إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد القطان
  4. الدفاع عن علماء المسلمين

الدفاع عن علماء المسلمينللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في كتابه أصناف الناس، وأوضح أن منهم مؤمناً وكافراً وبيَّن أن أشدهم خطراً أهل النفاق. وإن هذا الصنف إن كان ذكره الله في كتابه ليحذر منه نبيه فتحن أولى بالحذر، لا سيما وقد انتشروا في طول الأرض وعرضها، وإن تمكينهم في الأرض من علامات الساعة. وقد أتى الشيخ في هذه المحاضرة بصفاتهم المذكورة في أول سورة البقرة، بأسلوب بديع.

    1.   

    أصناف الناس في كتاب الله تعالى

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وقرة عيني محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وأصحابه الهداة المهتدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

    اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور.

    اللهم اجعلنا هاديين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، وحرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك، اللهم حرم وجوهنا ووالدينا والحاضرين على النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار.

    اللهم حقق بالصالحات آمالنا، واختم بالطاعات أعمالنا، واستعملنا فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاك، واقطع رجاءنا عمن سواك، حتى لا نرجو أحداً غيرك.

    اللهم من أراد بنا وهذا البلد وسائر بلاد المسلمين سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك تحرير المسجد الأقصى مسرى الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ترزقنا فيه صلاة طيبة مباركة غير خائفين ولا وجلين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وأن تنصر إخواننا المجاهدين في كل أرض يذكر فيها اسم الله، وما ذلك على الله بعزيز.

    اللهم إني أسألك يا أرحم الراحمين! لأمة محمد في مشارق الأرض ومغاربها قائداً ربانيا يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، لا يخضع للبيت الأبيض، ولا يركع للبيت الأحمر.

    اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم أحزاب الباطل، وانصر حزب الحق يا رب العالمين!

    أنت الغني بعلمك عن إعلامنا لك، وأنت ترى في عالمنا يوم أن تسلط فاسق كل محلة على أبشار وأموال المسلمين، اللهم زرع الباطل قد نما وقد حضر حصاده، فقيض له يداً من الحق حاصدة، تستأصل جذوره وتقتلع شروره.

    اللهم اجعل بلدنا بلدة طيبة، وأنت الرب الغفور، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    ثقل ميزاننا، وحقق إيماننا، وفك رهاننا، واجعلنا برحمتك في الفردوس الأعلى، واجعل لنا ولأولادنا في أول عامنا هذا صلاحاً، وفي أوسطه فلاحاً، وفي آخره نجاحاً، وعتقاً من النار يا رب العالمين!

    رحماك رحماك بالنساء الثكالى والأطفال اليتامى، والشباب الحيارى، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم ابعث الإيمان في قلوبهم، وابعث فيهم من يجدد فيهم دينهم أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    أما بعــد:

    أيها الأحباب الكرام: إن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم أصنافاً من الناس وأجناساً، وجاءت الكلمات القرآنية تضع النقاط على الحروف وتفصل تفصيلاً، وأنت تتلوها عندما لا تتردد لأنك تشير بإصبعك إلى شريحة من شرائح المجتمع فتقول: هذا الذي تعنيه الآية، هذه التي تعنيها كلمات الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن وضرب فيه المثل، وبين أكمل بيان حتى نعتبر ونتعظ.

    1.   

    صفات المنافقين الواردة في سورة البقرة

    تعالوا معي إلى آيات الله وهي تذكر هذا الفصام النكد الذي يحدث للإيمان في القلب، وللعقيدة في القلب، انفصام رهيب خطير، يكون الإنسان فيه ذا وجهين، يكون الإنسان فيه ذا عقيدتين وإيمانين: إيمان للرحمن وإيمان للشيطان، إيمان لله وإيمان للطاغوت، هذا الانفصام العجيب لمن ليس له من إيمانه ودينه إلا مجرد الدعوى فقط: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] يرد الله هذا الإيمان وينكره عليهم، هم يتلفظون بأوسع العبارات وأفصح الكلمات: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة:8] والله تعالى يقول: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:8-9]. يريدون أن يخدعوا الله سبحانه بهذا الزعم وبهذه الدعوى.

    اكتفى أن يكتب في شهادة ميلاده أنه مسلم، اكتفى أن يكتب في شهادة وفاته أنه مسلم، فليس له من الشهادتين إلا شهادة الميلاد والوفاة، وإذا جلست معه تنصحه وتحدثه وتعظه بين لك أنه كبير المصلحين، وأنه إمام المحسنين، وأنه أحرص إنسان على الدين، وأنه يحمل رسالة عظمى لإنقاذ المسلمين، وهو لا يحفظ الفاتحة، لأنه لا يصلي، ولا يدري في أي شهر يكون رمضان؛ لأنه لا يصوم، ولا يعرف مناسك الحج والعمرة؛ لأنه لا يعترف به، ومع هذا يقول بالخط العريض واللسان الطويل: آمنت بالله واليوم الآخر.

