إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية

التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصيةللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من يشاهد في هذه الأيام أوساط المسلمين ومجتمعاتهم- يجد حالة المسلمين وعلاقاتهم بين إفراط وتفريط، إما تنافر وتقاطع على أهواء ومصالح دنيوية، أو تجاذب وتوارد على شهوات شيطانية، أو مصالح دنيوية، وقد ذكر الشيخ حفظه لله أسباب التنافر وكيفية علاجه، وأنواع التجاذب والتحاب وكيفية التعامل معه، ثم أتبع ذلك بأسئلة ختامية في الموضوع نفسه.

    1.   

    أسباب التنافر في العلاقات الشخصية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أولاً: أعتذر إليكم عن شيءٍ أرجو أنه لا ذنب لي فيه، ولعل لبساً حصل في كيفية الإتيان إلى هذا المكان، فاضطررت أن آتي إليه وأنا لا أعلم مكانه، وهذه المحاضرة كما ترونها أظن الوقت ليس بمتسع لأن نأتي عليها، ولكنني سأتكلم معكم عن موضوعٍ أرجو أن يكون فيه خيرٌ لي ولكم وفائدة إن شاء الله.

    وهذا الموضوع أيها الإخوة! يدور حول فقرة من الفقرات التي تضمنها وتناولها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في دلائل الإيمان، وهذه الفقرة هي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) وهذه القضية أيها الإخوة! تتكون من شقين أريد أن أتناولهما بالكلام معكم في هذه الليلة.

    الشق الأول: التنافر الذي يحدث بين النفوس عندما تتقابل في وسطٍ واحد.

    الشق الثاني: التجاذب الذي يحدث بين بعض النفوس عندما تتقارب في الوسط الواحد.

    من أكثر المشاكل التي تواجه فريضة الأخوة في الله في واقعنا، ما يحدث بين بعض الشباب من التنافر أو التجاذب، ولكلٍ منهم إيجابيات وسلبيات، التنافر طبعاً لا خير فيه، ولكن التجاذب هو الذي أقصد بكلامي أن فيه إيجابيات وفيه سلبيات، ونظراً لكثرة المشاكل الحادثة في هذا الموضوع، نريد أن نسلط عليه الضوء.

    ضعف الإيمان

    أما التنافر أيها الإخوة: فإنه يكون بأسباب، منها: ضعف الإيمان، ولذلك تجد أنه لو التقى أخوان شابان مثلاً، اثنان أو اثنتان في وسطٍ واحد فحدث بينهما تنافر، فإن هذا التنافر وهذا الكره الذي يقوم في نفس كل واحدٍ منهما، أو نفس واحدٍ منهما له أسباب، فأنت عندما تنفتح على مجموعة من الناس، تدخل مثلاً مركزاً من المراكز الصيفية، أو مدرسةً من المدارس، أو مجتمعاً من المجتمعات، فإنك تحس بالقرب من أناس، وبالابتعاد من أناس آخرين، بعض الناس لأدنى سبب من أسباب الابتعاد فإنه يهجر أخاه، ولا يبالي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث) فهناك الآن من الناس من يحسب على قائمة المتمسكين بهذا الدين، قد هجر أخاً له أو صاحباً ليس في ذات الله، وإنما لهوىً يحدث في نفسه.

    فمثلاً: يحدث بينهما اختلاف في وجهة نظر حول قضية من القضايا مثل: كيف نطبق أمراً من الأمور، أو كيف نسلك سبيلاً لحل مشكلةٍ ما، فيكون هذا الخلاف في الرأي مفسداً للود، مفرقاً لهذا الإخاء الذي من المفترض أن يكون في النفوس، مع أن السبب تافه في بعض الأحيان، لكنه يولد مفسدة عظيمة من الفرقة والاختلاف.

    أحياناً -كما قلت- يكون السبب ضعف الإيمان في نفس أحدهما أو كلاهما، الأرواح جنود مجندة، وأهل الإيمان يلتقون وينجذبُ بعضهم إلى بعض، ولو لم يعرف بعضهم بعضاً، أليس يحدث هذا أيها الإخوة؟! أحياناً في موسم الحج مثلاً، تلتقي بأخٍ لك من الباكستان أو من الهند أو من إندونيسيا ، أو من ليبيا أو من أوروبا ، فيحدث أثناء الكلام انجذابٌ فيما بينك وبينه، بسبب الأخوة الإيمانية الحاصلة.

    فإذا ضعف الإيمان عند أحدهما فإنه لن ينجذب إلى الآخر الذي قوي إيمانه في بعض الأحيان، وأحياناً قد يحبه من باب أنه يستفيد منه، أو يقتدي به، أو أنه يجده ضالاً ومنقذاً له من حمأة المجتمع السيئ الذي يعيش فيه، ومن لاحظ أن بينه وبين أخيه نوعاً من التنافر، فعليه أن يبحث على السبب ما هو؟

    قد يكون الضعف في الإيمان هو الذي أدى إلى هذا التنافر بينهما، لو قوي الإيمان لارتفع هو وأخوه فوق مستوى الخلافات في الآراء، وفوق مستوى النـزغات التي ينـزغها الشيطان، لذلك الله عز وجل يقول: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53].

    من الأسباب مثلاً: سوء الظن، فترى الواحد من هذين الأخوين عندما يرى تصرفاً من أخيه يقول: هذا ما عنى بالتصرف إلا ليضرني، هذا ما تقدم عليّ بالكلام في المجلس إلا لكي يعزلني على جنب، ويستلم هو صدارة المجلس، ويكون هو المتحدث الرسمي باسم الدين مثلاً في ذلك المجلس، ويقول: أخذ علي الوقت كله، ولم يترك لي فرصة للكلام؛ يريد أن يجعلني إنساناً لا قيمة له بين هؤلاء الجالسين، وقد يكون الشخص الأول قصده غير ذلك.

    رأى نفسه منطلقاً في الكلام، ورأى الحاضرين تأثروا بكلامه، فجلس يتحدث ويتكلم ولم يخطر بباله لحظة واحدة، أنه يقصد بإطالة الكلام أن يجعل ذلك الشخص معزولاً منبوذاً عن هذا المجلس، فيأتي الشيطان فيسول لهذا الشخص، ما قصد بهذه الحركة إلا كذا، وهذا كثير.

    مثلاً: يحدث تصرف من التصرفات؛ كلمة يقولها واحد لآخر، فيسمعها الشخص المقصود الذي يسيء الظن، فيفسرها كل التفسيرات السيئة إلا التفسير الحسن الذي قد يكون هو القريب من الواقع فعلاً، ولذلك نبه الله عز وجل المؤمنين إلى هذه المسألة في سورة الحجرات، فقال الله: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12].

    لأن هناك ظناً شرعياً مثل: غلبة الظن الذي تبنى عليه كثيرٌ من الأحكام الشرعية، مثل أن الإنسان عندما يرجح في الصلاة أن التي صلاها أربعاً وليست ثلاثاً، فإنه لا يأتي بركعةٍ زائدة، وإنما يعتمد على ما غلب على ظنه من رجحان أن تكون التي أتى بها هي الركعة الرابعة فلا يزيد، وهذا ليس موضوعنا، موضوعنا عن ظنٍ سيئ يقوم في بعض النفوس كتفسيراتٌ سيئة لبعض الكلمات والتصرفات، تسبب التنافر والابتعاد.

