إسلام ويب

سورة الأحزاب - الآيات [70-71]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينادي الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين آمراً لهم بتقواه في السر والعلن، وحاثاً على القول السديد الصائب، وقول الحق في جميع شئون الحياة. وثمرة ذلك: إصلاح الحال وغفران الذنب والفوز العظيم في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ...) إلى قوله: (... ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    لا زلنا مع سلسلة نداءات الرحمن ومع النداء السادس والستين في الآيتين السبعين والحادية والسبعين من سورة الأحزاب، قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    الوصية بالتقوى

    هذه الآيات المباركة جاءت في خواتيم سورة الأحزاب التي افتتحها ربنا جل جلاله بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، وختمها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70].

    وتقوى الله عز وجل هي وصيته للأولين والآخرين قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70]، أي: في كل ما تأتون وما تذرون، في كل أقوالكم وأعمالكم خاصة ما يؤذي رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم.

    مفهوم القول السديد وبعض صوره

    قوله: وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [الأحزاب:70]، القول: هو ما يصدر عن فم الإنسان مما يعبر عما في نفسه.

    والسديد: هو ما يوافق السداد، والسداد هو: الصواب والحق.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، أي: صواباً.

    وقال قتادة : عدلاً.

    وقال الحسن : صدقاً. وقيل: مستقيماً.

    وقيل: (القول السديد) هو: الذي يوافق ظاهره باطنه. وقيل: ما أريد به وجه الله دون غيره. ولا شك أن هذه الأقوال كلها صحيحة؛ فالقول السديد صواب وحق وعدل يوافق ظاهره باطنه.

    ومن القول السديد قول: لا إله إلا الله، ومن القول السديد ما أريد به وجه الله دون غيره، فشمل القول السديد الأقوال الواجبة والأقوال الصالحة النافعة كذكر الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وقول المؤمن لأخيه: إني أحبك في الله.

    قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: ويشمل القول السديد ما هو تعبير عن إرشاد، يعني: كل ما كان إرشاداً من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع ).

    ومن القول السديد: تمجيد الله والثناء عليه كما قال سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

    ثمار تقوى الله والقول السديد

    والجزاء على القول السديد كما قال سبحانه: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب:71].

    قال ابن عباس : المعنى يتقبل حسناتكم. وقال مقاتل: يزكي أعمالكم.

    فالمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم غاية طلبتكم من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها.

    قال تعالى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:71]، فلا يعاقب عليها ولا يعاتب.

    ثم قال: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:71] أي: من يعظم الله عز وجل فيعمل بأمره ويجتنب نهيه ويعظم رسول الله فيعمل بسنته فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب:71].

    والفوز العظيم بينه ربنا بقوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، فمن أجير من النار وصار إلى النعيم المقيم فهو الفائز.

    والقول السديد خير في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يرزقنا إياه، ونسأل الله أن يسلم الناس من ألسنتنا، وأن يسلمنا من ألسنة الناس.

    عاقبة القول غير السديد

    والقول غير السديد مصيبة في الدنيا والآخرة، حكي أن يعقوب بن إسحاق المعروف بـابن السكيت من أكابر علماء اللغة العربية -إذا قيل: ابن السكيت أو قيل : الأخفش ، أو قيل: سيبويه فأولئك الأعلام الكبار- جلس يوماً مع المتوكل الخليفة العباسي، فدخل عليه ولداه المعتز و المؤيد، وكان ابن السكيت هو معلم هذين الولدين ومؤدبهما؛ فقال له الخليفة المتوكل: أيهما أحب إليك: ابناي أم الحسن و الحسين ؟ وطبعاً هذا سؤال في غاية البلادة والغباءـ؛ لأن الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، وهما ريحانتا رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم، فتصور لو أنك اختبرت هذا الاختبار!

    فهذا الرجل العالم رحمه الله وغفر له ما تردد، قال له: والله إن قنبراً خادم علي خير منك ومن ولديك. أي: أفضل منك ومن أولادك.

    فقال الخليفة: سلوا لسانه من قفاه. يعني: جروا لسانه لغاية ما تطلعوه من قفاه.

    ففعلوا، فمات ابن السكيت تلك الليلة بسبب لسانه، مع أنه قال حقاً، وابن السكيت هذا نفسه رحمه الله قال:

    يصاب الفتى من عثرة بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

    فعثرته في القول تذهب رأسه وعثرته في الرجل تبرأ على مهل

    فالقول السديد خير في الدنيا والآخرة، ولا شك أن هذا الرجل رحمه الله قد قال قولاً سديداً ما فيه شك؛ لكن كان ممكن يخففها قليلاً، ويكون رجلاً دبلوماسياً نوعاً ما.

    وفي النهي عن الفحش وبذاءة اللسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء )، وقال: ( ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه )، وقال: ( من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ).

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ...) إلى قوله: (... ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)

    هاتان الآيتان المباركتان فيهما فوائد:

    الفائدة الأولى: وجوب تقوى الله في الأمور كلها.

    الفائدة الثانية: وجوب القول السديد بكل أنواعه.

    الفائدة الثالثة: أن صلاح العمل يثمر زكاة النفس وطيب الحياة.

    الفائدة الرابعة: أن طاعة الله ورسوله سبيل الفوز والفلاح في الدارين.

    نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.