إسلام ويب

الشهادة في سبيل اللهللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن للشهادة منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وقد بين الله ورسوله فضل الشهادة في سبيله في آيات وأحاديث شتى، ولذلك تسارع إليها الأخيار والفضلاء والعظماء من السلف الأخيار، والخلف الأبرار، طالبين المنزلة الموعودين بها؛ فعلينا أن نهتدي بهؤلاء في حماسهم وشجاعتهم ونصرتهم لدين الله، وثباتهم عليه.

    1.   

    نماذج من الرجال العاشقين للشهادة والجنة

    إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين، في غير ضراء مضرة، ولا فتنه مضلة، بعد طول عمر وحسن عمل.

    أيها الإخوة! أيتها الأخوات ! إنني لأتقدم بالشكر إلى كل من ساهم في إحياء هذا الأسبوع، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا جميعاً في منازل الشهداء يوم القيامة، قال تعالى في كتابه الكريم: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154] وقال صلى الله عليه وسلم: (للشهيد سبع خصال : يغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مكانه من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خير من الدنيا وما عليها، ويزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فالشهادة في سبيل الله هي غايتنا وهي أملنا الذي لا ينقطع، ونسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا الشهادة في سبيله، اختار الله جل ثناؤه من عباده من القرن الأول إلى يومنا هذا رجالاً ونساءً واصطفاهم نماذج للدعاة والدعوة إلى الله، سطروا بدمائهم أسمى آيات التضحية والثبات، وبذل الروح في سبيل الله رب العالمين؛ ليبرهنوا للعالمين أن هذا الدين من الغلاء والعزة بمكان أن يبذل من أجله الروح والدم:

    والجود بالنفس أقصى غاية الجود

    أنتقل معكم إلى أحد الأبطال، وهؤلاء عندما نقول إنهم شهداء فنحن لا نجزم بشهادتهم، ولكن نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحداً، ونسأل الله أن يتقبل دعاءنا فيهم وأن يجعلهم شهداء.

    حرام بن ملحان وفوزه بالشهادة

    حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه حاصره الكفار، وجاءه أحدهم وفكه بالرمح على رأسه فتفجر دمه، فما كان منه إلا أن تلقى الدم براحتيه، ثم مسح بهما وجهه وتطلع إلى السماء، وقال: [فزت بها ورب الكعبة] فقال الكافر: وأي فوز هذا؟! ما أراني إلا أن طعنته بالرمح على رأسه، فلما أسلم الذي قتله بعد حين، وعلم معاني الشهادة وقرأ القرآن، واستمع إلى الحديث، وعلم الدرجات العلى في الجنة لهم، قال: ألا إنه الفوز المبين، وصدق الرجل يوم أن قال: [فزت بها ورب الكعبة] إنه نوع جديد من الفرحة، الناس يفرحون للمال، يفرحون للجاه، يفرحون للولد، يفرحون للثراء، يفرحون للذة والمتعة، وهؤلاء يفرحون بفضل الله ورحمته، يفرحون بالقتل في سبيل الله ويعتبرونه هو الفوز الحقيقي، فيقول: فزت بها ورب الكعبة.

    بنان الطنطاوي وشهادتها في سبيل الله

    ثم أبر عبوراً بعيد المدى من القرن الأول إلى القرن الخامس عشر، كما ضربت مثلاً للرجال أضرب مثلاً للنساء: المجاهدة بنان الطنطاوي زوجة الأستاذ عصام العطار طردا وشردا، وفرا بدينهم إلى أرض الغربة وبلاد النصارى هناك في ألمانيا، ولكن جلاوزة الكفر والإلحاد لا يقر قرارهم حتى يأتوا إلى المجاهد في سبيل الله فيقتلوه، ويظنون أن نهاية الدعوة بقتله، ولا يعلمون أنها البداية وأن موت المجاهد ما هي إلا حياة تسطر بدمائه كل كلمة، وكل حرف كتبه يجد موقعه في قلوب الجيل المسلم والصف المسلم، خرج زوجها إلى العمل، وجاء الجلاوزة يحملون أسلحتهم بغدر وخسة وقرعوا عليها الباب، فقالت: من بالباب؟ قالوا: نحن مصلحة الهاتف جئنا نصلحه، فقامت وراجعت هاتفها وإذا هو سليم، واتصلت بالمصلحة فأنكروا أنهم أرسلوا إليها، فلم تفتح لهم الباب، فقام المجرمون إلى جارتها، وتحت تهديد السلاح أخرجوا الجارة وتخفوا هم خلف الجدار، وأمروها أن تقرع الباب فقرعت جارتها بابها، فقالت: من؟ قالت: فلانة، ففتحت لها ، فلما فتحت لها اقتحموا الدار وأطلقوا عليها النار، وسقطت على الأرض تتخبط في دمائها وأولادها يصرخون تحت أقدامها، وجاء زوجها فيراها في هذه الحالة، فاحتسبها عند الله رب العالمين.

