إسلام ويب

سورة البقرة - الآية [278]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الربا من أعظم الكبائر الموبقات، وقد حرمه الله لما فيه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة، فيجب على كل مسلم أن يحذر من الربا بجميع أنواعه وصوره، ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يحفظون به أموالهم من الضياع، ومن ذلك أن أطول آية في القرآن هي من أحكام المداينة.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضا،

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فمع النداء العاشر في الآية الثامنة والسبعين بعد المائتين في سورة البقرة، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[البقرة:278].

    سبب النزول: ذكر زيد بن أسلم و ابن جريج و مقاتل و السدي أن الآية نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وبني المغيرة من بني المخزوم، و كان بينهم رباً في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم فتشاوروا وقالت بنو المغيرة: لا نؤد الربا في الإسلام لكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد رضي الله عنه وهو نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[البقرة:278-279]، فقالوا: نتوب إلى الله ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كله.

    وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب ثم قرأ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ[البقرة:279].

    معنى قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)

    معاني المفردات: يقول الله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ )) أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون، قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: أمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا؛ لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها.

    قال سبحانه: (( اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا )) أي أتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار، (( إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ )) أي: إن كنتم مؤمنين بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.

    قال الرازي رحمه الله تعالى: فإن قيل: كيف قال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) -ثم قال في آخره- ((إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ))، فالجواب من وجوه:

    الوجه الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: أن من كان أخاً أكرم أخاه.

    الوجه الثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله.

    الوجه الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان.

    الوجه الرابع: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) بلسانهم (( َذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ )) بقلوبكم.

    قال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ[البقرة:279]، بأخذ الزيادة وَلا تُظْلَمُونَ )) أي: بوضع رءوس الأموال أيضاً، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.

    وقيل في تعريف الربا: هو عقد في الشرع فاسد وإن لم تكن فيه زيادة؛ لأن بيع الدراهم بالدراهم نسيئة ربا، وإن لم تتحقق فيه زيادة.

    ذم الربا في القرآن

    الآيات في ذم الربا كثيرة، كقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275]، وقال سبحانه: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ[البقرة:276]، وقال سبحانه في ذم اليهود وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ[النساء:161]، وقال تبارك اسمه: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ[الروم:39].

    ذم الربا في السنة

    الأحاديث في ذم الربا قد تواترت تواتراً معنوياً، منها: ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).

    ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلاً يجر شقيه، ثم قرأ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ[البقرة:275])، قال المنذري رحمه الله في الترغيب والترهيب: رواه الطبراني و الأصفهاني من حديث أنس ونحوه عند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

    ومنها ما جاء عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم حجة الوداع فقال: (وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله) رواه مسلم.

    وعن عبد الله بن حنظلة -غسيل الملائكة- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)، قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد و الطبراني ، ورجال أحمد رجال الصحيح.

    وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

    وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق فانطلقنا، فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، فإذا في النهر سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الجالس الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قلت: ما هذان؟ قالا: إنه آكل الربا).

    وعن جابر رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء).

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله)، قال المنذري في الترغيب: رواه أبو يعلى بإسناد جيد، وأخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي .

    ما يستفاد من هذه الآية

    في هذه الآية الكريمة فوائد:

    أولها: وجوب تقوى الله في الأمر كله.

    ثانيها: حرمة الربا وأنه من كبائر الذنوب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.

    ثالثها: وجوب التوبة من الربا ومن كل المعاصي.

    رابعها: اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان.

    خامسها: قال الرازي رحمه الله: اعلم بأن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا؛ وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، فإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، -أي: ذلك الصداق- وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى.

    أسأل الله سبحانه أن يطيب مطاعمنا ومشاربنا، وأن يستعملنا في طاعته إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

    والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة:282].

    هذا هو النداء الأخير من نداءات الرحمن لأهل الإيمان في سورة البقرة، وهو النداء الحادي عشر، ففي سورة البقرة أحد عشر نداءً، وآخر نداء في الآية الثانية بعد المائتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ[البقرة:282]، وهي أطول آي القرآن على الإطلاق، وقد تناولت شأن هذه المعاملة المالية، من أجل قطع التنازع والاختلاف بين بني الإنسان؛ لأن الإنسان مجبول على النسيان كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول من جحد آدم عليه السلام، إن الله تعالى أراه ذريته فرأى رجلاً أزهر ساطع اللون فقال: يا رب! من هذا؟ قال: ابنك داود، قال: يا رب! فما عمره، قال: ستون سنة، قال: يا رب! زد في عمره، قال: لا إلا أن تزيده من عمرك، قال: يا رب! وما عمري؟ قال: ألف سنة، قال آدم: قد وهبت له أربعين سنة، -من أجل أن يكمل له المائة- قال: فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة فقال آدم: إنه قد بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبت لأحد شيئاً، قال: فأخرج الله تعالى الكتاب، وشهد عليه ملائكته، وأتم الله لداود مائة سنة، ولآدم ألف سنة) أي: أن الله عز وجل رد لآدم الأربعين، وزاد داود أربعين، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ[الرعد:39]، أي: في أم الكتاب عند الله أن عمر داود مائة، وعمر آدم ألف، لكن هذا التغير في علم البشر، وفي علم آدم، أما علم الله فهو ثابت، وعنده أم الكتاب.

    فالآدمي مطبوع على النسيان والجحود، وخاصة فيما يتعلق بالأموال؛ ولذا شرع الله عز وجل للمؤمنين هذا التشريع المحكم؛ من أجل أن تدوم الأخوة بينهم.

    تفسير آية المداينة

    قوله تعالى: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ[البقرة:282] أي: إذا تعاملتم بالدين، سواء كان هذا الدين قرضاً أو بيعاً أو سلماً، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ))، أي: إلى وقت معروف، وإلى شهر معلوم، أو يوم محدود فاكتبوه.

    وقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ )) أي: بالحق، فلا يكتب الدائن ولا المدين، وإنما يكتب بينهما طرف ثالث.

    وقوله تعالى: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ )) أي: يا أيها الكاتب! يا من علمك الله الكتابة! إذا دعيت لتكتب بين الناس كما علمك الله فعليك أن تخدم الناس، كما قال سبحانه: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ[القصص:77]. وقوله تعالى: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ )) تأكيد.

    وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ )) الذي عليه الحق هو المديون، وهو الذي يملي؛ لأنه بعيد من أن يفرض أو يزيد على نفسه ما ليس واجباً عليها، وليملل بمعنى: وليملي، ويملي ويملل: لغتان.

    وقوله تعالى: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا أي: لا ينقص من هذا الدين الذي وجب عليه شيئاً.

    وقوله تعالى: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ )) أي المدين سَفِيهًا ))، والسفه هو: عدم إحسان النظر في المال، إما لصغر أو جنون، فإن كان هذا المدين سفيهاً، أَوْ ضَعِيفًا ))، الضعيف كالصغير وشبهه، أو لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ[البقرة:282] أي: لا يستطيع أن يملي؛ لأن فيه بكماً أو صمماً أو عمى، أو غير ذلك من الأعذار، فإذا كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو، فلا بد أن يولي عليه ولياً، قال تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ )) أي: من له ولاية على السفيه والصغير، كالأب والوصي وعرفاء القبيلة.

    وَاسْتَشْهِدُوا )) أي: اطلبوا الشهادة، وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ))، هذا نص في أن شهادة الصبي لا تقبل، وأن شهادة الكافر لا تقبل؛ لأن الله عز وجل قال: (شهيدين من رجالكم) أي: المسلمين.

    قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: أما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب، أي: إذا كان الدين مختلفاً لن يكون بيننا خلطة ومعاشرة كالتي تكون بين المسلم والمسلم، أو بين الكافر والكافر، قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[الأنفال:73]، وكذلك المسلمون بعضهم أولياء بعض، ولما كان اختلاف الدين موجباً للتباعد وعدم المعاشرة والاختلاط بصورة كافية، ترتب على ذلك أنه لا يمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين، ولأنه قد عرف من حال غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفيه، هذا في الغالب؛ ولأجل هذا اتفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر، يعني: لو أن مسلمين اختلفا لا يصلح أن يدخل بينهما شاهد كتابي، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، ومن باب أولى من ليس كتابياً، فمن كان مجوسياً أو وثنياً فهو أبعد من أن يشهد على المسلمين.

    قال الله عز وجل: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ )) أي: إن لم يوجد رجلان، قال الله عز وجل: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )) أي: فالشاهد رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان.