    النظرة الطبقية والمادية

    أحياناً: يكون سبب التنافر غير شرعي أيضاً، مثل أن يقول: إن فلاناً منظره ليس جميلاً، أو أن هندامه ليس أنيقاً، أو أن مركبه ليس وثيراً، وهكذا، فيحدث نوع من التباعد، وخصوصاً عندما يكون الإنسان من طبقة اجتماعية معينة فيها غنى أو ثراء، فتراه يحس أن الذين دونه في الطبقة الاجتماعية، ودونه في الغنى والثراء بعيدون عنه، وأن هؤلاء تحته بمنازل، كيف يمكن أن تحدث الأخوة في الله بين الذي ينظر هذه النظرة المادية؟

    ولذلك ترى بعض الناس يتقاربون ممن هم في طبقتهم الاجتماعية، أو مثلهم في الغنى والثراء تقارباً زائفاً قد يبدو في الظاهر أنهم إخوة في الله وليسوا كذلك. فهذا أيضاً من الأشياء التي يجب أن تعالج في النفس، ومجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم من عظمته أنك تجد فيه أثرى الناس وأفقر الناس يجتمعون مع بعضهم البعض، يقاتلون صفاً واحداً، ويحضرون مجالس العلم المختلفة، لا يأنف عبد الرحمن بن عوف أن يجلس بجانب بلال وهكذا.

    لكن في مجتمعاتنا قد يحدث هذا، وقد يرى بعض المتفوقين دراسياً أنهم أرقى عقولاً أو أذهاناً أو قوةً في التفكير من أناسٍ آخرين من البسطاء المتخلفين في الدراسة، فيجد في نفسه أن يمشي مع هذا الشخص!! لابد أن يمشي مع أشخاص متفوقين دراسياً، ولذلك يبتعد عن الضعفاء، والرسول صلى الله عليه وسلم بين كما ورد في صحيح البخاري : (ابغوني الضعفاء؛ إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم).

    أحياناً: في بعض الأنشطة الإسلامية بعض الشباب يحتقر ناساً من البسطاء الموجودين في هذا النشاط، وقد يكون هؤلاء البسطاء هم من الأسباب الكبيرة في توفيق الله لهذا النشاط الإسلامي، لأن الله مع الضعيف، لماذا يستجاب دعاء المظلوم؟

    لماذا يستجاب دعاء المسافر؟ لماذا يستجاب دعاء المريض؟

    لأن الذي يجمعهم هو الضعف الذي يحصل لهم بسبب وجودهم في هذه الحالات التي سببت ضعفهم، المسافر بسبب غربة ومشاق السفر يصبح ضعيفاً فيه ذلة، المريض أيضاً فقد صحته، وهو يرى الأصحاء ففيه نوع من الذلة والمسكنة، المظلوم مقهورٌ مغلوب وفيه نوعٌ من الذلة والمسكنة، ولذلك يستجاب لهم، كما بين ابن القيم رحمه الله في تحليلٍ رائع في مدارج السالكين لهذه النقطة.

    فإذاً تنافر بعض الشباب عن البعض بسبب تفوقهم في بعض النقاط المادية، سبب ليس بشرعي للتنافر، ولا للإعراض ولا للهجران، ويجب أن تتلمس هذه الأسباب في النفوس، وكل واحد منا مسئولٌ عن النزعات التي تقوم بنفسه.

    حب الترؤس على الآخرين

    أحياناً: يكون سبب التنافر حب الرئاسة، وهذا سببٌ دقيق وهي الشهوة الخفية التي جاء التعبير في بعض الآثار، حب الرئاسة هذا يريد وأن تكون له القيادة والريادة، وأنه يجمع في يده زمام أكبر عدد ممكن من المسئوليات، وقد يكون صاحب شخصية قوية.

    والشخصيات القوية في الغالب تنـزع هذا المنـزع، وعندما يجتمع مجموعة من الناس في وسط، فإن من الأمر أنه لا يخلو أن يوجد أكثر من واحد صاحب شخصية قوية، وأكثر من واحد يريد أن تكون له القيادة ويريد أن يستلم الريادة، ويريد أن يكون هو الذي يوجه ويسير دفة الأمور.

    والعادة أن هذه الشخصيات لا تتنازل بسهولة عن آرائها، ولا ترضى بسهولة أن تطبق فكرة شخص آخر، وعندما يجتمع اثنان على الأقل من هذه النوعية، كلٌ منهما يريد أن تكون له الكلمة، يحدث بينهما تنافر وابتعاد، ويرى كلٌ منهما أنه أهلٌ لأن يكون في هذا المكان.

    ولذلك ترى حالة هذا الوسط المصغر الذي نتكلم عنه والذي وضعنا الآن شريحته تحت المجهر، إما أن يكون الصراع قائماً محتدماً لفترةٍ طويلة من الوقت حتى يهدي الله أحدهما أو كلاهما، أو أنك تجد واحداً استطاع أن يسيطر على الموقف ويقهر الآخر، فيضطر الآخر إلى الخروج من الساحة، أو أن يقبع ساكتاً طيلة الوقت، ويكون ما بينهما من الضغينة والبغضاء شيء كثير جداً.

    الحظوظ والأشياء النفسية

    هذه طائفة من الأسباب التي تولد التنافر، أحياناً يكون هناك سبب نفسي، تجد تفسير هذا السبب في بعض العبارات التي يطلقها البعض، فتجد واحداً يقول: أنا يا أخي ما ارتاح لفلان ولا لطريقته، ما ارتاح لكلامه، ما ارتاح لإلقائه، أنا عندما يتكلم أريد أن أسد أذني، عندما يأتي للمجلس أود أن أفارقه بأقصى سرعة، لا أريد أن أقع له على أثر، ولا أرى له منظر، ولا أسمع له خبر وهكذا...

    يجب ألا تقف المسألة عند هذا الحد، بعض الناس أحياناً يقولون: ما دام وصلنا إلى هذا الشكوى لله، إذاً اجتنب هذا الشخص، ويذهب كلٌ منكما في طريقٍ وسبيلٍ آخر، لكن المشكلة لم تحل!

    ولذلك ينبغي أن يدقق وتحلل هذه المواقف وأن ينظر ما هو السبب وراء هذه القطيعة وهذا التنافر، فهل هو مواقف؟

    أحياناً يكون السبب موقفاً من المواقف ترتب عليه كره وبغضاء شديدة جداً، أحياناً يكون الموقف فعلاً خطأ، ولكن ينبني على هذا الخطأ خطأ أكبر منه وهو الكره الذي يحصل في نفس هذا المخطئ عليه.

    أسألكم سؤالاً: أليس قد حدث لكل واحدٍ منا مثلاً في حياته الدراسية، أنه في حصةٍ من الحصص مثلاً قد يختار المدرس مجموعة أو واحداً واحداً من الطلاب لكي يقول رأيه في مسألة؟

    يطرح الموضوع ويقول: تكلم يا فلان، كل الطلاب يرفعون أيديهم، وهو ينتقي، تكلم يا فلان، تكلم يا فلان، تكلم يا فلان، أليس قد حدث مرةً من المرات أو أكثر من مرة، أنك عندما تكون لست الشخص الذي يختارك المدرس للكلام في ذلك الموقف، أن تحس أن هذا المدرس يقصد ذلك، وأنه لا يريدك أن تتكلم عمداً وإلا لانتقاك؟

    ويكون في نفسك شيءٌ من البغضاء لهذا المدرس، لماذا سمح لفلان وفلان بالكلام ولم يسمح لي المجال للكلام؟

    أليس قد حدث هذا؟!

    قد يكون المدرس بهواه وميوله الذاتية أو الشخصية قد انتقى الناس الذين يميل إليهم ليفسح لهم المجال للكلام، وقد يقول إنسان: معذور جداً، لأن الوقت المقرر لمناقشة هذا الموضوع في الحصة حقيقةً وواقعاً وعقلاً لا يكفي ولا يستوعب كل طلاب الفصل، ولذلك فهو انتقى انتقاءً عشوائياً مثلاً.

    وليس هناك سبب معين لأن يحرم طالباً من الكلام، ولكن الطالب قد لا يكون عنده فقهٌ في المسألة فيتصور أنه مقصود، فيعادي هذا المدرس ويكرهه، ويكون هذا الموقف الواحد سبباً في أن تتراكم الكراهية في نفس هذا الطالب، وأن يفسر كل التصرفات التي تحدث بعد ذلك من هذا المدرس على أنه مقصود فيها.

