إسلام ويب

العلم المفقودللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخشوع روح العمل، وهو فيه كالتنفس للجسد، وهو مرتبط بالعلم ارتباطاً وثيقاً، فإنما يخشى الله من عباده العلماء، ولكننا اليوم صرنا نرى أن الخشوع يكاد ينزع من القلوب، وأن طلبة العلم يغرقون في حفظ المتون وجمع المسائل والأقوال في منأى عنه، وهذا مرض يجب أن يبحث عن أسبابه ويعمل على علاجه.

    1.   

    المقصود بالعلم المفقود

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، أما بعد:

    فأول سؤال يطرح نفسه ما المقصود بالعلم المفقود؟

    وأظن البعض يتساءل وهو يسمع هذا العنوان: ماذا يقصد بهذا العنوان: (العلم المفقود)؟

    هذا العلم المفقود هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك الإمام الدارمي وغيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس، حتى لا يقدرون منه على شيء، فقال زياد بن لبيد الأنصاري : يا رسول الله، وكيف يختلس وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟ قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت قال: قلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء ، فأخبرته بالذي قال، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً) .

    ولا شك أن من يتأمل في حالنا، وفي حال الصالحين من الناس، يرى أن هناك فقداناً لهذا العلم، وأن هذا السمت والهدي الذي ينبغي أن يتسم به أهل العلم والصلاح والتقوى يعاني كثيراً من فقداننا له، والخطورة تزداد حينما لا نشعر بالمشكلة، أو لا نسعى إلى علاجها، والحديث أيها الإخوة حول هذا الموضوع حديث يطول، وأشعر أنني لا يحق لي أن أتحدث حول هذه القضية، لأنني حين أتحدث عن مثل هذه القضية وأحدثكم عن مثل هذا الموضوع، فإنني أشعر أنه يصدق علي قول القائل: فاقد الشيء لا يعطيه، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور.

    ولا شك أن من احترام المرء لنفسه ولمن يستمع لحديثه ألا يتحدث إلا بما يحسن الحديث عنه، ولهذا آثرت ألا أتحدث عن هذا الموضوع جملة.

    إنما أتحدث عن جانب واحد له أهميته، ولعله من أهم أسباب معاناتنا، وأسباب فقدنا لهذا العلم، ذلكم هو الكلام عن العلم والخشوع، هي الصلة بين العلم والتقوى والصلاح، ذلك أنه في مثل هذه العصور المتأخرة، عاش الناس عزلة بين العلم وبين الرقة والخشوع، حتى ساد عند البعض أن الانشغال والانهماك في مسائل العلم مما يقسي القلب، وصار الوعظ والرقائق باباً آخر غير باب العلم، ولهذا يطلق على فلان أنه واعظ، لا يجيد إلا لغة الوعظ، والآخر فقيه بعيد كل البعد عن الوعظ والتأثير في القلوب، وهذه العزلة المفتعلة لها جذورها القديمة، ولها أسبابها وظواهرها، ولسنا بصدد الإفاضة بالحديث عن أسباب هذه الظاهرة، التي هي ظاهرة قد بدأت منذ قرون قديمة، منذ أن غاب عن الناس روح العلم الشرعي، وتعلقوا بالتقليد والتفريع والتأصيل على قواعد المذاهب وما يتعلق بها، فحين غابت عن الناس روح العلم الشرعي، صرت لا تستنكر أن ترى طالباً للعلم قاسياً قلبه معرضاً.

    إن ما أريد الحديث حوله في هذا اللقاء، هو التأكيد والدعوة إلى هذه الصلة، وإلى أن نعيد هذا الاعتبار للعلم، أن يرتبط العلم بالخشوع، وأن يرتبط العلم بالزهد والتقوى والصلاح، وألا نفترض أنهما قسيمان لا يلتقيان، نعم، قد يوجد من الناس مثلاً من يجيد الوعظ والتأثير في القلوب أكثر من غيره، وقد يوجد من الناس من يجيد التفريع والتأصيل في مسائل العلم أكثر مما يجيد تحريك القلوب.

    لكن هذا ينبغي أن يكون ضمن دائرة التخصص، لا دائرة التنافر، كما أننا قد نجد من أهل العلم من يجيد علم الحديث أكثر من إجادته للفقه، ومن تكون إحاطته بالتفسير أكثر من إحاطته بعلم الأصول والمعتقد، إلى غير ذلك من التخصصات.

    حين تكون القضية باب تخصص واهتمام فالأمر لا غبار عليه، مع التأكيد على القدر المشترك الذي لا بد منه هنا وهناك، أن يحمل الواعظ قدراً من العلم يمنعه ويحميه من الزلل والشطط، والمبالغة هنا أو هناك، وأن يحمل طالب العلم والمتعلم قدراً من الرقة والتقوى والخشوع، تؤدي به إلى أن يقوم بواجب العلم ودوره.

    ولعل من أمارات ذلك، أنك حين تلقي نظرة على واقع التعليم الشرعي في بلاد المسلمين، التعليم الذي يقدم حتى في المساجد، وتتصفح في هذا التعليم لتبحث عما ما يحرك القلوب، وما مدى نصيبه، وهل هو قسيم لتعلم الأحكام والحلال والحرام ومسائل الفقه والمعتقد، أم أنه من شأن الوعاظ، الذين لهم شأن آخر وباب آخر غير باب العلم.

    أما حين تنتقل إلى التعليم النظامي في الكليات الشرعية في العالم الإسلامي، فإنك لا تكاد أن ترى لمثل هذا العلم أثراً.

    1.   

    طالب العلم معلم بفعله قبل قوله

    إن المؤمل في طالب العلم الشرعي أن يجد في تعلمه وأن يجد في دروس العلم وحلق العلم، ما يحرك قلبه، وما يزيل الران عنه، وما يمحو القسوة التي كثيراً ما يعاني منها.

    وإننا حين نطالب بهذا المطلب، تدفعنا لذلك أمور عدة:

    أولها: أن طالب العلم داعية ومعلم بفعله وعمله قبل أن يكون معلماً بقوله.

    إن طالب العلم وهو يسعى لنشر الخير والعلم لدى الناس، لا يقتصر دوره على مجرد تبليغ المسائل بقوله، بل يجب أن يرى الناس ذلك من خلال سلوكه وسمته.

