إسلام ويب

تفسير سورة نوح [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعث الله سبحانه وتعالى نوحاً عليه السلام إلى قومه رسولاً؛ لينذرهم شدة عذاب الله وأليم عقابه، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وتقواه في السر والعلن، وطاعته عليه السلام فيما يأمرهم به، ثم بين لهم ثمار امتثالهم لأوامره واستجابتهم لدعوته من غفران الذنوب وستر العيوب، وتحقيق منافع الدنيا بتأخير آجالهم، ثم ناجى نوح ربه واشتكى قومه في عدم استجابتهم له، مع بذله لجميع الوسائل والطرق في الدعوة.

    1.   

    إرسال نوح إلى قومه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    الغرض من الإتيان بلفظ الجمع في قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحاً)

    يقول الله عز وجل -بسم الله الرحمن الرحيم-: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ[نوح:1]، (إنا): الله جل جلاله يعظم نفسه، كما مضى معنا في خواتيم سورة المعارج قول ربنا جل جلاله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ[المعارج:40-41]، فربنا جل جلاله يتحدث عن نفسه بضمير العظمة، وهو أعظم من كل عظيم.

    (أَرْسَلْنَا نُوحاً)، (نوحاً): اسم أعجمي مشتق من مادة: النوح، يعني كان كثير البكاء من خشية الله عز وجل.

    المراد بقوم الرجل والحكمة من إرسال كل نبي إلى قومه

    إِلَى قَوْمِهِ[نوح:1]، (إلى قومه) أي: عشيرته وجماعته وقرابته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة )، فما أرسل الله عز وجل نبياً إلا وهو من قومه، كما قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[إبراهيم:4].

    ولأن الإنسان إذا كان من القوم أنفسهم كان ذلك أدعى للقبول؛ لأنه ليس بمتهم عندهم، وهو نشأ بين ظهرانيهم وترعرع في أرضهم، يعرفون مبتدأه وأوله وسيرته وتاريخه، بخلاف ما لو أن إنساناً غريباً طرأ على قوم فإنهم يتشككون في أمره ويستريبون في خبره، فالله عز وجل أرسل نوحاً إلى قومه.

    وبين ربنا جل جلاله أنه أرسل رسلاً إلى كل قوم، كما قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ[فاطر:24]، وقال: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[الرعد:7].

    فحوى رسالة نوح عليه السلام

    كان فحوى رسالة نوح أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[نوح:1]، يا نوح! أنذر هؤلاء الناس الذين أشركوا بالله عز وجل ما لم ينزل به سلطاناً، وأسرفوا على أنفسهم، من قبل أن تحل بهم عقوبة الله عز وجل، ومضى معنا الكلام مراراً في أن كلمة العذاب في أصل اللغة معناها: الحبس، ومنه سمي الماء العذب عذباً؛ لأنه حبس حتى صفا.

    و(أَلِيمٌ)، أي: مؤلم، فعيل بمعنى: مفعل، كنذير بمعنى: منذر، وسميع بمعنى: مسمع.

    وهذا العذاب الأليم في الدنيا يكون بتنغيص العيش وتكدير الصفو، أو بنزول العقوبة، سواء كانت عقوبة بالغرق، أو عقوبة بالخسف، أو عقوبة بالمسخ، أو عقوبة بالقذف، أو عقوبة بالصيحة.. فهذه كلها عقوبات، أنزلها الله عز وجل بالقوم المكذبين.

    استجابة نوح في إنفاذ ما أمر الله به من إنذار قومه

    ونوح عليه السلام لم يتأخر في إنفاذ أمر الله عز وجل، مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أنزل الله عليه قوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ[الشعراء:214]، ما تأخر عليه الصلاة والسلام، وقام على الصفا ونادى: ( يا بني عبد مناف ! يا بني كعب بن لؤي ! يا بني مخزوم! يا بني تيم! إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم )، والله عز وجل قال له: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ[الحج:49].

    فهنا نوح عليه السلام ما تأخر، قام في قومه: قَالَ يَا قَوْمِ[نوح:2]، ونلاحظ النداء: (يَا قَوْمِ)، يتحبب إليهم عليه الصلاة والسلام، قال: يا أيها الناس! ولم يقل: يا بني آدم! وإنما: (يَا قَوْمِ)؛ من أجل أن يعطف قلوبهم عليه، ويرخوا أسماعهم إلى ما يقول، إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ[نوح:2]، أي: منذر، وبين ربنا جل جلاله أنه بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[النساء:165].

