اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية للشيخ : محمد المنجد


التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية - (للشيخ : محمد المنجد)
إن من يشاهد في هذه الأيام أوساط المسلمين ومجتمعاتهم- يجد حالة المسلمين وعلاقاتهم بين إفراط وتفريط، إما تنافر وتقاطع على أهواء ومصالح دنيوية، أو تجاذب وتوارد على شهوات شيطانية، أو مصالح دنيوية، وقد ذكر الشيخ حفظه لله أسباب التنافر وكيفية علاجه، وأنواع التجاذب والتحاب وكيفية التعامل معه، ثم أتبع ذلك بأسئلة ختامية في الموضوع نفسه.
أسباب التنافر في العلاقات الشخصية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الإخوة! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أولاً: أعتذر إليكم عن شيءٍ أرجو أنه لا ذنب لي فيه، ولعل لبساً حصل في كيفية الإتيان إلى هذا المكان، فاضطررت أن آتي إليه وأنا لا أعلم مكانه، وهذه المحاضرة كما ترونها أظن الوقت ليس بمتسع لأن نأتي عليها، ولكنني سأتكلم معكم عن موضوعٍ أرجو أن يكون فيه خيرٌ لي ولكم وفائدة إن شاء الله.وهذا الموضوع أيها الإخوة! يدور حول فقرة من الفقرات التي تضمنها وتناولها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في دلائل الإيمان، وهذه الفقرة هي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) وهذه القضية أيها الإخوة! تتكون من شقين أريد أن أتناولهما بالكلام معكم في هذه الليلة.الشق الأول: التنافر الذي يحدث بين النفوس عندما تتقابل في وسطٍ واحد.الشق الثاني: التجاذب الذي يحدث بين بعض النفوس عندما تتقارب في الوسط الواحد.من أكثر المشاكل التي تواجه فريضة الأخوة في الله في واقعنا، ما يحدث بين بعض الشباب من التنافر أو التجاذب، ولكلٍ منهم إيجابيات وسلبيات، التنافر طبعاً لا خير فيه، ولكن التجاذب هو الذي أقصد بكلامي أن فيه إيجابيات وفيه سلبيات، ونظراً لكثرة المشاكل الحادثة في هذا الموضوع، نريد أن نسلط عليه الضوء.
 الحظوظ والأشياء النفسية
هذه طائفة من الأسباب التي تولد التنافر، أحياناً يكون هناك سبب نفسي، تجد تفسير هذا السبب في بعض العبارات التي يطلقها البعض، فتجد واحداً يقول: أنا يا أخي ما ارتاح لفلان ولا لطريقته، ما ارتاح لكلامه، ما ارتاح لإلقائه، أنا عندما يتكلم أريد أن أسد أذني، عندما يأتي للمجلس أود أن أفارقه بأقصى سرعة، لا أريد أن أقع له على أثر، ولا أرى له منظر، ولا أسمع له خبر وهكذا...يجب ألا تقف المسألة عند هذا الحد، بعض الناس أحياناً يقولون: ما دام وصلنا إلى هذا الشكوى لله، إذاً اجتنب هذا الشخص، ويذهب كلٌ منكما في طريقٍ وسبيلٍ آخر، لكن المشكلة لم تحل!ولذلك ينبغي أن يدقق وتحلل هذه المواقف وأن ينظر ما هو السبب وراء هذه القطيعة وهذا التنافر، فهل هو مواقف؟ أحياناً يكون السبب موقفاً من المواقف ترتب عليه كره وبغضاء شديدة جداً، أحياناً يكون الموقف فعلاً خطأ، ولكن ينبني على هذا الخطأ خطأ أكبر منه وهو الكره الذي يحصل في نفس هذا المخطئ عليه.أسألكم سؤالاً: أليس قد حدث لكل واحدٍ منا مثلاً في حياته الدراسية، أنه في حصةٍ من الحصص مثلاً قد يختار المدرس مجموعة أو واحداً واحداً من الطلاب لكي يقول رأيه في مسألة؟يطرح الموضوع ويقول: تكلم يا فلان، كل الطلاب يرفعون أيديهم، وهو ينتقي، تكلم يا فلان، تكلم يا فلان، تكلم يا فلان، أليس قد حدث مرةً من المرات أو أكثر من مرة، أنك عندما تكون لست الشخص الذي يختارك المدرس للكلام في ذلك الموقف، أن تحس أن هذا المدرس يقصد ذلك، وأنه لا يريدك أن تتكلم عمداً وإلا لانتقاك؟