    ولهذا يقول أبو العالية رحمه الله: كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى صلاته، فإن أحسن الصلاة أخذنا عنه، وإن أساء لم نأخذ عنه.

    بل كان السلف يعدون تعلم هدي العالم وسمته، مطلباً أعلى من تعلم المسائل، ويعد المتفقه والمتأدب والمتعلم على أحد أهل العلم أنه إن ظفر بتعلم هدي هذا العالم وسمته فقد ظفر بخير كثير، ولهذا يقول إبراهيم : كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه ودله.

    وهذا الأثر رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

    وروى أيضاً عن ابن سيرين : كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم.

    نعم كانوا يعنون بتعلم الهدي والسمت والخشوع والصلاح، تماماً كما يعنون بتعلم العلم.

    ونقف مرة أخرى عند هذا الأثر لنتساءل كيف نتعلم نحن هذه الأبواب الهامة من العلم؟ بل التي يعدها البعض -للأسف- خارج دائرة العلم، ويرى أن العلم أن تحفظ قول فلان وفلان في المسألة، وأن تحفظ طائفة من النصوص، وتتقن قدراً من المتون، أما هذه فلها باب آخر وشأن آخر .

    فهل نحن نعتني بتعلم هذه الأمور ودراستها كما نعتني بتعلم مسائل وأبواب العلم؟

    لعل إدراك هذه الحقائق يجيب على تساؤل طالما طرحناه: لماذا قلوبنا قاسية؟

    روى ابن المبارك عن مخلد بن الحسن قال: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من حديث، وأوصى الأديب الشهيد وهو من الفقهاء ابنه فقال:

    يا بني، أصحب الفقهاء، وتعلم منهم وخذ من أدبهم، فإنه أحب إلي من كثير من الحديث.

    إن هذا أيها الإخوة يدعو طالب العلم إلى أن يدرك ويعي أنه لا يمكن أبداً أن يدعو الناس بما يقوله ويسطره فقط، بل إنما يتعلم الناس منه بهديه وسمته وأحواله وخشوعه وتقواه لربه تبارك وتعالى، أضعاف أضعاف ما يتعلمون ويفقهون من قوله، وما يرونه من حاله فإنه أعظم أثراً مما يسمعونه من مقاله.

    ولا شك أن العلم حين لا يكون وسيلة وخطوة للتعليم والدعوة ونشر الخير فإنه يصبح ترفاً وتكثراً، ويصبح وسيلة لأن يكون حجة على العبد يوم القيامة، حين يسأل عن علمه ماذا عمل به.

    الأمر الثاني: أن هناك عوائق تعترض طالب العلم، وهي عوائق تعترض الناس أجمع، لكنها في شأن طالب العالم أكد، فهي أخطر وأعظم أثراً عليه، وهذه العوائق لن يستطيع أن يتجاوزها طالب العلم، إلا حين يعنى بتعلم هذا الباب من العلم المفقود.

    1.   

    الآفات المصاحبة لطلب العلم

    الإعجاب بالنفس

    من هذه العوائق: الإعجاب بالنفس، وهذا -عافانا الله وإياكم- عنوان الضلال، وبداية الشطط، وليس أدل على ذلك من أن الشيطان قد طرد من رحمة الله تبارك وتعالى، حين أعجب بنفسه واستكبر.

    إن تعلم المرء للعلم وإدراكه لمسائل يشعر أن الناس من حوله لا يدركونها، ويشعر أن الناس يسألونه، وينصتون إذا تحدث، ويقدرونه؛ إن هذا مدعاة لأن يصاب بالعجب، وأن يدخل في نفسه ما يدخل، وحين لا يأخذ نفسه بزمام التقوى، وخشية الله تبارك وتعالى، والإقبال عليه عز وجل، فإن هذا العلم سيكون من أعظم الأبواب للعجب والغرور عافانا الله وإياكم.

    ولهذا يقول الغزالي حول العجب:

    والقلب بيت هو منزل الملائكة، ومهبط أثرهم، ومحل استقرارهم، والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة، فأنى تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب.

    وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل: (أن الملائكة لا يدخلون بيتاً فيه كلب).

    وكلاً منا -أيها الإخوة- حين يتأمل في نفسه يرى أنه قد تدخل عليه هذه المداخل، وقد يعجب بنفسه، وقد يشعر أن الناس محتاجون إليه، وأن الناس ينصتون لقوله، وأن الناس يسألونه ويستفتونه ويستشيرونه ويأخذون برأيه، وهذا لا شك قد يكوك باباً من أبواب العجب والكبر، وحين لا يأخذ نفسه بزمام التقوى، ولا يربيها على خشية الله عز وجل ومخافته والإقبال عليه، فإن هذا قد يوقعه في الضلال عافانا الله وإياكم.

    وقد يكون بداية للانحراف والضلال، بل البعض من الناس قد أدى به إعجابه بنفسه إلى الضلال، بل إلى الردة عافانا الله وإياكم.

    الحسد

    والداء الثاني: الحسد وهو خصلة ذميمة، وصفة قبيحة يسعى الشيطان إلى إيقاعها بين الصالحين، وحين يشعر طالب العالم أن هناك غيره ممن قد يستمع الناس له، أكثر مما يستمعون لحديثه هو، وقد يتجه الناس إليه أكثر مما يتجهون له هو، وقد يشعر أن له قدراً أعظم من قدره، فإن النفس قد يدخل فيها ما يدخل فيها من الحسد، وحينئذ يبدأ رحلة مع الشيطان تقوده إلى إثارة الشحناء والبغضاء، وتقوده إلى تلمس المعايب والنقائص عند فلان، والطعن فيه والحديث عنه، بحجة الغيرة والحماية للدين، وليس الأمر إلا أنه رأى أن له منزلة أكثر مما له من المنزلة.

    ولهذا صارت هذه المنزلة التي يسلم فيها المرء من الحسد منزلة عالية، قل من يطيقها، يحدثنا عن ذلك أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حين بشر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً بالجنة، فتلمس عمله وفتش فلم ير فيه كثير صيام وصلاة إلا أنه يبيت وليس في قلبه شيء على أحد من المسلمين، قال: تلك التي لا نطيق.