    يخادعون الله وهو خادعهم

    إن مثل هذا الإيمان يرده الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] يقول الله: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ [البقرة:8-9] من يستطيع أن يخدع الله؟

    من يستطيع أن يخدع صاحب القوى والقدر، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟

    من يستطيع أن يخدع الله الذي خلقك؟ يعلم كل ذرة في جسمك، يعلم خواطر قلبك، يعلم عدد أنفاسك، يعلم رزقك وأجلك، يعلم كل شأن من شئون حياتك، كيف تستطيع أن تخدع الله؟

    أنت عاجز عن أن تخدع البشر، أنت عاجز عن أن تخدع الناس، فكيف تخدع رب الناس سبحانه وتعالى، يخادعون الله، لا إله إلا الله!

    وتأتي بهذه الصيغة العجيبة صيغة المضارعة (يخادعون) ولم يقل: خدعوا، بل يقول: يخادعون ولا يزالون في الحاضر مع سبق الإصرار والترصد يخادعون .. ويخادعون .. ويخادعون .. والله يؤدبهم، ويذكرهم، وينبئهم، وينزل المصائب عن يمين وشمال ليتعظوا، ومع هذا يخادعون ويخادعون، ولا يعتبرون، قال تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:9] الذين آمنوا لا يخدعون!

    خداعهم بالطعن في العلماء باسم الرقي

    أنا أعجب كل العجب عندما أفتح جريدة، فأرى إنساناً يكتب في الصفحة المتخصصة في الموضوعات الإسلامية، وكنت أتوقع وأنا أقرأ في هذه الصفحة أنني أجد ما يرضي الله، وما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أرى بعض الأقلام - ومع الأسف الشديد! - وهي تكتب في هذه الصفحة بدلاً من أن تكون شاهدة لها تكون شاهدة عليها عند الله يوم القيامة.

    يكتبون في هذه الصفحة: إن سبب هذه التأخرات التي تحدث لهذه الأمة حتى صارت من العالم الثالث، أو من العالم العاشر، أتدرون ما السبب؟

    الكاتب الإسلامي يقول: السبب هي كتب ابن القيم وكتب سيد قطب، وكتب الإمام ابن تيمية.

    كتب ابن القيم التي يعالج فيها الإيمان والتربية والسلوك هي سبب تأخر هذه الأمة، الإمام ابن القيم رحمة الله عليه، ألف كتاباً اسمه: مفتاح دار السعادة حتى هذه الساعة العلماء في الغرب يتدارسونه، الإمام ابن القيم تتبع كل علم في زمانه حتى بلغ منتهاه، اقرءوا كتاب مفتاح دار السعادة من أربع مجلدات، إن أردت أن تبحث فيه عن علم الأحياء وجدته، إن أردت أن تبحث فيه عن علم النفس وجدته، إن أردت أن تبحث فيه عن علم الفضاء وجدته، إن أردت الطب فهو موجود فيه، إن أردت العبادات والطاعات والإيمانيات فهي موجودة في هذا الكتاب العجيب، تجده متخصصاً في جميع أنواع التخصصات، وكأنه دائرة معارف أو موسوعة علمية تأخذ الإنسان من أعلى رأسه إلى أخمص قدمه، ويبين حكمة الله في خلق الشعر والحاجبين، والعينين، والجمجمة، والوجه، والأطراف بكلام دقيق موجز معجز معبر.

    هذا هو الإمام ابن القيم ، عالم من علماء النفس دخل إلى مسارب القلوب ومداخل الشيطان فأغلقها في كتابه العظيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان .

    الإمام ابن القيم كتب كتاباً في عدة الصابرين ، لأولئك الضعفاء الذين عندما يلوح لهم بالذهب والدينار، يجدون كتاب عدة الصابرين يبين الصبر الذي يحتاج إليه الإنسان في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي الفقر والغنى.

    الإمام ابن القيم كتب كتاب زاد المعاد، أتدرون أين كتب هذا الكتاب كتبه وهو على ظهر الناقة، إن الإمام ابن القيم يتحدى كتبة هذا الزمان، ويتحدى هذا الكاتب الذي ظن أنه وصل إلى القمة السامقة، يوم أن أمسك قلماً وأخذ يتهجم على رجل عظيم من رجالات الإسلام وهو في قبره رضوان الله عليه، لا يجد من يدافع عنه في زمان النكد والزيف والعيش بالدف والمزمار.

    ما سمعنا قلماً واحداً - وقد مر على كتابة المقال أكثر من أسبوع - يدافع عن الإمام ابن القيم وسيد قطب بعد أن تهجم عليه في الصفحة الدينية في إحدى الجرائد.

    أنزعت الغيرة من قلوب المسلمين؟!

    أنزعت الحمية لهذا الدين من قلوب المؤمنين؟!

    إن الناس أصبحوا الآن سلبيين، وإن الإمام ابن القيم فضله الآن عليَّ وعلى جميع المسلمين، إن كان مات في جسده فهو حي بعلمه، حي بكتبه، حي بأسلوبه العظيم الذي استفادت منه الأجيال بعد الأجيال، ونحسبه من الصديقين ولا نزكي على الله أحداً.

