اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة نوح [3] للشيخ : عبد الحي يوسف


تفسير سورة نوح [3] - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
بعث الله سبحانه وتعالى نوحاً عليه السلام إلى قومه رسولاً؛ لينذرهم شدة عذاب الله وأليم عقابه، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وتقواه في السر والعلن، وطاعته عليه السلام فيما يأمرهم به، ثم بين لهم ثمار امتثالهم لأوامره واستجابتهم لدعوته من غفران الذنوب وستر العيوب، وتحقيق منافع الدنيا بتأخير آجالهم، ثم ناجى نوح ربه واشتكى قومه في عدم استجابتهم له، مع بذله لجميع الوسائل والطرق في الدعوة.
إرسال نوح إلى قومه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:
 استجابة نوح في إنفاذ ما أمر الله به من إنذار قومه
ونوح عليه السلام لم يتأخر في إنفاذ أمر الله عز وجل، مثلما فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أنزل الله عليه قوله: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ[الشعراء:214]، ما تأخر عليه الصلاة والسلام، وقام على الصفا ونادى: ( يا بني عبد مناف ! يا بني كعب بن لؤي ! يا بني مخزوم! يا بني تيم! إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم )، والله عز وجل قال له: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ[الحج:49].فهنا نوح عليه السلام ما تأخر، قام في قومه: قَالَ يَا قَوْمِ[نوح:2]، ونلاحظ النداء: (يَا قَوْمِ)، يتحبب إليهم عليه الصلاة والسلام، قال: يا أيها الناس! ولم يقل: يا بني آدم! وإنما: (يَا قَوْمِ)؛ من أجل أن يعطف قلوبهم عليه، ويرخوا أسماعهم إلى ما يقول، إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ[نوح:2]، أي: منذر، وبين ربنا جل جلاله أنه بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[النساء:165]. و(مبين) إما أن تكون من: (أبان) المتعدي، أي: أبين لكم عن الله عز وجل، وإما أن تكون من (بان) اللازم، ومعنى (مبين) أي: نذير واضح، ليس في حياتي لبس ولا غموض، ولا في شخصيتي ما يثير ريبتكم، وكلاهما صحيح، فهو عليه الصلاة والسلام رجل واضح، لا يسأل الناس أجراً، ولا يطلب منهم منفعة دنيوية، فسيرته ناصعة، وصفحته بيضاء، وفي الوقت نفسه هو يبلغ عن الله البلاغ المبين.
الأمور التي دعا إليها نبي الله نوح

 المراد بالأجل المسمى في قوله: (ويؤخركم إلى أجل مسمى)
ثم قال تعالى: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[نوح:4]، هذا الأجل المسمى: الحياة الدنيا، كما قال ربنا جل جلاله لآدم وحواء : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ[البقرة:36]، ليس الاستقرار فيها أبدياً ولا المتاع فيها سرمدياً، وإنما هو مؤقت بأجل.قال تعالى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[نوح:4]، يرجح العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله أن الأجل الثاني غير الأول؛ لأن الله قال: وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى[نوح:4]، ثم قال: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ[نوح:4]، أجل الله هنا المقصود به: العقوبة العامة، والعذاب الذي يضربه الله عز وجل على الأمم المكذبة الجاحدة، هذا العذاب إذا حل لا يؤخر، ثم قال لهم: لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[نوح:4].