    الهوى

    المدخل الثالث: الهوى ، والهوى حين يستحكم بصاحبه يريه الحق باطلا، والباطل حقاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً.

    ولهذا أخبر تبارك وتعالى أن الجنة لا يستحقها إلا أولئك الذين سلموا من الهوى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    وأخبر تبارك وتعالى أن من الناس من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، أرأيت أو قرأت في التاريخ يوماً من الأيام أن رجلاً نصب تمثالاً يعبر عن الهوى فصار يركع ويسجد له؟ أم أن القضية أن الهوى صار قائداً للمرء، فما يدعوه الهوى إلى فعله يفعله، وما يدع وإلى تركه يتركه.

    وما أخطر الهوى معشر طلاب العلم على الصالحين! إنه يري المرء الحق باطلاً، ويريه الباطل حقاً، حتى ترى هذا المرء يسارع في الصد عن سبيل الله، ويسارع في الفتنة بين المسلمين وهو يعتقد أنه يحمل الغيرة على دين الله تبارك وتعالى.

    وليس يصدق على هؤلاء أعظم من قوله تبارك وتعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103-104].

    إنهم أولئك الذين خاب سعيهم، وضل سعيهم وهم يظنون أنهم بذلك يحسنون الصنع، وأنهم يعبدون الله عز وجل بهذا الضلال.

    ولهذا صار أصحاب الأهواء من أبعد الناس عن التوبة والإنابة، وأهل الشهوات وإن عملوا ما عملوا، أقرب من هؤلاء للتوبة، لأن صاحب الشهوة يعلم أنه يواقع معصية، وقد تلومه نفسه، وتحدثه بالتقصير.

    أما صاحب الهوى فهو يحسب أنه يحسن صنعاً، وأن عمله يرضي ربه تبارك وتعالى، وأي هلاك وبوار أعظم من أن يشعر المرء أنه يتقرب بهذا العمل إلى الله، وهو مما يؤزه إليه الشيطان ويدفعه إليه.

    لبس الحق بالباطل

    آفة رابعة: وهي من أخطر آفات طلاب العلم: لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق، وقد حذر القرآن الكريم كثيراً من هذه القضية، وأخبر تبارك وتعالى أنه أخذ المواثيق على أهل العلم، أن يبينوه للناس ولا يكتموه، يقول الله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187].

    وتوعد تبارك وتعالى الذين يكتمون العلم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:159-160].

    نعم، حتى أولئك الذين شعروا بشناعة جرمهم وتابوا لا تقبل توبتهم إلا أن يصلحوا ما أفسدوه، وأن يبينوا للناس ما كتموه.

    والله تبارك وتعالى يخبر وينعى على بني إسرائيل أنهم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وأنها ستسير خلفهم حذو القذة بالقذة حتى لو دخل أولئك جحر ضب فستدخله هذه الأمة.

    إنها قضية صعبة أيها الإخوة، نعم، إن تحصيل العلم يفرض على من يحصله واجباً، ويفرض عليه

    وأن يقول هذا العلم، وأن يبينه للناس، وأن لا يكتمه، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الميثاق على أصحابه وبايعهم على ذلك، والبيعة لا تكون إلا على أمر ذي بال، كما يحكي أولئك الذين شهدوا هذه البيعة: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق حيث كنا لا تأخذنا في الله لومة لائم).

    وأولئك الذين يكتمون العلم قد توعدهم تبارك وتعالى بالوعيد الشديد، في أنهم لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب إليم.

    وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فما الذي يعصم طالب العلم من هذا المسلك، وما الذي يعين طالب العلم على القيام بهذا الواجب إلا حين يتربى على تقوى الله تبارك وتعالى، وخشيته فتهون الدنيا لديه، ويهون شأن الناس لديه، فلا يقدم ولا يرى إلا مرضاة ربه تبارك وتعالى.

    التوصل بالعلم إلى المكاسب الدنيوية

    الآفة الخامسة: من الآفات التي قد تدخل على طالب العلم: التوصل بالعلم إلى الأغراض والمكاسب الشخصية.

    إن العلم قد يتيح للمرء علواً وبروزاً أمام الناس، وقد يتيح له فرصاً لا تتاح لغيره، فحين لا يتقي ربه تعالى قد يجعل هذا العلم سلماً لتحصيل هذه المكاسب، وقد توعد الله تبارك وتعالى أولئك الذين يجعلون العلم وسيلة لتحصيل الثمن العاجل: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [البقرة:174-175].

    ولله در الجرجاني رحمه الله حين قال:

    يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

    أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أكرما

    ولم أقض حق العلم إن كان كلما بدا طمعاً صيرته لي سلما

    أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة

    إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما

    ولو أن أهل العلم صانوه صانه

    ولو عظموه في النفوس لعظما

    ولكن أهانوه فهان ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما

    ولهذا كان السلف يوصون طالب العلم في مقتبل طلبه للعلم، أن يحفظ هذه الأبيات، لما فيها من المعاني، وتربية النفس على البعد عن السعي لهذه الأغراض الدنيئة.

    أيها الإخوة: ليس المقصود هنا تعداد الآفات التي يمكن أن يقع فيها طالب العلم، إنما هذه أمثلة تدل على ما سواها، ونماذج تذكر بأخواتها.

    فما السبيل لتجاوز هذه الآفات؟ وما الطريق لاجتنابها؟ وهل نحن نعلم طالب العلم ما يكون له وسيلة لتجاوزها، وهل نحن نعنى بإعطاء طالب العلم الأداة التي تعين على ذلك، أم أننا نعطيه العلم، ونهمل هذا العلم الذي لا يؤدي العلم الآخر ثمرته بدونه.

    إن هذه الآفات أيها الإخوة، إنما تنشأ وتترعرع في تلك القلوب التي فقدت الخشوع، وفقدت التقوى، وفقدت الصلاح.

    1.   

    صفات أهل العلم في القرآن

    الأمر الثالث: صفات أهل العلم في القرآن.

    لقد جاء الحديث في كتاب الله تبارك وتعالى كثيراً عن الخشوع والتقوى ومخافة الله تبارك وتعالى، وهي صفات أولى من يتصف بها حملة العلم، وحملة كتاب الله تبارك وتعالى.

    وهي آيات كثيرة، ولن نتحدث عن هذه الآيات، إنما أريد أن أشير إلى الآيات التي يربط فيها القرآن بين العلم وخشية الله تبارك وتعالى.

    فما هي صفات أهل العلم في كتاب الله عز وجل؟

    إنهم أولئك الذين يسجدون لله، ويخشعون ويبكون حين يسمعون آياته، كما قال تبارك وتعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109].

    إن هذا أيها الإخوة، ليس أمراً خاصاً بهذه الأمة، وليس هدياً خاصاً بها، بل هو شأن الذين أوتوا العلم في الأمم السابقة: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ [الإسراء:107].

    هذه حالهم حين يسمعون آيات الله بتارك وتعالى، إن هذه الآيات ليست صفة للمتقين، وليست صفة للخاشعين، إنما هي صفات لأهل العلم.

    ولهذا ينبغي أن يعنى طلاب العلم، وأهل العلم بتحقيق هذه الصفات في نفوسهم، لهذا قال عبد الأعلى التيمي رحمه الله: من أوتي من العلم مالا يبكيه، لخليق ألا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله نعت العلماء ثم قرأ القرآن: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم [الإسراء:107] يَبْكُونَ [الإسراء:109]، وهذا الأثر رواه الإمام الدارمي .

    والعلماء هم أهل الخشية لله تبارك وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    والعلماء هم الذين يقنتون لله سجداً وقياما، ويحذرون عذابه ويرجون رحمته: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9].

    فلنقف أيها الإخوة عند هذه الآيات، ونتمعن فيها، إنها صفات لأهل العلم، إنها صفات للذين يعملون.

    إذاً فشرط أساس من شروط طالب العلم أن يتصف بهذه الصفات، وكما أن على طالب العلم أن يتعلم النحو والأصول والمعتقد والفقه، فعليه أن يتعلم الخشوع، وخشية ربه تبارك وتعالى، وإلا فإنه لا يتصف بصفات أهل العلم، وصفات طلاب العلم.

    وأما ما جاء في القرآن من وصف المتقين والمؤمنين، والخاشعين وعباد الله الصالحين فأكثر من أن نحيط به في هذا المقام.

    ولا شك أن أهل العلم أولى أن يتصفوا بتلك الصفات، لأنهم حملة كتاب الله عز وجل، والدعاة إلى كتاب الله، والله تبارك وتعالى أخبر أن هذا الكتاب آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.

    لكني آثرت هنا أن أقتصر على هذه الآيات التي يربط فيها القرآن بين الخشوع والخشية، وبين العلم بهذا المصطلح، حتى لا نرى أن هذا الأمر باب آخر غير باب العلم، وحتى نعلم وندرك أنه يجب علينا أن نتعلم هذا الباب، وأن نتعلم هذا العلم، وأن نعلمه في مدارسنا، وفي مساجدنا وفي حلقاتنا، وأن نرى أنه من واجبنا كما أن من واجبنا أن نعلم هذا الطالب مسائل الطهارة والصلاة والمعاملات وما يحل وما يحرم وأن نعلمه ما يجب أن يعتقده في ذات الله تبارك وتعالى، وأن نعلمه علوم الأدوات والوسائل وغيرها.

    فيجب أن نعلمه الخشوع وتقوى الله تبارك وتعالى، كما نعلمه هذه المسائل.

    العناية بعصر النبوة

    الأمر الرابع: العناية بهذا في عصر النبوة:

    ويصور لنا هذا المعنى أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أحد الشباب، وهو جندب بن عبد الله رضي الله عنه، فيقول: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا) رواه ابن ماجة .

    فما أحوج الشباب اليوم إلى أن يتأسوا بهدي سلفهم رضوان الله عليهم، وكانوا وهم فتيان يتعلمون الإيمان ومسائل الإيمان كما يتعلمون القرآن، وتعلمهم لمسائل الإيمان ليس تعلمهم للمسائل الجدلية الكلامية، ولا للخلاف بين أولئك الذين يدخلون العمل في مسمى الإيمان أو يخرجونه، وإن كانت مسائل لا بد أن يتعلمها طالب العلم.

    إنما كان تعلمهم للإيمان هو ذلك الإيمان الذي يحرك القلوب، والذي يصل القلوب بربها تبارك وتعالى، حتى تستجيب لأمر الله عز وجل، فحين تتعلم القرآن بعد ذلك تزداد إيمانا، ويترك القرآن أثره في النفوس.

    وأيضاً يؤيد ذلك المعنى الأثر الذي ذكرناه في أول المحاضرة، وهو ما يرويه أبو الدرداء رضي الله عنه، قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدر منه على شيء، قال فقال زياد بن لبيد الأنصاري : يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد ، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم؟ قال جبير : فلقيت عبادة بن الصامت قال: قلت ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء فأخبرته بالذي قال، فقال: صدق أبو الدرداء ، إن شئت أخبرتك بأول علم يرفع من الناس؛ الخشوع) .

    فسماه رضي الله عنه علم الخشوع قال: (يوشك أن تدخل المسجد مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعا).

    ويحكي لنا حنظلة رضي الله عنه صورة من مجالسهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة ؟ قال: قلت: نافق حنظلة . قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، قال أبو بكر : فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. ثلاث مرات) رواه مسلم .

    فانظر كيف كانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت مجالس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه، فكانوا يتعلمون هذه المسائل، ويتعلمون هذه الأبواب، كما كانوا يتعلمون القرآن أول ما ينزل، وكما كانوا يتعلمون سائر مسائل العلم، وأبوابه.

    فقد كان العلم هكذا في عصر النبوة، ولم يعرف عصر النبوة هذا الفصل المقيت بين العلم والخشوع، فيصبح هذا باباً، وذاك باب آخر، هذا له فئة وذاك له فئة أخرى.

    1.   

    عناية السلف بالخشوع وأقوالهم في ذلك

    الأمر الخامس: عناية السلف بهذا الأمر، والحديث عن أحوال السلف، في الخشوع والصلاح والورع والتقوى حديث يطول، بل إنك لو أخذت سيرة علم واحد من أعلام السلف رضوان الله عليهم، لشعرت أن المقام لا يسعك في الحديث عن أحواله، في الخشوع والعبادة والتقوى والصلاح.

