إسلام ويب

ديوان الإفتاء [329]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بهذه الأمة وتيسيره عليها أن رخص لهم في أمور كثيرة، ومنها: المسح على الخفين، فيكتفى بالمسح عليهما دون أخذ الماء إليهما، ورخص في المسح عليهما للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة، وكذلك في المسح على الجبيرة وما يربط به الجرح وإن تجاوزت مكان الجرح والألم لغرض الشد على الجرح فإنه يمسح عليها.

    1.   

    من أحكام المسح على الخفين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من ديوان الإفتاء، والله الموفق والمستعان.

    اعلموا أن المسح على الخفين رخصة للمقيم والمسافر والرجل والمرأة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وأن المسح على الخفين مروي عن أكثر من سبعين صحابياً رضوان الله عليهم أجمعين، وما أنكره إلا المبتدعة.

    شروط المسح على الخفين

    والمسح على الخفين له شروط:

    أن يكون الخفان من جلد طاهر مخروز ساتر لمحل الفرض يمكن تتابع المشي فيه عادة، وألا يكون لابسه عاصياً بلبسه، فلا يكون مسروقاً ولا مغصوباً؛ لأن العاصي لا يستفيد من الرخصة، ولا بد أن يكون الماسح قد لبس خفيه على طهارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه: ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ).

    وأما مدة المسح عند جماهير العلماء فهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، والناس في هذه الأيام قد يخلعون الجوارب بسبب حرارة الجو؛ ولأنهم ليسوا بحاجة إليها، لكن بعضهم قد يستعمل الجوارب إما وقاية من البرد أحياناً، وإما ترفهاً وتجملاً؛ لأنه جرى في عرف الناس بأن الحذاء لا يلبس إلا ومعه جورب، فهل يصح المسح على الجوارب أم لا؟

    فالمالكية رحمهم الله يقولون: لا بد للجورب الذي يمسح عليه أن يكون باطنه أي: أسفله من جلد، لكنه ثبت من حديث المغيرة رضي الله عنه: ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح على الجوربين )؛ ولذلك يصح المسح على الجوربين إذا كانا صفيقين ساترين، وكان اللابس قد لبسهما على طهارة فإنه يجوز له أن يمسح.

    صفة المسح على الخفين

    وأما صفة المسح: فهي أن يأخذ الماء ولا ينقله إلى الخف، وإنما ينفضه من يده، ثم يبدأ من أطراف أصابعه فيمسح على ظاهر خفه، هذا هو الفرض وهذا هو المطلوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر خفيه، فيمسح بيده اليمنى على رجله اليمنى، ويمسح بيده اليسرى على رجله اليسرى، وكما قال علي رضي الله عنه فيما رواه أبو داود و الترمذي : ( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، أو لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح على ظاهر خفيه ).

    فالمالكية رحمهم الله يقولون: المسح على الظاهر هو الفرض، والمسح على الأسفل أو الباطن سنة استدلالاً بنفس حديث علي رضي الله عنه.

    قال علماؤنا رحمهم الله: يكره تتبع تكاميشه وغضونه؛ لأن المسح مبناه على التخفيف، فلا يتتبع الإنسان المسارب والخفايا، وإنما يمسح على ظاهر الخف من غير استيعاب ولا تتبع، وكذلك يكره تكرار المسح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يمسح إلا مرة واحدة، ولأن مبناه على التخفيف.

    مبطلات المسح على الخفين

    ومبطلات المسح هي:

    أولاً: الجنابة، فلو أن الإنسان أصابه ما يوجب الغسل من التقاء الختانين، أو خروج المني في المنام مطلقاً أو في اليقظة بشهوة فإنه ينزع خفيه، ويغسل سائر جسده ورجليه.

    ثانياً: يبطل المسح بنزع الخفين أو أحدهما، فإذا نزع أحد خفيه وجب عليه أن ينزع الآخر ويغسل رجليه.

    1.   

    المسح على الجبيرة

    ومما يتعلق أيضاً بالكلام عن المسح: المسح على الجبيرة، فمثلاً: الإنسان قد يصاب بكسر عافانا الله وإياكم فيوضع على محل الكسر جبيرة، قد يكون في يده، وقد يكون في رجله، وقد يصاب الإنسان بداء أو مرض فيضع عصابة، وهي ذلك الرباط الذي يكون على محل الجرح، أو بعض الناس قد يجري عمليه جراحية في عينيه، فتعصب عينه ويقال له: لا تنزع هذه العصابة إلا بعد كذا من الأيام، فما الحكم في تلك الحال؟

    نقول: الحكم المسح؛ لأنه يجوز للإنسان أن يمسح على الجبيرة، وعلى العصابة أو على الرباط الذي يكون على موضع الجرح إذا كان غسله يسبب ألماً أو يؤخر برؤه.