ويكون في نفسك شيءٌ من البغضاء لهذا المدرس، لماذا سمح لفلان وفلان بالكلام ولم يسمح لي المجال للكلام؟أليس قد حدث هذا؟!قد يكون المدرس بهواه وميوله الذاتية أو الشخصية قد انتقى الناس الذين يميل إليهم ليفسح لهم المجال للكلام، وقد يقول إنسان: معذور جداً، لأن الوقت المقرر لمناقشة هذا الموضوع في الحصة حقيقةً وواقعاً وعقلاً لا يكفي ولا يستوعب كل طلاب الفصل، ولذلك فهو انتقى انتقاءً عشوائياً مثلاً.وليس هناك سبب معين لأن يحرم طالباً من الكلام، ولكن الطالب قد لا يكون عنده فقهٌ في المسألة فيتصور أنه مقصود، فيعادي هذا المدرس ويكرهه، ويكون هذا الموقف الواحد سبباً في أن تتراكم الكراهية في نفس هذا الطالب، وأن يفسر كل التصرفات التي تحدث بعد ذلك من هذا المدرس على أنه مقصود فيها.هذه صورة ولكن ما يحدث في واقع الأخوة في الله! كثيرٌ جداً في هذا الجانب. ولذلك نحن ندعو دائماً ونقول لك: يا أيها الشاب! إذا أحسست ببعض المواقف مما أذكره لك الآن، فلا تتردد لحظةً واحدة في إجراء عملية مهمة جداً وهي المصارحة، كثير من النفسيات في كثيرٍ من الأحيان تفضل تخزين المواقف في الداخل، ولا تصارح البتة ولا يأتي ويصارح ويقول: يا أخي لقد حدث منك تصرف في وقت كذا وكذا، وأنا أقول لك: الصراحة أنني فهمت منه كذا وكذا، قد يكون هذا من الشيطان، وقد يكون فعلاً أنت قصدته فأنا أريد أن توضح لي الأمر، وأن تبين، كثيرٌ من الناس لا يوجد عندهم هذا الأسلوب وهذا المنهج.وبسبب فقدان منهج المصارحة؛ فإنك تجد النقاط السوداء تتراكم في النفس حتى تكون بركاناً ينفجر يوماً من الأيام، وعندما نستعرض واقع بعض الصحابة نجد أن الأمر بينهم فيه مصارحة ومعاتبة، فتجد الواحد منهم لو حدث بينه وبين أخيه شيء جاء يعاتبه عما حصل، والآخر يعتذر إليه في كثيرٍ من الأحيان، نحن نفتقد إلى المعاتبة والاعتذار، قد تحدث معاتبة ومصارحة في بعض الأحيان، وقد تجد خطأً آخر وهو عدم الاعتذار وعدم التبرير الواضح، وإذا لم يكن هناك تبرير واضح، فمن أين تأتي الراحة؟! ولذا أوصيكم أن إذا وجد أحدكم شيئاً في نفسه على أخيه في موقف من المواقف، كلمةٍ من الكلمات، حدثٍ من الأحداث، أن يبادر ولا يسكت ولا يؤجل، لأن الأثر يبقى في النفس والموضوع يبرد، وإذا برد الموضوع لن يتجرأ ولن يكون هناك حماس في فتحه مرةً أخرى، ولكن النقطة السوداء بقيت في النفس، فالبدار البدار إلى المصارحة وإلى فتح النفس وتقول له معاتباً: أنا أعتب عليك يا أخي في هذا التصرف، وأنا لك أذن صاغية لأن أسمع عذرك.بعض الناس قد يخجل -أقول: يخجل ولا أقول يستحي- من المصارحة، وخصوصاً عندما يكون الشخص الذي يظن أنه أخطأ عليه أكبر منه سناً، ويبدأ الكره ينبض في قلبه، ولا يستطيع أن يكلمه ونجد أمثلة كثيرة جداً لهذه النقطة بين بعض الآباء وبعض الأولاد.كثيرٌ من الأولاد: عندما يجتمع مع أقرانه يبثُ إليه أشجاناً كبيرة وعظيمة، ويفتح له صدره على مكنونات سوداء تجاه أبيه، لماذا لا يصارح الولد أباه؟يجد أنه لا يمكن أن يفاتح أباه، قد تكون شخصية الأب غير متفهمة، ولكننا في كثيرٍ من الأحيان نفتقد إلى الجراءة، ولو أننا فعلنا المصارحة أو المعاتبة مرةً واحدة؛ لانكسر ذلك الجدار من الخجل أو من الهيبة، نقول: اكسر الحاجز أفضل من أن تتراكم الكراهية في قلبك.