مناجاة نوح لربه وشكواه عدم استجابة قومه
يعتذر نوح عليه السلام إلى ربه ويضع أمامه ما بذل، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً[نوح:5]، أي: يا رب! قد بذلت غاية الجهد واستفرغت قمة الوسع، فلم آلو في دعوة قومي، لا بالليل ولا بالنهار، ولم يكن عنده إجازة ولا راحة.ويواصل إخباره عن جهده المبذول فيقول: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً[نوح:6]، أي: أن دعوتي إياهم ما استفادوا منها، وإنما كانوا يفرون؛ كما قال الله تعالى: فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ[المدثر:49-51]، يفرون.(إِلاَّ فِرَاراً)، الاستثناء هنا منقطع، كما قال صالح عليه السلام: فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ[هود:63].وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ[نوح:7]، الأصابع المقصود بها: الأنامل، أي: أطراف الأصابع، وهذا الذي يسمونه: المجاز، وهو إطلاق الكل وإرادة الجزء، وإلا فلا يتأتى للإنسان أن يدخل أصابعه كلها في أذنيه، وإنما يدخل بعضها، وهذا كناية عن عدم الرغبة في السماع؛ فلو أن إنساناً يتكلم والآخر سد أذنيه معناه أنه يقول له: أنا لا أريد أن أسمع.قال تعالى: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ[نوح:7]، (استغشوا) أي: غطوا، طلبوا الغشاء، وهو الغطاء، ومنه سميت القيامة: غاشية؛ لأنها تغطي الكون بأهوالها، ومنه قول ربنا جل جلاله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى[الليل:1]، بمعنى: يغطي الكون بظلامه وَأَصَرُّوا[نوح:7]، وأصروا على كفرهم وشركهم، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً[نوح:7]، أي: أصابهم الكبر الذي يصرفهم عن سماع الهدى وتأمل أدلته.ثم قال تعالى: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً[نوح:8]، جهاراً بمعنى: في الملأ، بحيث إذا كانوا مجتمعين فإنني أدعوهم، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً[نوح:9]، فأحياناً أخاطبهم خطاباً علنياً يسمعه الكافة، وأحياناً أدعوهم فرادى بالإسرار، أناجي الواحد منهم وأكلمه، وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعو إلى الله عز وجل بالليل والنهار، يدعو إلى الله عز وجل جهرة إذا اجتمع الناس، كما كان يفعل في المواسم وفي الأسواق، وتارة يخطب عليه الصلاة والسلام، وتارة يسر للواحد منهم ويقنعه ويدعو الله له.فاستعمل نوح عليه السلام هذه الوسائل كلها؛ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً[نوح:5-9]. ‏
 أمر نوح قومه بالاستغفار وبيان فضل الإقامة عليه
قال عز وجل: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ[نوح:10]، كل نبي يأمر قومه بالاستغفار؛ ولذلك هود عليه السلام يقول لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ[هود:52]، وصالح يقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ[هود:61]، وشعيب عليه السلام يقول لقومه: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ[هود:89-90]، فكل نبي يأمر قومه بالاستغفار. الاستغفار سبب لخيري الدنيا والآخرة، ويكفيكم أن الله عز وجل أمر به خيرة خلقه، محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً[النساء:106]، وقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ[محمد:19]، وقال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً[النصر:3]، فالله عز وجل يأمره بالاستغفار.والاستغفار يكون حتى بعد العبادات وليس بعد الذنب فقط؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا انفتل من صلاته -إذا سلم- كان أول كلمة يقولها ( أستغفر الله.. )، ثلاثاً: ( أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله )، كذلك في الصيام، إذا أفطر كان يقول: ( اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )، فالذي يريد سعة الرزق عليه بالاستغفار، والذي يريد تفريج الهم عليه بالاستغفار، والذي يريد قوة البدن عليه بالاستغفار، والذي يريد كثرة الذرية عليه بالاستغفار.يقول علي رضي الله عنه: كان إذا حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث نفعني الله به ما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر ، وصدق أبو بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من عبد يذنب ذنباً ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له )، فالاستغفار سبب لخيري الدنيا والآخرة.ولذلك نوح يقول لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ[نوح:10]، ثم يرغبهم فيقول لهم: إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً[نوح:10]، فليس غافراً، وإنما غفاراً -جل جلاله- أي: كثير المغفرة، وجاء في الحديث: ( إن عبداً أذنب ذنباً فقال: اللهم اغفر لي! فغفر الله له، ثم أذنب فقال: اللهم اغفر لي! فغفر الله له، ثم أذنب فقال: اللهم اغفر لي! فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فليفعل عبدي ما شاء فقد غفرت له )، أي: ما دام يستغفرني، وهو الذي قال: ( يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي )، وفي القرآن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً[الزمر:53].أسأل الله أن يغفر لنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة نوح [3] للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net