    تركت وطنها وهاجرت، والله يقول عن المهاجرين والمهاجرات: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:195] واحتسبها أبوها، واحتسبها زوجها، وأذكر يوم أن تكلم أبوها كالجبل الأشم لم يتزعزع ولم يضطرب ولم يفتن بفضل من الله، وقال: إني أحتسب ابنتي عند الله رب العالمين ما دام جيلي ودعوتي بخير، فمهما أصابنا فالمصيبة جلل، أي: المصيبة هينة ما دامت من أجل الإسلام والقرآن: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

    خبيب بن عدي وثباته حتى الشهادة

    أعود إلى القرن الأول إلى خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه يأسره الكفار وقد خرج في سبيل الله ليعلم الناس الدين، وجيء به إلى مكة واشترك في قتله كل حاقد، كل من أراد أن يثأر ويستشفي لقتلى بدر، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، دفعوا نصيبهم ليأخذ كل واحد منهم قطعة من لحمة يمضغها ويلفظها حقداً، وهكذا معسكر الكفر دائماً في كل زمان ومكان لا يشفى غيظه حتى يلوك أكباد المؤمنين، ويطحنهم طحناً، وساقوه ونصبوا له المشنقة وصلبوه على الخشبة، فقال: وجهوني إلى بيت الله، فرفضوا، فقال: اتركوني أصلي لله، فتركوه يصلي ركعتين، ماذا قال: [والله لولا أني أخشى أن تقولوا خفت الموت لطولت فيهما].

    ثم رفعوه إلى الخشبة وقالوا له: أتحب أن تكون بين أهلك وولدك ومالك ويكون محمدٌ هنا في مقامك هذا، قال: [لا والله، لا أحب أن أكون بين أهلي وولدي ويشاك رسول الله صلى الله عليه وسلم شوكة واحدة، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً] فتساقطوا على الأرض خائفين من دعوته، فلما رأوا أنه لم يصبهم وقد أمهلهم الله، نهضوا من جديد وزحفوا إليه بالسكاكين والرماح والسيوف يقطعون لحمه، ويسفكون دمه، وهو يصرخ صرخة مدوية يسمعها من حوله من الشجر والحجر والمدر، والكل يشهد له عند الله يوم القيامة، صرخة:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    وذلك في ذات الإله وإن يشأ     يبارك على أوصال شلوٍ ممزع

    وبارك الله على أوصاله إذ رفع الله ذكره إلى يومنا هذا وإلى يوم الدين، وأصبح خبيب بن عدي أمة وحده، قدوة للداعين إلى الله، للسائرين في حقل الدعوة، يصرخ أحدهم كلما سيق إلى المشنقة في الحاضر والماضي بعد خبيب لا يبالي، يستقبل الموت قائلاً:

    ولست أبالي حين أقتل مسلماً     على أي جنب كان في الله مصرعي

    فكان موته حياة للدعاة.. حياة للدعوة، نعم إنها دعوة الله لا تموت بموت الداعية، لا تذهب بذهابه، يذهب الداعية وتبقى الدعوة إلى الله، يذهب الرسول وتبقى الدعوة إلى الله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    امرأة شهامية يُبقر بطنها ويُلقى جنينها

    أعود من جديد إلى القرن الخامس عشر الهجري الذي نحن فيه، أتحدث عن امرأة من أخواتنا في الشام ، هجم الجلاوزة على بيتها وأطلقوا النار، فأصابوا زوجها وولدها وأخاها، فأخذت سلاح زوجها وأطلقت على أعداء الله النار، فأَرْدَتْ اثنين منهم وفر الثالث، وقام الجيران وقد أصيبت بجرح بليغ وهي حامل تنزف دماً، فحملوها إلى المستشفى لكي تعالج من جرحها، وجاء الجلاوزة بمخابراتهم وهي على سرير العلاج، فأحاطوا بها وصرفوا عنها المضمدات والأطباء، ثم تقدم ضابطهم وأخرج سكيناً من جيبه، ثم بقر بطنها وهي حامل تنظر، ثم أخرج الجنين وهو يتلبط بين يديه، ثم فتح صندوق الزبالة ورماه فيه، وقال: هذا من أبناء إخوان الشياطين، لو كبر سيقاتلنا، وهم يتضاحكون!!

