إسلام ويب

أهل النارللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد انشغل الناس في هذا العصر بعمران الدنيا وخراب الآخرة، مما أدى إلى صدودهم عن سماع المواعظ، لذلك كان لزاماً على الدعاة تذكير الناس بحال أهل النار، وكان لزاماً على الناس أن يقفوا مع أنفسهم وقفة محاسبة ليجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية.

    1.   

    أسباب صدود الناس عن سماع المواعظ

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أما بعـد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    أيها الإخوة: هناك ظاهرةٌ منتشرةٌ بين الناس تحتاج إلى تفكير لمعرفة أسبابها وعلاجها، وهذه الظاهرة هي ظاهرة النفور من سماع مواعظ النار والموت، فإن الناس إذا جئت تخبرهم عن هذه الأمور، وجدتهم يصدون عنك صدوداً، ورأيتهم يحبون الكلام عن رحمة الله تعالى، ولا يحبون الكلام عن عذاب الله تعالى.. وجدتهم يحبون الكلام عن الجنة، ولكنهم لا يرغبون في الكلام -مطلقاً- عن النار.. وجدتهم يحبون الكلام عن ثواب الطاعات، ولكنهم لا يحبون الكلام مطلقاً عن عذاب القبر وأهواله، ولا شك بأن النصف الأول من هذه الظاهرة طيبٌ وحسنٌ، ولكن المشكلة في النصف الثاني من هذه القضية.

    لماذا يصد الناس عن سماع المواعظ، وعن التذكرة بالخوف، وعذاب القبر، وعذاب جهنم، وأهوال المحشر والنشور؟

    إنهم يصدون عن ذلك لأسباب منها:

    الكلام عن النار يؤلم النفس

    أولاً: أن الكلام عن النار وعذاب القبر والسيئات ومآلها يسبب ألماً في النفس، والنفس تنفر من كل ما يؤلمها؛ ولذلك فإن الناس لا يحبون الكلام في هذه المواضيع.

    عمران الناس للدنيا وترك الآخرة

    ثانياً: أن الناس قد عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم، فإذا جئت تذكرهم بالموت، فإن هذا يعني الانتقال من العمار إلى الخراب، والانتقال من الدنيا وزينتها وزخِرفها إلى خراب الآخرة الذي لم يعدوا له العدة، ولم يحسبوا له الحساب؛ ولذلك- يا إخواني- كان الخوف من الله عز وجل من أجلَّ العبادات، وأقربها إلى المولى سبحانه وتعالى، فإن الخوف والرجاء خطان متقابلان من خطوط النفس البشرية، يركز القرآن والسنة عليهما تركيزاً شديداً؛ لأن الناس يتحمسون للعبادة والطاعة إذا اجتمع لهم رحمة الله وثوابه وحسناته وهذا هو الرجاء، واجتمع لهم الخوف من عذابه وجهنم، فإن هذا الخوف هو الذي يبعثهم على ترك المعاصي والازورار عنها، والاقتراب من طاعة الله عز وجل.

    1.   

    التذكرة بعذاب الآخرة

    أيها الإخوة: سبق أن تكلمنا عن جوانب من الرجاء، وتكلمنا عن الجنة، وما فيها من النعيم والحور العين في خطبٍ سابقةٍ، ولعل الوقت مناسبٌ أن نتكلم بعض الشيء عن جهنم، وما أعد الله فيها من العذاب، واعلموا بأن القصد من الحديث عن جهنم ليس هو الحكم على الحاضرين -جميعاً- بأنهم من أهل النار! كلا والله! ولا هو تنفير، أو تشديد كما يفعله بعض الجهلة، وإنما هو تذكيرٌ بعذاب الله عز وجل؛ نتذكر فيه -جميعاً- حتى تكون فيه العبرة والعظة، نحن نذكر جهنم في هذا المقام لا لنحكم على الحاضرين بأنهم من أهلها، ولكن لنبعد أنفسنا وأهلينا عن هذه النار، ولنأخذ بأسباب النجاة.

    صفة جهنم

    إن جهنم عظيمة، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، فاضرب سبعين ألفاً في سبعين ألفٍ لتعرف كم عدد الملائكة العظام الذين يجرون جهنم، كما ورد في حديث الإمام مسلم : (أهلها عميٌ وبكمٌ وصمٌ)، قال عز وجل: وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ [الأنبياء:100].

    حال أهل النار

    توضع في أعناقهم حبال النار كامرأة أبي لهب ، ويجرون أمعاءهم فيها كـعمرو بن عامر الخزاعي تسود وجوههم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس:28].. تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ [المؤمنون:104].

    وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت:54].. لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] فراشهم من النار، ولحافهم من النار، ما طعامهم؟ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:6-7].. إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46].. وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً [المزمل:13] فإذا غصوا بهذا الشوك والزقوم الذي أكلوه، ماذا يكون لهم من الشراب؟

    هذا الزقوم- أيها الإخوة- الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: (لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) فكيف بمن تكون طعامه؟ فكيف بمن يكون الزقوم طعامه دائماً وأبداً؟

    فإذا غصوا بهذا الزقوم، فما شرابهم الذي يستعينون فيه على بلع اللقم؟ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] حميماً متناهياً في الحرارة: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29] مهلاً كعكر الزيت المغلي، هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57] حميمٌ وغساقٌ وما سال من جلود أهل النار من قيحهم وصديدهم، وما يخرج من فروج الزناة والزواني من النتن: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:16-17].. يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:19-20].

    فما لباسهم؟

    فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ [الحج:19] قال إبراهيم التيمي رحمه الله: [سبحان الله الذي خلق من النار ثياباً قطعت لهم].

    فما ظلهم الذي يستظلون به؟

    انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات:30] دخانٌ كثيفٌ جداً ينقسم من ضخامته إلى ثلاثة أقسام: لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات:31] هل يظلهم؟ إنه لا يظلهم: لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات:31].

    إنها جهنم: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ [المرسلات:32] شررها فقط وليس لهيبها، شررها كالقصور والحصون الضخمة: كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات:33] أو كأنه إبل سود عظيمة.

    فإذا تسلقوا جهنم ليخرجوا منها كيف يعادون فيها؟ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] مطارق تضربهم بها الملائكة، فيعودون يقعون في جهنم.

    كيف يسحبون فيها؟ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ [القمر:48].. إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [غافر:71].. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيراً [الإنسان:4].. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32].

    كيف صورهم؟

    وما هي خلقتهم؟

    إن الله يغير خلقة أهل النار بشكل يتناسب مع عذابهم، حتى يشتد ويعظم ويشمل البدن العظيم من بدن هذا العاصي، وهذا الكافر.

    روى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم مرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام- وهو حديث صحيح- (إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار- يضخمه الله ويكبره- حتى يكون الضرس من أضراسه كـأحد - مثل: جبل أحد ) هذا ضرسٌ واحدٌ من أضراسه.

    وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة بإسناد صحيح: (وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة ) المكان الذي يشغله من جهنم ما بين مكة والمدينة.

    وقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه الإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة : (ضرسُ الكافر يوم القيامة مثل: أحد ، وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده مثل: البيضاء ) وهو جبل من جبال العرب، عضد الرجل في النار مثل: جبل من جبال العرب يسمى البيضاء (وفخذه مثل: ورقان ) وهو جبل أسود على يمين المار من المدينة إلى مكة ، هذا حجم ضرسه وفخذه وعضده وسمك جلده.

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه فيما رواه ابن ماجة بإسناد حسن واصفاً عليه الصلاة والسلام بكاء أهل النار، يقول: (يرسل البكاء على أهل النار فيبكون، حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم بدلاً من الدموع، حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن لجرت) من عظم هذه الأخاديد المملوءة بالدم بعدما انقطعت الدموع.

    هل يموتون؟ هل يستريحون من عذابهم لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [طه:74].. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17].. لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36].. وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] ليمتنا ربك فنستريح لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77].

    عذاب الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة

    أيها الإخوة: إذا قارنتم بأعظم عذاب في الدنيا مع عذاب الآخرة، هل يساوي بجنبه شيء؟ كلا والله! في الدنيا إذا اخترق جلد الإنسان، وفني جلده، ماذا يكون بعد ذلك؟ إنه الموت؛ إذ لا جلد بعد ذلك يتعذب به الإنسان، ولكن في جهنم: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56] إنها نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:16] تنزع جلد الرأس، ليس العذاب عذاباً حسياً فقط؛ بل إنه عذابٌ معنويٌ كذلك: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج:22] إنه الغم، لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم مبكتاً: قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]؛ بل إن الاستهزاء من نصيبهم في العذاب، فإن الله عز وجل يقول مستهزئاً بأهل النار عندما يذيقهم من عذابها: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49].

