إسلام ويب

سورة الممتحنة - الآية [10]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش صلح الحديبية، وكان من بنوده أن من جاء من المشركين إلى رسول الله مؤمناً لزمه رده، ومن جاء من رسول الله إلى المشركين مرتداً لا يلزمهم رده، فجاء بعض نساء المشركين إلى رسول الله فرفض ردهن بحجة أن الشرط في الرجال دون النساء، فأنزل الله آية الامتحان التي اشتملت على أحكام عدة منها: امتحانهن، وجواز زواج المسلمين بهن بعد دفع مهور المشركين إليهم، والنهي عن الإمساك بالزوجات الكافرات، وغيرها من الأحكام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الثمانين في الآية العاشرة من سورة الممتحنة؛ قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10].

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية باتفاق أهل التفسير ما ورد عن عبد الله بن أبي أحمد بن جحش رضي الله عنهما: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرت، فخرج أخواها الوليد و عمارة حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنع من أن يرددن إلى المشركين، وأنزل الله هذه الآية التي يسميها المفسرون: آية الامتحان.

    رفض رسول الله رد المشركات اللاتي أسلمن وهاجرن إليه بعد صلح الحديبية

    أيها الإخوة الكرام! تعلمون بأن صلح الحديبية الذي أبرم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم و سهيل بن عمرو العامري ، كان من بين بنوده: أن من جاء من المسلمين مرتداً فلا يرده المشركون، ومن جاء من المشركين مسلماً وجب على المسلمين رده، وأول من طبق عليه هذا الشرط هو: أبو جندل بن سهيل بن عمرو رضي الله عنه لما جاء يرسف في أغلاله وينوء بصدره نحو المسلمين، فقال سهيل بن عمرو للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا أول من أقاضيك عليه، رده إلينا؛ فرد النبي عليه الصلاة والسلام أبا جندل وقال له: ( إن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجاً ومخرجاً ).

    وبعد أن أبرم الصلح هاجرت أم كلثوم بنت عقبة ، وهاجرت نساء سواها، فهاجرت أم كلثوم بنت عقبة هاربة من زوجها عمرو بن العاص وكان على الشرك، وهاجرت سبيعة الأسلمية هاربة من زوجها صيفي بن الراهب أو مسافر المخزومي ، وهاجرت أميمة بنت بشر هاربة من زوجها ثابت بن شمراخ وقيل: بل كان زوجها حسان بن الدحداحة، فجاء أزواج هؤلاء النسوة إلى المدينة يطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يرد إليهم هؤلاء النساء، حتى إن زوج سبيعة الأسلمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن طينة الكتاب الذي بيننا وبينك لم تجف بعد، يعني: ما زالت المعاهدة حديثة، وما زالت بنودها حاضرة في الأذهان.

    لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن يرد إلى المشركين واحدة من هؤلاء النسوة اللائي جئن مسلمات مؤمنات؛ بل وزوجهن.

    فزوج أم كلثوم بنت عقبة التي كانت زوجة لـعمرو بن العاص من زيد بن حارثة رضي الله عنه، و سبيعة الأسلمية تزوجها السيد الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتزوج أميمة بنت بشر سهل بن حنيف ، فولدت له عبد الله بن سهل .

    حجة النبي في امتناعه عن رد النساء المؤمنات إلى الكفار

    أيها الإخوة الكرام! كان الصلح الذي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ينص على أن من جاء مسلماً فإنه يرد، ومن جاء مرتداً فإنه لا يرد.

    فلما جاء هؤلاء يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم سبيعة الأسلمية و أميمة بنت بشر و أم كلثوم بنت عقبة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الشرط في الرجال لا في النساء )، يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: وقد أذهل الله المشركين عن الاحتياط في شرطهم؛ ليكون ذلك رحمة بالنساء المهاجرات، إذ جعل الله لهن مخرجاً وتأييداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام استعمل حيلة تفاوضية؛ لأنه كان مفاوضاً ذكياً عليه الصلاة والسلام، حيث كان هذا الشرط في شروط الصلح فضفاضاً ينطبق على الرجال ولا ينطبق على النساء، ويصح أن ينطبق عليهما معاً، لكن النبي صلى الله عليه وسلم فسره بتفسير خاص قال: ( إنما الشرط في الرجال لا في النساء ).