    أين هم من الله؟ ثبتت هذه المرأة وكان بإمكانها أن تكون عميلة، كما يكون معظم قادة الأحزاب الحاكمة في العالم العربي وهم يملكون الجيوش والعروش، ولكنها ثبتت لتلقى الله يوم القيامة ببطن مبقورة وولد مخنوق، حتى يرفعها بإذنه إلى الدرجات العلى، فيقول: تقدمي أيتها المظلومة لأنصرنك ولو بعد حين، وحان وقت النصر: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9] يوم أن يجر المجرمون على وجوههم إلى النار ليس لهم من الله ناصر ولا عاصم.

    أيها الإخوة! أيتها الأخوات! إن التضحية في سبيل الله أمر عظيم، ودعوة بلا تضحية دعوة باهتة باردة لا حياة ولا حرارة فيها.

    عمير بن الحمام وشوقه إلى الجنة

    أعود مرة ثانية إلى القرن الأول خير القرون، وأقف جنباً إلى جنب معكم ومع عمير بن الحمام في غزوة بدر ، يقول صلى الله عليه وسلم: (من قاتل المشركين اليوم صابراً محتسباً، ثم قتل أدخله الله الجنة، قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فقال عمير: بخ! بخ! يا رسول الله، قال: وما بخ بخ؟! - وهي علامة تعجب وإعجاب- فقال: لئن قاتلت وقتلت يدخلني ربي الجنة؟ قال: نعم. وكان بيده تمرات، فألقى التمر من يده، وقال: لئن بقيت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم امتشق سيفه، وكسر غمده، وانطلق إلى الأعداء مرتجزاً قائلاً:

    ركضاً إلى الله بغير زاد     إلا التقى وطلب المعاد

    والصبر في الله على الجهاد

    وكل زادٍ عرضة النفاد     إلا التقى والبر والرشاد
    )

    وجالدهم بسيفه ثم خر شهيداً يتلبط بدمائه، وفَّى وصدق فوفى الله له، وحقق فيه وعده، نعم - أيها الإخوة - عمير بن الحمام الذي اعتبر المدة الزمنية لأكل تمرة زماناً طويلاً، ونحن اليوم نعقد الآمال خلف الآمال، نعمر الدور ونكنز الأموال، ونريد المناصب والثراء، ولنا طموح، منا من يريد أن يصحح وضعه الاقتصادي، والآخر الاجتماعي، وهكذا الآمال تمتد أمامنا وكأننا معمرون، ويأتي الأجل فيقطعنا دون الأمل، وكل من في المقابر ماتوا مشغولين خلف آمالهم، ولا يبقى إلا أمل واحد، قال تعالى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:46].

    نعم أيها الإخوة! هذه هي الباقيات والصالحات، استقبلها عمير بن الحمام بصدق، فألقى التمرات وإنه والله لزمن طويل يوم أن يمضيه في الأرض (سجن المؤمن) وهو يأكل تمره ويترك جنة الله، ورؤية الله، والحور العين، والأنهار المتدفقة، واللآلئ المنثورة، نعم أيها الإخوة! زمنٌ طويل لمن أوتي عبادة الإحسان، زمنٌ طويل أكل تمرة واحدة لمن عاش عبادة الإحسان، من كان يعبد الله كأنه يراه.