    أما إذا كان غسل العضو المكسور أو العضو المصاب قد يسبب إتلاف عضو أو إذهاب حاسة فهنا لا نقول: يجوز المسح، بل نقول: يجب المسح ويحرم عليه أن يغسل؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]؛ ولأن الله تعالى قال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، وقال سبحانه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6].

    الأصل في المسح على الجبيرة

    والأصل في ذلك ما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابته شجة -يعني: في رأسه- ثم نام فاحتلم، فسأل بعض الصحابة: هل تجدون لي من رخصة؟ )، يعني: هل يجوز لي أن أتيمم؟ ( فقالوا: لا, لا بد أن تغتسل، فاغتسل الرجل فمات )، أو في بعض الروايات: ( فكز فمات, فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال )، والعي: الجهل, ( ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيه أن يعصب على جرحه ويمسح عليه ويغسل سائر جسده ).

    لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحدث أنه يحرم القول على الله بغير علم، وأن القائل على الله بغير علم قد استحق أن يدعو عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالهلاك، وأنهم يتحملون وزر مقتلة ذلك الرجل، وأن الإنسان إذا أصابه جرح فإنه يمسح عليه إذا كان غسله يضر به، ثم بعد ذلك يغسل سائر جسده.

    كيفية المسح على الجبيرة

    أما كيفية المسح على الجبيرة فهي مثلما قيل في المسح على الخفين، يبل الإنسان يده بالماء ولا ينقله إلى موضع الجرح، وإنما يبل يده بالماء, ثم بعد ذلك يمسح على الجبيرة، ولو كان الرباط أو الجبس قد تجاوز موضع الكسر، فربما يكون الكسر في المفصل، لكن ضرورة الرباط والشد اقتضت أن تمتد الجبيرة إلى المرفق فيمسح عليها كلها، ولا حرج في ذلك إن شاء الله.

    ومثله أيضاً: لو كان على رأسه عصابة أو غطاء بسبب جراحة ونحوها فإنه يمسح عليها ويقيها الماء، ثم بعد ذلك يغسل سائر جسده، هذا فيما لو كان المصاب عضواً أو عضوين ونحو ذلك.

    أما إذا كان المصاب أغلب الجسد وما بقي سليماً إلا عضواً أو عضوين كيدٍ أو رجل ونحوهما، فبعض الناس عافانا الله وإياكم قد يصاب في حادث سيارة أو في غيرها فيبقى في المستشفى وقد ربط سائر جسده، ولم يبق عضو سليم إلا اليسير أو القليل, في هذه الحالة ينتقل إلى التيمم، فإذا كان الأغلب هو السليم والمصاب عضو أو عضوان فإنه يغسل سائر جسده ويمسح على المصاب.

    أما إذا كان المصاب أغلب الجسم وما بقي سليماً إلا اليسير، ففي هذه الحالة يتيمم؛ لأن تيمماً كاملاً خير من غسل ناقص؛ لأنه لا يمكن أن يغسل عضواً أو عضوين ثم بعد ذلك يقول له: امسح على سائر جسدك، أو يتوضأ في عضو أو عضوين ونقول له: امسح على سائر أعضائك، ففي هذه الحالة ننظر إلى الأغلب وإلى الأقل.

    مبطلات المسح على الجبيرة

    وهذا المسح يبطل بالبرء، فلو أن الإنسان برئ المحل الذي كان يمسح عليه, وزال العذر الذي به ففي هذه الحالة يرجع إلى الوضوء أو يرجع إلى الغسل.

    وكذلك يبطل بسقوط الجبيرة أو نزعها لعلاج أو غيره، فلو أن الجبيرة نزعت أو أنها سقطت ففي هذه الحالة لا بد من أن يغسل ذلك العضو، ولا يجزئه المسح الذي كان.

    1.   

    الأسئلة

    أبدأ الآن باستقبال أسئلة المتصلين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يعينكم على حسن السؤال, وأن يسددني في الجواب، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    المتصل: عندي أربعة أسئلة:

    الأول: عندما أركب في الحافلة قد أضطر أن أجلس بالقرب من رجل، فهل في ذلك شيء؟

    والثاني: ما الحكم في تأخير صلاة العشاء؟

    والثالث: إذا كنت منقبة فما حكم إظهار الوجه واليدين والرجلين في المنزل إذا كان هنالك رجال؟

    والسؤال الرابع: أسأل عن صحة كتاب: مكاشفة القلوب من مختصر المكاشفة الكبرى؟

    الشيخ: إن شاء الله تسمعين الإجابة على هذه الأسئلة.