    و(مبين) إما أن تكون من: (أبان) المتعدي، أي: أبين لكم عن الله عز وجل، وإما أن تكون من (بان) اللازم، ومعنى (مبين) أي: نذير واضح، ليس في حياتي لبس ولا غموض، ولا في شخصيتي ما يثير ريبتكم، وكلاهما صحيح، فهو عليه الصلاة والسلام رجل واضح، لا يسأل الناس أجراً، ولا يطلب منهم منفعة دنيوية، فسيرته ناصعة، وصفحته بيضاء، وفي الوقت نفسه هو يبلغ عن الله البلاغ المبين.

    1.   

    الأمور التي دعا إليها نبي الله نوح

    الأمر بعبادة الله

    قال عز وجل: أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ[نوح:3]، يأمرهم بهذه الأوامر الثلاثة: أَنْ اعْبُدُوا[نوح:3]، يأمرهم بأن يعبدوا الله وحده لا شريك له، وهذه هي الغاية الأولى من بعثة الأنبياء، ما بعث الله نبياً إلا أمر قومه بأن يخلعوا الأصنام والأوثان والأنداد، وأن يفردوا الله عز وجل بالعبادة، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء:25]، وكل نبي قال لقومه: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:59]، فلا يكفي أن يعترف الإنسان بوجود الله، وإنما مع إقرارك بوجوده جل جلاله ووصفك إياه بصفات الكمال والجلال والجمال يجب عليك أن تعبده وحده لا شريك له، فلا تعبد معه شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً ولا شجراً ولا بشراً ولا هوى ولا مالاً.. وإنما تعبده وحده لا شريك له؛ ولذلك في الصلاة نقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، ولا نقول: نعبدك، وإنما: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فتقديم المفعول يفيد الاختصاص، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي: لا نعبد معك غيرك، ولا ندعو غيرك، ولا نستغيث بغيرك، ولا نتوكل على غيرك، بل نعبدك وحدك جل جلالك.

    فهذا هو الأمر الأول: أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ[نوح:3]، والعبادة فيها أمران: غاية الحب مع غاية الذل؛ ولذلك الإنسان المؤمن يذل لربه جل جلاله ذلاً لا يفعله مع مخلوق أبداً، وقمة الذل أن يضع أشرف مكان في أسفل مكان، فأشرف مكان: الجبهة التي هي أعلى الجسد، نضعها في التراب، ومعها الأنف الذي هو رمز العزة والكبرياء، نضعه على الأرض؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وألا أكفت ثوباً ولا شعراً )، وذكر صلى الله عليه وسلم: اليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، والجبهة، وأشار إلى أنفه عليه الصلاة والسلام، بمعنى: أنه لا بد أن يصيب الأنف ما يصيب الجبهة، ومنعنا صلى الله عليه وسلم من أن نمسح التراب عن جباهنا في حال الصلاة، إذ لو أن الإنسان سجد فأصاب جبهته تراب فإنه لا يمسح هذا التراب، اللهم إلا إذا كان يؤذيه، فذاك شأن آخر، فهذا هو الأمر الأول: غاية الذل ومع ذلك غاية الحب، وهذه هي حقيقة العبادة: ذل يصحبه حب لله عز وجل، وإلا فالإنسان قد يحب إنساناً ولا يذل له، كما يحب الإنسان زوجته، ويحب أولاده، ويحب والديه، ويحب أرحامه.. مثلاً، لكن لا يذل لهم، وكذلك قد يذل هناك ذل بغير حب، قد يذل الإنسان لمن هو أعلى منه درجة أو رتبة أو وظيفة لكنه لا يحبه، وأما ربنا جل جلاله فإننا نحبه ونذل له.

    الأمر بتقوى الله وطاعته

    ثم قال تعالى: وَاتَّقُوهُ[نوح:3]، التقوى: فعل المأمور واجتناب المحظور والصبر على المقدور، الإنسان يفعل الأوامر ويجتنب النواهي ويصبر على قضاء الله وقدره.

    قال تعالى: وَأَطِيعُونِ[نوح:3]، أطيعوا من؟ أطيعوا نوحاً، (اعْبُدُوا اللَّهَ)، سبحانه وتعالى، هذه له وحده، (وَاتَّقُوهُ)، وحده جل جلاله، (وَأَطِيعُونِ)؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، طاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، ومعصية الرسول معصية لله عز وجل؛ ولذلك ربنا جل جلاله قرن بينهما فقال: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً[النساء:69]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ[محمد:33]، وقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ[آل عمران:32]، وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[آل عمران:132]؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث في كتاب الله مقرونة بثلاث: قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[النساء:59]، وقوله: أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ[لقمان:14]، وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ[البقرة:43]، فلا بد أن تأتي بالواحدة وقرينتها.

    ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله )، وأنزل ربنا في القرآن: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[آل عمران:31].

    ثمرة القيام بعبادة الله وتقواه وطاعة رسله

    فلو حصلت هذه الثلاثة: بحيث عبدوا الله، واتقوا الله، وأطاعوا نوحاً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن الجزاء المترتب على هذه الثلاثة هو ما بينه الله في قوله: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[نوح:4]، لو أنكم عبدتم الله وحده ونبذتم الشرك، واتقيتم الله وحده جل جلاله، وأطعتموني فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فربنا جل جلاله سيغفر لكم ذنوبكم، كما قال سبحانه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ[الأنفال:38]، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإسلام يجب ما قبله؛ لما جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه فبسط يده ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بسط النبي صلى الله عليه وسلم يده قبضها عمرو ، وقال: ( أشترط على ربي أن يغفر لي.. )، عندي شرط: أن ربنا جل جلاله يغفر لي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( ويحك! أوما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، وأن التوبة تجب ما قبلها ).

    فالإنسان الذي أسلم لله عز وجل يغفر له ما مضى، والإنسان الذي تاب إلى الله -أسأل الله أن يتوب علينا جميعاً- يغفر له ويبدل سيئاته حسنات؛ ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عبداً يعرض على الله يوم القيامة وتعرض عليه سيئاته أولاً، صغارها وتحجب عنه كبارها، فينظر إلى سيئاته ويتغير وجهه، يقول الله عز وجل: ( هل تنكر من هذا شيئاً؟ يقول: لا يا رب! فيقول الله عز وجل: فإني قد غفرتها لك وبدلتها حسنات، فيقول ذلك العبد: يا رب! إن لي ذنوباً لا أراها، ثم ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم )، انظر ابن آدم! بعدما رأى ذنوبه الصغار، ولم ير الكبار لأنها محجوبة عنه، وأخبره ربه أنه قد بدلها حسنات، يقول له: يا رب! لدي ذنوب أخرى أنتم لم تكتبوها! لما وجد الحكاية مربحة، كأنه يخبر الله عز وجل بما خفي عنه، هكذا ابن آدم دائماً حريص.

    معنى: (من) في قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم)

    وفي قوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ[نوح:4]، قال بعض المفسرين: (من) زائدة للتوكيد، كما في قول الله عز وجل: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ[المائدة:19]، المعنى: ما جاءنا بشير ولا نذير، فـ(من) هنا زائدة، قالوا: المعنى: يغفر لكم ذنوبكم، وعلى هذا تكون شريعة نوح كشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بأن الإسلام يجب ما قبله.

    وقال بعض المفسرين: بل إن (من) تبعيضية، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، أي: يغفر لكم الشرك والكفر، واتخاذ الأنداد من دون الله، أما الذنوب التي من دون ذلك فلا بد لها من توبة متجددة، والظاهر الأول -والله أعلم- وهو أن الذنوب كلها مغفورة متى ما أقلع العبد عن الشرك بالله عز وجل ووحد الله سبحانه.

    المراد بالأجل المسمى في قوله: (ويؤخركم إلى أجل مسمى)

    ثم قال تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[نوح:4]، هذا الأجل المسمى: الحياة الدنيا، كما قال ربنا جل جلاله لآدم وحواء : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[البقرة:36]، ليس الاستقرار فيها أبدياً ولا المتاع فيها سرمدياً، وإنما هو مؤقت بأجل.

    قال تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[نوح:4]، يرجح العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله أن الأجل الثاني غير الأول؛ لأن الله قال: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[نوح:4]، ثم قال: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ[نوح:4]، أجل الله هنا المقصود به: العقوبة العامة، والعذاب الذي يضربه الله عز وجل على الأمم المكذبة الجاحدة، هذا العذاب إذا حل لا يؤخر، ثم قال لهم: لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[نوح:4].

    1.   

    مناجاة نوح لربه وشكواه عدم استجابة قومه

    يعتذر نوح عليه السلام إلى ربه ويضع أمامه ما بذل، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً[نوح:5]، أي: يا رب! قد بذلت غاية الجهد واستفرغت قمة الوسع، فلم آلو في دعوة قومي، لا بالليل ولا بالنهار، ولم يكن عنده إجازة ولا راحة.