    امرأة فلسطينية تموت في سجون اليهود

    أيها الأحبة في الله: ثم أعود من جديد إلى القرن الخامس عشر الذي نحن فيه، أقرأ في الصحف في هذا اليوم عن أختٌ فلسطينية، وهي نموذج لأخواتي الفلسطينيات واللبنانيات اللائي ذبحن ولم يدافع عنهن أحد، ذبحوا بأيدي المسلمين مرة، وذبحوا بأيدي اليهود مرة، وذبحوا بأيدي الصليبيين الحاقدين، والذبح يستمر والدماء تهدر، والأعراض تهتك، والأرض تسلب، ولا مدافع عنهم، إنما هي احتجاجات واستنكارات، ثم توقفت وصارت مؤتمرات، ثم توقفت فصاروا جدار الصامتين الميتين كلهم بلا استثناء، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    هذه الأخت أسرها اليهود، وسجنوها شهرين، وصبوا عليها جام عذابهم، كان بإمكانها أن تكون جاسوسة، فتأخذ الذهب والمناصب والشهرة، والأضواء تسلط عليها كما كان غيرها من الذكور العملاء -أما الرجال فيأبون أن يكونوا برجولتهم عملاء ليهود العرب- ثبتت شهرين تحت العذاب، ثم فاضت روحها إلى الله، وذُكر نعيها في الجرائد هذا اليوم، هذه الفلسطينية نموذج للمرأة التي يشاع عنها في هذه الأيام أنها سلعة تباع وتشترى، كيف تكون سلعة تباع وتشترى وهي تتحدى اليهود الذين ركع لهم قادة الأحزاب الحاكمة؟!

    تتحدى اليهود الذين يملكون الأسلحة الفتاكة، تتحدى اليهود الذين ينشد الاستسلام والركوع أمامهم، إنها المرأة التي تحولت إلى بركان متفجر، وإلى جبل أشم، وإلى موج هادر، تحولت إلى طاقة لا يقف أمامها شيء، أذلت معسكر الكفر، وأعزت معسكر الإيمان وذلك بالإيمان والعقيدة، الله ثبتها، الله صبرها، وكل أخت في مصر وفي الشام وفي فلسطين وفي لبنان وفي معظم العالم العربي والإسلامي، كل أخت هناك تعاني ما تعاني في السجون والمعتقلات، أو في خارج السجون والمعتقلات، يوم أن يضيقوا عليها رزقها، ويخرجوا أولادها من المدارس، ويسجنوا زوجها أو ينفوه من الأرض وهي صابرة.

    (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها)

    لا تمد يداً إلى أحد إنما تسأل الله وحده.

    حارثة وفوزه بالفردوس الأعلى

    أعود بكم مرة ثانية إلى القرن الأول، إلى من؟ إلى أم حارثة ، استشهد ولدها وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: (يا رسول الله! إنك تعلم مكانة حارثة عندي، فإن كان من أهل النار فأخبرني حتى أبكيه، وإن لم يكن من أهل النار فأخبرني يا رسول الله! قال: يا أم حارثة! إنها ليست جنة، إنها والله جنان، وقد أصاب ابنك الفردوس الأعلى) فهللت! وكبرت! وفرحت! وعلمت أنه عرس تزف إليه الحور العين، لا يزف إليه زبانية جهنم، فكانت الفرحة تغمر قلبها وقد فقدت وحيدها، هذه هي الحياة الإيمانية، هذه هي حياة الشهداء وأهل الشهداء.

    نسيبة يسبقها بعضها إلى الجنة

    ثم أعود مرة ثانية، إلى نسيبة الأنصارية وابنها حبيب، يبعث إلى مسيلمة الكذاب، فيقول له مسيلمة : أتؤمن أني رسول الله؟

    فيقول: لا أسمع، فيقول: أتؤمن أن محمداً رسول الله؟

    فيقول: صلى الله عليه وسلم، فيقوم بقطع يده اليمنى، ثم الشمال، ثم رجليه، ثم يقول له ودمه ينزف من أطرافه: أتؤمن أني رسول الله؟

    قال: لا أسمع، هكذا باحتقار، قال: أتؤمن أن محمداً رسول الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم، فسمل عينيه، واقتلع لسانه، ثم حمل جثمانه وألقاه في النار الملتهبة.

    وانتقمت أمة منه إذ قامت هي وأخوه عبد الله ووحشي وحاصروا مسيلمة في حديقة الموت، فجاءته نسيبة ونفحته بالسيف نفحة أطارت قطعة من لحمه، وجاء أخوه عبد الله فجلده بالسيف على عاتقه، وجاء وحشي وشق صدره برمحه الذي قتل به حمزة سيد الشهداء، فقال: قتلت أبر الناس، وقتلت شر الناس، هذه بتلك.

