تكون ليلة خمس وعشرين، وفي ثالثة تكون ليلة سبع وعشرين، وفي رابعة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة تسع وعشرين، وهكذا تتحرك هذه الليلة، ولذلك الإنسان الموفق الكيس الفطن هو الذي يجتهد في ليالي العشر كلها.
القاعدة فيما يفطر من الأدوية وغيرها
يكثر سؤال الناس في رمضان عن بخاخ الفم وبخاخ الأنف، وقطرة الأذن، والحبوب التي توضع تحت اللسان، والحقن العضلية، والجلدية والوريدية والشرجية، ويكثر سؤال الناس في رمضان كذلك عن معجون الأسنان، وكذلك عن بلع الريق وغير ذلك من هذه النوازل، فما حكم ذلك؟أقول أيها الإخوة الكرام: خذوها قاعدة، ما لم يكن طعاماً ولا شراباً، ولا هو في معنى الطعام والشراب فإنه ليس بمفطر، بمعنى: أن الجسم لا يستفيد منه تغذية ولا قوة على الصيام فإنه لا يعد مفطراً.سؤال الناس عن حكم استعمال الكحل؟ الجواب: الكحل هل هو طعام أو شراب تستفيد منه؟ لا، والعطور هل نستفيد منها؟ ما نستفيد منها، والعطر في العموم يروح به الصائم عن نفسه ويستجمع به قوته على طاعة الله عز وجل ويستقبل به عهداً جديداً وما إلى ذلك.وقل مثل ذلك في الحقن، سواء كانت حقنة في العضل أو حقنة في الوريد، فهذه ليست مفطرة، اللهم إلا ما كان مغذياً، لأنه يمكن للإنسان أن يستغني به عن الطعام والشراب شهوراً، بل سنين.وقضية البخاخ لمن كانوا من أهل الربو -نسأل الله العافية للمسلمين أجمعين- القول الذي يظهر رجحانه والعلم عند الله تعالى أنه ليس بمفطر لمَ؟قالوا: أولاً: قياساً على المضمضة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباح للصائم أن يتمضمض، وهذه المضمضة قد يبقى منها شيء ومع الريق تنزل إلى الجوف، فهذا المحلول الذي يوجد في هذا البخاخ كما ذكر الأطباء، هو عبارة عن أكسجين وماء وبعض المستحضرات الطبية، والماء فيه شيء يسير جداً، قالوا: ولا يصل إلى الجوف، فإنما يقصد به توسيع الشعب الهوائية، ولذلك ليس هو طعاماً ولا شراباً، ولا هو في معنى الطعام والشراب، فالذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أنه ليس مفطراً، سواء كان يؤخذ عن طريق الفم أو يؤخذ عن طريق الأنف.وأيضاً مراعاة لروح الشريعة التي قررت أن مبناها على التيسير في آيات الصيام قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185].وقل مثل ذلك في معجون الأسنان، فإن الصحابي قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يستاك وهو صائم )، عليه الصلاة والسلام، يعني: ما رآه مرة ولا مرتين ولا عشراً، وإنما ما لا يحصي.وأيضاً لا مانع أن يتبرد الصائم، فإن أنساً رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء البارد وهو صائم، في يوم شديد الحر )، فلا مانع أن يتبرد الصائم ويأخذ دشاً أو دشين أو ثلاثة بل الكثير، أما من جلس عامة نهاره تحت الدش فما نستطيع أن نقول له: بأن صومك باطل، لكن نقول له: أجرك ناقص؛ لأنك قصدت بذلك أن تزيل مشقة الصيام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أجرك على قدر نصبك )، فإنسان صائم يذكر الله عز وجل ويسعى على قوته وقوت عياله، وآخر صائم لكنه نائم ثم إذا استيقظ هرع إلى الدش أو غطس في الحوض أو في البحر، وجلس تحت المكيف، بينهما في الأجر والثواب كما بين المشرق والمغرب.ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أعنا على الصيام والقيام، اللهم وفقنا لصالح الأعمال، اللهم اجعلنا فيه من عبادك المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحاف حسناتنا يوم نلقاك، وكما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 تحري ليلة القدر
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه كان يتحرى ليلة القدر، ( فاعتكف في العشر الأول، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواسط، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواخر )، وصارت هذه سنته حتى فارق الدنيا، واعتكف أزواجه من بعده.كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلباً لليلة القدر، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ( من حرم خيرها فقد حرم )؛ ولأن الله عز وجل قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر. وقالوا في سبب نزول السورة بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم حكى لأصحابه قصة رجل من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة، ثمانون سنة وهو مجاهد في سبيل الله، قال الصحابة: ومن يطيق ذلك؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة ).قال علماؤنا: كأن الله تعالى أراد أن يعوض أمة محمد صلى الله عليه وسلم نظراً لقصر أعمارهم بالمقارنة مع أعمار الأمم التي كانت قبلهم، فعوضهم الله بليلة القدر، يعني: ( أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين، وقل من يجوز ذلك )، يعني: قل من يجاوز السبعين، فلما كانت أعمار هذه الأمة قصيرة الله عز وجل عوضهم بهذه الليلة المباركة، التي تعدل العبادة فيها عبادة أكثر من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ ولذلك الموفق هو من التمسها.وإياك إياك عبد الله! أن تعمد إلى ليلة بعينها وتهمل ما سواها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فلما كانت ليلة إحدى وعشرين أمطرت السماء حتى وكف المسجد )، (وكف المسجد) يعني: نزل منه الماء؛ لأن سقفه كان من جريد النخل، ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بأصحابه فسجد في الطين، فلما انفتل في صلاته إذا أثر الطين على جبهته وروثة أنفه عليه الصلاة والسلام )، فكانت هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، وكان أبي بن كعب ( يحلف بالله الذي لا إله غيره لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، يقول: بالعلامة التي أرانا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواترت في هذه السبع، فتحروا فيها ليلة القدر ).قال علماؤنا وهذا قول الجمهور: بأن ليلة القدر متنقلة، ففي سنة من السنين تكون ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى تكون ليلة خمس وعشرين، وفي ثالثة تكون ليلة سبع وعشرين، وفي رابعة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة تسع وعشرين، وهكذا تتحرك هذه الليلة، ولذلك الإنسان الموفق الكيس الفطن هو الذي يجتهد في ليالي العشر كلها.
النية في صيام رمضان
ثم بعد ذلك أيها الإخوة الكرام! الصوم له ركنان:الركن الأول النية: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل )، وقال: ( من لم يجمع النية من الليل فلا صيام له ).والنية معناها: العزم، أي: أن الإنسان يعزم على الشيء، وهذه النية النبي صلى الله عليه وسلم بين أنها لا بد أن تكون في الليل، ولذلك في اليوم التاسع والعشرين من شعبان لا بد أن يبقى الناس مستيقظين، حتى يتأكدوا إن كان غداً من رمضان أو هو المتمم للثلاثين من شعبان، حتى من نام فإنه لا بد أن يستيقظ قبل طلوع الفجر الصادق، فيسأل الناس ويتأكد، أما من نام على الشك، فقال: إن كان الغد من رمضان فنحن صائمون، وإن كان المتمم لشعبان فنحن مفطرون، فهذه لا تعد نية، ويلزمه القضاء، هذا في صوم الفريضة.والمالكية رحمة الله عليهم خففوا عنا فقالوا: كل صوم متتابع تجزئ فيه نية الليلة الأولى، يعني: كل صوم متتابع مثل صيام رمضان أو صيام الكفارات المتتابع، فلو أن الإنسان نوى من الليلة الأولى بأنه سيصوم رمضان فهذه النية تكفيه، قالوا: لأنها عبادة واحدة مجزأة إلى أجزاء، كمثل: صلاة العشاء فإنها عبادة واحدة مقسمة إلى ركعات. فصوم رمضان عبادة واحدة تجزئ فيه نية الليلة الأولى، لكن لو انقطع التتابع، مثلاً: لو أن الإنسان مرض أو سافر، أو أن المرأة حاضت فأفطرت، فهنا لا بد أن تستأنف نية جديدة هذا في صيام الفريضة.أما في صيام التطوع كالإثنين والخميس مثلا، فجمهور العلماء قالوا: النية تجزئ ولو كانت بالنهار، شريطة أن تكون قبل الزوال، فلو أن إنساناً شُغل في أثناء النهار وفوجئ بأن الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة وهو لم يطعم ولم يشرب، وقال: والله المغرب ما بقي له إلا سويعات فـأنا اليوم صائم، فعند الجمهور هذا الصوم مجزئ وصحيح، واستدلوا على ذلك بما ( ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرجع إلى أهله بعدما تطلع الشمس فيقول: هل عندكم من طعام؟ فإذا قالوا: نعم، طعم، وإذا قالوا: لا، قال: فإنني اليوم صائم ).لكن المالكية قالوا: لا، صوم التطوع كصوم الفريضة، لا بد من أن تبيت فيه النية من الليل، فإن لهم: فما أنتم صانعون بهذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي فيسأل: هل من طعام؟ قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم كان يكون صائماً، وقد بيت النية من الليل، قيل لهم: فلم يسأل عن الطعام؟ قالوا: من أجل أن يتفقد أهله، يعني: هل عندكم من طعام تأكلوه، ولا يسأل عن الطعام من أجل نفسه، ولا يخفى عليكم أن هذا تأويل بعيد، وإلا فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( فإنني اليوم صائم )، والفاء كما يقول الأصوليون: من حروف التعليل، كما تقول: سها فسجد، فعلة سجوده السهو، سرق فقطع، علة قطعه السرقة، وهنا أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ( هل عندكم من طعام؟ فإذا قالوا لا، قال: فإني اليوم صائم )، فالمعنى: إنني اليوم صائم؛ لأنه ما عندكم طعام، وهذا ظاهر والعلم عند الله تعالى.