    القراءات الواردة في الآية

    قول الله عز وجل: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ[الممتحنة:10]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ أبو عمرو بن العلاء البصري وحده: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر)، بضم التاء وفتح الميم وتشديد السين مضارع مسك بمعنى: أمسك.

    معاني مفردات الآية

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [الممتحنة:10]، أي: حال كونهن مهاجرات، فَامْتَحِنُوهُنَّ[الممتحنة:10]، الامتحان: الاختبار، والمراد: اختبار إيمانهن.

    قال الله عز وجل: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ[الممتحنة:10]، يعني: يا مؤمنون! عليكم بالظاهر والله عز وجل يتولى السرائر، عليكم أن تختبروا هؤلاء المؤمنات بما يظهر من الدلائل، أما ما تكنه الضمائر وما تنطوي عليه القلوب فلا يعلمه إلا علام الغيوب.

    وقوله: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ[الممتحنة:10]، أي: إذا حصل لكم العلم بأن هؤلاء المهاجرات مؤمنات غير كاذبات في دعواهن، وذلك من خلال إلهام الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ( كانت الممتحنة تستحلف أنها ما خرجت بغضاً لزوجها، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماساً لدنيا، ولا عشقاً لرجل منا، ولا بجريرة جرتها؛ بل حباً لله ولرسوله وللدار الآخرة، فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك أعطى النبي صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها )، يعني: يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم للزوج الذي هربت منه مهرها الذي دفعه زوجها من بيت مال المسلمين؛ لأن الله عز وجل قال: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10].

    يقول الله عز وجل: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[الممتحنة:10]، أي: هؤلاء المؤمنات المهاجرات لسن حلاً لأزواجهن الكافرين، وهؤلاء الكفار المحادون لله ورسوله لا يحلون لهؤلاء الزوجات المؤمنات الطيبات.

    يقول بعض أهل التفسير: الكافر أصلاً لا يتوجه إليه خطاب بالحل والحرمة، بل الجملة في محل التأكيد كما في قول الله عز وجل: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187].

    قال الله عز وجل: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا[الممتحنة:10]، يعني: أن هذا الزوج الكافر الذي هربت منه امرأته مهاجرة لله ورسوله يرجع إليه ما أنفق من المهر، والمكلف لإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين، في أيديهم من أموال المسلمين العامة.

    قال الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ[الممتحنة:10]، يعني: هؤلاء المؤمنات المهاجرات بعدما تنقضي عدتهن من أزواجهن الكفار فلا حرج عليكم أيها المؤمنون! أن تتزوجوا بهن بشرط أن تدفعوا إليهن مهورهن، أي: يكون زواجاً جديداً، وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج أم كلثوم من زيد بن حارثة ، وسبيعة الأسلمية من عمر بن الخطاب و أميمة بنت بشر من سهل بن حنيف رضوان الله عليهم أجمعين.

    قال الله عز وجل: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، وكأنه يقول: يا مسلمون! من كانت تحته امرأة ما زالت مصرة على الكفر مستمسكة بالشرك لا يحل له إبقاؤها تحته، بل يجب عليه فراقها وتسريحها، وأول ما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين من نسائه وكانتا على الكفر، كانتا مشركتين بمكة وهما: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة و أم كلثوم بنت عمرو الخزاعية .

    قال الله عز وجل: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10] الكوافر: جمع كافرة، وهن المشركات.

    وقوله: وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ [الممتحنة:10]، يعني: هؤلاء الكافرات اللائي لا يصلحن زوجات لكم طالبوهن بالمهور التي دفعتموها إليهن، مثلما أنكم تردون إلى الكفار مهور النساء المسلمات اللائي هربن منهم.