    هذه صورة ولكن ما يحدث في واقع الأخوة في الله! كثيرٌ جداً في هذا الجانب. ولذلك نحن ندعو دائماً ونقول لك: يا أيها الشاب! إذا أحسست ببعض المواقف مما أذكره لك الآن، فلا تتردد لحظةً واحدة في إجراء عملية مهمة جداً وهي المصارحة، كثير من النفسيات في كثيرٍ من الأحيان تفضل تخزين المواقف في الداخل، ولا تصارح البتة ولا يأتي ويصارح ويقول: يا أخي لقد حدث منك تصرف في وقت كذا وكذا، وأنا أقول لك: الصراحة أنني فهمت منه كذا وكذا، قد يكون هذا من الشيطان، وقد يكون فعلاً أنت قصدته فأنا أريد أن توضح لي الأمر، وأن تبين، كثيرٌ من الناس لا يوجد عندهم هذا الأسلوب وهذا المنهج.

    وبسبب فقدان منهج المصارحة؛ فإنك تجد النقاط السوداء تتراكم في النفس حتى تكون بركاناً ينفجر يوماً من الأيام، وعندما نستعرض واقع بعض الصحابة نجد أن الأمر بينهم فيه مصارحة ومعاتبة، فتجد الواحد منهم لو حدث بينه وبين أخيه شيء جاء يعاتبه عما حصل، والآخر يعتذر إليه في كثيرٍ من الأحيان، نحن نفتقد إلى المعاتبة والاعتذار، قد تحدث معاتبة ومصارحة في بعض الأحيان، وقد تجد خطأً آخر وهو عدم الاعتذار وعدم التبرير الواضح، وإذا لم يكن هناك تبرير واضح، فمن أين تأتي الراحة؟!

    ولذا أوصيكم أن إذا وجد أحدكم شيئاً في نفسه على أخيه في موقف من المواقف، كلمةٍ من الكلمات، حدثٍ من الأحداث، أن يبادر ولا يسكت ولا يؤجل، لأن الأثر يبقى في النفس والموضوع يبرد، وإذا برد الموضوع لن يتجرأ ولن يكون هناك حماس في فتحه مرةً أخرى، ولكن النقطة السوداء بقيت في النفس، فالبدار البدار إلى المصارحة وإلى فتح النفس وتقول له معاتباً: أنا أعتب عليك يا أخي في هذا التصرف، وأنا لك أذن صاغية لأن أسمع عذرك.

    بعض الناس قد يخجل -أقول: يخجل ولا أقول يستحي- من المصارحة، وخصوصاً عندما يكون الشخص الذي يظن أنه أخطأ عليه أكبر منه سناً، ويبدأ الكره ينبض في قلبه، ولا يستطيع أن يكلمه ونجد أمثلة كثيرة جداً لهذه النقطة بين بعض الآباء وبعض الأولاد.

    كثيرٌ من الأولاد: عندما يجتمع مع أقرانه يبثُ إليه أشجاناً كبيرة وعظيمة، ويفتح له صدره على مكنونات سوداء تجاه أبيه، لماذا لا يصارح الولد أباه؟

    يجد أنه لا يمكن أن يفاتح أباه، قد تكون شخصية الأب غير متفهمة، ولكننا في كثيرٍ من الأحيان نفتقد إلى الجراءة، ولو أننا فعلنا المصارحة أو المعاتبة مرةً واحدة؛ لانكسر ذلك الجدار من الخجل أو من الهيبة، نقول: اكسر الحاجز أفضل من أن تتراكم الكراهية في قلبك.

    1.   

    علاج قضية التنافر في العلاقات الشخصية

    ما هو موقفنا نحن من حالات التنافر؟

    نحن قد نرى في الواقع، في الأوساط التي نعيش فيها، في المدارس، وفي الجامعات، وفي البيوت، وفي الديوانيات والمجالس قد نرى حالات تنافر، وفي وسط أقربائنا قد نرى حالات من التنافر، ما هو موقفنا من هذه الحالات؟

    التوفيق والإصلاح بين الاثنين

    من الإنجازات العظيمة -أيها الإخوة، وأقولها وأنا واثقٌ من هذه الكلمة- أن تؤلف أو توفق وتقرب بين اثنين متنافرين، لأن المسألة صعبة جداً، والله عز وجل قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63].

    ولذلك المرتزقة الذين يقاتلون في كثيرٍ من الأصقاع ضد الإسلام أو في الصراعات التي تدور في العالم ليسوا بمؤتلفين، ربما لو أنه قُتل صاحبه في جانبه لا يتأسف عليه، لأن المهم أن يستلم الراتب في النهاية أو يستلم هذا الارتزاق الذي يزعمه، ولكن الأخوة في الله، والمجتمع المسلم، ليس فيه شيء من هذا.

    أولاً: نجد في الإسلام أشياء تساعد على التقريب بين المتنافرين، مثلاً: وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه ليس من الإثم أن تكذب للإصلاح بين المتخاصمين، فمثلاً: لو جاءك واحد وقال لك: يا أخي أنا هذا فلان أكرهه كرهاً شديداً، لماذا؟ قال: بلغني أنه قال في المجلس الفلاني عني: كذا وكذا.

    بلغني أنه قال عني في المجلس الفلاني نقداً أو عيباً استهزاء وسخرية، يمكنك في هذه الحالة شرعاً، أن تقول له: وأنت كنت حضرت في المجلس؟ لا يا أخي ليس بصحيح، أنا كنت موجوداً في المجلس.. فلان صحيح تكلم بكلام لكن ما هو مثل الذي تقوله أبداً، يعني: كلام فيه شيء من النقد، لكنه شيء بسيط ما يذكر، هذا الذي أخبرك نمام، يريد الإفساد بينك وبين فلان، لا، أنا كنت موجوداً، وفي هذه الحالة ينبغي أن ننتبه لأمور:

    الأمر الأول: أن يكون الإنسان حكيماً عندما يكذب للإصلاح بين المتخاصمين، لأن بعض الناس مثلاً يُعاب في مجلس ويأتيه خمسة أشخاص يقولون له: فلان قال: إنك بخيل مثلاً، وأن القرش لا يخرج من جيبك بسهولة وأنك إنسان ..... إلخ.

    ليس من الحكمة هنا أن تقول: لا يا أخي أبداً ما ذكر كلمة بخيل مطلق، بالعكس قال: إنك كريم، الآن هذه الكذبة ليس فيها حكمة؛ لأن أربعة أو خمسة أشخاص يقولون ويؤكدون للشخص أن فلاناً قال عنه بخيل، وبعد ذلك أنت تقول له العكس تماماً برواية من طريقٍ واحد!!

    هذا ليس فيه حكمة أبداً، ولذلك نجد أن بعض المصلحين، أو الذين يحاولون الإصلاح، يزيدون الأمر تعقيداً، أو على الأقل أنهم يستثنون أنفسهم من الإصلاح، كيف؟

    عندما تقول له: فلان ما قال عنك بخيل أبداً، ماذا سيقول في نفسه؟

    يقول: إيــه أنا أعرف شغلي مع فلان، لأنه يعرف أنك أنت الآن تريد الإصلاح، فإذاً لابد من الحكمة في الإصلاح بين المتنافرين، ولابد من الحكمة حتى في الكذب في الإصلاح، وليست كل كذبة صحيحة ودقيقة أو هي تكون بلسماً على الجرح، وإنما قد تزيد الجرح إيغاراً أو تعميقاً.

    بعض الناس المصلحين بين المتخاصمين يزيد الطين بلةً أيضاً، بأشياء أخرى من الكلام، كلام سيء قيل عنه في مجلس، فقد يأتي واحد مصلح يريد الإصلاح لكن ليست عنده حكمه، فيقول: يفسر ويبرر بأسوأ وأسوأ يقول: أنا ما قصدت ربما قصدت كذا، وهذا القصد الثاني أطم وأعظم من القصد الأول، فأيضاً العلاج هذا غير نافع.