 تحري ليلة القدر
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه كان يتحرى ليلة القدر، ( فاعتكف في العشر الأول، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواسط، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواخر )، وصارت هذه سنته حتى فارق الدنيا، واعتكف أزواجه من بعده.كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلباً لليلة القدر، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ( من حرم خيرها فقد حرم )؛ ولأن الله عز وجل قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر. وقالوا في سبب نزول السورة بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم حكى لأصحابه قصة رجل من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة، ثمانون سنة وهو مجاهد في سبيل الله، قال الصحابة: ومن يطيق ذلك؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة ).قال علماؤنا: كأن الله تعالى أراد أن يعوض أمة محمد صلى الله عليه وسلم نظراً لقصر أعمارهم بالمقارنة مع أعمار الأمم التي كانت قبلهم، فعوضهم الله بليلة القدر، يعني: ( أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين، وقل من يجوز ذلك )، يعني: قل من يجاوز السبعين، فلما كانت أعمار هذه الأمة قصيرة الله عز وجل عوضهم بهذه الليلة المباركة، التي تعدل العبادة فيها عبادة أكثر من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ ولذلك الموفق هو من التمسها.وإياك إياك عبد الله! أن تعمد إلى ليلة بعينها وتهمل ما سواها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فلما كانت ليلة إحدى وعشرين أمطرت السماء حتى وكف المسجد )، (وكف المسجد) يعني: نزل منه الماء؛ لأن سقفه كان من جريد النخل، ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بأصحابه فسجد في الطين، فلما انفتل في صلاته إذا أثر الطين على جبهته وروثة أنفه عليه الصلاة والسلام )، فكانت هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، وكان أبي بن كعب ( يحلف بالله الذي لا إله غيره لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، يقول: بالعلامة التي أرانا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواترت في هذه السبع، فتحروا فيها ليلة القدر ).قال علماؤنا وهذا قول الجمهور: بأن ليلة القدر متنقلة، ففي سنة من السنين تكون ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى تكون ليلة خمس وعشرين، وفي ثالثة تكون ليلة سبع وعشرين، وفي رابعة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة تسع وعشرين، وهكذا تتحرك هذه الليلة، ولذلك الإنسان الموفق الكيس الفطن هو الذي يجتهد في ليالي العشر كلها.
الصيام عبادة بين العبد وربه
واعلموا أيها الإخوة الكرام! أن كل عبادة من أجل أن تقع من الله عز وجل بموقع القبول لا بد فيها من أمرين عظيمين: الأمر الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل، وهذا ظاهر في الصيام، فإن الواحد منكم يرجع إلى بيته في نحر الظهيرة جائعاً عطشاناً، وقد بلغ منه التعب كل مبلغ، وهو في بيته ليس معه أحد في غرفة مغلقة، وعنده ثلاجة فيها شرابه وطعامه، وهو أحوج ما يكون إلى الطعام والشراب، لكن لا يمد إلى الطعام يداً ولا إلى الشراب يداً رغم أنه لا أحد يراه، لكنه لا يأكل ولا يشرب لكونه مؤمناً يعلم أن الله يراه، وهذه درجة الإحسان، يعلم أن الله مطلع عليه، وهو يعامل الله في صيامه؛ ولذلك لما شرح العلماء قول الله عز وجل: ( كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به )، قالوا: لأن في الصوم مزيتين ليستا في غيره من العبادات:المزية الأولى: أن الصوم سر بين العبد وربه، بخلاف الصلاة فليست سراً، والصدقة ليست سراً، والحج والعمرة وبر الوالدين وصلة الأرحام، وإماطة الأذى من الطريق كل هذا قد يراه الناس، أما الصيام فقد يكون العبد صائماً ولا يعلم به إلا الله، ولذلك كان الصالحون من هذه الأمة، الواحد منهم يصوم تطوعاً، ويعلق اللحم على بابه، ويدهن وجهه؛ يعني: لئلا يبدو عليه أثر الصيام، مثلما أن الواحد منهم كان يبكي من خشية الله ويقول: ما أشد الزكام، ويقول: الزكام هذا صعب، هو طبعاً ما كذب ما قال: أنا مزكوم، وإنما يقول: الزكام شديد، أو ما أشد الزكام، من أجل أن يجعلوا أعمالهم سراً فيما بينهم وبين ربهم جل جلاله، فالصيام سر، وممكن الواحد في رمضان يكون آكلاً ملء بطنه، وشارباً ملء بطنه ويظهر للناس أنه صائم.