    ويواصل إخباره عن جهده المبذول فيقول: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً[نوح:6]، أي: أن دعوتي إياهم ما استفادوا منها، وإنما كانوا يفرون؛ كما قال الله تعالى: فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ[المدثر:49-51]، يفرون.

    (إِلاَّ فِرَاراً)، الاستثناء هنا منقطع، كما قال صالح عليه السلام: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ[هود:63].

    وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ[نوح:7]، الأصابع المقصود بها: الأنامل، أي: أطراف الأصابع، وهذا الذي يسمونه: المجاز، وهو إطلاق الكل وإرادة الجزء، وإلا فلا يتأتى للإنسان أن يدخل أصابعه كلها في أذنيه، وإنما يدخل بعضها، وهذا كناية عن عدم الرغبة في السماع؛ فلو أن إنساناً يتكلم والآخر سد أذنيه معناه أنه يقول له: أنا لا أريد أن أسمع.

    قال تعالى: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ[نوح:7]، (استغشوا) أي: غطوا، طلبوا الغشاء، وهو الغطاء، ومنه سميت القيامة: غاشية؛ لأنها تغطي الكون بأهوالها، ومنه قول ربنا جل جلاله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى[الليل:1]، بمعنى: يغطي الكون بظلامه وَأَصَرُّوا[نوح:7]، وأصروا على كفرهم وشركهم، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً[نوح:7]، أي: أصابهم الكبر الذي يصرفهم عن سماع الهدى وتأمل أدلته.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً[نوح:8]، جهاراً بمعنى: في الملأ، بحيث إذا كانوا مجتمعين فإنني أدعوهم، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً[نوح:9]، فأحياناً أخاطبهم خطاباً علنياً يسمعه الكافة، وأحياناً أدعوهم فرادى بالإسرار، أناجي الواحد منهم وأكلمه، وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعو إلى الله عز وجل بالليل والنهار، يدعو إلى الله عز وجل جهرة إذا اجتمع الناس، كما كان يفعل في المواسم وفي الأسواق، وتارة يخطب عليه الصلاة والسلام، وتارة يسر للواحد منهم ويقنعه ويدعو الله له.

    فاستعمل نوح عليه السلام هذه الوسائل كلها؛ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً[نوح:5-9]. ‏

    أمر نوح قومه بالاستغفار وبيان فضل الإقامة عليه

    قال عز وجل: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ[نوح:10]، كل نبي يأمر قومه بالاستغفار؛ ولذلك هود عليه السلام يقول لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ[هود:52]، وصالح يقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[هود:61]، وشعيب عليه السلام يقول لقومه: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ[هود:89-90]، فكل نبي يأمر قومه بالاستغفار.

    الاستغفار سبب لخيري الدنيا والآخرة، ويكفيكم أن الله عز وجل أمر به خيرة خلقه، محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً[النساء:106]، وقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[محمد:19]، وقال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً[النصر:3]، فالله عز وجل يأمره بالاستغفار.

    والاستغفار يكون حتى بعد العبادات وليس بعد الذنب فقط؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا انفتل من صلاته -إذا سلم- كان أول كلمة يقولها ( أستغفر الله.. )، ثلاثاً: ( أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله )، كذلك في الصيام، إذا أفطر كان يقول: ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )، فالذي يريد سعة الرزق عليه بالاستغفار، والذي يريد تفريج الهم عليه بالاستغفار، والذي يريد قوة البدن عليه بالاستغفار، والذي يريد كثرة الذرية عليه بالاستغفار.

    يقول علي رضي الله عنه: كان إذا حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث نفعني الله به ما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر ، وصدق أبو بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له )، فالاستغفار سبب لخيري الدنيا والآخرة.

    ولذلك نوح يقول لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ[نوح:10]، ثم يرغبهم فيقول لهم: إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً[نوح:10]، فليس غافراً، وإنما غفاراً -جل جلاله- أي: كثير المغفرة، وجاء في الحديث: ( إن عبداً أذنب ذنباً فقال: اللهم اغفر لي! فغفر الله له، ثم أذنب فقال: اللهم اغفر لي! فغفر الله له، ثم أذنب فقال: اللهم اغفر لي! فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فليفعل عبدي ما شاء فقد غفرت له )، أي: ما دام يستغفرني، وهو الذي قال: ( يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي )، وفي القرآن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً[الزمر:53].

    أسأل الله أن يغفر لنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.