    وفقنا الله وإياكم للعمل بطاعته والبعد عن معصيته، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    العبرة من ذكر جهنم

    الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو يسبح كل شيء بحمده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دلنا على النجاة وطرقها، ودلنا للبعد عن المهالك وطرقها.

    أيها الإخوة: هذه الطائفة اليسيرة من أنواع العذاب الواردة في القرآن والسنة لا بد أن تحدث في نفوسنا خوفاً من الله عز وجل يباعد عن معاصيه، وعن المهالك وسبل الشيطان، ولا بد أن تولد في أنفسنا حناناً واقتراباً من طاعة الله تعالى للفوز بالجانب الآخر من أنواع الجزاء وهو الجنة.

    وقفة محاسبة

    أيها الإخوة: هذه أنواع العذاب في النار، من يصمد لها ومن يقوى عليها؟

    أين الزناة والزواني؟

    وأين أهل اللواط والفاحشة؟

    أين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟

    أين أكلة الربا، وأكلة أموال الأيتام؟

    أين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً؟

    أين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويشرعون للبشر من عند أهوائهم وأنفسهم؟

    أين الذين يعقون آباءهم وأمهاتهم؟

    أين الذين اتخذوا سبيل الغي وتركوا سبيل الرشد؟

    أين الذين يستهزئون بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    أين الذين يتطاولون على عباد الله المؤمنين، فيصفونهم بالتشدد والرجعية؟

    أين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم من الناس؟

    أين الذين يزينون للناس سبل الباطل والشيطان؟

    أين الذين اتخذوا الكذب والنفاق أخلاقاً، وانعدم من ضمائرهم أي خلق فاضل، وأي صدق، وأي أمانة؟

    أين الذين يخونون الله بالليل والنهار؟

    وأين الذين يختانون أنفسهم؟

    أين الذين زينوا للناس كل وسائل اللهو والعبث التي تلهيهم عن ذكر الله، وعن الصلاة؟

    أين الذين جانبوا كتاب الله وسنة نبيه، وغرقوا في أوحال المادة، وحياة الدنيا، يلهون ويلعبون غير مكترثين بما يكون لهم غداً عند الله من العذاب والنكال؟

    أين الذين أعرضوا عن القرآن والسنة وأحكامهما؟

    أين الذين إذا تليت عليهم آيات الله أغاروا عليها بسهام التأويل والتحريف وسهام الاستهزاء والتأويل بالباطل؛ حتى عادت آيات الله وأحاديث رسوله رسوماً وأطلالاً ليست لها في أنفسهم حرمةٌ، ولا عهد؟

    أين الذين خانوا عهد الله؟

    أين الذين انكبوا على وجوههم- وينكبون يوم القيامة في جهنم-؟

    والنار مثوى لأهل الكفر كلهمُ     طباقها سبعةٌ مسودةُ الحفرِ

    فيها غلاظٌ شدادٌ من ملائكةٍ          قلوبهم شدةً أقسى من الحجرِ

    سوداء مظلمةٌ شعثاء موحشةٌ      دهماء محرقةٌ لواحة البشرِ

    فيها الجحيم مذيبٌ للوجوه مع     الأمعاء من شدة الإحراقِ والشررِ

    فيها السلاسل والأغلال تجمعهم     مع الشياطين قسراً جمع منقهرِ

    والجوع والعطش المضني لأنفسهم     فيها ولا جلدٌ فيها لمصطبرِ

    لها إذا ما غلت فورٌ يقلبهم     ما بين مرتفعٍ فيها ومنحدرِ

    جمع النواصي مع الأقدام سيرهم     من القوس محميةً من شدة الوترِ

    يا ويلهم تحرق النيران أعظمهم     بالموت شهوتهم من شدة الضجرِ

    ضجوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهم     دعاء داعٍ ولا تسليم مصطبرِ

    وكل يومٍ لهم في طول مدتهم     نزعٌ شديدٌ من التعذيب والسعرِ

    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

    اللهم يا من تقي من الشرور، قنا عذابك يوم تبعث عبادك.

    اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، نجنا من عذاب النيران يا رب العالمين!

    رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان:65-66].

    اللهم واجعلنا من الناجين على الصراط، ولا تخدشنا بكلاليب النيران يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نعوذ بك من جهنم.. من زقومها وغسلينها وحميمها ويحمومها.

    اللهم أعتق رقابنا من النار، ولا تزل أقدامنا يوم تزل الأقدام، واكتب لنا الجنة برحمتك وعفوك يا أرحم الراحمين.

    أيها الإخوة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.