    واقرأ في تراجم الفقهاء والعلماء من سلف الأمة، بدءاً بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـعبد الله بن مسعود وابن عمر ، وأبي موسى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاذ وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وانتقل إلى الحسن وإلى سفيان وإلى أيوب ، وإلى مكحول ، وإلى غيرهم، ثم انتقل إلى الليث وابن سيرين ومالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم.

    ثم انتقل إلى من تلاهم فاقرأ في سيرة ابن قدامة وابن الجوزي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم.

    وانظر كيف كانت حالهم في العبادة، والتقوى والصلاح، وأنت حين تتأمل في سيرة البعض، فقد ترى أن المأثور عنهم في أبواب الزهد والرقائق أضعاف المأثور عنهم في مسائل الفقه والحلال والحرام.

    وهذا يعني أن السلف رضوان الله عليهم لم يكونوا يعرفون هذا الفصل، ولم يكونوا يعرفون هذه الهوة المفتعلة بين هذا العلم وبين مسائل الحلال والحرام، وسائر أبواب العلم والفقه.

    وهاهي طائفة من أقوال سلف الأمة، وهي كثيرة من أرادها فليرجع إلى مظانها، مما صنفه أهل العلم في أبواب أدب العالم والمتعلم، أو صنفه أهل الحديث في أبواب العلم، لكني أشير إلى طائفة يسرة من النقول عنهم، ولن أشير أيها الإخوة إلى أخبارهم في الخشوع والصلاح والتقوى، ولا إلى ما قالوه في ذلك، إنما سأقتصر على ما نقل عنهم، من الربط بين العلم والخشوع، لأن هذا هو موضوع حديثنا، وإن كانت جميع أقوالهم وأحوالهم تعتبر دليلاً على ذلك، لأن أولئك هم حملة العلم، وهم أهل العلم، فإذا كانت حالهم كذلك، فإن هذا يعني أن هكذا ينبغي أن يكون أهل العلم، وينبغي أن يكون طلاب العلم.

    يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم خشية الله) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.

    وروى أيضاً عن مالك رحمه الله يقول: (العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل).

    وقد أخبر الله تبارك وتعالى أن هذا الكتاب قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [إبراهيم:1].

    اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257].

    نعم إن العلم وسيلة لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الهوى والتعصب والحقد والحسد إلى نور سلامة الصدر والقلب وصفائه.

    ويقول مالك أيضاً فيما رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: (إن حقاً على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله).

    ويروي الإمام الآجري في أخلاق العلماء، عن يحيى بن أبي كثير : (العالم من خشي الله، وخشية الله الورع).

    وروى الإمام الدارمي عن سعد بن إبراهيم أنه قيل له: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه.

    وينقل لنا الحسن رحمه الله فيما رواه ابن عبد البر والآجري عنه وصفاً دقيقاً لأحوال السلف يقول: (إن كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده.

    وإن كان الرجل ليطلب الباب من أبواب العلم، فيعمل به فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها، لو كانت له، فجعلها في الآخرة).

    إذاً: فالقضية ليست مجرد أحوال، ارتقى إليها بعض سلف الأمة.

    وليست مجرد أقوال ذكرت عن بعضهم، إنما هو سلوك كان سائداً عند السلف رضوان الله عليهم، فكان أن يبدأ الرجل في طلب العلم، حتى ترى هذه الأحوال لديه، ونتساءل معشر طلاب العلم اليوم، ونحن نتعلم العلم، فنقرأ ونحضر مجالس العلم، ونعلم العلم، أين هذا في أحوالنا؟

    وهل يرى ذلك علينا؟ أترون أن هذا عيب في العلم؟ أترون أن العلم لا يرقق القلوب، أم أن لنا شأناً مع العلم ومع طلب العلم غير شأن السلف رضوان الله عليهم، وأنا فقدنا هذا الجانب؛ لذلك أصبحنا نتعلم أبواب العلم، ونحصل المراتب والشهادات العالية، ونحن من أقسى الناس قلوباً، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم رقة القلب وخشيته تبارك وتعالى.

    ويقول ابن عيينة : (إذا كان نهاري نهار سفيه وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الذي كتبت).

    ويعطينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وهو من خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- معياراً للفقيه.

    الذي شهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أراد الله به خيراً: (من يرد الله به خيراً فقه في الدين).

    والذي دعانا إليه القرآن: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة:122].

    يقول رضي الله عنه: (إلا أنبأكم بالفقيه حق الفقيه، من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معصية الله، ولم يؤمنهم من مكر الله).

    إنه يصفه الفقيه بشخصية متوازنة، يعظ الناس فلا يقنطهم من رحمة الله، وفي المقابل حين يبعث لديهم الرجاء لا يرخص لهم معصية الله تبارك وتعالى.

    ثم يقول: (ولم يترك القرآن إلى غيره، ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا خير في تفقه ليس فيه تفهم، ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر).

    ولعل من أعظم الشواهد على صور عناية السلف به، أنك لا تكاد تجد كتاب حديث يخلو من أبواب الزهد والأدب والرقائق، بل صنف العلماء مصنفات خاصة في أدب طالب العلم، وأدب العالم والمتعلم، ويتحدثون فيها كثيراً عن مثل هذه الجوانب، وحين تقرأ فيها سترى الكثير من الشواهد، ككتاب الآجري (أخلاق العلماء)، وكتب الخطيب ومنها (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)، و(المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) للرامهرمزي ، و(جامع بيان العلم وفضله) لـابن عبد البر ، و(أخلاق أهل القرآن) للآجري وغيرها كثير.

    وتجد المكتبة الحديثية مليئة بما صنف في أبواب أدب العالم والمتعلم، وأدب طالب العلم، وتراهم كثيراً ما يرون أن من أدب طالب العلم أن يتعلم الخشوع والهدي والسمت والصلاح والتقوى.

    ولقد أدت عوامل الجمود العلمي والفكري في هذه الأمة إلى اختلاق هذه الهوة والعزلة، حتى صارت أحوال الرقائق والزهد خاصة بطائفة من الناس، وصار تعلم المسائل خاصة بطائفة من الناس حتى اعتقد البعض من الناس أن تعلم العلم والفقه ومسائله مما يقسي القلب، ولا شك أن تعلم العلم والفقه البعيد عن هدي القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والبعيد عن تقوى الله تبارك وتعالى والبعيد عن هذه الأبواب؛ لا شك أنه قد يقسي قلب صاحبه.