    بعض الناس قد يلجئون إلى أساليب معينة خصوصاً في أوساط الطلاب، مثلاً: رتبا هذه الغرفة، وهذا إشراك الطرفين في أمرٍ واحد، ليس دائماً تهيئة للأجواء الطيبة، بل قد يكون الكره الذي بينهما شديداً؛ لدرجة لو أنك جمعتهما في مناسبةٍ واحدة لازداد الخطب وعظم، وكل واحدٍ منهما يكظم غيظاً وهو ساكت، ولكنه يغلي من الداخل، لأنه بقرب فلان، ولكنني أذكر لكم مثالاً واقعياً في طريقة حصلت لإصلاحٍ بين متنافرين كان لها أثر واقعي فعلاً:

    حصل بين زيدٍ وعمرٍ من الناس خصام وكره وبغض، فقال: المدرس لكلا الطالبين: ليأخذ كلٌ منكما سيارة الآخر، وفعلاً استجابا للطلب؛ لأنه من شخص أعلى منهما في المنزلة، فأخذ كل منهما سيارة صاحبه، هذا العلاج وهذه الوسيلة ليس فيها جمع للنقيضين في مكانٍ واحد، وطلب من كلٍ منهما أن يعمل نفس العمل، كلا، وإنما هو أن يشتركا في شيء، ولكن كل منهما بعيد عن الآخر.

    أيها الإخوة! نحن نحتاج في علاج القضايا الشائكة إلى خبرة بالنفوس، وهذه الخبرة لا تأتي إلا بالممارسة والاحتكاك بالواقع، والمسألة تحتاج إلى قليلٍ من التركيز، وقليل من الانتباه -لا أقصد قليل، ربما أكون مخطئاً في التعبير- بل تحتاج إلى انتباه وإلى تركيز للاستفادة مما يدور، فالناس أصناف، وأنواع، بعضهم ينظر إلى الواقع، فيستشف منه أشياء ويربط ويحلل، وبعض الناس لا يهمه ماذا يدور في الواقع أبداً، يرى الناس يتخاصمون، ويفترقون ويجتمعون، ويتصالحون ويتنازعون، وهو بعيد عن النظر في المشكلات ومعرفة الأشياء التي أدت إلى التقارب والتنافر وهكذا.

    الموعظة والنصيحة للمتخاصمين

    من الطرق: الموعظة: عندما تعظ كل واحد من هذين المتخاصمين، بالأحاديث التي فيها ذم الهجران والقطيعة، وأنها من أسباب الفشل في المجتمع المسلم: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] حديث عائشة في صحيح البخاري ، حديث قيم جداً لما صار بينها وبين ابن الزبير خصام.

    ما هي الصلة بين عائشة وبين عبد الله بن الزبير ؟

    هي خالته أخت أمه، ومن هي أمه؟ أسماء .

    هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الأدب، أن عبد الله بن الزبير انتقد على عائشة خالته تصرفاً تصرفته ببيعٍ أو شراء، فاتهمها بأنها لا تحسن التصرف، فلما سمعت بذلك نذرت ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً طيلة حياتها، الصحابة بشر ويقع في نفوسهم مثل ما يقع في أنفس الناس، قد يخطئون فينتقدون، والمنتقد أيضاً يحدث في نفسه تفاعل مع الموقف فيتخذ موقفاً آخر، ولكن نحن سنعلم من ثنايا القصة، ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة، فبقيت عائشة لا تكلم عبد الله بن الزبير مدة، وطال الأمر وشق على عبد الله بن الزبير.

    فتوسط إلى اثنين من القرابة، أن يدخلا على خالته، فجاءا إلى عائشة وعبد الله مختبئ خلفهما، فاستأذن بصوتيهما فقط، فلما عرفتهما عائشة قالت: ادخلا، قالا: كلنا؟ قالت: كلكم، فلما دخلا عليها جعلا يعظانها ويذكرانها بأنه لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث، وجعل عبد الله بن الزبير يقبلها ويبكي ويناشدها أن تكلمه، وكان موقفاً مؤثراً جداً اجتمعت فيه الموعظة، مع التناصح، مع التواصل، فكلمته عائشة وأعتقت في نذرها ذلك، كفارة النذر وكانت كلما تذكرت نذرها ذلك؛ تبكي حتى تبل دموعها خمارها، فالصحابة رضوان الله عليهم يرجعون إلى الحق، ويفيئون بسرعة، ويتأثرون من تذكر الذنب، أو تذكر المشهد، أو تذكر الخطأ، وكانت عائشة تبكي كلما ذكرت نذرها ذلك حتى تبل دموعها خمارها، لكن من منا اليوم لو حصل بينه وبين أخيه قطيعة وتصالح معه، كلما تذكر لحظات أيام الفرقة والهجران بكى -مثلاً- حتى تبتل لحيته أو ثوبه أو تسيل دموعه على خديه؟!

    فإذاً لابد من الموعظة، التواصي بالحق والصبر لجميع الأطراف، ولابد أن يأتي كلٌ منهما إلى الآخر، لأن المشكلة أحياناً في من يأتي إلى الآخر، ومن يبدأ، ومن الذي يكون من جهته التواصل، هذه المواقف الآن بين كل اثنين بينهما تخاصم، المشكلة من الذي يأتي أولاً ويطلب المفاهمة أو المصالحة، لأن كل واحدٍ منهما يقول له الشيطان: إذا ذهبت معناها أنك أنت الأضعف، معناها: أنك أنت ضعيف الشخصية، معناها: أنك أذللت نفسك لفلان، طبعاً ليس الواصل بالمكافئ لكن الذي يصل من قطعه، ليس مثل الشخص الذي يكافئ الوصل بوصلٍ مثله، ليس الواصل بالمكافئ.

    أكتفي بهذا القدر من أسباب التنافر، وعلاج قضية التنافر التي تحدث أحياناً في أفراد المجتمع الواحد.

    1.   

    التجاذب في العلاقات الشخصية وأنواعه

    أنتقل إلى مسألةٍ أخرى وهي مسألة التجاذب:

    علاقة الأخوة في الله

    التجاذب والالتقاء ظاهرةٌ أخرى، توجد بين أفراد الوسط الواحد، ولكي نختصر الكلام أقول: إنه في بعض الأحيان تكون قضية التجاذب أخطر في نتائجها من قضية التنافر، قد يستغرب البعض هذا الكلام، ولكن دعونا نستعرض معكم ونحلل ما هي أنواع التجاذب التي تحصل بين الأفراد في المجتمع الواحد.

    أحياناً يكون هذا التجاذب، أو هذه العلاقة علاقة التقاء، علاقة أخوة في الله، مبنية على الإيمان الصادق، وهذا هو المطلوب والهدف، وهو الذي ينبغي أن تقطع كل العلاقات إلا هذه العلاقة.

    علاقة المصلحة المادية

    ثانياً: علاقة بين اثنين مثلاً أو أكثر تجمعهما مصلحةٌ مادية، واحد يحب الثاني لأجل أن الآخر غني أو عنده مال، أو عنده سيارة وهذا ما عنده سيارة، وأنه سينفعه بسيارته، أو أن زيداً يحب عمراً؛ لأن عمراً متفوق دراسياً، وزيد الآن في الثانوية العامة، وهو يحتاج لمن يشرح له، ولذلك فهو يتقرب من عمرو، ويقيم معه العلاقات ويتردد إليه، لكي يستفيد من شرحه مثلاً، هذا كل ما بينهما فقط، أو مثلاً أبو عمرو لديه منصب في شركة أو مؤسسة أو دائرة حكومية، وزيد يريد الوظيفة وستخرج بعد قليل، فزيد يتقرب إلى عمرو لكي يتوسط عند أبيه ليوظفه في تلك الشركة أو الدائرة أو المؤسسة، فهذه العلاقة علاقة منفعة مادية، وبعض الناس يسمون أنفسهم في بعض الشركات، مسئول العلاقات العامة.