    ونسيبة بنت كعب الأنصارية، تأتي في حروب الردة؟ إلى أبي بكر تقول: يا أبا بكر ناشدتك الله ألا تحرمني الجهاد في سبيل الله، قال: مثلك لا يرد، وقد شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعيته في الجنة، وشهد لها أنها قاتلت عنه ذات اليمين وذات الشمال، ومن أمامه ومن خلفه، وكأنه لا يوجد في ميدان القتال إلا نسيبة، وخاضت معارك الردة تحت راية خالد بن الوليد، وقطعت يمينها، وجاءت واضعة يمينها في ثوبها واستقبلها النساء، وقلن لها: أين يدك ؟ فاستحت أن تخرج يدها، وبلغ الأمر عمر، وجمع الناس وخطبهم، ووجه خطابه إلى النساء وقال: أتسخرن من امرأة سبقها بعضها إلى الجنة؟! وأخذ يتوعدهم عمر، فأخرجت يدها تفتخر على الناس أن سبق بعضها إلى الجنة، يا لها من معاني سامية عاشها أخواتنا وإخواننا!

    الخنساء وبذلها أولادها في سبيل الله

    ثم أعود بعد ذلك إلى الخنساء، يا أختاه! الخنساء التي قالت لأبنائها وهي تخطب فيهم، في فجر النفير الأكبر، قالت: [أي بني! والله ما خذلت خالكم، وما خنت أباكم، إنكم أبناء رجل واحد وأم واحدة.

    أي بني! إياكم والفرار من القتال!

    أي بني! ارغبوا في جنة الله! وتحروا مواطن الشدة وكونوا فيها] فتقافز أبناؤها الأربعة كأنهم الصقور أو النسور، وأخذ كل واحد منهم يسبق أخاه إلى الموت والشهادة!

    وانتهت المعركة، وعادت الجيوش منتصرة، وفرح الأمهات باستقبال الأبناء، والزوجات باستقبال أولادهن، ووقفت الخنساء كناظر على رابية تتلفت ذات اليمين وذات الشمال؛ لعلها ترى واحداً على الأقل يعود إليها ليخبرها ببطولات أبنائها، وإذا بها تستقبل القادة والجنود بجراحهم ودمائهم، والكل ينظر إليها نظرة إعزاز وإعجاب، وتقدم إليها أحدهم وقال: احتسبي أبناءك الأربعة، فرفعت يدها إلى السماء وقالت : [الحمد لله الذي شرَّفني باستشهادهم، اللهم إني أسألك أن تجمعني وإياهم في مستقر رحمتك] وما قطرت لها دمعة واحدة، وهي التي لم يقف ولم يكف دمعها على أخيها صخر ، بكته في الجاهلية والإسلام، فجاءها من يقول لها: إن هو إلا كافر في النار فلم تبكينه؟ قالت: والله لأنه في النار زاد عليه بكائي، أما الذين ذهبوا إلى الجنة فهي تفرح لهم ولا تبكي عليهم، إنها فرحة لأنها تعيش في ظل الآية: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] مما يجمعون من أموال وجاه، ومناصب وشهرة، وجيوش ودور، ورياش وحرير، والله إن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