    ولهذا قد تجد فقيهاً، وقد تجد حافظاً للعلم، محيطاً بكتب أهل العلم، وتراه مع ذلك قاسي القلب، فترى هديه سلوكه، وترى سمته بعيداً عن سمت أهل العلم، وبعيداً عن سلوك طلاب العلم.

    ولذلك غاب الوعظ عن مجالس العلم، وغاب عنها التذكير بهذه الجوانب، حتى أصبح الطلاب في حلقات العلم يشعرون أن الشيخ حينما يستطرد مذكراً أو واعظاً قد أخذ منحى آخر غير منحى التعليم، وأنه ربما أضاع عليهم جزءاً من هذا الوقت الذي يحتاجون فيه إلى أن يعرفوا ماذا قال فلان وفلان في هذه المسألة.

    ولا ينبغي أن يدعو ذلك إلى الغلو في جانب على حساب جانب آخر.

    إننا ونحن ندعو للعناية بهذا الباب وهذا الأمر، وأن نعنى به في حلقات العلم، ندعو إلى أن يعنى به أهل العلم في تعليمهم في المدارس والمساجد وغيرها من المناسبات والمجامع، أعني أن يعنوا بتذكير الناس، وغرس التقوى والخشوع لديهم، بل قبل ذلك كله أن يرى ذلك في حالهم وسمتهم وسلوكهم.

    إننا ونحن ندعو إلى ذلك ونؤكد على ذلك ينبغي أيضاً ألا نتطرف، وألا نغلو ونهمل جانب تعلم المسائل، وحفظها وإتقانها، فلا شك أن الدين لا يقوم بدون ذلك.

    لكننا ندعو إلى أن تكون القضية متوازنة، وأن نأخذ العلم عن السلف كما كان.

    وربما كان مما أدى إلى ذلك ردة الفعل عند البعض ضد ظاهرة التصوف، لأن أهل التصوف كانت لهم عناية بأبواب الرقائق والزهد وما يصلح النفوس، لكنهم انحرفوا وأتوا بالبدعة في ذلك، ولهذا قابلهم البعض بردة فعل، فصاروا يبتعدون عن هذه المسائل.

    ولهذا قد يفتقد الناس فعلاً ما يحرك القلوب، وقد يشعر الناس أنهم يفتقدون عند طلبة العلم الصادقين البعيدين عن الانحراف والزلل ما يحرك القلوب وينيرها، ولماذا يكون تحريك القلوب والتأثير على النفوس قاصراً على أهل البدع، أتظنون أنهم أتقى لله وأخشى لله؟

    كلا؛ لكن قد يكون أصابنا ما أصابنا من ردة الفعل، فأصابنا بعض الجفاء في ذلك.

    فنحن أيها الإخوة أحوج ما نكون إلى أن نعيد لهذا الأمر وزنه، ولعلي أشير إلى نقاط عاجلة مختصرة حول هذا الأمر، حتى نعنى بربط العلم بمصادره الأصيلة، من الكتاب والسنة، فهي تحرك القلوب.

    للأسف أنك ترى الكثير من الناس لا يعد القرآن علماً، ولا يعد تعلم القرآن لتعلم العلم، بل يرى أن تعلم العلم أن يحفظ هذا المتن، وأن يتقنه، وأن يحفظ قول فلان وفلان من الناس، ولا شك أن أصل العلم وأساسه كتاب الله تبارك وتعالى، فنتعلم القرآن ونقرؤه ونتدبر معانيه، ونقرأ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما صنفه سلف الأمة للمتقدمون في الاعتقاد من السنة والحديث لنرى كيف تتحرك القلوب وتتأثر بذلك.

    أن نقرأ أيضاً في أخبار وسير وتراجم أهل العلم من سلف الأمة، وأحوالهم والمأثور عنهم، والمنقول عنهم في ذلك، وأن نقرأ أيضاً في كتب الزهد والرقائق، وما صنفه أهل العلم، والمكتبة الإسلامية مليئة بالكتب التي عني بها سلف الأمة وعلماء الأمة في هذه الجوانب.

    أن نقرأ فيها ونداوم القراءة فيها، وألا نرى أن القراءة ينبغي أن تكون قاصرة على الكتب التي تعنى بسرد المسائل العلمية وسرد أقوال الرجال واختلافهم فيها.

    وأخيراً: لن يتم الأمر ونحن نشعر أن هذا شيء والعلم شيء آخر، فحينما نشعر أن قضية الخشوع والهدي والصلاح والتقوى باب، وأن العلم باب آخر فلن يتحقق لنا هذا الأمر، إلا حين نعتبرها شيئاً واحداً، وجزءاً لا يتجزأ، وأنه مطلب أساس كما أن طالب العلم لا يستقيم علمه حين لا يتعلم النحو، أو لا يتعلم الحديث أو لا يتعلم الفقه.

    ولهذا علا شأن منهج التلقي في العلم، وأنه لا بد أن يتلقى عن أهل العلم، لأنهم كانوا يتعلمون عن أهل العلم الهدي، والسمت والخشوع والصلاح والتقوى التي قد لا يستطيع الإنسان أن يتعلمها من الكتب وحدها، فحين يصحب أهل العلم ويجالسهم، ويسمع مقالهم، يرى ذلك في سلوكهم وهديهم وسمتهم.

    أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا إنه سميع مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    1.   

    الأسئلة

    دعوى أن التخصص في العلم سبب للفصل بين العلم والخشوع

    السؤال: ألا ترى أن من أسباب وجود تلك التفرقة أو الانفصام في شخصية الطالب بين الخوض في مسائل الفقه والحديث، وبين الخشوع والرقائق كما ذكرتم، من أسبابها التخصص، فحين يتخصص طالب السنة والحديث في هذا التخصص لا بد أن يسخر أوقاته في الحفظ والمراجعة ومعرفة أسماء الرجاء ومذاهب الأئمة، والتفتيش في الكتب والمطالعة الدائمة فيطغى ذلك على شخصيته، أو طالب الفقه في معرفة مذاهب الأئمة وملازمة كتب الفقه، فمن هنا يغرق كل واحد في تخصص ما، ويطغى وقته على هذه الأمور؟

    الجواب: لا أوافق على ذلك، فقد يحتج البعض في ذلك بهذه الحجة، ولعل الأخ يقصد سياق الحجة ولا يقصد التأييد على ذلك؛ لكن ماذا نريد من إنسان يحفظ مسائل العلم ويتقنها ثم بعد ذلك لا يملك ما يضبط هذا العلم وما يجعله يؤدي الدور الحقيقي.