    مسئول العلاقات العامة وظيفته في الغالب كل شيء إلا الأخوة في الله، انفعني وأنفعك، أقيم علاقات مع هذا الطبيب (إذا مرضت عالجنا) أقيم علاقات مع هذا المدير لكي ينجز لي المعاملة، أقيم علاقات مع هذا التاجر لكي يذهب إلى الدكان يعمل لي خصم وهكذا، مبنى العلاقة كلها علاقة مادية.

    علاقة المشابهة في الطباع

    النوع الثالث: علاقة ارتياح تقتضيه المشابهة في الطباع، فتجد مثلاً اثنين من الناس بينهم علاقة حميمة، يسيران مع بعضهما البعض، ويخرجان مع بعضهما البعض، ويدخلان مع بعضهما البعض، ويتكلمان مع بعضهما البعض وهكذا.

    السبب: ارتياح شخصي لأن فلاناً يرتاح له. أعطيكم مثالاً:

    واحد يسألني هل هذه أخوة في الله أو لا؟ يقول:

    أنا أشعر بارتياح كثير لفلان لماذا؟

    قال: يا أخي عندي أشياء عجيبة، أولاً اسمه مثل اسمي، وسيارة أبيه مثل سيارة أبي، ونفس المستوى الدراسي ونفس الفصل، ونفس المعدل الدراسي، وأتصور أن عنده أخ صغير اسمه محمد، وأنا عندي أخ صغير اسمه محمد، وبيته من الخارج يشبه بيتنا من الخارج، وشكله يشبه شكلي، والأكل الذي يحبه نفس الأكل الذي أنا أرغب فيه، ودائماً نتفق في الأشياء!!!

    هذه المشابهة أحياناً تسبب علاقة؛ فتجد أن هؤلاء الاثنين مع بعض دائماً في رواح ومجيء وجلوس وكلام، وذلك لمجرد هذا التشابه الظاهر لا لأن هناك أخوة إيمانية، ولا لأن هناك إيمان يربط كل واحد منهما بالآخر، وإنما هي مسألة مشابهة في الشكل العام، أو في مجموعة من الأشياء العامة في حياة كل منهما.

    علاقة المعصية

    النوع الرابع: علاقة معصية، والعياذ بالله تجمعهم المعصية، فيشاهدان المحرمات مع بعضهما البعض، وينظران إليها ويستمتعان بها، ويأتيانها، تجمعهما الأشياء المحرمة مثل ما يجمع واحد مع آخر السفر إلى الخارج، لقضاء الوقت في الأمور المحرمة وعصيان الله ومبارزته ومحادته بأنواع الكبائر، وقد يكون الأمر بينهما أدهى وأخطر من ذلك إلى درجة أن يقع كلٌ منهما في الفاحشة بالأخ، هذا النوع من أسوأ أنواع العلاقات طبعاً.

    لأنه علاقة تزيين المعصية، كل واحد منهما يزين المعصية للآخر ويتعاونان عليها، والله تعالى يقول: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] والناس من هذا النوع كثيرون جداً الآن في المجتمع، والروابط التي تربط كل منهما بالآخر هي المعاصي، عندما تبحث لماذا فلان يتقرب من فلان، ولماذا بينهما علاقة؟ تجد في النهاية مثلاً أن هذا يأتيه بالخمر وهذا يأتيه بالنساء، وهذا يأتيه بالمجلات الفاجرة، وهذا يأتيه بالأفلام السيئة، هذا موجود!!

    علاقة العشق والتعلق

    وهناك علاقة خامسة: وهي علاقة قد تكون في خطورتها أخطر من النوع الذي ذكرناها الآن قبل قليل:

    وهي علاقة العشق والتعلق لدرجة أنه يحبه مع الله لا يحبه في الله، لدرجةٍ تصل إلى صرف أنواع من العبادة لهذا الشخص، وهذه مشكلةٌ تنشأ بسبب دوافع كثيرة، تكون بدايتها بسيطة، ولكنها تنمو وتنمو وتعظم وتكبر حتى تصبح العلاقة بين هذين الاثنين؛ بحيث أن كلاً منهما لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبداً، فلابد أن ينظر إليه دائماً، وأن يتصل به باستمرار، وقد يكلمه الساعات الطويلة هاتفياً يومياً، والأدهى من ذلك أنه يفكر فيه في صلاته، وعندما يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، ليس فكره مع الله ولكن مع ذلك الشخص!!

    وكأنه الهواء الذي يستنشقه، وأنه لو غاب عنه لحظةً واحدة يتألم جداً للفراق حتى يعود إليه، وهذا النوع من التعلق الشديد له درجات، قد تكون في بعضها غلو، وفي نهايتها شركٌ أكبر! وبعض الناس يستبعد هذين ويقول: كيف يحدث؟ ولكنه يحدث، وهنا نعود إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يحب المرء -لاحظوا أيها الإخوة الرسول صلى الله عليه وسلم كلامه وحيٌ، إن هو إلا وحيٌ يوحى، يوحى إليه صلى الله عليه وسلم، لم يقل: (وأن يحب المرء في الله) معنى العبارة صحيح، لكن لأن الله عز وجل الحكيم الخبير العليم يعلم بأنه تنشأ بين العباد علاقات ليست شرعية، وأن هذه العلاقات قد تكون قوية جداً، وأن الشيطان يلبس على بعض الناس؛ أن علاقتك يا فلان مع فلان أخوة في الله، ولكن الحقيقة ليست كذلك، وقد يزين لهم الشيطان القيام بشيءٍ من الطاعات مع بعضهما البعض، ولكن المسألة ما زالت في حقيقتها نوعٌ من العشق المذموم شرعاً، فمثلاً لكي يخرجان من دائرة الانتقاد أو نوع من وخز الضمير، فترى الواحد يقترح على الآخر: ما رأيك أن نقرأ الكتاب، نستمع شريطاً، نحفظ قرآناً، نقوم الليل سوياً، فيفعلان هذا فترةً من الوقت، أو بعضاً من الأحيان، ولكن ما زالت العلاقة في حقيقتها ليست أخوة في الله، وإنما يحاول كلٌ منهما أن يخدع نفسه وأن يظهر أمام نفسه وأمام الآخرين، أنها أخوة في الله، ولكن الحقيقة ليست كذلك، بل ربما لو جلسا يقرآن كتاباً لذهب فكر كل واحدٍ منهما في الآخر، ولم يفقه شيئاً مما يقرأ وهكذا.

    فإذاً ما الذي يجرد لنا هذه الصور على حقيقتها ويظهرها واضحة وجلية، تحت مجهر الكشف عن الحقيقة؟

    إنه هذه الفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله عليه الصلاة والسلام: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) لاحظ الاستثناء القوي المسبوق بالنفي، وهذا أقوى أساليب الحصر في اللغة، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، نفي ثم استثناء، أقوى أساليب الحصر في اللغة، لماذا؟

    لأن القضية موجودة بين العباد فعلاً، علاقات محبة بين العباد لكن ليست لله، كثيرة ومتنامية ومتشعبة، وكثيراً ما تكون مدمرة على بعض الأطراف، وكثيراً ما تفشل مجموعة أو تجمع إسلامي بأكمله، لأنها مرضٌ معدٍ في كثير من الأحيان، تحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم: الجواب الكافي وهذا الكتاب هو عبارة عن جواب على سؤال، كما يتبين لمن يقرأ المقدمة، لكن نحن أحياناً قد نقرأ فلا نستجمع الصورة الكلية للكتاب الذي نقرؤه إذا كان وحدة واحدة، الآن كتاب: الجواب الكافي وحدة متكاملة، لكن عندما لا يجتمع عند الإنسان يكون أشياء متناثرة، يتكلم أولاً: عن الدعاء، اللجوء إلى الله، أضرار الذنوب، قوم لوط، يتكلم عن بعض الناس الذين أهلكوا، ثم تكلم في النهاية عن قصص من العشق.