    المتصل: الله يبارك فيك! لو سمحت يا شيخ! عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: أنا عندي طفل صغير، وفي الصلاة أكون منزعجة جداً، ولا أستطيع أن أكمل صلاتي وقد أكملها باستعجال، يعني: ما أقدر أتحصن ما أقدر أسبح كذا، لا سيما وأنا في الصلاة وأسمعه يبكي بكاء شديداً، فأكون مشغولة في صلاتي دائماً وهذا تقريباً في كل الصلوات، فلا أستطيع أن أصلي وأنا مطمئنة إلا في صلاة العشاء؟

    السؤال الثاني: ما حكم إنسان طلق زوجته وهو في فراش مرض الموت؟

    السؤال الثالث: هناك رجل خير وهو قريب مني وأنا احتجت لمال، فقمت وذهبت إليه، ولكن من أجل أنه قريب مني خفت، ولم أستطع أن أقول له مثلاً: أنا أريد المال لي ومعي بنات، فقمت وطلبت هذا المال باسم امرأة أخرى، وصرفت هذا المال لحاجتي، فما صحة هذا الدين وهذا الفعل؟

    الشيخ: تسمعين الإجابة على هذه الأسئلة إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أنا قبل سنة نزلت السودان، وكان عندي ذهب قد بلغ النصاب، يقدر بأكثر من مائة جرام، ولما نزلت السودان كنت ألبسه للزينة، فلما قضيت إجازتي وأردت السفر قال لي بعض أقربائي من الناس: اتركي الذهب حتى تشتري لك بقيمته بيتاً أو ندخله لك في مشروع، فهل تجب زكاة الذهب في هذه الحال، على أساس أنه حال عليه الحول؟ وإذا فيه زكاة فهل الزكاة في الخمسة والثمانين فقط أو حتى ما زاد على النصاب المعروف في الذهب؟

    السؤال الثاني: هل أخرج الزكاة لفقراء الحارة، حيث أني لا أعرف شخصاً أكثر حاجة أو فاقة منهم فأخرجها له؟

    وإذا كان عندي مال آخر، فهل ممكن أن آخذ من هذا المال فأخرج منه زكاة الذهب، أم أنه لا بد أن أخرج زكاة الذهب من الذهب نفسه؟

    الشيخ: تسمعين الإجابة على سؤالكِ إن شاء الله.

    السؤال الثالث: عندي طفل وعمره سبع سنوات، وينام معي في غرفة النوم الخاصة بي مع أني أحصنه بتحصين الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن و الحسين , لكن لست مطمئنة أن ينام وحده، وأريد أعرف هل أنومه لوحده في غرفة خاصة به أم أنه لا بد أن يكون معه شخص آخر أثناء النوم؟

    جلوس المرأة قريباً من الرجل أثناء الركوب في الحافلات

    الشيخ: طيب بالنسبة للأسئلة التي طرحتها الأخوات: وأبدأ بسؤال الأخت إيثار وهي تقول بأنها تضطر في الحافلة للجلوس قريباً من الرجال، فأقول لها: هذا الوضع وضع خاطئ، والمفروض أن يكون هناك أماكن في الحافلات للنساء مختلفة عن أماكن الرجال من أجل أن ندفع الفتنة عن الناس رجالاً ونساء، ومن أجل أن نحفظ كرامة الجميع رجالاً ونساء.

    كما أقول لأخواتنا أيضاً: الأصل في المرأة القرار في البيت فلا تخرج من بيتها إلا لضرورة أو لحاجة، وتخرج متحفظة في ملبسها وهيئتها، وتخرج حافظة لحيائها، وتجتهد في أن تجلس إلى جوار امرأة، أما إذا جلست إلى جوار رجل، فأيضاً تجتهد في أنه ما يكون بينه وبينها تلاصق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذا أقصى ما نستطيع قوله في هذه المسألة، وإلا فالوضع كله حقيقة خاطئ.

    تأخير صلاة العشاء في حق المرأة

    الشيخ: بالنسبة للأسئلة التي طرحتها الأخت، في سؤالها الأول تسأل عن حكم تأخير صلاة العشاء، فأقول لها: بالنسبة للرجال لا بد أن يوقعوها في المسجد مع جماعة المسلمين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نصلي الفرائض مع الجماعة، وأما بالنسبة لمن لا تجب عليه الجماعة، كالمريض والمرأة، فهؤلاء يسن لهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل الأول، فمثلاً في أيامنا هذه العشاء يدخل في الثامنة والنصف، ولو أنهم صلوا إلى العاشرة والنصف إلى الحادية عشرة فهذا أقرب إلى السنة إن شاء الله.

    إظهار اليدين والرجلين للمرأة في بيتها أمام غير المحارم

    الشيخ: وأما بالنسبة لسؤالها عن إظهار اليدين والرجلين فأقول لها: أنا أعجب إذا كانت الأخت منقبة، كيف تستبيح أن تظهر يديها ورجليها، فلا ينبغي هذا؛ لأن اليدين بمعنى الذراعين، ليس هناك خلاف في وجوب سترها، وكذلك الرجلين بمعنى الساقين ولا خلاف في وجوب سترها، وإنما هناك خلاف يسير في القدمين، والذي عليه جمهور العلماء وهو الراجح: بأن القدمين سترهما واجب، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة، فما يجوز لك يا إيثار أن تظهري اليدين والرجلين.