علاج قضية التنافر في العلاقات الشخصية
ما هو موقفنا نحن من حالات التنافر؟نحن قد نرى في الواقع، في الأوساط التي نعيش فيها، في المدارس، وفي الجامعات، وفي البيوت، وفي الديوانيات والمجالس قد نرى حالات تنافر، وفي وسط أقربائنا قد نرى حالات من التنافر، ما هو موقفنا من هذه الحالات؟
 الموعظة والنصيحة للمتخاصمين
من الطرق: الموعظة: عندما تعظ كل واحد من هذين المتخاصمين، بالأحاديث التي فيها ذم الهجران والقطيعة، وأنها من أسباب الفشل في المجتمع المسلم: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] حديث عائشة في صحيح البخاري ، حديث قيم جداً لما صار بينها وبين ابن الزبير خصام.ما هي الصلة بين عائشة وبين عبد الله بن الزبير ؟هي خالته أخت أمه، ومن هي أمه؟ أسماء .هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الأدب، أن عبد الله بن الزبير انتقد على عائشة خالته تصرفاً تصرفته ببيعٍ أو شراء، فاتهمها بأنها لا تحسن التصرف، فلما سمعت بذلك نذرت ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبداً طيلة حياتها، الصحابة بشر ويقع في نفوسهم مثل ما يقع في أنفس الناس، قد يخطئون فينتقدون، والمنتقد أيضاً يحدث في نفسه تفاعل مع الموقف فيتخذ موقفاً آخر، ولكن نحن سنعلم من ثنايا القصة، ما هو الفرق بيننا وبين الصحابة، فبقيت عائشة لا تكلم عبد الله بن الزبير مدة، وطال الأمر وشق على عبد الله بن الزبير.فتوسط إلى اثنين من القرابة، أن يدخلا على خالته، فجاءا إلى عائشة وعبد الله مختبئ خلفهما، فاستأذن بصوتيهما فقط، فلما عرفتهما عائشة قالت: ادخلا، قالا: كلنا؟ قالت: كلكم، فلما دخلا عليها جعلا يعظانها ويذكرانها بأنه لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث، وجعل عبد الله بن الزبير يقبلها ويبكي ويناشدها أن تكلمه، وكان موقفاً مؤثراً جداً اجتمعت فيه الموعظة، مع التناصح، مع التواصل، فكلمته عائشة وأعتقت في نذرها ذلك، كفارة النذر وكانت كلما تذكرت نذرها ذلك؛ تبكي حتى تبل دموعها خمارها، فالصحابة رضوان الله عليهم يرجعون إلى الحق، ويفيئون بسرعة، ويتأثرون من تذكر الذنب، أو تذكر المشهد، أو تذكر الخطأ، وكانت عائشة تبكي كلما ذكرت نذرها ذلك حتى تبل دموعها خمارها، لكن من منا اليوم لو حصل بينه وبين أخيه قطيعة وتصالح معه، كلما تذكر لحظات أيام الفرقة والهجران بكى -مثلاً- حتى تبتل لحيته أو ثوبه أو تسيل دموعه على خديه؟!فإذاً لابد من الموعظة، التواصي بالحق والصبر لجميع الأطراف، ولابد أن يأتي كلٌ منهما إلى الآخر، لأن المشكلة أحياناً في من يأتي إلى الآخر، ومن يبدأ، ومن الذي يكون من جهته التواصل، هذه المواقف الآن بين كل اثنين بينهما تخاصم، المشكلة من الذي يأتي أولاً ويطلب المفاهمة أو المصالحة، لأن كل واحدٍ منهما يقول له الشيطان: إذا ذهبت معناها أنك أنت الأضعف، معناها: أنك أنت ضعيف الشخصية، معناها: أنك أذللت نفسك لفلان، طبعاً ليس الواصل بالمكافئ لكن الذي يصل من قطعه، ليس مثل الشخص الذي يكافئ الوصل بوصلٍ مثله، ليس الواصل بالمكافئ.أكتفي بهذا القدر من أسباب التنافر، وعلاج قضية التنافر التي تحدث أحياناً في أفراد المجتمع الواحد.