    ولكن عندما تتأمل في منهج ابن القيم رحمه الله في الكتاب، فهو في الحقيقة عظيم لعلاج مشكلة العشق والتعلق، والسؤال الذي ورد إليه يدل عليه، وهو أن مصيبةً وقعت في إنسانٍ كادت أن توبقه وتهلك دنياه، تفسد عليه دنياه وآخرته، هذا آخر قسم تكلمنا فيه وذكرناه في أنواع العلاقات، هذه هي المشكلة التي سأل عنها ذلك الشخص ابن القيم رحمه الله فأجاب عليه بهذا الجواب، وهنا نلاحظ منهج العلماء -أيها الإخوة- في علاج المشاكل، ليس الكلام على نقطة معينة، وإنما الكلام عن نقطة تجمع الأشياء فأنت ترى أنه أولاً يقول له: إلجأ إلى الله، يبين الدعاء وأوقات الإجابة وما هي الأدعية المأثورة، ما هو الاسم الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب!!

    وهكذا تتوالى، ثم يتكلم له عن أضرار الذنوب والفواحش، وأن عملك هذا عندما ترى مضاره، فإنك إذا كنتَ عاقلاً ينبغي أن تبتعد عنه، ذكر أشياء عجيبة في مظاهر الذنوب في كتاب: الجواب الكافي ، وأتبعه بذكر قصة قوم لوط وماذا فعل الله بهم، لأن المسألة قد تؤدي إلى شيءٍ من هذا، وابن القيم رحمه الله، ليس إنساناً سطحياً في علاج القضايا، ولكنه رجل عميق وقد نقرأ ولا نفهم عمق الكلام تماماً، ولكن عندما يقرأ الإنسان عدة مرات يلوح له المنهج وترابط الكلام الذي ذكره، والقصص الواقعية ما قال فقط: الأدلة من القرآن والسنة، لا، وإنما نجد في كتاب الجواب الكافي قصصاً واقعية، قصة حمَّام منجاب، وقصة فلان، وقصة الذين ختم لهم بخاتمة سيئة مثلاً، وأن بعضهم كان متعلقاً بالمال، وبعضهم كان متعلقاً بامرأة، وبعضهم كان متعلقاً بشخص، وبعضهم كان متعلقاً بسلطان، وهكذا من الأشياء، فهو منهج ممتاز جداً، ليس فقط أن نستفيد منه في علاج مشكلة التعلق والعشق فقط، وإنما أيضاً في وضوح المنهج في علاج بقية المشاكل.

    وذكر أنواعاً من العلاجات، وكان يذكر بقوة، ويطرح أُطروحات قوية في علاج هذه المشكلة، وكان يقول: فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يبتعد أحدهما عن الآخر حتى يضطر أن يسافر إلى بلدٍ آخر بحيث لا يرى صاحبه ولا يقع له على خبر، ولا حسٍ ولا أثر، فإنه يفعل ذلك، ابتغاء السلامة في الدين.

    تُحس أن العلماء المخلصين أصحاب الوعي بالواقع، طرحهم في علاج المشاكل طرح قوي، طرح جذري وطرح متكامل، بخلاف كثير من الحلول القاصرة التي نراها تُطرح لعلاج مشاكل قد تكون أصعب، الآن المشاكل أصعب مما كانت موجودةً من قبل.

    فإذاً نحتاج -أيها الإخوة- لمزيد من الوعي والاطلاع، ولمزيدٍ من الإخلاص قبل كل شيء، حتى نصفي مشاكلنا كلها، وحتى نصل إلى مجتمع إسلامي نظيف خالٍ من الشوائب، وإلا فكيف ينصر الله قوماً قد تناوشتهم سهام الشياطين من كل جانب، وقد اعتورت فيهم أنواع الفواحش والمنكرات من كل جانب، كيف ينصرهم الله؟!

    وأنت قد رأيت من قول الله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41].

    كوارث الطائرات، والسفن، الكوارث الجوية، والبيئية، والتلوث، وفساد البحر، وأنواع من الحيوانات قد تنقرض وتزول، وأماكن خضراء قد تتحول إلى جرداء، وأماكن قد تغطى بالثلوج فتصبح الحياة فيها صعبة، وأمراض جديدة تنشأ في المجتمع لم تكن موجودة من قبل؛ من هذه الطواعين الموجودة الآن، التي لم يتوصل العلم بعد إلى حلٍ لها ولا إلى علاج، ولكن قد يروج اليهود أنهم قد اكتشفوا علاجاً وليس بعلاج، وأنواع القنابل والأسلحة الفتاكة التي تدمر الأرض والإنسان والحيوان، بل إنها تفسد الجو وتصبح المنطقة موبوءة، وانفجارات في أنابيب الغاز، وأشياء من الكوارث تحدث في جميع أنحاء العالم، وتصادم القطارات، والكوارث الجوية بين الطائرات، وغرق السفن، وفساد الثمار، ونوع من التفاح هذا فيه أشياء اكتشف أنها تؤدي إلى مرض السرطان وهكذا.

    الآن كوارث في هذا القرن لم تكن موجودة بهذه الكثرة، لو راجعنا تاريخ البشرية لا توجد كوارث وفيضانات تبتلع آلاف البشر، وهزات أرضية، وخسفٌ وبراكين وأشياء عجيبة تحدث في العالم الآن، لو استعرضت التاريخ العالمي في هذه السنوات الأخيرة، تجده مملوءاً بالكوارث، لا تمضي نشرة أخبار إلا وفيها كارثة قد وقعت في صقع من الأرض، ما هو هذا الشيء؟

    هو إما قوله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] انظر العموم الذي يسببه الفساد، نتيجة الابتعاد عن شرع الله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] ببعدهم عن شريعة الله، وعن الدين، وببعدهم عن منهج الله عز وجل: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] ليذوقوا وبال أمرهم، حتى يعلموا عاقبة الانحراف عن الشريعة، وحتى يعلموا ما هي أهمية تطبيق منهج الله في الأرض.

    أيها الإخوة! لو أن منهج الله مطبق في الأرض الآن لما وجدتم هذه الكوارث وهذه المصائب، ولذلك عندما ينزل المسيح بن مريم، ويقوم معه الخليفة الصالح في الأرض، ويطبقان منهج الله، لن يكون هناك كوارث، حتى إن الولد يدخل يده في الحية فلا تضره، ويصبح الذئب في الغنم كأنه كلبها الحارس، ويستظل الناس بقحف الرمانة، فمن أين أتت البركة؟

    كيف كانت الثمار فاسدة، وفجأة صارت الثمار مبروكة حتى إن الناس يستظلون بقحف الرمانة؟!

    إنه تطبيق منهج الله في الأرض!!

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحلُ حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بكتابه، ويطبق شرع الله في نفسه، ويحكم قانون الله في الأرض، ونسأله عز وجل أن يصلح نياتنا وذرياتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    دور الذنوب في عملية التنافر والتجاذب

    السؤال: ما دور الذنوب في عملية التنافر والتجاذب؟

    الجواب: لقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: (أنه ما تحاب اثنان في الله، فيفرق بينهما إلا بذنبٍ يحدثه أحدهما) فلا شك أن الذنوب لها أثر في قطع العلاقات والأواصر بين الأخوة.

    ولذلك تجد المذنب بطبيعته مكروهاً منبوذاً مقبوحاً محقوراً ممن حوله، هذا إذا لم يتب إلى الله، لكن إذا تاب إلى الله ولو كانت ذنوبه كثيرة أو متكررة، فإن علاقته بإخوانه تبقى غضة طيبة، وهو يحتاجهم لتقوية نفسه؛ لكي يتغلب على المعاصي من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وليس معنى هذا -كما يفهم البعض- أن الإنسان إذا كان مصرّاً على ذنب معين، أنه ينبغي أن يقطع علاقته بالناس الطيبين؛ لأنه لا يستاهل أن يكون في هذا الوسط النظيف أو أنه سيكون سبب الفشل والخيبة أو أنه منافق لأنهم ينظرون إليه بأنه شخص مستقيم وهو في الحقيقة في الباطن بخلاف ذلك.