    عاصم بن ثابت وكرامة الله له بالشهادة

    ثم أنتقل بكم إلى من عاهد الله وأوفى الله له عهده، إلى عاصم بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وقف ذات يوم وقال: [أقسم عليك ربي لا إله إلا أنت ألا يمس جلدي كافر، ولا أمسه] وحوصر مع خبيب وقاتل وجالد الكافرين على كثرتهم، وخر على الأرض صريعاً يتلبط بدمه، وعاد كفار قريش يحملون خبيباً فلما علمت امرأة حاقدة كان عاصم بن ثابت قد قتل أباها وأخاها، وقد أقسمت بآلهتها، لئن وصل إليها رأس عاصم بن ثابت لتشربن في جمجمة رأسه الخمر، وتعطي من أحضره وزنه ذهباً، فلما علمت بمقتله أعلنت ولوحت بالذهب، فتسابق الناس كالمجانين إلى جثمانه، فما أن وصلوا إليه وامتدت أيديهم إليه وإذا بأسراب الزنابير تأتي تحاصرهم من جميع الجوانب، ثم تبدأ تحوم على جثمانه لا يستطيع أحد أن يقترب، عند ذلك قالوا: ننتظر حتى يأتي المساء، فإن الزنابير في وقت المساء تعود إلى خلاياها وأوكارها، وانتظروا حول الجثة يراقبون والزنابير لها أزيز: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح:7] فلما قارب المساء، وبدأت طلائع جيوش الزنابير تعود إلى معسكراتها وقواعدها، وإذا بهم يسمعون هديراً يصم الآذان والأرض من تحتهم تهتز، فقام الكافرون ينظرون على قمم الوادي عبر الصخور والشعاب، وإذا بسيل عرمرم يطوي الصخور والوهاد، زبده يتطاير متجهاً إليهم، عند ذلك أطلقوا سيقانهم للريح وولوا هاربين، فجاء السيل واحتمل الجثة وذهب بها إلى جرف هار، ودفنها وغابت، فكان عاصم بن ثابت دفين الله في الأرض، ووفى الله له عهده ووعده، إنهم صدقوا الله فصدقهم الله.

    رجل يبايع رسول الله على سهم يدخل من عنقه

    أنتقل إلى شهيد آخر بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعرابي تستطيع أن تقول: هو الجندي المجهول للإسلام والمسلمين، فلما كانت الجولة والصولة، وجاء وقت توزيع الغنائم والنفوس تتطلع إلى الغنائم، فقد كانوا كلهم فقراء، يربطون على بطونهم الحجارة، ويمتصون النوى، فلما جاءت الغنائم وجاء نصيبه، قال: والله ما بايعت رسول الله على هذا، فحمله وجاء به إلى النبي، وقال: ما بايعتك يا رسول الله على هذا، قال: على ماذا إذاً؟ قال: على أن أضرب بسهم هاهنا وأشار إلى حلقه، ويخرج من هاهنا وأشار إلى قفاه، عند ذلك قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن تصدق الله يصدقك) فكانت جولة وصوله، وإذا به يؤتى به محمولاً على أيدي الصحابة، تتدلى يداه ويشخب دمه، وقال: (أهو هو؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: صدق الله فصدقه الله) فدعا له ودفنه، فتمنى الحاضرون أن يكون كل واحد في قبره، لما سمعوا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادته له، يا لهم من رجال! يا لهم من عمالقة! يا لهم من أبطال!

    عمير بن أبي وقاص ورغبته في الشهادة

    ثم هذا عمير بن أبي وقاص، الغلام الصغير، عمره أربعة عشر عاماً، الرسول صلى الله عليه وسلم لما حدد موقفه أمام الكافرين في بدر، واتخذ بعد الشورى قرار الحرب، أخذ يرفض الصغار ليعيدهم إلى المدينة، لا لأنهم غير أكفاء، ولكنه يدخر للأجيال القادمة وللفتوحات الكبرى، إن هؤلاء سيكونون هم القادة والسادة في العالم، فلهذا كان يدخرهم، فلما أمر بعودتهم قام عمير بن أبي وقاص وهو أخو سعد بن أبي وقاص واختبأ صفوف خلف الصحابة، فقام أخوه سعد وحمله من أكتافه ووضعه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إلى حجمه وجسمه أمر بإعادته إلى المدينة، وإذا بدموعه تنهمر على وجهه ولم ينبت في وجهه شعرة، واحدة، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما له؟ قال أخوه سعد: والله يا رسول الله! ما خرج أخي من المدينة إلا رغبةً في الشهادة في سبيل الله، فلا تحرمه الشهادة في سبيل الله) عند ذلك أذن له النبي، لا لأنه صغير أو كبير، لا لأنه يُقاتِل أو يُقاتَلْ، لا لأنه يسد ثغرة أو لا يسد، ولكنه أذن له لأنه كانت له نفس تواقة، أذن له لأنه طلب الغاية، أذن له لأنه أراد أن يضرب بنفسه المثل ويضحي للأجيال، الأجيال الذين سيأتون بعد ذلك يحملون (الديسكو) للأجيال، الذين سيأتون بعد ذلك يتبعون أشرطة الفيديو يقلدون الشرق والغرب من أحفاد القردة الخنازير، لكي يكون مثالاً للأجيال المسلمة، فجاهد فكان من أوائل الشهداء عمير بن أبي وقاص، كانت حمائل السيف تزحف خلفه لقصر قامته، ونحافة جسمه، واستشهد وتلقى الضربات صابراً محتسباً من أجل الله، ومن أجل الدين، ومن أجل المبدأ والحق.