التجاذب في العلاقات الشخصية وأنواعه
أنتقل إلى مسألةٍ أخرى وهي مسألة التجاذب:
 علاقة العشق والتعلق
وهناك علاقة خامسة: وهي علاقة قد تكون في خطورتها أخطر من النوع الذي ذكرناها الآن قبل قليل:وهي علاقة العشق والتعلق لدرجة أنه يحبه مع الله لا يحبه في الله، لدرجةٍ تصل إلى صرف أنواع من العبادة لهذا الشخص، وهذه مشكلةٌ تنشأ بسبب دوافع كثيرة، تكون بدايتها بسيطة، ولكنها تنمو وتنمو وتعظم وتكبر حتى تصبح العلاقة بين هذين الاثنين؛ بحيث أن كلاً منهما لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبداً، فلابد أن ينظر إليه دائماً، وأن يتصل به باستمرار، وقد يكلمه الساعات الطويلة هاتفياً يومياً، والأدهى من ذلك أنه يفكر فيه في صلاته، وعندما يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، ليس فكره مع الله ولكن مع ذلك الشخص!!وكأنه الهواء الذي يستنشقه، وأنه لو غاب عنه لحظةً واحدة يتألم جداً للفراق حتى يعود إليه، وهذا النوع من التعلق الشديد له درجات، قد تكون في بعضها غلو، وفي نهايتها شركٌ أكبر! وبعض الناس يستبعد هذين ويقول: كيف يحدث؟ ولكنه يحدث، وهنا نعود إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يحب المرء -لاحظوا أيها الإخوة الرسول صلى الله عليه وسلم كلامه وحيٌ، إن هو إلا وحيٌ يوحى، يوحى إليه صلى الله عليه وسلم، لم يقل: (وأن يحب المرء في الله) معنى العبارة صحيح، لكن لأن الله عز وجل الحكيم الخبير العليم يعلم بأنه تنشأ بين العباد علاقات ليست شرعية، وأن هذه العلاقات قد تكون قوية جداً، وأن الشيطان يلبس على بعض الناس؛ أن علاقتك يا فلان مع فلان أخوة في الله، ولكن الحقيقة ليست كذلك، وقد يزين لهم الشيطان القيام بشيءٍ من الطاعات مع بعضهما البعض، ولكن المسألة ما زالت في حقيقتها نوعٌ من العشق المذموم شرعاً، فمثلاً لكي يخرجان من دائرة الانتقاد أو نوع من وخز الضمير، فترى الواحد يقترح على الآخر: ما رأيك أن نقرأ الكتاب، نستمع شريطاً، نحفظ قرآناً، نقوم الليل سوياً، فيفعلان هذا فترةً من الوقت، أو بعضاً من الأحيان، ولكن ما زالت العلاقة في حقيقتها ليست أخوة في الله، وإنما يحاول كلٌ منهما أن يخدع نفسه وأن يظهر أمام نفسه وأمام الآخرين، أنها أخوة في الله، ولكن الحقيقة ليست كذلك، بل ربما لو جلسا يقرآن كتاباً لذهب فكر كل واحدٍ منهما في الآخر، ولم يفقه شيئاً مما يقرأ وهكذا.فإذاً ما الذي يجرد لنا هذه الصور على حقيقتها ويظهرها واضحة وجلية، تحت مجهر الكشف عن الحقيقة؟إنه هذه الفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله عليه الصلاة والسلام: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) لاحظ الاستثناء القوي المسبوق بالنفي، وهذا أقوى أساليب الحصر في اللغة، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، نفي ثم استثناء، أقوى أساليب الحصر في اللغة، لماذا؟لأن القضية موجودة بين العباد فعلاً، علاقات محبة بين العباد لكن ليست لله، كثيرة ومتنامية ومتشعبة، وكثيراً ما تكون مدمرة على بعض الأطراف، وكثيراً ما تفشل مجموعة أو تجمع إسلامي بأكمله، لأنها مرضٌ معدٍ في كثير من الأحيان، تحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم: الجواب الكافي وهذا الكتاب هو عبارة عن جواب على سؤال، كما يتبين لمن يقرأ المقدمة، لكن نحن أحياناً قد نقرأ فلا نستجمع الصورة الكلية للكتاب الذي نقرؤه إذا كان وحدة واحدة، الآن كتاب: الجواب الكافي وحدة متكاملة، لكن عندما لا يجتمع عند الإنسان يكون أشياء متناثرة، يتكلم أولاً: عن الدعاء، اللجوء إلى الله، أضرار الذنوب، قوم لوط، يتكلم عن بعض الناس الذين أهلكوا، ثم تكلم في النهاية عن قصص من العشق.ولكن عندما تتأمل في منهج ابن القيم رحمه الله في الكتاب، فهو في الحقيقة عظيم لعلاج مشكلة العشق والتعلق، والسؤال الذي ورد إليه يدل عليه، وهو أن مصيبةً وقعت في إنسانٍ كادت أن توبقه وتهلك دنياه، تفسد عليه دنياه وآخرته، هذا آخر قسم تكلمنا فيه وذكرناه في أنواع العلاقات، هذه هي المشكلة التي سأل عنها ذلك الشخص ابن القيم رحمه الله فأجاب عليه بهذا الجواب، وهنا نلاحظ منهج العلماء -أيها الإخوة- في علاج المشاكل، ليس الكلام على نقطة معينة، وإنما الكلام عن نقطة تجمع الأشياء فأنت ترى أنه أولاً يقول له: إلجأ إلى الله، يبين الدعاء وأوقات الإجابة وما هي الأدعية المأثورة، ما هو الاسم الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب!!وهكذا تتوالى، ثم يتكلم له عن أضرار الذنوب والفواحش، وأن عملك هذا عندما ترى مضاره، فإنك إذا كنتَ عاقلاً ينبغي أن تبتعد عنه، ذكر أشياء عجيبة في مظاهر الذنوب في كتاب: الجواب الكافي ، وأتبعه بذكر قصة قوم لوط وماذا فعل الله بهم، لأن المسألة قد تؤدي إلى شيءٍ من هذا، وابن القيم رحمه الله، ليس إنساناً سطحياً في علاج القضايا، ولكنه رجل عميق وقد نقرأ ولا نفهم عمق الكلام تماماً، ولكن عندما يقرأ الإنسان عدة مرات يلوح له المنهج وترابط الكلام الذي ذكره، والقصص الواقعية ما قال فقط: الأدلة من القرآن والسنة، لا، وإنما نجد في كتاب الجواب الكافي قصصاً واقعية، قصة حمَّام منجاب، وقصة فلان، وقصة الذين ختم لهم بخاتمة سيئة مثلاً، وأن بعضهم كان متعلقاً بالمال، وبعضهم كان متعلقاً بامرأة، وبعضهم كان متعلقاً بشخص، وبعضهم كان متعلقاً بسلطان، وهكذا من الأشياء، فهو منهج ممتاز جداً، ليس فقط أن نستفيد منه في علاج مشكلة التعلق والعشق فقط، وإنما أيضاً في وضوح المنهج في علاج بقية المشاكل.وذكر أنواعاً من العلاجات، وكان يذكر بقوة، ويطرح أُطروحات قوية في علاج هذه المشكلة، وكان يقول: فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يبتعد أحدهما عن الآخر حتى يضطر أن يسافر إلى بلدٍ آخر بحيث لا يرى صاحبه ولا يقع له على خبر، ولا حسٍ ولا أثر، فإنه يفعل ذلك، ابتغاء السلامة في الدين.تُحس أن العلماء المخلصين أصحاب الوعي بالواقع، طرحهم في علاج المشاكل طرح قوي، طرح جذري وطرح متكامل، بخلاف كثير من الحلول القاصرة التي نراها تُطرح لعلاج مشاكل قد تكون أصعب، الآن المشاكل أصعب مما كانت موجودةً من قبل.فإذاً نحتاج -أيها الإخوة- لمزيد من الوعي والاطلاع، ولمزيدٍ من الإخلاص قبل كل شيء، حتى نصفي مشاكلنا كلها، وحتى نصل إلى مجتمع إسلامي نظيف خالٍ من الشوائب، وإلا فكيف ينصر الله قوماً قد تناوشتهم سهام الشياطين من كل جانب، وقد اعتورت فيهم أنواع الفواحش والمنكرات من كل جانب، كيف ينصرهم الله؟! وأنت قد رأيت من قول الله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41].