    فهذه من مداخل الشيطان؛ الشيطان يفرح جداً إذا ابتعد الأخ عن إخوانه، وهذا عرس من أعراس الشيطان؛ مثل فرحة العرس أن ينفرد بأخٍ عن إخوة في الله يبتعد عنهم، والشيطان دائماً عندما يأتي أو كثيراً ما يأتي من باب الطاعة، فيقول لهذا الشخص: أنت إنسان مذنب مصر على المعصية، وهؤلاء أناس طيبون كيف تسمح لنفسك القذرة أن تبقى بينهم وأن تعكر صفوة إيمانهم وطاعتهم، ولابد أن تخرج من هذا الوسط.

    الشيطان الآن جاء من باب الطاعة، يقول له: أنت يجب أن تخرج من بين إخوانك ديانةً، أي: الإسلام يقتضي أن تخرج من بين إخوانك، فإذاً الشيطان يأتي من باب الطاعات أحياناً، ولكن هذه أشياء شيطانية مغلفة بقالب من الطاعة وليست بطاعة أبداً، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

    ولكن لو أن واحداً وجد في نفسه وحشة من إخوانه، وأن هناك هوة فيما بينهم وبينه، فإن الأمر لا يعدو غالباً أن يكون بسبب ذنب يحدثه هو، ولذلك يجد نفرة من الواقع العام، لكن هذا لا يعني أن يخرج عنه، هو ما زال محتاجاً إليهم لكي ينقذوه من براثن الشيطان والمعصية.

    ضوابط هجر أصحاب المعاصي

    السؤال: ما هي ضوابط الهجر لأصحاب المعاصي؟

    الجواب: من أحسن من تكلم على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما وردت أقواله في: مجموع الفتاوى ، وذكر الخلاصة، وأذكر لكم خلاصةً مهمة ذكرها رحمه الله، قال: إن العاصي أو الفاسق أو الفاجر، يُهجر أي: يقاطع لا يُكلم ولا يُسلم عليه، ولا يعاد ولا يشيع ولا يُزار، ولا يؤاكل ولا يُشارب ولا يُناكح؛ إذا كان الهجر مفيداً له، وإذا كان الهجرُ نافعاً ودافعاً له لكي يقلع عن المعصية أو البدعة التي هو واقعٌ فيها.

    أما إذا كان الهجرُ ضاراً له، ودافعاً له على الاستمرار في المعاصي والفواحش، وأنه لن يزيده هذا الهجر إلا بعداً عن الطيبين وعن الخير والخيرين، فإن الهجر في هذه الحالة لا يجوز.

    وهذا لعمر الله من الفقه الدقيق الذي متع به شيخ الإسلام رحمه الله! فقد متعه الله عز وجل بفقهٍ دقيق، لا يأخذ الأحكام هكذا، وإنما ينظر فيها وفي عللها، وينظر في المصالح والمفاسد، ويقارن ويرجح رحمه الله، ولذلك كانت القراءة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، من أنفع الأشياء التي تبني في نفس المسلم قواعد مستقرة ثابتة يستطيع من خلالها أن يتعامل مع الواقع من غير تذبذب ولا اضطراب ولا نتائج سلبية، قراءة لكلام شيخ الإسلام رحمه الله، خصوصاً عندما يتكلم في جوانب التعامل مع الواقع مثل: موقفه من التتار، وما حدث مع الناس الذين ناقشهم في العقيدة، وموقفه من أصحاب السلطان وغيرهم فيها فقه نابع من الواقع، ومن الفقه بالقرآن والسنة ومن التجربة الواعية.

    علاقة المصلحة المادية لا تعارض علاقة الأخوة في الله

    السؤال: بعد استماعي للمحاضرة أصبحت أشك في محبتي لجميع أصدقائي فما هو الحل؟

    الجواب: لقد ذكرني هذا الأخ جزاه الله خيراً بتنبيهٍ كنتُ سأورده في ثنايا الكلام وهو: أن الإنسان عندما يسمع الكلام، عندما نقول: وبعض الناس يحب شخصاً لأنه ينفعه في الدراسة، وبعضهم يحب شخصاً لأن أباه قد يتوسط له في شيء من الأشياء الدنيوية، وبعض الناس.. فهو عندما يفكر في الأمر يجد أنه لا يخلو من أحد هذه الأشياء، فيظن الآن أنه لا تنطبق عليه أحاديث الإيمان، وأنه يحب الناس في غير الله، ولكن المقصود أيها الإخوة! أن الشيء المذموم هو أن تكون علاقاتنا فقط علاقات مصلحة، ليس لها علاقة بالإيمان، ولا بالتآخي في الله، ولا بالتواصي على الحق والصبر، ولا بطلب العلم، ولا بالدعوة إلى الله، ولا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بإصلاح عيوب بعضنا البعض، والتناصح، فإذا كانت هذه كلها غير موجودة وإنما كل ما هو موجود في علاقاتنا هو علاقات مادية مع هؤلاء الناس فهذا هو المذموم.

    أما كون الإنسان ينتفع من أخيه المسلم بأشياء في الدنيا، فليس بمذموم! لك صاحب في الله، أنت متآخٍ معه في الله، أنتَ معه في مجالس علم وفي حِلَق ذِكر، أنت معه في تعاون على الدعوة إلى الله، ليس عندك سيارة هو يُوصلك بسيارته إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل، هل هذا شيء مذموم؟!!

    أبداً.. المفروض أن المسلم يُعين أخاه المسلم: (وأحب الناس إلى الله أنفعهم) (أعظم الأعمال عند الله سرور تدخله على قلب مسلم، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً) وبعض الصحابة كان يلجأ إلى بعض الصحابة الآخرين لكي يطرد عنه جوعاً.

    فإذاً ليست هذه الأشياء التي تظهر للحاجة ينتفع بها المسلم من أخيه المسلم، ليست مذمومة، لكن المذموم أن تكون كل العلاقة مادية، والله أنا أعرفه عندما أحتاج إليه، وأنا أتجاهله تماماً وأتنكر له عندما لا أحتاج إليه مادياً، هذا المذموم، وهذه موجودة الآن في كثيرٍ من الناس، إذا فزع إلى واحد من الناس المعروفين يتودد له ويعزمه، وتستغرب كيف نشأت العلاقة المفاجئة، ما هي سبب العزائم المتوالية والهدايا والأُعطيات والكلام الطيب؟

    تجد أنه يحتاج إلى واسطة في أمرٍ من الأمور، وهذا هو الشخص المناسب، فإذا نفعت الواسطة وأخذ ما يريد من حظوظ الدنيا، رماه وراء ظهره، وأعرض عنه، لا عزائم ولا ولائم ولا كلام طيب، ولا مودة ولا علاقة ولا شيء.

    إذاً لماذا أقام معه العلاقة؟ ولماذا افترق عنه؟

    لحاجة دنيوية، وهكذا، بعض الشباب مثلاً قد يتودد إلى طالب ذكي مجتهد في الامتحانات، وأيام قرب الامتحانات فحسن علاقاته معه وزيارات وهدايا وكلام طيب، لماذا نشأت العلاقة فجأةً؟ حصل التقارب؟ من أجل الامتحانات، فإذا نجح في الامتحانات وانتهت العمليات وسافر كل واحد منهما إلى مكانه ونسيه، ونسي معروفه، ونسي كل خيرٍ عمله له، إذاً هذه العلاقة الفاسدة المذمومة التي نتكلم عنها، وأعيد وأكرر وأقول: وليس المقصود أن الإخوان في الله ينفع بعضهم بعضاً، أو ينتفع بعضاً من بعض، وهذا قد حصل من الصحابة.