    ويتهجم على سيد قطب ويعتبر كتبه هي سبب تأخر هذه الأمة، وسيد قطب باعتراف مفكري الغرب - والحق ما شهدت به الأعداء - يعتبر أخطر مفكر وأديب ظهر في العالم العربي, ومؤلفاته تملأ المكتبات الإسلامية وعلى رأسها في ظلال القرآن.

    سيد قطب أمضى في السجن سنوات وسنوات يتحمل الاضطهاد والتعذيب والتجويع والمرض والقهر، من أجل كلمة واحدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، سيد قطب عندما جروه إلى حبل المشنقة جاءه رجل وقال: يا سيد! قل: لا إله إلا الله قبل أن تشنق، فقال: حتى أنت جاءوا بك لكي تكمل المسرحية، ما وقفت تحت المشنقة إلا من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وطلبوا منه أن يوقع اعترافاً للظالمين: كلمة واحدة ويعترف بها لثورتهم، فقال: إن السبابة التي تشهد أن لا إله إلا الله تأبى أن توقع كلمة وتكون رقعةً في ثياب الظالمين.

    ثم يأتي هذا ويقول: إن سبب تأخر الأمة الإسلامية هي التزام الشباب بكتب ابن القيم وكتب سيد قطب، أي ظلم هذا؟! والله -أيها الأحبة- إن الله لينتقم لأوليائه وإن كانوا ميتين، فالله يقول لدعوة المظلوم: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).

    سلب الله عز وجل الشعور منهم

    يقول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:8-9] والتعقيب في آخر الآية في منتهى العجب، يقول الله: إنهم لا شعور لهم، تصوروا -أيها الأحباب- أن الحيوان والبهيمة تشعر، وقد رأينا من أعاجيب أفعال الحيوانات في (السيرك)، والمباريات والتدريب ما يذهل الألباب! كم رأينا من (دلفين) يتعاطف مع إنسان؟!

    وكم رأينا من وحشٍ كاسرٍ يفترس اللحوم في الغابات، أصبح كالقط الأليف؟!

    وكم رأينا من حيوانات عجماوات تقوم بأدوار فيها من الوفاء والصدق، والتضحية ما لا يقوم به الإنسان؟!

    إذاً: البهائم تشعر ولكن هذا الصنف لا يشعر، الله يسلب منه الشعور، والذي لا يشعر ماذا ترجو منه؟

    لا يشعر بالمعروف فيؤكده ويدافع عنه، ولا يشعر بالمنكر فيحاربه وينكره، بل المعروف عنده منكر، والمنكر عنده معروف، انتكس ميزانه وانقلب، وهم لا يشعرون!

    دعواهم الإسلام وهم الفساد ومنبعه

    اسمع ماذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] والله سبحانه في هذه الآية يبين أن هذا النداء لهذا الصنف من الناس لم يكن نداء فردياً أي: لم يوجه من فرد، فيقول سبحانه: (وإذا قيل لهم) أي: من الله أو رسوله أو الداعية المؤمن، وجاء بها نكرة: (وإذا قيل) وكأن كل شيء من حولهم يقول لهم ويناديهم ولكنهم لا يسمعون، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة:11]. نداء جماهيري، نداء شعبي، نداء جماعي، قيل: حتى الجدارن تنادي، حتى الحيتان في البحر تصيح من ظلمهم، حتى النملة في جحرها، نداء مشترك بين الإنسان والحيوان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ [البقرة:11]: وليس في بقعة واحدة إنما الفساد عم في الأرض كلها، وعندهم من النفسيات الكئودة الحقودة أنها عندها استعداد أن تبث الفساد في الكرة الأرضية كلها.

    ولا ننسى ما فعلته الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، والحروب الطاحنة التي تقضي على بني الإنسان، والتسابق الرهيب لهذا التسلح النووي الرهيب الذي يهدد الكرة الأرضية بالإبادة والتدمير.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] (إنما) بالحصر، هكذا يحصرون الصلاح فيهم، أي: لا صلاح إلا عندنا ولا خير إلا عندنا، ولا توجيه ولا تربية إلا عندنا، إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11] وما اكتفوا أن يكونوا صالحين، وإنما ادعوا الصلاح أولاً، ثم بعد الصلاح ادعوا الإصلاح، فماذا يقول الله؟

    الله يريد أن يعدل الميزان، يقول: (ألا) وهذه (ألا) تسمى باللغة العربية أداة تنبيه، الله يقول: هذا الكلام غلط: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:12] سبحان الله! أيضاً لا يشعرون.