كوارث الطائرات، والسفن، الكوارث الجوية، والبيئية، والتلوث، وفساد البحر، وأنواع من الحيوانات قد تنقرض وتزول، وأماكن خضراء قد تتحول إلى جرداء، وأماكن قد تغطى بالثلوج فتصبح الحياة فيها صعبة، وأمراض جديدة تنشأ في المجتمع لم تكن موجودة من قبل؛ من هذه الطواعين الموجودة الآن، التي لم يتوصل العلم بعد إلى حلٍ لها ولا إلى علاج، ولكن قد يروج اليهود أنهم قد اكتشفوا علاجاً وليس بعلاج، وأنواع القنابل والأسلحة الفتاكة التي تدمر الأرض والإنسان والحيوان، بل إنها تفسد الجو وتصبح المنطقة موبوءة، وانفجارات في أنابيب الغاز، وأشياء من الكوارث تحدث في جميع أنحاء العالم، وتصادم القطارات، والكوارث الجوية بين الطائرات، وغرق السفن، وفساد الثمار، ونوع من التفاح هذا فيه أشياء اكتشف أنها تؤدي إلى مرض السرطان وهكذا.الآن كوارث في هذا القرن لم تكن موجودة بهذه الكثرة، لو راجعنا تاريخ البشرية لا توجد كوارث وفيضانات تبتلع آلاف البشر، وهزات أرضية، وخسفٌ وبراكين وأشياء عجيبة تحدث في العالم الآن، لو استعرضت التاريخ العالمي في هذه السنوات الأخيرة، تجده مملوءاً بالكوارث، لا تمضي نشرة أخبار إلا وفيها كارثة قد وقعت في صقع من الأرض، ما هو هذا الشيء؟ هو إما قوله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] انظر العموم الذي يسببه الفساد، نتيجة الابتعاد عن شرع الله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] ببعدهم عن شريعة الله، وعن الدين، وببعدهم عن منهج الله عز وجل: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] ليذوقوا وبال أمرهم، حتى يعلموا عاقبة الانحراف عن الشريعة، وحتى يعلموا ما هي أهمية تطبيق منهج الله في الأرض.أيها الإخوة! لو أن منهج الله مطبق في الأرض الآن لما وجدتم هذه الكوارث وهذه المصائب، ولذلك عندما ينزل المسيح بن مريم، ويقوم معه الخليفة الصالح في الأرض، ويطبقان منهج الله، لن يكون هناك كوارث، حتى إن الولد يدخل يده في الحية فلا تضره، ويصبح الذئب في الغنم كأنه كلبها الحارس، ويستظل الناس بقحف الرمانة، فمن أين أتت البركة؟ كيف كانت الثمار فاسدة، وفجأة صارت الثمار مبروكة حتى إن الناس يستظلون بقحف الرمانة؟!إنه تطبيق منهج الله في الأرض!!نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحلُ حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بكتابه، ويطبق شرع الله في نفسه، ويحكم قانون الله في الأرض، ونسأله عز وجل أن يصلح نياتنا وذرياتنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على نبينا محمد.
الأسئلة

 حب العلماء أعظم أنواع الحب في الله
السؤال: لو أحببت عالماً لعلمه هل يكون هذا حباً لله؟الجواب: إذا كان هذا العالم من علماء الشريعة فهذا من أعظم أنواع الحب لله، وبعض الناس مع الأسف، نحن عندما تكلمنا عن العلاقات، لو قلت له: تحب هذا الشخص -مثلاً- زميلك الذي معك في المدرسة أكثر وإلا الشيخ فلان الفلاني الذي هو من ثقات علماء المسلمين؟لا يجد في قلبه بحب لهذا الشيخ والعالم الفاضل مثل ما يحب لصديقه قليل العلم، لأن المسألة عنده ليست موزعة، مسألة الحب ليست قضية تتكافأ مع من هو أقرب إلى الله، ومن هو أفضل، وإنما مع من هو أميل لنفسه، ومن هو أقرب لطبيعته، ومن هو الذي يرتاح لأسلوبه وشكله، وظرافته ونكته وطرائفه، وجمال أسلوبه وهكذا، فالمسألة ينبغي أن تكون خارجة عن الهوى، لأن هذه قضية عقيدة، وقضية دين، الحب في الله من أوثق عرى الإيمان.أظن أنني أكتفي بهذه الأسئلة حتى لا نطيل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والذين يذكرون ربهم إذا نسوا، ويعانوا إذا ذكروا، وأصلي وأسلم على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net