وهذه خصلة من خصال المنافقين، قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:6-7]، وقال سبحانه: يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، فالواحد منهم لا يصوم ولكن يظهر للناس أنه صائم، ولربما يأتي معهم عند المغرب ويجلس متربعاً حتى إذا قال المؤذن: الله أكبر، قال: بسم الله، اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، لكن من الذي يطلع على حقيقة أمره؟ الله جل جلاله، هذه المزية الأولى.المزية الثانية في الصيام: أنه يقطع العبد عن شهواته بما لا تفعل سائر العبادات، بمعنى: أنك في الصيام بضع عشرة ساعة كما في بلادنا هذه، من طلوع الفجر إلى دخول الليل وأنت ممتنع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، بخلاف العبادات الأخرى فلا تصنع ذلك، فالآن نحن في عبادة في مجلس الذكر لكن لو أتيتني بماء ممكن أشرب، وفي الصلاة الإنسان قبلها يأكل ويشرب، وبعدها يأكل ويشرب، وهكذا في الحج وفي غير ذلك من العبادات، أما الصيام فإنه يقطعك عن الشهوات ساعات معدودات قد تطول وقد تقصر، فإذا كان الصيام في الصيف فالنهار طويل، وإذا كان في الشتاء فالنهار قصير، ونحن في كلا الحالين عباد لله عز وجل.
 تحري ليلة القدر
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان أنه كان يتحرى ليلة القدر، ( فاعتكف في العشر الأول، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواسط، فنزل عليه جبريل فقال له: يا محمد! إن الذي تطلبه أمامك، فاعتكف في العشر الأواخر )، وصارت هذه سنته حتى فارق الدنيا، واعتكف أزواجه من بعده.كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان؛ طلباً لليلة القدر، التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: ( من حرم خيرها فقد حرم )؛ ولأن الله عز وجل قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3]، وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر. وقالوا في سبب نزول السورة بأن ( النبي صلى الله عليه وسلم حكى لأصحابه قصة رجل من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ثمانين سنة، ثمانون سنة وهو مجاهد في سبيل الله، قال الصحابة: ومن يطيق ذلك؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة ).قال علماؤنا: كأن الله تعالى أراد أن يعوض أمة محمد صلى الله عليه وسلم نظراً لقصر أعمارهم بالمقارنة مع أعمار الأمم التي كانت قبلهم، فعوضهم الله بليلة القدر، يعني: ( أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين، وقل من يجوز ذلك )، يعني: قل من يجاوز السبعين، فلما كانت أعمار هذه الأمة قصيرة الله عز وجل عوضهم بهذه الليلة المباركة، التي تعدل العبادة فيها عبادة أكثر من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر؛ ولذلك الموفق هو من التمسها.وإياك إياك عبد الله! أن تعمد إلى ليلة بعينها وتهمل ما سواها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فلما كانت ليلة إحدى وعشرين أمطرت السماء حتى وكف المسجد )، (وكف المسجد) يعني: نزل منه الماء؛ لأن سقفه كان من جريد النخل، ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بأصحابه فسجد في الطين، فلما انفتل في صلاته إذا أثر الطين على جبهته وروثة أنفه عليه الصلاة والسلام )، فكانت هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، وكان أبي بن كعب ( يحلف بالله الذي لا إله غيره لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، يقول: بالعلامة التي أرانا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس تخرج في صبيحتها ولا شعاع لها )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرى رؤياكم قد تواترت في هذه السبع، فتحروا فيها ليلة القدر ).قال علماؤنا وهذا قول الجمهور: بأن ليلة القدر متنقلة، ففي سنة من السنين تكون ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى تكون ليلة خمس وعشرين، وفي ثالثة تكون ليلة سبع وعشرين، وفي رابعة تكون ليلة ثلاث وعشرين، وفي أخرى ليلة تسع وعشرين، وهكذا تتحرك هذه الليلة، ولذلك الإنسان الموفق الكيس الفطن هو الذي يجتهد في ليالي العشر كلها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الصيام فضائل وأحكام للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net