    حال كتاب (مكاشفة القلوب)

    الشيخ: أما بالنسبة لكتاب مكاشفة القلوب فأقول: أنا قرأته من زمان بعيد، والآن ما أذكر أصلاً ما كان موضوعه ولا ما فيه، فما يحضرني الآن جواب.

    استعجال المرأة في الصلاة بسبب بكاء طفلها الصغير

    الشيخ: وأما سؤالها بأن طفلها يبكي في أثناء الصلاة فيشغلها عن صلاتها، ويجعلها حريصة على الانتهاء منها بأسرع ما يكون، فأقول لها: خير لها لو أنها حملته؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة بنت زينب رضي الله عنهما، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها، هذا أفضل من تركه يبكي ويشوش عليك في صلاتك.

    طلاق الرجل زوجته في مرض موته بقصد حرمانها من الإرث

    الشيخ: أما سؤالها عمن طلق في مرض الموت المخوف. فأقول لها: هذا الذي يسميه علماؤنا بطلاق الفار، بتشديد الراء من الفرار، يعني: فر من توريثها، فلا يريد أن يورث هذه المرأة، فلما أيقن بأن هذا المرض سيعقبه موت, أي: غلب على ظنه ذلك، فبادر إلى تطليقها لئلا ترث.

    فمن إشراقات عثمان بن عفان عليه من الله الرضوان، وهو أحد الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا بأن نستن بسنتهم, وأن نقتدي بهديهم، أنه رضي الله عنه قضى بتوريث المرأة التي طلقها زوجها في مرض الموت المخوف.

    لأن أحد الصحابة رضي الله عنهم وهو عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو في مرض الموت، فدخل عليه عثمان وقال له: قد طلقت فلانة! قال: نعم، فقال له: قد علمت أني سأورثها لو مت؟ فقال له عبد الرحمن : قد علمت. يعني: أنا أعلم ذلك.

    يعني: عثمان رضي الله عنه ظن أن عبد الرحمن ما يريد توريثها، لكن عبد الرحمن عليه من الله الرضوان قال له: قد علمت، يعني: أنا أعلم بأنك ستورثها، كأنه يقول له: أنا ما طلقتها فراراً من توريثها.

    فنقول: من طلق امرأته في مرض الموت المخوف فإنه يعامل بنقيض قصده ونورث تلك المرأة منه.

    استخراج المرأة مالاً من قريبها باسم غيرها حياء عند حاجتها للمال

    الشيخ: وأما كونك قد احتجت إلى مال فاستخرجته باسم غيرك حياء من أن يعلم قريبك بأنك محتاجة، فأرجو ألا حرج عليك في ذلك إن شاء الله.

    نصاب الذهب عند تحول النية من التزين به إلى اكتنازه

    الشيخ: أم أحمد من السعودية أسئلتها كلها تدور حول الذهب, وتذكر بأنه كان عندها ذهب زينة يبلغ أكثر من مائة جرام، ثم بعد ذلك لما جاءت ورآها بعض الناس قد لبست هذا الذهب قالوا لها: خير لك لو تركتيه، وبعد ذلك ربما نجد قطعة أرض مميزة أو شيئاً يستحق، فنضع ثمن هذا الذهب في تلك الأرض، وقد نصحوها جزاهم الله خيراً؟

    فأقول لها: هذا الذهب إذا حال عليه الحول فقد وجبت فيه الزكاة؛ لأنه تحول من ذهب زينة وحلية إلى كنز، والله عز وجل قد أوجب الزكاة في الذهب إذا كان كنزاً؛ قال: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة )، أجارني الله وإياك والمسلمين.

    فيا أم أحمد : تغيير النية موجب للزكاة في هذا الذهب، والزكاة واجبة في ربع عشره، ليس في الخمسة والثمانين جراماً الأولى فقط، وإنما مجموع هذا الذهب.

    فلو افترضنا بأنه مثلاً أربعمائة جرام فربعها مائة، فعشرها أربعون، وربع الأربعين عشرة جرامات، فننظر العشرة جرامات هذه ما يعادلها من المال فنخرجه زكاة.

    وزكاة هذا الذهب أنسب من تدفع إليه الفقراء المساكين من الأرحام، فلو كان عندك أخت أو أخ مثلاً أو بعض بني الإخوة والأخوات وهم محتاجون إما لأنهم فقراء أو مساكين فهؤلاء أولى من غيرهم؛ لأن الله عز وجل قال: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أدناك أدناك )، يعني: الأقرب فالأقرب.