    أم خلاد واحتسابها أقاربها في سبيل الله

    ثم أيها الإخوة ! هذه أم خلاد وما أدراك ما أم خلاد! بعد نهاية المعركة استقبلها الناس فقالوا: احتسبي ابنك، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فجاء الآخر فقال : احتسبي زوجك، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فجاء الثالث فقال: احتسبي أخاك، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فجاء الرابع فقال: احتسبي أباك، قالت : إنا لله وإنا إليه راجعون! ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أن رأته حتى ارتمت بين يديه وقالت: كل مصيبة دونك جلل يا رسول الله! أي: دونك هينة يا رسول الله.

    نعم إنه الحب الذي غمر القلب، إنها الروح التي التقت مع روح النبي صلى الله عليه وسلم، إن الحياة بوجوده، إن السعادة بوجوده، إن الفوز بوجوده، الأحزان كلها تتلاشى، الفرحة تحل، تخلط حلاوة حبه في الله على مرارة المصاب، فيطغى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مرارة المصاب، فإن فقد الابن والزوج والأب أمرٌ هين ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في عافية، ما دام في سلامة، ما دام الوحي يتنزل عليه، ما دام يقود الأمة، ما دام يربي الأجيال، ما دام الناس يقولون: سمعنا وأطعنا.

    يا لها من أمة سامية! قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    1.   

    حقيقة الجندي المجهول

    وأختم حديثي عن جندي مجهول لم يرفع له نصب تذكاري، ولم توضع الأكاليل على ضريحه، إنها معركة اليرموك، وقد جاء الرومان برهبانهم وقساوستهم يرفعون الأناجيل على الرماح بأربعمائة ألف مقاتل، كالبحر الأسود والليل المظلم يزحفون، يلبسون الحديد من رءوسهم إلى أقدامهم، ولهم همهمة وقصف كالرعد المدوي، ووقف الجيش الإسلامي يرقب من بعيد زحف الروم، وأبو عبيدة وخالد يطوفان بالجنود، ألا إنها الجنة، اثبتوا أيها الناس، وارغبوا بما في أيدي الله، هذا يوم له ما بعده، ادرعوا بالسيوف، واجلسوا كالأسود، وثبوا كالنمور، واضربوا أعداء الله، وإياكم والفرار من الزحف!

    وينطلق خالد إلى النساء ويقول: يا معاشر النساء! خذن العمد والحجارة والعصي، أيما رجل من المسلمين جاءكم فاراً فاقتلنه، عند ذلك وقفت النساء صفوفاً ينتظرن الآباء والأزواج الفارين ليقتلنهم. ويتقدم جندي مغمور مجهول لم يعرفه أحد يتخطى الصفوف حتى اختلف عنق جواده بجواد أبي عبيدة القائد، عند ذلك قال له: يا أبا عبيدة ! ألك عند رسول الله حاجة؟ قال: وما ذاك يا أخي؟ قال: إنني أرغب أن أكون أول شهيد فإن كان لك حاجة فأخبرني؛ فابتسم أبو عبيدة ، وقال: أخبره وأقرئه منا السلام وقل له: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، ودارت المعركة، فكان أول الشهداء، لم يعرف اسمه، إنه الجندي المجهول، فإن كان أهل الأرض يجهلونه فالله يعلمه والملأ الأعلى يذكره، إنه في عليين، إنه في درجات الجنة، الدرجة كما بين السماء والأرض، ماذا خسر من حاز الجنة؟!

    ماذا خسر من حاز رضوان الله؟!

    ماذا خسر من علقت روحه بقناديل وفي أجواف طير خضر، ترتع في ثمار الجنة وفي أنهارها.

    ألا إنها الجنة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] الجنة! الجنة! الجنة! الجنة!

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     عليَّ إن لاقيتها ضرابها

    واستشهد جعفر بن أبي طالب وقطعت يداه، فعوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة، إنها الجنة! إنها الشهادة! قال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه).

    اللهم إنا نسألك بصدق وإخلاص وإيمان، باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت؛ نسألك الشهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .