إسلام ويب

كيف يكون الاحتفال بالمولدللشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يتجلى حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم بالاحتفال بمولده ووفاته -وكل ذلك لا يجوز- بقدر ما يتجلى باتباعه والاقتداء به في سائر حياتنا؛ في الإيمان والعبادة، والغضب والرضا، والصفح والعفو والشجاعة والتواضع، في حياتنا مع أهلنا وإخواننا، في الصبر والجود والكرم والعدل، أما ضرب الدفوف، والقيام والجلوس، وهز الرءوس بحجة الفرح بالمولد النبوي فبدعة ما أنزل الله بها من سلطان، والله المستعان.

    1.   

    الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين وسيد الخلق أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فإن أغلب الناس في مثل هذه الليالي وخاصة هذه الليلة يدّعون أنهم يحتفلون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنريد أن نتعرف إلى حقيقة هذه الاحتفالات، وإلى الثمار التي تنتجها وتعقبها للمحتفلين.

    في مثل هذه الأيام لا أقول: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، بل ولد فيها ومات صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

    فلا ندري أنبكي أم نضحك؟ أنفرح أم نحزن؟ وماذا يجدي الفرح؟ وماذا ينفع الحزن؟

    في مثل هذه الأيام من عام الهجرة، من العام الحادي عشر للهجرة قبض الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، فأصاب المدينة ظلام، ونزل بأهلها هم تعجز عن حمله الجبال.

    وأصبحت تلك المصيبة التي أصابت المسلمين في رسولهم صلى الله عليه وسلم مضرب مثل، فكانوا يقولون لبعضهم البعض: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن قلة الإدراك، ومن ضعف الوعي أن أحدنا يفرح في المصيبة، ويستبدل الكرب والهم والحزن بالطرب والفرح والرقص! ومثل هذا لا يعده العقلاء من جملتهم.

    لا سيما ونحن نعيش على وضعية من أسوأ الوضعيات، وعلى حال من أسوأ الأحوال، ولم يصب الإسلام والمسلمون بويلات وكوارث كهذه، تتهدد الإسلام أصولاً وفروعاً، وسبحان الله! كيف نفرح؟ ومن أين يأتي الفرح والشريعة تهد أركانها، وتمزق أوصالها، وكل من على الأرض يتكالب على الشريعة الإسلامية، ويريد أن يقضمها، يريد أن يأكلها ويحيلها إلى معنى آخر؟

    فما معنى هذا الفرح؟

    ونحن والحمد لله أخذنا طريقنا، وسلكنا السبيل الموصل إلى ربنا، فبدل أن نطرب ونفرح، ونزغرد ونولول، ونذبح الأغنام، ونأكل الطعام، ونوقد الشموع، ونجمع البخور؛ نبكي ساعة خير لنا من ذلك كله.

    إن من موجعات القلب أن تهجر شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وسنته، ويتلاعب بشرائعه ودينه، وتقام له الحفلات، وتقام له الذكريات!

    إن هذه لمن مظاهر الهلاك، ومن أعراض المرض، ولا تدل على حياة، وإنما تدل على ضدها وهو الموت، يقول تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21]!

    فيا معاشر المستمعين من المؤمنين! سلوني عن الأسوة ما هي؟ وكيف يأتسي المسلم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    إنك لا تستطيع على أي حال أن تكتسب قدّ رسول الله، ولا أن تكسب زهرة وجهه، ولا نظامة جسمه، ولا كمال ذلك الخلق، فإن هذا مما لا أسوة فيه، فإنك لا تقدر عليه، إنه من هبات الله وعطاياه.

    ففيم الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم لا في ذاته، لا في عينيه، ولا في شعره، ولا في جسمه، ولكن في خلقه وفي سلوكه.

    فينبغي أن يُطالبَ المسلمون من المنبر العالي بالائتساء برسولهم صلى الله عليه وسلم؛ ليكملوا بالكمال الذي كمل به، ويسعدوا على الذي سعد به.

    أما ما يسمونه بالتجمعات، وتلاوة القصائد والمدائح، وأكل الطعام ومثل هذا؛ ليس أبداً من الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولو أنه عليه الصلاة والسلام أقام ذكرى لأبيه إبراهيم، أو لجده إسماعيل، أو لأخ من إخوته من الأنبياء والمرسلين؛ لكانت سنة من سنن الإسلام، سنها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ولو كانت لتجاهلها إخواننا وتركوها كما تركت السنن، وكما ضيعت الفرائض، وكما انتهكت الحرمات، واعتديت الحدود، ولكن نصيبنا هو هذا أننا نفرح في المصيبة، ونضحك عند الشدة، فنكون قد تمثلنا مجانين، ما أصبحنا عقلاء، أو أننا نأتسي باليهود والنصارى، فإن لهم أعياداً، ولهم احتفالات وذكريات، فنجري وراءهم لنكون مثلهم، كأننا حلفنا بالله أن نمشي وراءهم، ونتفوق عليهم في باطلهم!

    وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟! قال: ومن؟ ) ومن القوم سوى اليهود والنصارى.

    فمثل هذه الأيام يحتفل النصارى الضلال بعيد الميلاد، وبرأس السنة الميلادية، فجئنا نجري وراءهم؛ لنحتفل نحن كذلك، ونسينا كتابنا، ونسينا نبينا، نسينا شريعتنا، وأصحبنا نلتمس، ونلتقط الفتات من موائد الظالمين الضالين، هذه نكبة أخرى، ومصيبة أعظم.

    1.   

    وجوب الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في سائر حياته

    ولكن هيا نستعرض حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتمثل تلك الشخصية الكاملة، وأن ننظر ما نصيبنا منها، ما هو حظنا من تلك الشخصية التي نصبها الله مثلاً؛ لتحتذي بها، وتعيش عليها طوال حياتك.

    ما مقدار نصيب هذه الأمة في أيامها المظلمة هذه من الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان

    نبدأ بالإيمان، اسمع يا عبد الله! جلس عليه الصلاة والسلام على كرسي الدرس، وكان له كرسي من خشب، يرتفع عليه ليسمع رجاله وصحابته، فذكر للحاضرين ما أوحي إليه وانتهى إلى علمه، وهو على مجلسه، فقال: ( قد كان فيمن كان قبلنا رجل يركب على بقرة، رفعت البقرة إليه رأسها هكذا، وقالت: ما لهذا خلقت يا عبد الله! فأمسك صلى الله عليه وسلم بلحيته، وقال: آمنت به، وآمن به أبو بكر ، وآمن به عمر ) رضي الله عنهما، وهما غائبان عن المجلس.

    فانظر كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تردد ولا تلعثم، ولا خاف أن يرد قوله، ولا أن يشك في خبره، وصل إليه وهو عجب، الحيوان الأعجم البقرة تتكلم، البقرة ترفع رأسها وتنطق بلسان قومها: يا عبد الله! لم أخلق لهذا، فيبادر إلى الإيمان ويقول: آمنت بالله، آمنت بما جاءني عن الله، فما نصيب أولئك المحتفلين في ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثل هذه العقيدة وهذا الإيمان؟! وإن منهم من يشك في وجود الله.

    هذا الإيمان المحمدي الذي ينبغي أن نرثه، وأن نأتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأن يكون إيماننا بهذه المثابة، نطق الحجر: آمنا بالله، وبما جاء عن الله، نطق الحديد قلنا: آمنا بالله، نطقت العجماوات قلنا: آمنا بالله، ولن يكون إلا ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوكل

    أما التوكل، فهو أصل هذا الدين، وعروة من عراه، هذا التوكل الذي هو من صفات المؤمنين، نبحث عنه بيننا، ونتساءل: أين المتوكلون على الله؟ وننظر كيف كان توكل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعلنا نظفر بهذه، على الأقل نرزق توكلاً على الله عز وجل.

    فهل من مظاهر التوكل أن يبيع المرء كرامته ودينه ومروءته وخلقه وكل شرفه بثمن بخس من الدراهم والدنانير؟ يعرض ملته للضياع مقابل ثمن بخس؟!

    توكل رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك في الروضة، وخطب الناس يوم الجمعة، وجحافل الكفر قد أحاطت بالمدينة، واستشار رجاله في الخروج إليهم أو البقاء في المدينة على أن يقاتلهم داخل المدينة، فرأت الأكثرية أن يخرج إليهم، وأن يقاتلهم خارج المدينة، وما كان يريد هذا، ولكن أكثروا عليه، ولاحظ رغبتهم؛ فتوكل على الله، ودخل إلى بيته وخرج وهو يظاهر بين درعين، والأصحاب يدرعون بدرع واحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدرع بدرعين، ويضع بيضته على رأسه، ويخرج يركض في الحديد، فلما رأوه فزعوا لذلك، وقالوا: ( لعلنا أكرهناك يا رسول الله؟! فالقول ما قلت، والأمر ما تأمر به، فقال: ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها قبل أن يحكم الله بينه وبين عدوه ).

    وما هو إلا أن احترقت فحمة الليل وطلع النهار حتى خرج برجاله، وفي نصف الطريق قبل أن يصل إلى العدو رجع ابن أبي بثلاثمائة من رجاله وأحلافه، فهدم الجيش في الطريق، فلم يتعتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزعزع، ومضى بمن معه ستمائة رجل؛ ليقاتل ثلاثة آلاف رجل!

    وبالفعل دخل المعركة ونصره الله، وانتصر الحق على الباطل، وانهزم المشركون، ومن معصية ظهرت من بعض المقاتلين أراهم الله عز وجل سننه في خلقه وفي كونه، وأن المعصية لله والرسول لن يكون لها أثر سوى السوء، ولن تكون لها عاقبة سوى الخسران.

    فأدبهم وعلمهم، وقاتل صلى الله عليه وسلم وأبلى البلاء الحسن، فكسرت رباعيته، وشج وجهه، وقتل رجاله، ولم يتزعزع، ولم يتغير فيه شيء، وعلِّم أن يقول: ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ).

    التوكل الذي فقدنا معناه، ولم نجد له في نفوسنا من معنى، وآيات الله ما أكثرها وهي تقول: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12]، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122]، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

    فأين مظاهر التوكل في العالم الإسلامي؟ ما أصبحوا يذكرون حتى الله، ولا الاعتزاز بالله، ولا طلب نصرة الله.

    وفي اليرموك كتب قادة المعركة إلى عمر يطلبون منه مدداً، فكتب إليهم: أتريدون مدداً تستنصرون به على عدوكم، إني أدلكم على من هو أعز نصراً، وأعز جنداً، استنصروا الله ينصركم!

    فخاض رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة معركة لم يجبن في واحدة، ولم يفر في أخرى، ولم يعرف هزيمة، هذا هو التوكل الذي ينبغي أن يؤتسى به، وأن يقلد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة

    من مظاهر الأسوة: في الصلاة، كان عليه الصلاة والسلام يجلس مع أهله مع إخوانه، فإذا سمع النداء للصلاة قام فزعاً وقد تغير وجهه، وكأنه كان ناسياً شيئاً فذكره، فلا يبالي ما بين يديه.

    في مثل هذا يأتسي المؤتسون، إن صلاة الجماعة قد تركت في بلاد المسلمين، ما أصبح لها مظهر ولا مخبر ولا وجود إلا نادراً، حتى إن بعض المؤذنين في صلاة الصبح يؤذنون ويذهبون إلى بيوتهم، فلا يحضر أحد في صلاة الصبح! هذه صلاة الجماعة.

    وأما النافلة فحسب من أراد أن يأتسي ما حدثت به عائشة رضي الله عنها من أنه عليه الصلاة والسلام قام الليل حتى انتفخت قدماه من طول القيام، فلم لا يؤتسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا وقد ترك المحتفلون بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟! فلم يعرفوا عنه إلا في الكتب، ولم يعرفوا عنه إلا ما يسمعون، أين قيام الليل أيها المحتفلون؟!

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الغضب

    هذه صفة يا ليتنا نعطى معشارها! أين الغضب لله؟ كان عليه الصلاة والسلام إذا انتهكت حرمات الله فار كما يفور الأكل، ذاك الناعم اللطيف الرقيق الهادئ الحيي إذا انتهكت حرمة من حرمات الله تغلب عليه الغضبة المضرية، وإذا عيناه تحمران، وصوته يرتفع.

    سرقت مخزومية من بني مخزوم حلياً، فرفعت القضية إليه صلى الله عليه وسلم بواسطة الحب ابن الحب أسامة بن زيد ؛ عله يرفق بهذه المخزومية ولا يقطع يدها، فما إن ذكر له أسامة حتى غضب وانتفخت أوداجه! واحمرت عيناه وقال: ( أفي حد من حدود الله تشفع يا أسامة ؟! والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ).

    أين هذه الغضبة أيها المحتفلون لله وفي الله؟! يسب الله ورسوله على الصحف والمجلات، وعلى ألواح السبورات، وفي المحافل وفي الأسواق، فلا يتحرك ساكن لدولة الإسلام وأمة الإسلام، وكأن شيئاً ما وقع ولا يغضب واحد لله، ونعلن عن الاحتفال برسول الله! أسخرية هذه برسول الله؟! ونجادل بالباطل وندافع عنه، لا لشيء إلا لهوى لا أقل ولا أكثر.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الحياء والصفح والعفو

    يصف أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: ( كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من العذراء في بيتها )، كان عليه الصلاة والسلام أشد حياء من البكر في خدرها، والعذراء في منزلها!

    جاءت صفاته في الكتب الأولى، وعلى لسان الصديقة عائشة . تقول: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سباباً ولا لعاناً ولا طعاناً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ويدرأ السيئة بالحسنة ).

    أين الذين يحتفلون برسول الله من أجل مظاهر اللهو؟ نعرض هذه الصفات من خلقه صلى الله عليه وسلم ونحن نشاهد ما وصلنا إليه من الانحطاط الخلقي إلى أسفل الدركات، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سباباً ولا لعاناً، ولا سخاباً في الأسواق، كان غضيض الصوت، لا يرفع صوته إلا إذا غضب.

    أين هذا من البيوت التي تحولت إلى ملاه، وإلى أعراس طوال العام، والأغاني الماجنة الخليعة، وأصوات المزامير والطبول، وتلك المظاهر التي تعرض على شاشة التلفاز من أهل العهر والشر والباطل، وترى الرجل يرقص مع ابنته وامرأته، الكل يطرب ويفرح بما يشاهد! لم لا يذكر المحتفلون هذا البلاء؟ لم لا يبكون عند سماع هذه المحنة؟ تحولت بيوت القرآن والطهر والصفاء إلى بيوت الخنا والعبث.

    هذا هو العالم الإسلامي، رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صباه قبل أن ينبأ وأن يكون رسول الله لم يشهد قط حفلاً باطلاً

    أو حفل لهو أو لعب! وقد رووا أنه أراد يوماً أن يحضر عرساً من الأعراس في مكة قبل أن يبعث، فلما اقترب من المنزل وسمع عزفاً وغناءً جلس ليستمع، فضرب الله على أذنه فنام ولم يسمع شيئاً، فلم يوقظه إلا حر الشمس.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الشجاعة

    عباد الله! لقد أصبح المسلم أجبن المخلوقات، وأذل الناس والعالم يشهد، فلماذا نحتفل؟

    أين الشجاعة؟ قال علي رضي الله عنه- وأمثال علي من أبطال الإسلام ورجالاته- يصف شجاعة رسول الله وهو أسوتنا فيها، يقول: ( كنا إذا حمي الوطيس نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ) إذا اشتدت المعركة وحمي الموت وتساقط الأبطال قال: (كنا نتقي برسول الله)، وهو كالأسد يواجه الخطر، ويداهم الموت.

    لم لا يذكرون هذا ورسول الله أسوة لكل مؤمن ومؤمنة؟

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الحلم والتواضع

    أين الحلم؟ ذكروهم بالحلم الذي كان يعيش عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليدعوا إليه وليتمثلوه، فهذا أعرابي جلف بدوي يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم ويجذبه من ثوبه؛ حتى يؤثر الثوب في رقبته الشريفة، ويقول: ( مر لي يا رسول الله! من مال الله، فينظر إليه رسول الله ويبتسم، ويقول: أعطوه ).

    قل لهؤلاء المحتفلين من الرؤساء والزعماء والسادة والأغنياء يتخلقوا بخلق رسول الله، وما ينبغي من الأسوة والائتساء.

    وآخر يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ( هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، اعدل فينا يا محمد! فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! إن لم أعدل أنا فمن يعدل؟! ).

    أين الحلم المحمدي؟ أين هذا الخلق؟

    وإذا بحثنا عن التواضع وأردنا أن نقف على أثر من آثاره صلى الله عليه وسلم، فإننا نرى العجب! يقول رجاله وتلامذته من أصحابه رضوان الله عليهم: ( إن كانت الأمة السوداء لتأخذ بيد رسول الله وتذهب به حيث تشاء ) الأمة الجارية السوداء المستخدمة تقول: أبغيك يا رسول الله! أنا في حاجة إليك تعال معي، ومن هو رسول الله؟ فتأخذ بيده وتمشي بعيداً وتقول له ما تريد أن تقول! لا يتأفف، ولا يستكبر، ولا يستنكر.

    وقد جمع الله في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم ما تفرق في دولة بكاملها، أين هذا التواضع أيها المحتفلون وأنتم كالطواويس لا تعرفون تمشون من الخيلاء والكبر والفخر؟!

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في خلقه مع أهله

    أين الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه مع أهله؟ تحدث أم المؤمنين عندما تسأل: ( إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله ماذا يصنع؟ تقول رضي الله عنها: يكون في مهنة قومه، يحلب شاته، ويخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعين أهل بيته، حتى إذا نودي للصلاة ترك ذلك وقام لله ).

    بهذا ينبغي أن يحتفي المسلمون طوال الحياة؛ حتى يتقمصوا شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمر الله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصبر

    أين الصبر المحمدي؟ ونحن نكاد نطير ونفقد صوابنا لأقل كلمة تقال لنا، لأقل مسيس يمسنا! فلننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إن كانت إحدانا -نساء النبي صلى الله عليه وسلم- لتتحيض في الثوب الواحد حيضتين، فلا تجد ثوباً تغيره، ولما وسع الله على أهل المدينة من أنصار ومهاجرين لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدنيا، ولم يأخذ ما ليس له، وما أخذه بيمينه أنفقه، فاجتمع نساؤه عليه، وطالبن بالنفقة والتوسعة، وكان تحته تسع نسوة ممن ضمهن إلى بيت النبوة من الأرامل، فلما خاطبنه بما خاطبنه، وقلن: قد اتسعت حال الناس، واتسع رزق الناس، ونحن ما زلنا كما كنا، حربنا كسلمنا، إلى متى يا رسول الله؟!

    فلم يشأ أن يؤمّن كما تؤمّنون، ولا أن يسن ضرائب كما تسنون، ولا أن يمد يده كما تمدون، ولا أن يحتال كما تحتالون، ولكن ماذا فعل رسول الله؟ اعتزل نساءه، وجلس في مشربة له، أين الائتساء برسول الله؟ وضجت المدينة، وصاح المسلمون، وقالوا: طلق الرسول صلى الله عليه وسلم نساءه، وما عرفوا ما القضية وما السر، ونزل القرآن: خيرهن يا رسول الله! يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    وابتدأ بهن واحدة بعد واحدة، من شاءت أن تصبر على الجوع والفقر في بيت النبوة ولها الدار الآخرة فلتصبر، ومن أرادت الثياب والطعام فمن الآن، فهي مخيرة، ومن ذا الذي يختار غير رسول الله؟!

    وقد سجلت عائشة رضي الله عنها فخراً لا ينسى إلى الأبد، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( استشيري أبويك يا عائشة ! في الأمر، فقالت: أفيك يا رسول الله! أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة )، وتوالت المؤمنات الطاهرات واحدة بعد واحدة: كيف نختار غير الله ورسول الله؟

    أسألكم بالله هل هؤلاء المحتفلون المغنون المزمرون يعرفون هذه المعاني ويعيشون عليها؟!

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الجود والكرم

    ماذا نقول عن الأسوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ماذا عن جوده وكرمه؟ وما سئل في شيء ولا طلب منه شيء؛ وقال: لا. قط!

    وعلى سبيل المثال: أهديت له حلة، وكان من صفاته أنه يقبل الهدية، فلبسها وخرج فيها كأنه القمر، فما رآها أحد أصحابه حتى تقدم إليه وقال: يا رسول الله! أعطنيها، فلم يتردد صلى الله عليه وسلم، فدخل البيت ونزعها وعاد إلى ثوبه القديم، وخرج بالحلة ليعطيها طالبها!

    هذه حقائق ليست خيالات، من هم أولئك الذين يأتسون برسول الله، ويحتفلون به، يقفون هذه المواقف في دنيا الناس يعطي أعز شيء وأغلى شيء؟ هذا بخور المولد، مولد يتنافس فيه المتنافسون، نقول لهؤلاء: أحيوا سنة نبيكم، أنقذوا أمة نبيكم، أقيموا شريعة نبيكم، قاتلوا أعداءكم، ارفعوا رءوسكم من الضياع! بذلك تحتفلون، ويحق لكم الاحتفال!

    أما التزمير والبخور، يجب أن يجمر بيوت الله طوال العام؛ لأن فيها أولياء الله، وفيها يذكر اسم الله، وتتلى آيات الله، ينبغي أن تجمر طوال العام، لا ليلة الميلاد الموهومة من وضع الشياطين، لم يعرفها رسول الله ولا المؤمنون.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، والمثال الذي يجب أن يحتذى تطلب منه حلته فيخرج منها ويقدمها!

    أي كرم أكبر من هذا الكرم؟ وأي سخاء وأي جود أعظم من هذا الجود؟ فلم لا نأتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في العدل

    من المظاهر: العدل، يا من يحتفي بالنبي! فليذكر عدل رسول الله فينا، دخل المحراب وأراد أن يكبر، ثم رجع من المحراب وترك المصلين قائمين، فقضى بعض الوقت وخرج، فصلى بالناس، ثم أعلمهم لم خرج، قال: ( تركت تبراً لم يقسم؛ فخفت أن أسأل عنه يوم القيامة، فرجعت فقسمته وعدت! ).

    في بدر وهو يسوي الصفوف؛ صفوف الجهاد والقتال، قائم على المعركة بنفسه يديرها، كان يسوي في الصفوف وإذا بأحدهم قد برز ونتأ في الصف، وكان بيده عود يسوي به الصفوف؛ حتى لا يمس الناس بيده ويقلقهم، يشير بالعود، فكان سواد بن غزية قد برز بطنه، فمسه قال: تأخر يا سوَاد ! أو يا سوَّاد ! وتمضي الأيام وتنتهي المعركة، ويجيء سواد بن غزية ، ويقول: يا رسول الله! القصاص، القصاص أنت العدل وبك قام العدل، وإن لي عليك حقاً، أتذكر يوم كذا وكذا، فقد نغزتني في بطني، أريد أن آخذ حقي الآن! رسول الله ما هو رئيس جمهورية ولا ملك ولا سلطان، هو فوق كل ذلك، والجنرالات كلهم تحت قدمه.

    لنذكر الموقف كيف يقول هذا الرجل: اكشف عن بطنك أيها العظيم! لأقتص منك؟ لم يأخذه الكبر، ولم تأخذه العزة، ولم يذكر جنابه ولا جلاله، ولا موقفه ولا رجاله ولكن قال هكذا، وكشف عن بطنه: اقتص يا سواد بن غزية! سب أحدهم سبة فقط أو الطمه لطمة، وأعطه القصاص، يا ويحك!

    فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال هكذا، فأكب الرجل على بطن رسول الله يلثمه، ويعفر وجهه به ويبكي، هذا الذي أردت يا رسول الله! أن يمس جلدي جلدك قبل أن أموت، هذا هو الحب! هذه هي العدالة.

    وفي مكة لما أهدر الربا وأسقط جداره؛ لأنه مانع من موانع الخير، وحائل دون البر والإحسان، قال: ( كل رباً موضوع تحت قدمي هذه، وأول رباً أضع ربا عمي العباس ) لا يطالب أحداً، وقد خمت بلاد المسلمين بالربا، وتجاهروا به وأعلنوه، واستباحة ما حرم الله كفر بشريعة الله بإجماع أمة الإسلام، ولا من ينكر أو يغار أو يغضب أبداً؛ لأن المادة قتلت قلوبنا، وسممت أفكارنا، وأصبحنا نجري وراءها ونلهث، ونحتفل! نضحك ونسخر برسول الله، نغني في مولده ونضحك في موته، هذه الليلة ليلة موت الرسول.

    العدالة المحمدية: ( أول رباً أضع ربا عمي العباس )، أهدره.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الجوع

    مما يؤتسى فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم -والخير كل الخير؛ لأنه من الكمال المحمدي- الجوع، يجوع أحدنا يسأل، يسرق، لا يكفيه راتب الوظيفة، يخون الدولة والأمة، عمت الرشوة وخمت، وما أصبح أبداً في هذه الأمة من الشرق والغرب من يحصل على حاجته إلا بالرشوة!

    لهذا يحتفى بالمولد! والكل يبكي ويبكي في الشرق والغرب، والذي ما عنده واسطة ما يقضي حاجته أبداً، ستتأخر إلى أشهر حتى يموت وهي في نفسه.

    الرواتب متوافرة، والأموال كثيرة، والخبز في المزابل، ولكن يرتشون فقط من أجل الكماليات، من أجل العبث، يجب أن تكون في بيته الثلاجة والتلفاز والسيارة، فما يكفيه الراتب، فيأكل السحت والعياذ بالله.

    هل هذه وضعية يرضاها المؤمنون ويفرحون ويحتفلون؟ أمجانين أم عقلاء؟ أرفعت الأمانة؟

    انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم ويحلل ويقول: ( لو كان لي مثل أحد ذهباً ما سرني ولا أفرحني أن يبقى ثلاث ليال إلا قلت فيه هكذا وهكذا! إلا شيئاً أرصده لدين.. ونحوه )، والبنوك خمت من الأموال، صناديق التوفير فاضت، ومع الرشوة والربا والغش والخداع والباطل والشر والإسراف والترف، كل هذه وما نبكي يا جماعة؟! أنغني في ميلاد رسول الله؟ وأدلكم على أكثر من ذلك، عندما يسمعون هذا الكلام يلعنوننا، وينظرون إلينا كشياطين، وهذا هو عمى القلوب، هذا هو نهاية الحياة القلبية الروحية.

    البنوك ملأى، والتحويلات من بنك إلى بنك، والأموال، والربا مباح، يعلن عنه لا من ينكر، رضي الناس به، وآيات القرآن واضحة صريحة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا [آل عمران:130].

    لم نأتسي برسول الله في جوعه؟ والله لقد جاع وجاع وجاع؛ حتى يضع الحجر على بطنه، ويعصب عليه بالعصابة؛ ليتماسك ويمشي ويقاتل ويذهب ويجيء، وما قال: أعطني، وما قال لرجاله: ائتوا بكذا من عند فلان!

    ومات صلى الله عليه وسلم، وإن درعه التي هي عدته في الحرب لمرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير.

    غنوا وصفقوا لرسول الله وترنموا بالمدائح، هل هذا دين الله؟ هذا لهو وباطل وعبث، ويدل على موت كامل أو فقدان الرشد والعقل بين المسلمين.

    الحكومة تعلن عن الاحتفال بالمولد النبوي على مستوى الحكومة والشعب، يضحكون على من؟ الخمور معلن عنها، وجميع العفونات علنية، والباطل يعربد كما هو، والشرائع معطلة، والدين مهضوم، واليهود يضحكون علينا، ونحتفي على مستوى الأمة والحكومة! كيف هذا؟ كيف نفهم يا عباد الله؟!

    جاع صلى الله عليه وسلم، فما استطاع أن يبقى في البيت، أمعاؤه الشريفة تحترق، فخرج إلى المسجد في القيلولة، ما أخرجه إلا الجوع، فخرج رفيقه الأول أبو بكر الصديق : ما أتى بك في هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا الجوع يا رسول الله! وما هي إلا لحظة حتى جاء ابن الخطاب ، ما استطاع أن يجلس في بيته، ما يوجد طعام: ما أخرجك؟ قال: الذي أخرجكما؛ الجوع.