    وكما ذكرت لك ليس بالضرورة أن تخرجيه من الذهب؛ يعني: ربما لو أعطيته عشرة جرامات ذهباً ما انتفع بها، لكن أخرجي قيمة هذا الذهب فهو أنفع.

    نوم الطفل وعمره سبع سنوات في غرفة مستقلة

    الشيخ: أما سؤالك عن طفلك الذي عمره سبع سنوات حفظه الله ورعاه، فأقول: لا حرج عليك لو أنه نام وحده، والآن بعض علماء التربية يقولون: الأفضل أن ينام الطفل وحده من الأيام الأولى، يعني: ما يعود أن ينام إلى جوار أمه أو بين أمه وأبيه، بل الأفضل أن نعوده أن يكون في مكان منعزل، والله تعالى أعلم.

    المتصل: أحسن الله إليك! يا ليت توضح وتتكلم بكلام بسيط عن الربا؛ لأنه في هذا الزمن وفي سوداننا بالذات انتشر أن شخصاً يعطي شخصاً مالاً نقداً، خمسة ملايين أو عشرة ملايين أو مليونين، ويقول: بعد ستة شهور أو بعد شهرين رده بالزيادة؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: دكتور عبد الحي! بالنسبة للعبث والحركة في الصلاة، هل هناك حد معين من الحركة يبطل الصلاة؟ وهل لتحديدها بثلاث حركات متواليات أصل؟ وبماذا تنصحون من يكثر من العبث في الصلاة؟

    السؤال الثاني: إذا طهرت المرأة من الحيض في وقت العصر فهل تصلي معه الظهر، أو طهرت في العشاء فهل تصلي مع العشاء المغرب؟

    الشيخ: سأجيبك عن سؤاليك إن شاء الله.

    المتصل: عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: ذهبت الأسبوع الماضي عمرة، وكان معي ولد صغير أخذته معي للعمرة، فضاع مني أثناء الطواف في الشوط السابع فلم أجده، وفي الوقت نفسه كانت الإقامة لصلاة الصبح، فوقفنا الطواف وصلينا الصبح، ثم صليت ركعتين خلف المقام، وفي أثناء الركعة الثانية شكيت أني لم أسجد فيها إلا سجدة واحدة، فلما سلمت من الركعتين وغلب على ظني أنها سجدة واحدة، تحولت من الزحمة من محلي وأعدت الركعتين من جديد، فما حكم هاتين الركعتين؟

    السؤال الثاني: كيف يكون العمل في السجدة التي شكيت أنني نسيتها، أريد التفصيل، إذا كنت شكيت قبلما أسلم فكيف أتصرف، وإذا كان الشك بعدما سلمت فكيف أتصرف؟

    السؤال الثالث: بالنسبة لأعمال العمرة أنا فرقتها بسبب ضياع ولدي، فبعد السعي فتشت، ثم بعد الركعتين فتشت، ثم بعد الطواف فتشت فتفرقت علي أعمال العمرة ولم تكن متوالية فما حكم ذلك؟

    الشيخ: تسمعين الإجابة على أسئلتك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه من الصلاة إلى الصلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان كفارات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر )، وقال تعالى في القرآن: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، فنرجو توضيح المقصود بالكبائر في القرآن وفي السنة؟

    السؤال الثاني: ما هو تفسير الآية: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]؟

    الشيخ: سأجيبك إن شاء الله.

    المتصل: ما هو تفسير قوله تعالى: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، وجزاك الله خيراً؟

    من أقرض شخصاً مبلغاً من المال بالزيادة عليه عند رده وعلاقة ذلك بالربا

    الشيخ: عبد العزيز با بكر من رفاعة، يقول: بأنه جرت عادة بعض الناس بأن أحدهم يقرض الآخر خمسة آلاف, ويشترط عليه أنه بعد ستة أشهر يردها إليه بزيادة، فأقول له: هذا التعامل هو عين الربا الذي حرمه الله عز وجل، وهو ربا الجاهلية، ويسمى ربا الديون، ويسمى ربا النسيئة، ويسمى ربا الفضل فجمع كل الأنواع الربوية، ففيه ربا الفضل؛ لأنه مال بمال من جنسه مع زيادة وفضل، ويسمى ربا النسيئة؛ لأن الزيادة مشترطة مع التأخير، ويسمى ربا الديون؛ لأنه مترتب على قرض، وهذا هو عين ربا الجاهلية الذي حرمه الله عز وجل في القرآن بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:278-279]، وبقوله سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

    وقد عده رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، وأخبر أنه من الذنوب الكبار، فقال: ( درهم واحد من الربا أشد من ست وثلاثين زنية )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( الربا ثلاث وسبعون باباً: أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )، والعياذ بالله.

    فيا عبد العزيز ! أخبر من وراءك من الناس، ومن سمع هذا الحديث فليبلغ من لم يسمع؛ لأن الربا خراب ودمار في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276]، وأما في الآخرة: ( فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، أنه أتاه رجلان فقالا: انطلق بنا، فانطلقت معهما )، الحديث في البخاري عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ( أن من بين ما رأى بأن إنساناً يسبح في بركة من الدم كلما أراد أن يخرج يلقم في فيه حجر فيعود كما كان، فقال: من هذا؟ فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن هؤلاء هم أكلة الربا ).

    فالربا لا خير فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو مؤد إلى جملة عظيمة من المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.

    الحركة المبطلة للصلاة وتحديدها بثلاث مرات

    الشيخ: أما سؤال أخينا كمال عن الحركة في الصلاة فأقول له: الأصل بأن المسلم يقف في صلاته خاشعاً، يرمي ببصره نحو سجوده، وحال قيامه يضع يمناه على يسراه متبتلاً متخشعاً غير متشاغل ولا ملتفت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الالتفات قال: ( اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ).

    فلو أن الإنسان تحرك في صلاته حركة أو حركتين أو ثلاثاً أو أكثر لحاجة فلا حرج إن شاء الله، ( فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته أمسك بشيء، فلما سأله الصحابة عن هذه الحركة، قال لهم: جاء عدو الله يقطع علي صلاتي، فأمسكته وخنقته حتى سال لعابه على يدي، ولو شئت لربطته في سارية المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة، لكني تذكرت دعوة أخي سليمان: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] ).

    وأيضاً: فإن ( النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف، تناول شيئاً ثم بعد ذلك رجع القهقرى، والناس رجعوا حتى ركب بعضهم بعضاً، وبعد الصلاة قال: رأيت في مقامي هذا الجنة، وعرض لي عنقود من عنبها لو تناولته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم قط منظراً أفظع، ورأيت أكثر أهلها من النساء ).

    وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى وهو حامل أمامة بنت زينب ، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها ).

    وأيضاً: النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء وكان أبو بكر يصلي بالناس فتنحنحوا، فالتفت أبو بكر فرأى النبي عليه الصلاة والسلام فأشار إليه أن مكانك! لكن أبا بكر بعدما حمد الله رجع القهقرى، وتقدم النبي عليه الصلاة والسلام فأتم بالناس وكمل الصلاة، فهاهنا حركة من الرسول عليه الصلاة والسلام وحركة من أبي بكر رضي الله عنه.

    فالشافعية رحمهم الله لما حددوها بثلاث حركات يقولون: بأن الثلاث هي أول حد الكثرة، فقالوا: الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، فأول حد للكثرة ثلاث حركات، ولكن الراجح والعلم عند الله تعالى أن بطلان الصلاة لا يتقيد بتلك أو بذلك العدد. وإنما بطلان الصلاة كما قال علماؤنا: بحيث إذا رآه الرائي شك: هل هذا يصلي أم لا. يعني: بعض الناس في صلاته يعبث بلحيته ثم يفرك أنفه ثم يفرك عينيه، ثم بعد ذلك يمسح على وجهه ويصلح عمامته ويعدل هندامه وربما ينظر في ساعته، ثم بعد ذلك يحرك يديه في جيبه، وإذا دقت ساعة المسجد نظر إليها، وإذا الكهرباء انقطعت ثم جاءت نظر إلى المراوح من أجل أن يتأكد هل اشتغلت أو لا, وهكذا.

    فمثل هذا صلاته باطلة لا تصلح؛ لأن هذا إنسان عابث لاعب, أما كما ذكرت لو كانت الحركات أكثر من ثلاث، لكن دعت إليها حاجة فالصلاة صحيحة إن شاء الله.

    جمع المرأة الحائض بين صلاتي الظهر والعصر عند طهرها في آخر وقت العصر

    الشيخ: بالنسبة لسؤالك الثاني يا كمال في شأن الحائض التي طهرت في وقت العصر ماذا تصلي؟ فأقول: تصلي الظهر والعصر، فلو أن المرأة طهرت فاغتسلت، وبقي قبل الغروب ما يسع خمس ركعات فإنها تصلي الظهر والعصر، فإذا بقي ما يسع أربع ركعات الظهر وركعة من العصر فإنها تأتي بالظهر والعصر.