    والعلم إما أن يكون خيراً على المرء وللناس، وإما أن يكون وبالاً عافانا الله وإياكم.

    لأنه حين يتسلل الهوى والشهوات والأغراض إلى طالب العلم، فإنه يصبح وسيلة لإضلال الناس، ويصبح وبالاً على نفسه وعلى المسلمين، ولهذا فحين نفتقد هذه المعاني، ونفتقد هذه الأمور، فإنه مدعاة إلى تسلل هذه الأهواء.

    ثم بيني وبينك يا أخي كتاب الله بعيداً عن هذا كله، فهذه صفات أهل العلم في كتاب الله عز وجل، فمن لم يتصف بها فقد نقص وفقد صفة مهمة من صفات أهل العلم، فالقرآن والسنة وأقوال سلف الأمة الذين برعوا في العلم، وبرعوا في هذه المسائل كلها ناطقة بأن العلم لا ينفصل عن هذه القضية، ولا ينفصل عن هذه الحقيقة.

    ومما يؤسف أنك تجد في العالم الإسلامي كثيراً من حملة الشهادات العليا في التخصصات الشرعية تجده في مظهره غير ملتزم.

    يعني طبيعي جداً تدخل جامعة في العالم الإسلامي، فتجد أستاذ شريعة وأستاذاً في السنة واسع الإطلاع على المسائل لكن مظهره الشرعي بعيد عن الالتزام الشرعي، فتجد أنه حالق لحيته، مسبل ثوبه، لا يؤدي الصلاة مع الجماعة أو لا يحافظ عليها، فلماذا نشأ هذا الأمر؟

    نشأ من الفصل بين هاتين القضيتين.

    فلا يليق أبداً بأي حجة أن نلغي هذا الأمر، بل نعتبر أن هذه القضية ليست قضية تخصص، وأن الخشوع مطلب أساسي لكل طالب علم، لا يجوز أن يخل به أبداً، كما أن هناك علوماً مما هي بالنسبة لطالب العلم فرض عين لا يسقطها التخصص، كذلك هذا الأمر من أهم الأمور.

    نعم قد يكون التخصص في جانب إبداع هذا الإنسان وقدرته على التأثير على الناس بشكل أكبر، وهذا موجود حتى عند السلف، فقد وجد عند السلف من كان في الوعظ أكثر تأثيراً من غيره، هنا يأتي جانب التخصص، أما أن نلغي هذا وأن نفتقده فلا، لأنا نكون قد فقدنا القدر الواجب الذي لا يستقيم علم الإنسان بدونه.

    معالجة مرض عدم الخضوع لا يكون الخشوع لا يكون بترك طلب العلم

    السؤال: العلم الخشية، وقد يتبادر إلى أذهان البعض أنه من لم يجد الخشية في علمه الذي يطلبه، فإنه يترك العلم، أرجو التأكيد على هذه النقطة.

    الجواب: الخشية والخشوع هي أول علم يفقد، وحينما يشعر المرء بأن هذا العلم الذي يتعلمه أو يطلبه لا يحقق لديه هذا الجانب، فالحل ليس في تركه، ولا التخلي عنه، إنما الحل في إصلاح النفس، والحل في المراجعة والبحث عن الأسباب التي جعلته لا يجد هذا الأمر في نفسه، والخطأ لا يعالج بالخطأ.

    وهذا الذي لم يتحقق له الخشية والخشوع من طلب العلم، فلا شك أنه حين يترك طلب العلم فإنه أولى أن يكون أكثر بعداً عنه.

    مناقشة أهل البدع أو ترك ذلك

    السؤال: لا يخفى عليكم وجود شرائح متنوعة من الشباب الملتزم، ومن هذه الشرائح شريحة يجتمع فيها اتباع الهوى والحسد وتلبيس الحق بالباطل على الناس، والمؤسف أن كثيراً من هؤلاء الشباب من المغرر بهم، ويظن كما ذكرتم أنه يعمل لدين الله، ويشغل نفسه بأمور وأحداث لا فائدة من ورائها، فما السبيل في إقناع هؤلاء، بأن ما يظنون أنه حق هو باطل، أم أن من الأفضل عدم نقاشهم والخوض معهم في مثل هذه الأمور؟

    الجواب: النقاش ينبغي أن يكون أولاً مع من يحترم النقاش، فمن تجد أن لديه استعداداً للنقاش والأخذ والعطاء وسماع رأي الآخرين فممكن أن تفتح معهم النقاش.

    أما الإنسان الذي يناقشك ليقنعك بما عنده، وليس عنده استعداد أنه يستمع لوجهات نظر الآخرين، فإن النقاش معه لا يقسي القلب ويضيع الوقت، فينبغي ألا نضيع أوقاتنا في مثل هذا الجدل العقيم.

    ولا شك أن تربية الناس على التقوى والتجرد وخشية الله تبارك وتعالى، ومراقبة الله عز وجل وإرادة وجه الله والدار الآخرة، ومحاسبة النفس والمراجعة، مدعاة أن يستفيق الإنسان من هذه الأمراض.

    وهذه الأمراض من الهوى والحسد وغيرها خطورتها أنها خفية لا يتفطن إليها الإنسان، فيخيل للإنسان أن هذا العمل صالح لا معصية فيه، وأنه تقوى لله عز وجل وخشية لله تبارك وتعالى، وأنه بهذا الأمر يقوم على حراسة الدين، وعلى حماية الأمة، وهو يثير الفتنة ويصد الناس عن سبيل الله عز وجل، عافانا الله وإياكم.

    أقول: حينما يكون هذا الأمر خفياً فإنه يصبح صعباً أن يتعرف الإنسان عليه، لكن حين يتقي الله ويقبل على الله عز وجل فإن الله تبارك وتعالى يعين الإنسان، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه تبارك وتعالى أن يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه، وأن يريه الباطل باطلاً ويرزقه اجتانبه.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

    هذا الدعاء الذي يتكرر كثيراً، بل يدعو المسلم به ربه تبارك وتعالى كل يوم مرات ومرات، لأن الإنسان قد يلتبس عليه الحق بالباطل، وقد يرى الحق باطلاً والباطل حقاً.

    فالعناية بإصلاح القلوب والتجرد لله عز وجل وسؤال الله تبارك وتعالى الهداية، ومحاسبة النفس والمراجعة مما يعين الإنسان بإذن الله عز وجل على تجاوز هذه الأبواب الخطيرة، والموفق والمعصوم من عصمه الله تبارك وتعالى.

    المطلوب هو الخشوع بالقلب والعمل

    السؤال: هذه قصة أحب أن تذكر بها الناس: يروى عن بعض المشايخ أنه كان يبكي في درس النحو ثلاث مرات، أثناء ذكر الأمثلة من كتاب الله، وكلما ذكر آية بكى.

    الشيخ: نحن لا نفتش عن حال بعض من يبكي في درس النحو، لكن من يعظ الناس أن يتحرك قلبه، فليست القضية فقط على البكاء، ثم أن البكاء والخشوع هو خطوة لخشوع القلب وتقوى الله.

    وأيضاً ينبغي أن لا يكون هذا هو النهاية، وألا يكون الإنسان مثل الذين جاءوا أباهم عشاء يبكون، أعني أنه قد يبكي الإنسان ويتأثر تأثراً صادقاً غير مصطنع، لكنه أحياناً ينتهي أثره، فالخشوع والتقوى ينبغي أن يرى أثره على المرء في هذه الأحوال، ثم أثرها أيضاً بعد ذلك ينبغي أن ينتقل الإنسان في عمله وإصلاح قلبه، وخشوعه لله عز وجل.

    أسباب كمال العلم

    السؤال: ما الأسباب التي تؤدي إلى كمال العلم عند الطالب جزاك الله خيراً؟

    الشيخ: الأسباب هي التي أشرنا إليها في ختام المحاضرة، وهذا ليس مقصود الحديث، فالهدف من طرق هذا الموضوع وطرق هذه المحاضرة هو الإشارة إلى هذا العلم المفقود، والإشارة إلى الربط بين القضيتين، إلى أن قضية الخشوع والخشية قضية لا تنفصل عن العلم وعن طلب العلم.

    أما وسائل العلاج وتحقيق ذلك فهذا يحتاج إلى حديث مستقل، وكان في الذهن أن أتحدث حول هذه القضية، لكن أشعر أنه سيضطرنا إلى الاختصار وأنه يمكن أن نكتفي بأن يكون هدفنا من الحديث حول التنبيه وإثارة الاهتمام بهذه القضية، لكن أشرت باختصار في نهاية الحديث إلى أن العناية بالقرآن والسنة وأحوال السلف وأخبارهم، والقراءة في كتب الرقائق والآداب مما يعين الإنسان على ذلك، والحرص على العبادة الاستفادة منها، وتقوى الله عز وجل.

    الربط بين العلوم الطبيعية والخشية

    السؤال: كيف نربط بين الخشية والعلم الطبيعي كالطب والهندسة أو تدريس هذه العلوم؟

    الشيخ: الحديث الذي سلف عن قضية الربط بين العلم والخشية والخشوع، هم يعنون بذلك العلم الشرعي، ولا شك أنه ينبغي أن لا نتدخل ونشعر أن دراسة الهندسة والطب والطيران أو دراسة الأدب الأوروبي أو الأدب في العصور المتتابعة أو النقد أو غيره أو دراسة النحو وما يتعلق به أنه مدعاة الخشية والخشوع.

    وهذا لا يعني أيضاً تسفيه أهل هذه التخصصات والدراسات، والأمة تحتاج إلى هذه التخصصات، فالقضية الأولى: أن الربط بين العلم والخشية والخشوع، وأن العلم مدعاة للخشية والخشوع إنما هو في العلم الشرعي.

    الأمر الثاني: أن هذا لا يعني أيضاً أن أصحاب هذه التخصصات والدراسات ينبغي أن تكون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، فينبغي أن يعتني هو بتخصصه وعمله ويهتم به ويبدع فيه، وينفع الناس.

    وأنا لا أدعو أصحاب هذه التخصصات إلى أن يهملوها، وأن ينشغل الإنسان بقراءات أخرى على حساب تخصصه، فيصبح غير نافع في المجال الذي هو فيه، فإن الأمة تحتاج إلى أن تستغني عن أعدائها، وتجتهد أن تكون النموذج أمام الأمم لأنها أمة أخرجها الله لتكون خير أمة تحمل هداية الناس، وما لم تكن الأمة مستغنية عن أعدائها فإننا لن نستطيع أن ننشر ديننا للناس، ولن نستطيع أن نقوم بهذا الدور والواجب الشرعي الذي أوجبه الله عز وجل علينا، لكن على الإنسان الذي في مثل هذا العمل وهذا الموقع أن يسعى إلى ما يرقي القلب في مجالات أخرى، من خلال قراءة القرآن، والقراءة في كتب الرقائق والآداب، وقد يوجد هذا النموذج بجانب آخر.

    خذ مثلاً رجل الهيئة، قد يتطلب عمله نزوله إلى الأسواق، والدوام فيه، وهذا لا شك مدعاة لأن يرى من المناظر والمشاهد ما يصيبه ببلادة الإحساس أحياناً، لأنه كلما اعتاده الإنسان رؤية المنكرات أصيب ببلادة إحساس، وقد يزداد قسوة، لكن هل نترك العمل الذي هو من أعظم الأعمال لأجل هذا الاعتبار؟ لا، لكن يجب أن يعمل، ثم يسعى إلى علاج هذا المريض، خلال وسائل وأبواب العلاج الأخرى.

    نكتفي بهذا القدر من هذه الأسئلة، وأسأل الله عز وجل أن يمن علينا وعليكم بصلاح قلوبنا وأعمالنا، إنه سميع مجيب، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ويحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا إنه سميع مجيب.

    هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد إلا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.