    ويقصدون منزل ابن التيهان أحد الأصحاب البررة الكرام، فدخلوا عليه بستانه، يا ليتنا كنا معهم، ولو في المنام يا رب الأنام! فما إن رأتهم امرأة الرجل حتى كادت تطير من الفرح: ما أسعدني اليوم أن يكون في بستاني رسول الله، أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا ماء، أي: يطلب لنا ماء حلواً، يأتون بالماء في القرب، ويجلبونه من أبيار حلوة، ونحن كفار النعم، نفجر المياه في حيطاننا، في جدراننا، وما راقت لنا، نبغي أن نشرب ماء زيتياً، أو معدنياً.

    وجاء ابن التيهان وقطع عرجوناً من النخلة، ووضعها بين أيديهم وهم بمدية أن يذبح لهم، فماذا قال رسول الله؟ قال: ( إياك يا فلان! والحلوب ) سبحان الله! ما أكمل وأعظم رسول الله! اتق الحلوب يا فلان! والمرضع، اذبح شاة ما فيها حليب، ولا في بطنها جنين، إلى هذا الحد تتجلى الكمالات المحمدية.

    ولما أكل وأصحابه البسر والرطب والماء العذب، قال لهم: ( هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة ) ذكرهم بالله ولقاء الله، والسؤال يوم يلقون الله، ما فرفشوا ولا غنوا ولا صفقوا.

    معاشر المستمعين! إن ربنا تعالى يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] أي: قدوة صالحة، فاقتدوا برسول الله، من جاع فليذكر جوع رسول الله.

    الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصبر على المرض والاضطهاد والابتلاء

    من مرض فليذكر مرض رسول الله، ما يتسخط على الله، ولا يترك طاعة الله؛ لأنه مريض، يأتي بفتيا ليفطر رمضان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم )، ( صبوا علي من سبع قرب )، من شدة الحمى.

    ومن أصيب في ولده أو في امرأته أم أولاده فليذكر مصيبة رسول الله في خديجة ، في أولاده الذين ماتوا بين يديه، فكانت العين تدمع، والقلب يخشع، ولكن قال: ( لا نقول إلا ما يرضي الرب ) جل جلاله، وعظم سلطانه.

    من سجن أو اضطهد فليذكر سجن رسول الله في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وهم محصورون بين جبلين، يأكلون أوراق الشجر حتى اخضرت أمعاؤهم! وتقرحت شفاههم من أكل ورق الشجر، وإخواننا الليلة يقيمون الحفلات، عقلاء أم مجانين؟ لو كان هذا جائزاً لكان الأولى بهم أن يقيموا المنائح والسخط والبكاء، هذه هي الليلة التي مات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كل هذا لا يجوز.

    ويجيء الضاربون على الدفوف، القائلون بما لا يعلمون، يقولون: المولد كله بدعة حسنة، يا جماعة! اتقوا الله في أنفسكم، لا تعاكسوا نبيكم، إنه يقول: ( كل بدعة ضلالة ) وأنتم تقولون: بدعة حسنة، هذا ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يقول قولاً وأنتم تقولون آخر، مالكم تنتحرون وأنتم لا تشعرون؟ ( كل بدعة ضلالة ) نقول: لا، بدعة حسنة، لو سمع الرسول هذا ماذا يقول؟ أنا أقول: ( كل بدعة ضلالة )، وأنتم تقولون: لا، بدعة حسنة! أليس هذا رداً على رسول الله؟ قلنا لهم: ردوا على حكومتكم!

    ردوا على قوانين الدولة، وقولوا: هذا القانون لا بأس به، اجلس في بيتك وخرج قانوناً وطبقه، لم؟ بدعة حسنة، اجتهاد مني، هل يقع هذا؟ أما الرسول فقد مات وأقبروه؛ فلهذا وما عنده أولياء ولا أنصار، يستطيعون أن يكذبوا عليه، يقولون: بدعة حسنة!

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( كل بدعة ضلالة ) ما هي بدعة حسنة.

    وماذا عسانا أن نقول إلا أننا ضائعون، فسلوا الله أن يردنا، وأن ينقذنا، وأن يرجعنا إلى الحق الذي ضاع من بين أيدينا، وأن يرد إلينا إيماننا الذي فقدناه، وأخلاقنا التي تلاشت بيننا.

    اللهم إنك ولينا وولي المومنين، فلا تتركنا على ما نحن عليه، وخذ بأيدينا إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم.

    ربنا! اهد قومنا فإنهم لا يعلمون، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.