    كذلك لو طهرت بعد العشاء فإنها تصلي المغرب والعشاء، فمثلاً لو اغتسلت ثم بقي على طلوع الفجر ما يسع أربع ركعات يعني: الثلاث التي هي صلاة المغرب وركعة من العشاء فإنها تصلي المغرب والعشاء, وبهذا أفتى جمهور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    الفصل بين أعمال العمرة لضرورة وعدم الموالاة بينها

    الشيخ: السائل ذكر قصة طويلة في أنه كان في عمرة في الأيام التي خلت، وكان معه طفل صغير, وهذا الطفل قد انفلت منه في الشوط السابع، فبعد ذلك لما أكمل الشوط السابع وأقيمت صلاة الصبح صلى مع الناس، ثم بعد ذلك كان مشغولاً بهذا الطفل الذي ذهب، فلما ذهب ليصلي ركعتي الطواف عند المقام شك، فلما شك أعاد الركعتين, ثم بعد ذلك شغل في البحث عن الطفل, ففصل بين الطواف والسعي؟ فأقول له: يا أخي! لا حرج في هذا كله إن شاء الله وعمرتك صحيحة. أما فصلك بين الطواف والسعي فهو فصل يسير دعت إليه حاجة، لأنك ما طفت ثم ذهب فنمت، ولا ذهبت لتفطر، وإنما ذهبت تبحث عن هذا الطفل ورجعت مباشرة فسعيت.

    وبعض أهل العلم لا يرى أن الموالاة بين الطواف والسعي شرطاً لا بد منه، فأياً كان الأمر فأنت معذور، فالواجبات تسقط مع العذر الذي يمنع الإتيان بها.

    الشك في الصلاة وكيفية التعامل معه

    الشيخ: وأما بالنسبة لشكك يا أخي، فاعلم بأن الشك لا يوجب الإعادة، وإنما الإنسان يبني على ما استيقن، فإذا لم يستيقن فإنه يأتي بالشيء الذي شك فيه، فلو أنك شككت هل سجدت واحدة أم اثنتين؟ تبني على اليقين فإذا استيقنت أنهما سجدتان يكفي، أما إذا استمر معك الشك، فتفترض بأنها سجدة واحدة وتأتي بالثانية؛ لأن الأصل عدمها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا شك أحدكم في صلاته هل صلى اثنتين أم ثلاثاً؟ فليجعلها اثنتين، وإذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ فليجعلها ثلاثاً )، هذا هو المطلوب منك.

    ضابط الكبائر من الذنوب

    الشيخ: أما صلاح الدين فسأل عن معنى الكبائر في قول ربنا جل جلاله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، أقول له: بعض العلماء قالوا: الكبائر هي كل الذنوب، ولكن الصحيح بأنها ليست كل الذنوب، وإنما هي نوع معين من الذنوب؛ لأن الله عز وجل استثنى فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32]، فبين أن من الذنوب كبائر ومنها لمماً، فما هي الكبائر؟

    الكبائر ليست محصورة في عدد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث سبعاً: ( الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    وذكر في حديث آخر: اليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور.

    وذكر في حديث آخر: (أن يسب الرجل والديه، قالوا: كيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)، يعني: كأنه يتسبب في أن يسب أباه وأن تسب أمه.

    فلذلك وضعوا للكبيرة ضابطاً فقالوا: الكبيرة كل ذنب ترتب عليه لعن أو حد أو وعيد بالنار.

    فالذنوب التي فيها لعن كقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159]، أو كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله من لعن والديه، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله من ذبح لغير الله )، أو كقوله عليه الصلاة والسلام: ( لعن الله من عمل عمل قوم لوط )، ومثله قوله عليه الصلاة والسلام: ( لعن الله النامصة والمتنمصة )، فكل ذنب فيه لعنة فهو كبيرة.

    كذلك كل ذنب فيه حد: كالسرقة والحرابة والزنا والقذف والخمر والردة هذه كلها كبائر.

    وكذلك ما توعد عليه بالنار، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( من كتم علماً نافعاً )، أو ( من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة )، وكقوله عليه الصلاة والسلام: ( إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق أولئك لهم النار يوم القيامة )، فالذنب الذي فيه وعيد بالنار هو من كبائر الذنوب, ونسأل الله أن يجنبنا.

    المراد بالآية: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً)

    الشيخ: أما سؤاله عن تفسير قول ربنا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124]؟

    فأقول: هذه الآية المباركة جاءت في سياق التعقيب على قصة آدم عليه السلام حين أسكنه ربه الجنة مع زوجته الطيبة حواء عليهما السلام، وبذل له الوعد: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طه:118-119]، حصلت وسوسة من الشيطان فأخرجهما ربهما من الجنة، قال تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:121-123]، من اتبع هدى الله عز وجل لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

    قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124]، أي: ما أنزل الله عز وجل من الوحي على أنبيائه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أعرض عنه واتبع هواه فإن له معيشة ضنكاً في الدنيا، ولو كان ذا مال كثير وجاه عريض فإنه يعيش في ضنك؛ لأن الحياة لا تطيب إلا بذكر الله واتباع هداه.

    فقوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124]، أي: في الدنيا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، كما قال سبحانه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97] .