    تبجحهم بالإيمان وهم أكفر الخلق بالله عز وجل

    ومع هذا تجد دعوى الإيمان العريض دائماً تتردد على ألسنتهم، تقول له: يا أخي! صل، يقول: الصلاة رياضة أنا ما أحتاج للصلاة، يا أخي! صم، يقول لك: الصيام (ريجيم) أنا أعمل (ريجيم)، تقول له: يا أخي! اتق الله أد زكاة أموالك، يقول: الزكاة ضريبة، أنا أكدح وأتعب ثم أؤدي الزكاة، وهكذا يردد.

    فإذا قلت له: ماذا بقي من إيمانك وإسلامك؟

    قال: الإيمان في القلب! وما أدري من أين جاءت هذه البدعة، الإيمان ليس في القلب فقط، إنما الإيمان في تعريف أهل السنة والجماعة ، يقوم على ثلاثة أركان:

    الركن الأول: التصديق بالقلب، ويسمونه التصديق بالجنان أي: القلب.

    الركن الثاني: والإقرار باللسان أي: تتلفظ فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

    الركن الثالث: العمل بالجوارح والأركان، الجوارح هي يدك ورجلك، الجبهة والأنف والركبتين والرجلين تسجد لله رب العالمين، والجسد يجوع صياماً لله، والأموال تدفع من أجل الله، هذا هو العمل بالجوارح والأركان، هذا هو تعريف الإيمان.

    وهذا الإيمان يقوم على ستة أعمدة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى.

    قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة:13] سبحان الله! دائماً شعارهم خالف تذكر، إذا أردت أن تكون في أقصى اليمين لا بد أن تكون في أقصى الشمال، هذا هو شعارنا، مع أن ديننا هو دين الوسطية والاعتدال.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة:13] أي: نحن ما طلبنا منكم إيماناً من الدرجة الأولى، وصنفنا الإيمان وقلنا: نريد منكم إيمان جبريل، أو إيمان ميكائيل أو إيمان إسرافيل، أو نريد منكم إيمان محمد فإن لم تبلغوا القمة كما بلغ محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول عن إيمانه: (أنا أتقاكم لله وأخشاكم له، وأعلمكم بالله ) لو قلنا لهم ذلك، لأصبحت الطامة الكبرى .. إنكم تعجزوننا .. إنكم تهلكوننا .. إنكم تطلبون منا المستحيل، لكن الآية تتلطف مع هذا الصنف من الناس.

    قال تعالى: آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [البقرة:13] أي: كما آمن بعض الناس، أد الواجبات واترك المحرمات، آمنوا كما آمن الناس.

    لكنهم لا بد أن يتميزوا عن الناس بإيمان له مفهوم جديد، وله طعم وذوق جديد .. الإيمان الذي يريدونه ويعتقدونه هو الكفر، والكفر هو الإيمان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13] فأصبح الناس عندهم سفهاء.

    إذاً من بقي في الساحة؟!

    هم المبرءون! هم المعصومون! هم الذين لا يخطئون! لهذا ما سمعنا من واحد يوماً خطب خطبة في الجماهير، وقال: أعترف أني قد أخطأت، إنما أنا بشر، تحمل مسئولية هذا الخطأ، وتحمل جميع أعبائه، وإني أقدم استقالتي لأنني لم أكن كفؤاً في تغطية هذا القطاع من المسئولية، أتحدى واحداً فعل ذلك!

    إنهم صنف ملائكي ممتاز، أما دماؤهم فلونها أزرق، وأما عظامهم فهي مصنوعة من نور، وأما أبشارهم فهي مصنوعة من ذهب، وأما مخ عظامهم فهو مصنوع من إكسير الحياة، فهم بشر فوق البشر: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ [البقرة:13].

    الله يرد عليهم بأداة التنبيه .. ينبه البشرية كلها: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:13].

    إذاً: هذه الدعوى التي يدَّعونها على أي قاعدة مبنية؟

    مبنية على قاعدة الجهل، وكل ادعاء يبنى على قاعدة الجهل لا يملك مقومات الحياة ولا خير فيه.

    فما ارتقى الإنسان إلا بالعلم، وما وصل الإنسان إلا بالعلم، وما تحدى الحضارات إلا بالعلم، وما بلغ الازدهار والرقي المدني إلا بالعلم، أما هؤلاء فيبنون قاعدة الإيمان على جهل، ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون، هناك لا يشعرون، وهنا لا يعلمون .

    الشعور مسلوب، والعلم مسحوب، فماذا بقي لهم؟!

    تمكين المنافقين في الأرض من علامات الساعة

    ولكنك عندما تلتفت يميناً وشمالاً تجد أنه لا يصل إلى مقام المسئولية إلا هذا الصنف، كيف يصل؟ إنها علامة من علامات الساعة: (متى الساعة يا رسول الله؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما إضاعتها يا رسول الله! قال: إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله) فأصبح التافه من الناس، والجاهل والمهرج الذي يضحك الناس بنكت من الله وعلى رسول الله، والقرآن، والمسجد، والاستغفار، وبيوت الله، والحج، والصوم، وما ترك فريضة ولا عبادة إلا وأضحك الآخرين عليها، هذا هو الذي يصل، هذا الذي يُقَدَّم، وإن هؤلاء ليكسبون أضعاف أضعاف ما يكسب المخلصون، وإنهم ليقدِّرون أضعاف أضعاف ما يقدِّر المخلصون، أليس هذا مؤشراً خطيراً من مؤشرات التدمير حذرنا الله سبحانه وتعالى وأنذرنا منه؟

    بلى ورب الكعبة!

    ولا يزال يتردد في أذني صدى شريط سمعته لتافه من هؤلاء التافهين، الذين يسميهم الله بالسفهاء، مسلوبي الشعور، المنبثقين من كهف الجهل والضلالة، لا تزال أصداء هذا الشريط تتردد في أذني حتى هذه الساعة، وأعجب لحلم الله الذي لم يدمر هذا البلد، ولم يرجمها بالحجارة، بل يسوق لها السحاب ويمطرها بالليل والنهار، أشهد أن الله حليم، والله إني أتذكر أبا بكر الصديق والكفار يحرفون النعال على وجهه عند الكعبة، حتى اختفت عيناه وهو ينظر إلى السماء ويقول: [أشهد أنك حليم].

    وما من مسلم يسمع ما سمعت إلا يتمنى أن يكون باطن الأرض أطيب له من ظاهرها، والذي نفسي بيده إن هذا المهرج ليقام عند قيامه، ويُسار على أعقابه، ويستقبل استقبال الوزراء في كثير من الدول، وعلمت سر ذلك، وهو: أن المهرجين دائماً وأبداً هم الذين يقدمون لأننا في آخر الزمان.

    وتستمر الآيات تكشف هذه الحقيقة وتبين هذا الانفصام في قمته: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:14] الله أكبر!

    أذكر أن هذا المهرج التقيت به يوماً هنا، ويوماً في الحج، أما لقائي معه هنا: فقال لي: إنني أشكو إليك ظلم أحد الدعاة الذي رآني فعنف وشدد عليَّ، فقلت له: ماذا قال لك الداعية؟ قال: لماذا تقبل البنات والناس ينظرون؟ فقلت له: إنها قبله أبوية!

    وهل هناك بالنسبة للأجنبي والأجنبية قبلة أبوية، أو قبلة أخوية، أو قبلة أموية؟!

    الله الذي حرم النظرة: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] ألا يحرم القبلة من باب أولى؟! ولكن انظر كيف يدخل الشيطان من مداخله فتصبح الجريمة معروفاً، والغيبة نقداً بناءً، والكذب (دبلوماسية) والنفاق مجاملة، والربا فوائد، والخمر مشروبات روحية. وهكذا.

    انقلاب هائل بين الأسماء والمسميات، كما فعلت قريش، جمعت لها حفنة طين صنعت منها تمثالاً، فلما سألهم محمد صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟

    قالوا: هذه آلهة، الله يقول: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم:23] هي أسماء لا تحمل من خواص الإله وصفاته إلا مجرد اسم الإله، إنما حقيقتها لا تنفع ولا تضر.

    وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:14].

    يلتقي معي في الحج، ويحتضنني على صدره، وأقول له: اتق الله، اترك هذا الوسط الذين أنت فيه، فقال: أنا ما جعلت نفسي في هذا الوسط إلا لكي أصلحه، فقلت: عجباً، لأرى كيف يصلح هذا الوسط الذي هو فيه؟! فلما وقع في يدي هذا الشريط، عرفت أسلوب الإصلاح الذي يتخذه في هذا الوسط، والذي سمع خطبة الشيخ العوضي يعرف حقيقة ما أقول عن هذا المصلح، الذي يريد أن يصلح ذلك الوسط، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [البقرة:11].

    يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم

    نعود إلى الآيات وهي تبين هذا الفصام النكد، قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:14] هكذا برقة وعاطفة ووجدانية وتمثيل: وَإِذَا خَلَوْا [البقرة:14]: سبحان الله! هناك مع المؤمنين لم يقل سبحانه وتعالى: (خلوا) لأنه فيها ملاقات بالأحضان، يا فضيلة الشيخ! والله ما يراني شخص منهم إلا ويقول لي: يا فضيلة الشيخ! وأنا أعلم أنه أكبر دجال، ويريد أن يضحك على ذقني بهذه الكلمة، لكن هيهات! يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:9] المؤمنون لا يُخدَعون، لهذا في مقابلته للمؤمن يقول الله: (وإذا لقوا) بالصدر.

    أما الشياطين من الإنس، لم يقل سبحانه وتعالى: (لقوا) إنما قال: (خلوا) من الخلوة، يحسون أنهم على خطيئة، يحسون أن هذا عار وشنار وأن صاحبه لا إيمان ولا مروءة له، ولا رجولة، فلهذا هم في خلوة وليس في ملاقاة.

    المؤمن يلاقي بكل صراحة ووضوح، أما الشياطين من الجن والإنس فيخلو بعضهم ببعض، يتسترون مرة تحت الظلام، ويتسترون تارة تحت القانون، ويتسترون تارة ثالثة تحت الشفاعة والرشوة والواسطة.

    ولكن هل يستترون من الله في خلوتهم هذه التي خلوا بها؟! هل غابوا عن عين الله؟!

    قال تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا [البقرة:14] بصيغة الجمع، الصيغة لا تأتي بأسلوب مفرد ولكن بأسلوب الجماعة حتى يبين كيف يتناصرون؟ وكيف يتظافرون؟ وكيف يؤيد بعضهم بعضاً؟ عصابة، مجموعة، قال تعالى: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] أنتم معنا، إذاً: ما معنى القول الذي قلتموه منذ لحظة: يا فضيلة الشيخ .. لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ولعل إمام المسجد يغيب فتصلي بالمسلمين، ما معنى هذا العمل؟

    قالوا: إنا مستهزئون، استهزاء بالله! وبرسول الله! وبالقرآن! وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14].

    استهزاء الله بالمنافقين

    وإذا النهاية المأساوية يكشفها الله، فيرفع الستار عن تلك الخلوة التي هي أشبه ما تكون ببيت الخلاء، الستار يرفعه الله عن تلك الحقيقة الرهيبة، هم يرددون بين القهقهات والضحكات، والكئوس المترعة، والقيام، ويقولون: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14] فيرفع الله الستار بصيحة ربانية: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:15] هكذا بلفظ الجلالة! الاسم الأعظم! يصدر الله استهزاءه بهم؛ لأنهم لم يعظموا الله ولم يقدروه الله حق قدره: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15].

    والتعيس المنكوس المعكوس هو الذي يمده الله لا برحمته ولا برضوانه ولا بإحسانه، إنما يمده بطغيانه، الله أكبر! والله إن الموت العاجل لهم خير من الموت الآجل، لأن كل ثانية ولحظة ودقيقة يمرون فيها لا يزدادون إلا عذاباً وبعداً عن الجنة وقرباً من النار.

    والنار لها جاذبية عجيبة لأنها حفت بالشهوات، لهذا لا ينقلع عن جاذبية النار إلا الموفقون: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] واستهزاء الله لهم عجيب: البارحة أحد البرامج وضع شريطاً قديماً لأحد المطربين والمغنين وقد مات، فرأيت تجسيد قوله تعالى في واقع الحالة: (يمدهم): فجعلت أنصت إليه، يقول له المذيع: ماذا تتمنى قبل أن تموت؟

    قال: أتمنى أن أوجد جيلاً يحمل هذه الرسالة وهذا الفن العظيم الكبير، وإنني لأتمنى أن أموت شهيداً هناك، أتمنى أن أموت من أجل القدس وأنا أردد هذه الأغاني، وأرى جيلاً يحمل هذا المشعل من ورائي، عند ذلك أكون مرتاحاً ومطمئناً في قبري، فقلت: لا إله إلا الله، يا لك من مسكين! ومات المسكين، وانطوت صفحته، ولكن هل انطوت تلك الأماني والآمال؟ (من دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) (رب كلمة يقولها العبد من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) وهو يتكلم بصدق، أنا لا أشك في صدقه والذي ينظر إلى ملامح وجهه وحركات عينه وشفته لا يشك أنه صادق في عباراته، وهذا قمة الاستدراج الذي يقول الله عنه (لا يشعرون) و(لا يعلمون).

    قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:103-104] ويحسبون - بصيغة المضارع - دائماً في الحاضر والمستقبل أنهم يحسنون صنعاً، لهم صنعة معينة، إيقاع وفن من فنون الصنعة.

    اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة

    أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] أولئك: إشارة تحقير وليست إشارة توقير، القرآن فيه إشارة تحقير هذه منها، وفيه إشارة توقير مثل: : أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5].

    أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] لا إله إلا الله!

    القضية عند استعداد قبول الحق ماذا يكلفه؟ أنا أسأل أي شخصٍ فيكم: ماذا كلفه الحق؟ هل كلفك الحق كل مالك؟ هل قال لك الحق: ادفع دينارين ونصفاً، واترك لك سبعة وسبعين، أو سبعة وثمانين، أو سبعة وتسعين ونصف الدينار، سبحان الله!

    هل كلفك الحق عرضك؟! حاشاك أن يفعل ذلك، هل كلفك دمك؟! هل كلفك عقلك؟!

    ولكن انظر ماذا كلف هؤلاء باطلهم؟! دفعوا من أجله جميع أموالهم، حتى يقولون لي بالأمس: شخص يعمل في نفس الوسط، يقول: يا أخي! ما رأيت بركة في هذا المال، أي: أن هذا مدرس وبنفس الوقت له عمل في هذا الوسط، يقول: راتبي كمدرس ما رأيت أبرك منه، والراتب الآخر الذي آخذه من هذا الوسط، والله ما يمر عليه يومان إلا وينتهي.

    الله يقول ذلك: (اشتروا الضلالة) والذي يشتري الضلالة تكلفه كل شيء، لهذا تجد الواحد منهم لا يعطي فقيراً ديناراً، لكن يدفع عشرين ديناراً في زجاجة خمر، ويدفع مائتي دينار من أجل غانية، ويدفع له عشرة آلاف دينار من أجل جلسة مقامرة و(روليت)، ويدفع ستة آلاف دينار من أجل رحلة سياحية إلى مواخير باريس، والدخان الأزرق في هليود .

    إذاً: قضية اشتراء الضلالة بالهدى هذا واقع يعانون منه، لهذا تجد الأمراض تلتهم أجسامهم، والتفليسات تُلهب جيوبهم، والخزايا تلهب سمعتهم، فلا سمعة ولا عافية، ولا مال ولا دين، ولا دنيا ولا آخرة.

    أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] تعاقدات بعيدة وقريبة المدى، على جميع أنواع الموجات القصيرة والمتوسطة والطويلة، حتى تبلغ بعض تكاليف أعمالهم النصف مليون والمليون، يعني: عندما يستأجر قمراً صناعياً لمدة ساعة؛ لكي ينقل حفلة صاخبة في زاوية من زوايا الأرض، كم يكلف ذلك؟ أنتم لا تدرون، أقل شيء يدفع مائتين وخمسين ألفاً، ربع مليون، وغاية ما تؤدي أن يسترخي المترفون أمام جهاز (المفسديون) ويبدءون يستمتعون بالنظر ثم بعد ذلك تنتهي المسألة.

    قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ [البقرة:16] يذكر لي من كان يعايش هذه المجتمعات يقول: أذكر لك موقفاً شهدته بعيني في إحدى الدول، هذه الدولة شعبها يموت جوعاً ويسحق قهراً، وأما ملاهيه بعد منتصف الليل، فترى الشباب الثري ذا الكعب العالي والشعر الطويل والأزرة المذهبة، الذين يسير عن جوانبهم الخدم السود، يجلس على الطاولة ويقول: أريد الراقصة الفلانية أو الفنانة الفلانية، وعندما تبدأ (الوصلة) تملأ لها خشبة المسرح بزجاجات أثمن وأغلى أنواع الخمور؛ فتفور الراقصة لكي تسبح هذه بأنغامها على أمواج من الخمور والعطور، وفي نهاية (الوصلة) يخرج دفتراً صغيراً وقلماً مذهباً، يوقع شيكاً مفتوحاً لصاحب الملهى، وآلاف من الناس لا تجد لقمة العيش ولا تجد كساءً ولا مأوى، يعانون من الغلاء والبلاء والداء. قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16].

    وهذه الأمثلة التي أضربها، وعلى مستوى واحد لا يعلم، اسمحوا لي: أنا لا أعمل في هذا الفن، والحمد لله أني لا أعمل، لكن لو ضربت أمثلة على مستوى أعلى لرأيتم أصحاب الحقائب (السمسونايت) التي فيها سوار من ذهب في معصمه إلى الحقيبة، ولها أزرة ورقم سري خاص، وخلفه حراسات خاصة مدججة بالسلاح، يذهب إلى أكبر وأضخم قاعات القمار و(الروليت) في العالم، وتحت عزف (القيثار) وتثني عذارى الشرك ينفق في الليلة الواحدة ما بين المليونين إلى الثلاثة، وهو واقف يبتسم وبيده الكأس، ثم يعود بعد ذلك ليؤدي صلاة الفجر، قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ [البقرة:16] الله يدعو عليهم .. لا تربح تجارتهم، والله ما هي رابحة: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:16].

    سلب الله نور بصرهم وبصيرتهم

    مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17] واحد في البر ومعه أصحاب والأرض مظلمة مع برد وغيم، وجمع الحطب وجففه وبعد ذلك أشعل النار، وذهبت الوحشة؛ لأن النار لها نور ودفء، وفجأة وهم في قمة الأنس والدفء والنور ذهب الله بأهمها وهو النور، فأصبحوا في ظلام، وترك لهم الجمر ليصطلوا به في الدنيا والآخرة.

    الله أكبر! مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17] قال: استوقد ولم يقل: أوقد أو أشعل، السين هذه تسمى في اللغة العربية سين الطلب، يعني: بحث عن كبريت فلم يجد، وبحث عن (ولاعة) ذهبية فلم يجد، وذهب يسحب (بنزين) من السيارة فلم يجد، وبعد ذلك فكر وبدأ يضرب ويضرب حتى تمت الشعلة ونفخ فيها ساعة، وتعب، لهذا هم لا يصلون إلى نور الإيمان إلا بتعب وإرهاق ومشقة، وما إن يمسكوا به بأطراف أصابعهم حتى يرمونه عند اعتراض مصلحة أو شهوة من شهواتهم. لهذا يقول الله: (استوقد).

    مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ [البقرة:17] وهذا مد جائز منفصل يمد مقدار أربع حركات إلى خمس حركات حتى إن الله يدعك تعيش في الجو النفسي الذي هم يعايشونه فَلَمَّا أَضَاءَتْ [البقرة:17] وفي (أضاءت) مد واجب متصل أيضاً يمد من أربع إلى خمس حركات، حتى تعيش في الجو النفسي.

    فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17] الله أكبر! ذهب الله بنورهم، ولا يعرف حقيقة الظلمة الدامسة إلا الذي يعيش هذا الموقف، يعني: أنك عندما تكون في ظلام، بعد عشر دقائق عينك تتأقلم مع الظلام، وعند حدوث أدنى بصيص من نور تبدأ الرؤية تتضح قليلاً قليلاً ولو لم يخرج القمر، أما إذا كان هناك سحاب ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور:40] لكن عند وجود أدنى بصيص من نور ولو بعيداً تبدأ الرؤية تتضح؛ لكن الذي تشعل عند عينه المصباح ثم تطفئه فجأة يظل مدة كبيرة من الزمن لا يرى شيئاً، فإذا انقطع أصبح في ظلام دامس متواصل، هكذا تعبر الآية عن واقعهم المعنوي وليس الحسي، قال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17].

    لم يقل: ذُهب بنورهم، أو ذهبت الملائكة بنورهم. لفظ الجلالة (الله) كأن الحرب بين الله وبينهم، أليس هم الذين يستهزئون بالله؟ أليس هم الذين يستهزئون برسول الله وكتاب الله؟

    إذاً: الحرب بينهم وبين الله، ظل الله يتابعهم ويحاصرهم حتى حطوا الرحال وأوقدوا النار، فأخذها وهم أحوج ما يكون إليها.

    ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ [البقرة:17] ليس في ظلمة واحدة، بل ظلمات فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:17] الآن يريدون العودة؛ لأن من ذاق حلاوة الإيمان ونور اليقين لا يستطيع الصبر عنه؛ لأن فيه السكينة والاطمئنان، وهم الآن يعيشون في الشقاء، لهذا تجد كل واحد منهم يبحث عن السعادة ولكن لا يجدها، لأن السعادة منبعها في ذات الإنسان، ليس في خارج الإنسان، هم يبحثون عن السعادة في خارجهم، والسعادة في داخلهم، هم الذين طمسوها، لهذا يريدون العودة يبحثون يميناً وشمالاً، يبحثون عن السعادة في الجنس والمال والشهرة والجاه والمنصب والحسب والنسب ... في كل شيء لا يجدونها، فماذا تكون النهاية؟

    الانتحار! خمسمائة ألف أمريكي ينتحر في السنة الواحدة آخر إحصائية نشرت في الصحف اليوم، أمريكا الآن قدوتنا كلنا إلا المؤمنين، أصبح ملايين الناس أذناباً رطبة لـأمريكا الشيطان الأكبر أو لـروسيا دبابة إبليس.

    ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:17] لماذا لا يبصرون يا رب؟

    قال: لأن القضية ليست قضية أنني سلبت النور وانتهى، وسيتأقلم البصر بعد لحظة، لا. أنا يوم أن سلبت النور من النار وتركت لهم السعير والجمر يشوون به، سلبت معه نور البصر والبصيرة، وأغلقت عندهم منافذ الاستقبال والإرسال.

    صم بكم عمي فهم لا يرجعون

    قال تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:17-18] أصم، أبكم، أعمى. كيف يرجع؟

    يقول العلماء في علاج أصحاب العاهات الذين يولدون: أصعب حالة نعاني منها في العاهات قضية الصمم، أي: لو كان أبكم ويسمع فنستطيع أن نتفاهم معه ونفهمه، ويتكلم معنا بالإشارة لو كان لا يبصر وهو يسمع، وإن لم يكن يتكلم أيضاً فنستطيع بالإشارة أن نتفاهم معه أو باللمس على حروف بارزة، لكن إذا كان أول ما فقد من أجهزة الاستقبال والوعي السمع، فعند ذلك لا خير ولا رجاء فيه ولا أمل، هو والجدار واحد: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18].

    يا لها من آيات تعرض لنا شريحة واحدة من شرائح المجتمع! وتسلط عليها الأضواء بكلمات وحروف حتى إنك وأنت تسير في الشارع أو السوق أو تقرأ الجريدة أو تشاهد فيلماً أو تشاهد بشراً، لا تتردد أن تمد إصبعك فتقول: ذاك الذي تعنيه الآية، إنه كلام الله، إنه كتاب الله: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82].

    أيها الإخوة الكرام: نسأل الله أن ينجينا من هذا الصنف، اللهم إنا نسألك أن تجمعنا وزمرة المؤمنين الصالحين، اللهم احشرنا مع محمد وأصحابه الطيبين الطاهرين، واسقنا من يده شربة هنيئة باردة لا نظمأ بعدها أبداً.

    اللهم إنا نشهدك على حب محمد وأصحابه والتابعين، فقد أخبرنا أن المرء يحشر مع من أحب، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغنا حبك.

    اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا وأموالنا ومن الماء البارد عند الظمأ.

    ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.

    اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة. وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم!

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.