    وهنا اتهم كثير من الناس الإسلام أنه يحقر المرأة؛ لأنه يجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل، والحق أن الإسلام لم يحقر المرأة فالله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى[الحجرات:13]، وقال: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[آل عمران:195]، ولكن القضية أن المرأة أيها الإخوة أضعف من الرجل بأصل الجبلة وبحسب الغالب، فالغالب عليها النسيان، وليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ولذلك غالباً ما تكون ذاكرتها في هذه الأمور ضعيفة، بخلاف الأمور المنزلية التي هي شغلها الشاغل، فإن ذاكرتها في تلك الأمور تكون قوية، فإن قيل: يوجد من النساء من تدير مكتب عقارات، ومنهن من تكون سمسارة، وغير ذلك من الأمور التي قد تتولاها النساء.

    فالجواب: أن هذا على سبيل الشذوذ، والشاذ لا حكم له، والغالب على النساء ليس لهن اهتمام بالأمور المالية، ولذلك قال الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )).

    أما الشيء الخاص بالنساء والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات، فالأمور التي تتعلق بالعيوب النسوية، أو التي تتعلق بالولادة، فإذا أردنا أن نحكم على امرأة بأنها بكر أو ليست بكراً، فهذا القضية تقبل فيها شهادة النساء، كما تقبل شهادتهن في الاستهلال، فإذا ولد مولود وأردنا أن نحكم عليه هل استهل أو لم يستهل، فالغالب أنه لم يحضر ذلك الموضع إلا النساء، ولذلك تقبل شهادتهن.

    قال الله عز وجل: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ))، وعلل ذلك فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ))، وقرأ حمزة : إنْ تَضِلَّ )) على أنها شرطية، فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ إنْ تَضِلَّ أي: لو ضلت ونسيت إحداهما فالأخرى تذكرها، من أجل أن تتعاضد شهادتهما في إحقاق الحق.

    قال الله عز وجل: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا )) أي: لو دعوا إلى شهادة فليتقوا الله ولا يكتموها؛ لأن هذه الشهادة يتم بها إثبات الحقوق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بخير الشهداء: من يؤد الشهادة قبل أن يسألها) أي: أنه قبل أن يطلب منه الشهادة يؤديها حسبة لوجه الله عز وجل.

    قال سبحانه: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ )) معنى (لا تسأموا): لا تملوا، والسأم: الملل، ومنه قول القائل:

    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا له يسأم

    قوله: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ))، أي: أن تكتبوا الدين، وهذا الحكم الذي مضى من أجل ثلاث علل هي: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ))، أي: هذا الذي شرعته لكم ليس من أجل إعناتكم وإرهاقكم، ولكن لأن ذلك أَقْسَطُ )) أي: أحفظ للحق، وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ )) أي: أعون على إقامتها، وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا )) أي: أقرب إلى نفي الريبة والشك، بدلاً من أن يدخل أنا الدائن وأنت المدين في جدال، يقول الدائن: أعطيتك عشرة ملايين، ويقول المدين: لا بل كانت تسعة أو ثمانية، وبعد ذلك لا بد من أيمان بالله أو بالطلاق وما أشبه ذلك، فالكتابة تحفظ لكل ذي حق حقه.

    قال الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ )) أي: إلا إذا كان بيعاً فيه أخذ وعطاء فلا داعي للكتابة؛ لأن هذا فيه نوع من التعكير والتضييق، فإذا ذهب الإنسان إلى التاجر؛ ليشتري سلعة وكان لا بد من كتابة البيع والشراء ففيه تضييق على حياة الناس، فإذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها.

    قال الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ))، هذا الأمر أمر إرشاد، لا أمر إيجاب، وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ )) أي: لا يحل للدائن والمدين أن يوقعا الضرر مع الكاتب فتوقعوه في الحرج والمشقة. وكذلك الشهيد فلا يجوز للدائن أو المدين ترغيبه أو ترهيبه؛ من أجل أن يلوي لسانه بالشهادة، فيؤدي غير ما عرف، ولا يجوز الإضرار به كذلك بأن ترفع القضايا إلى الحكام، وفي كل يوم يستدعى هذا الشاهد الذي ليس إلا متطوعاً. قال الله عز وجل: وَإِنْ تَفْعَلُوا )) أي: هذه المضارة فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ )) أي: أن الذي يتعمد الإضرار بالمسلم فهو فاسق. قال الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) كلمة: (الله) هنا تكررت ثلاث مرات، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))، وفي هذه الآية إظهار في مقام الإضمار، قال البيضاوي رحمه الله: كرر لفظة الله في الجمل الثلاث؛ لاستقلالها، فالأولى حث على التقوى، والثانية وعد بالنعمة، والثالثة تعظيم لشأنه جل جلاله.

    والعلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله قال: الإظهار في مقام الإضمار أدخل في التعظيم، ومنه قول القائل:

    اللؤم أكرم من وبر بوالده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا

    واللؤم داء لوبر يقتلون به لا يقتلون بداء غيره أبداً

    ومنه قول الشاعر وكان متضايقاً من الشيب لكنه يظهر خلاف ما يبطن يقول:

    لما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحباً

    فكرر الشيب مرتين.

    وقد ظهر بين المسلمين من الدجالين الذين لم يقرءوا القرآن، ولم يشتغلوا بالعلم من يشرع للناس ويقول: إنه قد جاءه فيض من الله، وأن الله يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ))، وقال بعضهم: أنتم تحدثون عن فلان وفلان من الأموات، ونحن نحدث عن الحي الذي لا يموت، وقال آخر: حدثني قلبي عن ربي، فلا يحتاج إلى علماء ولا إلى شيوخ.

    قال محمد عبده كما في تفسير المنار: اشتهر على ألسنة المدعين في معنى هاتين الجملتين: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )) أن التقوى تكون سبباً للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تنشر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم. وهو الذي يسمونه بالعلم اللدني، فإذا رأيت الكلب يلحس في رأس أحدهم، فلا تسأله عن هذا الفعل؛ لأن ما عندك إنما هو علم الظاهر وما عنده هو علم باطن، قال رحمه الله: وهذا فتح للجاهلين الذين يلبسون لبوس الصلاح دعوى العلم بالله، وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئاً، والعامة تسلم لهم هذه الدعوى، وتصدق قولهم: أن الله هو الذي تولى تعليمهم، ويسمون علمهم بالعلم اللدني.

    فإذا قلت: قال الله، وقال رسوله، فكلامك لا يهتمون به، ولكن لو لبست ملابس مرقعة وقلت لهم: رأيت في المنام كذا، وحصل كذا، وصلوا على الرسول كذا، فسوف ترى منهم الخضوع والتسليم.

    واستدلالهم هو بقول الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ )) على أن الإنسان إذا اتقى تعلم، دون أن يجلس عند أهل العلم!

    قال: ويرد على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لا يرضى به سيبويه وله حق في ذلك؛ لأن عطف (يعلمكم) على (اتقوا الله) يمنع أن يكون جزاءً مرتباً عليه، ولو كانت الآية: واتقوا الله ليعلمكم الله لكان الاستدلال بها صحيحاً، ولكنها ليست كذلك، بل وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))، وقال أهل اللغة في هذه الآية: إنها عبارة عن جعل المسبب سبباً، أي: أن العلم سبب للتقوى ولا تقوى بلا علم؛ لأن التقوى فعل مأمور واجتناب المحذور، ولا يعرف أن هذا مأمور وهذا محذور إلا بالعلم، فجعلوا المسبب سبباً والفرع أصلاً والنتيجة منقسمة.

    قال محمد عبده رحمه الله: فالمعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى، فلا تقوى بلا علم، والعلم هو الأصل وعليه المعول، ثم قال رحمه الله: إننا لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنياً، فإن بعض الناس يتعلم العلم ويتقي الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يجعل له فراسة ومكاشفة يستدل بها بالمحسوس على المغيب، كما حصل لبعض الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين، فالعلم بالله والعلم بالشرع والعمل به مع الإخلاص قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله، حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، ولكن كل هذا عن طريق العلم.

    ما يستفاد من آية الدين

    هذه الآية اشتملت على فوائد، منها قول الله عز وجل: (( فَاكْتُبُوهُ )) ففيه أن الأمر ليس أمر إيجاب، بدليل قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ[البقرة:283]، والرهن ليس واجباً، فإذا استدان أحدهم من آخر مالاً، فليس واجباً أن يعطيه المدين رهناً، فإذا كان البدل من الكتابة وهو الرهن ليس بواجب، فالمبدل عنه وهو الكتابة ليس بواجب كذلك، بدليل قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ[البقرة:283] أي: إذا كان بينكم أمانة، ونوع من الثقة، ولا تريدون الكتابة فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    1.   

    الأسئلة

    حكم لبس المرأة القفازين في الصلاة

    السؤال: ما حكم لبس المرأة القفازين في الصلاة؟

    الجواب: لو أن امرأة صلت وهي لابسة للقفازين فلا حرج في ذلك، وصلاتها صحيحة، والممنوع أن تلبس القفازات وهي محرمة، كما لو كانت في العمرة أو في الحج.