    المتصل: ما حكم التعامل بالأسهم والودائع الاستثمارية الموجودة الآن في البنوك السودانية مثل شهادات الشهامة وغيرها، والأسهم في البنوك؟

    الشيخ: سأجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: يا دكتور! نحن أمة الإسلام، نشهد شهادة التوحيد، فنشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأسأل: لا شك أن الأمم السابقة أرسلت إليهم الرسل بشهادة التوحيد، فهل كانت الشهادة التي كانوا ينطقونها مثل شهادتنا، أم أنهم كانوا يقولون: مثلاً: أشهد أن لا إله إلا الله وأن نوحاً رسول الله مثلاً، أم أنهم كانوا يقولون: أشهد أن محمداً رسول الله؟

    السؤال الثاني: يقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، فكيف يكون الواحد منا شهيداً على الناس من الأمم السابقة؟

    الشيخ: تسمع الإجابة عن أسئلتك إن شاء الله.

    معنى الاقتفاء في قوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم)

    السؤال: أخونا أبو بكر محمد سأل عن قول الله عز وجل: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]؟

    الجواب: الاقتفاء الاتباع وَلا تَقْفُ [الإسراء:36] مأخوذ من القفا، قفا فلان أو قفا فلان أثر فلان أي: اتبعه، فالشيء الذي ليس عندك علم به لا تتكلم فيه ولا تهرف بما لا تعرف، وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس! من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86].

    التعامل بالأسهم والودائع الاستثمارية في البنوك

    السؤال: أخونا محمد سأل عن التعامل بالأسهم والودائع الاستثمارية في البنوك؟

    الجواب: أما بالنسبة للأسهم فلا حرج في التعامل بها إذا كانت في شركات تتعامل في الأمور المباحة كشركات المقاولات وشركات الاتصالات وشركات التنقيب عن البترول والمعادن وما أشبه ذلك، أما إذا كانت شركات تتعامل في الحرام كشركات التبغ، مثلاً أو في بعض البلاد شركات الخمور -والعياذ بالله- والاتجار بها وتصنيعها فهذه أسهمها محرمة.

    وبالنسبة للودائع الاستثمارية لا حرج في إيداعها في البنوك، شريطة ألا يكون البنك يشترط نسبة معينة من رأس المال على أنها فائدة على هذه الودائع، وبالنسبة عندنا هنا في البنوك التي في السودان فالربا ممنوع فيها بالقانون.

    معنى الوسط في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)

    الشيخ: وأما بالنسبة لسؤال شيخ إدريس : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] فأقول له: الوسط هم العدول الخيار، جعل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم أمة وسطاً، أي: جعلها أعدل الأمم وخيرها، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، فكل نبي يوم القيامة يشهد بأنه بلغ قومه، فإذا قال قومه: ما جاءنا من بشير ولا نذير، يقال للنبي: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته.

    فنحن نشهد بأن الأنبياء جميعاً صلوات الله وسلامه عليهم قد بلغوا أقوامهم، وقاموا بما أوجب الله عليهم، الدليل على ذلك أن الله أخبرنا في القرآن مثلاً عن نوح، فقال: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [نوح:5-6]، إلى أن قال: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:8-9]، وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

    الشهادتان عند الأمم السابقة

    الشيخ: أما شهادة التوحيد، فشهادة أن لا إله إلا الله قد جاء بها الأنبياء جميعاً، قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36].

    وكذلك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أخذ الله عليهم العهود والمواثيق أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]، فكل الأنبياء شهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله.

    عدة المرأة الحامل

    السؤال: من توفي زوجها وهي حامل، فهل عدتها أربعة أشهر أم حتى تضع الجنين؟

    الجواب: حتى تضع الجنين؛ لأن الله تعالى قال: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، وهذه التي تسمى أم العدد.

    علاقة الربا بتبديل زجاج الريحة الفارغ بالصابون

    السؤال: أبدل زجاج الريحة الفارغ بصابون، فهل يعتبر هذا من الربا؟

    الجواب: ليس ربا، بدليه بصابون وإلا بشامبو كله يصلح.

    نمص الحواجب تجملاً للزوج

    السؤال: هل يجوز نمص الحواجب يسيراً للتجمل للزوج؟

    الجواب: لا يجوز، لا يسيراً ولا كثيراً، طالما الحاجب طبيعي اتركيه على ما خلقه الله.

    نصيحة الزوجة لزوجها القاطع للصلاة

    السؤال: زوجي يقطع الصلاة، ماذا أعمل كي يداوم عليها؟

    الجواب: انصحيه وترفقي به لعل الله أن يجعلك سبباً في هدايته.

    معنى قوله: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)

    السؤال: ما معنى قول الله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222].

    الجواب: هذه الآية فسرها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فيجوز للإنسان أن يستمتع بالحائض، لكن الجماع في الفرج هو الممنوع.

    إلى هنا نتوقف، أسأل الله أن يجمعنا على الخير مرة بعد مرة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.