    لا إنكار ولا هجر في مسائل الاجتهاد

    السؤال: هناك ظاهرة انتشرت في الشباب الملتزم وهي: كثرة الاختلاف في أمور بسيطة ينتج عنها الهجر بينهم، مثل عدم السلام عليه والطاعة.. إلخ، فهل هو من الشيطان؟

    الجواب: نعم.. غالباً ما يكون من الشيطان، مثلاً مسألة فقهية: النزول في الصلاة، أنزل على الركبتين أو على اليدين، أضع يدي بعد الرفع من الركوع على صدري أم أسبلهما ولا أضعهما على صدري، حديث التسليم في الواحدة صحيح وإلا ضعيف.

    بعض الناس ما هو موقفه من هذه المسائل؟ يتناقشون، ويتبادلون الأدلة ووجهات النظر ويقلبونها، وهذا شيء طيب جداً وهذا أمر مطلوب، أعطيك قناعتي وتعطيني قناعتك، أناقشك في نقاط الضعف في رأيك، وتناقشني نقاط الضعف في رأيي، هذا شيء طيب جداً، هذا يزيد العلم ويوسع المدارك العلمية في أذهان الأشخاص المتناقشين، وهذه اسمها مباحثة علمية، وكانت المناظرات بين علمائنا معروفة وقديمة، ولكن المهم ماذا يحدث بعد المناقشة؟!

    إن كان الذي سيحدث هو تفرق واختلاف ومقاطعة ومعاداة ومباغضة يقول: هذا مخالف للسنة في الصلاة، هذه السنة وهذا يخالف، إذاً اخرج، ابتعد عني، أنا لا أكلمك، أنت مبتدع أنتَ أنتَ، والمسألة اجتهادية، وأنتم تعلمون القاعدة التي ذكرها علماؤنا ومنهم ابن القيم رحمه الله في: إعلام الموقعين ، الخلاف المقبول: هو ما يكون في مسائل الاجتهاد.

    القاعدة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ما هو مباحثة ومناقشة!! لا إنكار يعني: إنكار يفضي إلى استخدام القوة والعنف والشدة والتقاطع والتباغض، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، أي: التي فيها مجال للخلاف داخل الدين، ليس الاختلاف فيها، ليست القضية أن هذه بدعة، والأخرى سنة، أو هذا حلال وهذا حرام، أو بشيء واضح من العقيدة الصحيحة، وشيء من العقيدة الباطلة، هذا الأمر لا يصح أن نقبل فيه الخلاف.

    المسائل التي وضح فيها الحق ولا يتسع لها الخلاف في شريعتنا، لا يمكن أن يقبل فيها خلاف، لو جاءنا أحد الناس وقال: يا أخي الربا فيه خلاف، فيه وجه، أن البنك يأخذها ويشغلها ويمكن أن هذا ليس رباً، يمكن أنها أرباح، هذا كلام فارغ، هناك عقد متفق عليه، نسبة محددة ثابتة حتى لو تاجر فيها البنك في عشرين ومائة صفقة، هذه المسألة واضحة لا تقبل الخلاف، لا يمكن أقول: أنا وفلان سنجتمع معاً على قضية الربا، الربا هذه مسألة ثانوية، أو مثلاً نكاح المتعة ممكن.. مع أنه قد وضح له الحق وعرف الحق الطرف الآخر، وأصر على باطله، لا يمكن أقبله وأجتمع أنا وإياه في صفٍ واحد!

    أو واحد عنده عقيدة زائغة يقول مثلاً: يجوز البداء على الله، أي: الله عز وجل يبدو له أمر، ويغير رأيه، استغفر الله العظيم يا أخي! هكذا بعض الضلال وبعض الطوائف من الباطنية وغيرهم، يعتقدون هذه العقيدة في الله، لا يمكن أن أجتمع في صف واحد أنا وشخص يؤمن بمثل هذه العقيدة في ربي الذي أعبده، ولكن لو أن هناك علماء ثقاة لهم أدلتهم، قالوا: هذا الشيء مباح، وعلماء ثقاة لهم أدلتهم قالوا: هذا الشيء محرم، مسألة فيها مجال الاختلاف، أنا ما أنكر عليه، لكن أتباحث معه وأتناصح وهكذا.

    فإذاً: لا نحول الأشياء التي اختلف فيها العلماء الثقات، ولكلٍ من الطرفين أدلة صحيحة، لا نحولها إلى معارك تشغلنا عن أشياء، وبنفس الوقت لا نميع القضايا العامة والخطوط العريضة في الشريعة والعقيدة، ونقول: لا يهم! هذه ممكن الاختلاف فيها، ولا داعي إلى الاشتغال الآن في قضايا الخلاف في الأسماء والصفات، وهذه أشياء تشغل المسلمين عن الماسونية والشيوعية.

    صحيح نحن لا نصرف وقتنا كله لهذه القضايا، وهناك من الأشياء والأفكار العلمانية ، ما ينبغي أن نشتغل به أولاً: قبل مواجهة أناس يقولون ببدع قد تكون قديمة موجودة.

    والمسلم يصرف جهده في المواجهة والمحاربة وتكريس الجهود، ويظهرها أو يقدمها للمشكلة الكبرى، وللعدو الأكبر هذا صحيح، لكن هذا لا يعني أننا نميع بقية القضايا وننشغل عنها، أو نقول: هذه أشياء تافهة، نعطي كلاً بحسب وزنه.

    نصيحة لحديث عهد بالالتزام يرتكب المعاصي

    السؤال: ينتابني أحياناً أنني لست بكفءٍ من أجل أن أستمر في طريق الالتزام لكثرة المعاصي التي أرتكبها، وأنني حديث عهد بالالتزام، بماذا تنصحني؟

    الجواب: إذا كنت حديث العهد في الالتزام، فطبيعي أن تحدث منك معاصٍ وذنوب، ولكن ثق إن شاء الله، أنك إذا سرت إلى الله بثبات وعزيمة مستعيناً بإخوانك في الله، مستنيراً بالعلم الشرعي الذي تقبل عليه، وتعتصم بالله: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] ووفق إلى أرشد أمر، فثق بأن المعاصي ستقل وتقل حتى ربما تصبح فقط لمم: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32].

    وأنت تتوب، ومستمر على التوبة إلى الله، كلما أحدثت معصية تحدث وراءها توبة صحيحة، ولا تخطط لعمل المعصية بعد التوبة، تقول: أنا الآن سوف أتوب وغداً سوف أعمل معصية، فأنت تنوي عمل المعصية قبل أن تتوب! هذه مشكلة: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ [يوسف:9].

    حب العلماء أعظم أنواع الحب في الله

    السؤال: لو أحببت عالماً لعلمه هل يكون هذا حباً لله؟

    الجواب: إذا كان هذا العالم من علماء الشريعة فهذا من أعظم أنواع الحب لله، وبعض الناس مع الأسف، نحن عندما تكلمنا عن العلاقات، لو قلت له: تحب هذا الشخص -مثلاً- زميلك الذي معك في المدرسة أكثر وإلا الشيخ فلان الفلاني الذي هو من ثقات علماء المسلمين؟

    لا يجد في قلبه بحب لهذا الشيخ والعالم الفاضل مثل ما يحب لصديقه قليل العلم، لأن المسألة عنده ليست موزعة، مسألة الحب ليست قضية تتكافأ مع من هو أقرب إلى الله، ومن هو أفضل، وإنما مع من هو أميل لنفسه، ومن هو أقرب لطبيعته، ومن هو الذي يرتاح لأسلوبه وشكله، وظرافته ونكته وطرائفه، وجمال أسلوبه وهكذا، فالمسألة ينبغي أن تكون خارجة عن الهوى، لأن هذه قضية عقيدة، وقضية دين، الحب في الله من أوثق عرى الإيمان.

    أظن أنني أكتفي بهذه الأسئلة حتى لا نطيل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والذين يذكرون ربهم إذا نسوا، ويعانوا إذا ذكروا، وأصلي وأسلم على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736531851

    عدد مرات الحفظ

    684488476