    قال الله عز وجل: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ [الممتحنة:10]، هذه التشريعات حكم من رب عليم خبير عدل، تشريعاته عدل بين الفريقين، بل بين المؤمنين والكفار، وليس لأحد أن يأخذ بأحد الجانبين ويترك الآخر، ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10]، كلمة (الحكم) هنا تكررت، ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ))، بعد ذلك: يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ))، ثم: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ))، وهذه الكلمة كلمة (الحكم) ومشتقاتها تكررت في القرآن أكثر من سبعين مرة؛ ولذلك الآن بعض الناس الذين يقولون: إن الإسلام أو القرآن ما عنده علاقة بالحكم، نقول لهم: أنتم إما لا تعرفون القرآن، أو أنكم تتعمدون التلبيس على الناس، بل في القرآن الكريم عشرات الآيات تتكلم عن الحكم ووجوب أن يكون بما أنزل الله عز وجل، وبما شرع سبحانه، وأنه ليس للعبد أن يحلل وأن يحرم وفق اختياره.

    المعنى الإجمالي للآية

    المعنى الإجمالي: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم النساء المؤمنات مهاجرات من دار الكفر إلى دار الإسلام فامتحنوهن، وصيغة الامتحان: أن يحلفن بالله أنهن ما خرجن رغبة عن أرض إلى أرض ولا بغضاً لزوج ولا عشقاً لرجل من المسلمين ولا لجريرة ارتكبنها ولا التماساً لدنيا، بل خرجن حباً لله ورسوله؛ فإذا حلفت المرأة على ذلك فإنها تصدق، ويصح عقد الإيمان لها، وتدخل في الإسلام ويحرم ردها إلى الكفار، ولا حرج عليكم أيها المؤمنون أن تنكحوا هؤلاء المهاجرات اللائي لحقن بكم من دار الحرب مفارقات لأزواجهن، وإن كان لهن أزواج في دار الحرب فآتوا هؤلاء الأزواج الأجور التي دفعوها مهوراً لهؤلاء النسوة، ولا تمسكوا أيها المؤمنون بحبال النساء الكوافر وأسبابهن، ذلك حكم الله بين أهل الهدى وأهل الضلالة.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن...)

    وفي هذه الآية فوائد منها: وجوب الاحتياط في أمر المرأة المسلمة أكثر من الرجل؛ لأن المرأة ضعيفة وتتعرض للفتنة في دينها؛ ولذلك نلاحظ هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رد أبا جندل بن سهيل بن عمرو ، ورد أبا بصير ؛ لكنه لم يرد هؤلاء النساء المؤمنات.

    ومن فوائد هذه الآية: وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وهذا الوجوب يشمل المرأة كما يشمل الرجل؛ ولذلك أم كلثوم رضي الله عنها خرجت مهاجرة من غير محرم، ولم ينكر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.

    ومن فوائد الآية: علم ربنا جل جلاله بما تخفيه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر.

    ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز رد المرأة المسلمة إلى قوم كفار ليفتنوها في دينها.

    ومن فوائد الآية: عدم جواز بقاء المرأة المسلمة تحت زوج كافر أياً كان كفره؛ سواء كان كافراً كتابياً أو كافراً وثنياً أو ملحداً، لا يجوز للمرأة المسلمة أن تبقى تحت الكافر، فضلاً عن أن امرأة مسلمة تحدث نكاحاً مع رجل كافر فهذا من باب أولى، فلا يجوز للكافر أن يتزوج مسلمة وهذا بإجماع أهل الإسلام، ومن قال بغير ذلك فقد ضل ضلالاً مبيناً، وقد شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين.

    ومن فوائد الآية: جواز نكاح المسلمة التي فرت من تحت كافر وذلك بعد استبرائها، ويجب في تلك الحال أن يدفع إليها المهر كاملاً، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: وقد كانت هذه الأحكام التي في هذه الآيات من التراد في المهور شرعاً في أحوال مخصوصة اقتضاها اختلاط الأمر بين أهل الشرك والمؤمنين، وما كان من عهد المهادنة بين المسلمين والمشركين في أوائل أمر الإسلام خاصاً بذلك الزمان بإجماع أهل العلم، وقد نقل هذا الإجماع الإمام أبو بكر بن العربي والإمام أبو عبد الله القرطبي والإمام أبو بكر الجصاص الحنفي، وغيرهم.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.