إسلام ويب

الأخوة في اللهللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأخوة في الله لها أهمية عظيمة، ومما يدل على أهميتها أن الله جل وعلا رتب عليها الأجر العظيم، وهي عبادة نتقرب إلى الله بها، بل قد تكون سبباً من أسباب دخول الجنة. والإخوة في الله لهم حقوق وواجبات، فمن هذه الحقوق: الزيارات.. قضاء حوائجهم.. النصيحة لهم.. وغير ذلك. وهناك أخطاء وسلبيات يرتكبها البعض مع إخوانهم في الله منها: كثرة مخالطتهم بغير فائدة.. عدم التماس الأعذار لهم.. التعلق المحرم.. التصرف بأموالهم وممتلكاتهم دون إذنهم.. إخلاف المواعيد.. إلخ.

    1.   

    أهمية الأخوة في الله

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

    نحمد الله تعالى -أيها الإخوة- أن جمعنا وإياكم في بيتٍ من بيوته عز وجل نذكره سبحانه وتعالى، ونتذاكر نعمه، ومنها نعمة الأخوة، قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].نسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وأن يجعلنا وإياكم من الإخوة في الله المتآخين في سبيل الله ولا يجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً.

    أيها الإخوة: كما سمعنا في الآيات الكريمة قول الله عز وجل: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ [آل عمران:103] لا بأي شيء آخر: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    أيها الإخوة: لا يوجد في دين من الأديان، أو مذهب من المذاهب، أو مكان من الأمكنة شيءٌ اسمه الأخوة التي هي بهذا الطعم إلا في الإسلام، لا يمكن أن يوجد مطلقاً؛ لأن هذا الشعور -شعور الأخوة في الله والتآخي في الله- نعمة عظيمة لا يشعر بها إلا المسلمون، لا يشعر بها إلا الذين جعلهم الله إخوة: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    والمجتمع الإسلامي يقوم على دعامتين أساسيتين: الإيمان والأخوة: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].

    فلا يمكن أن يقوم المجتمع الإسلامي قياماً صحيحاً على سوقه كما أمر الله إلا بهاتين الدعامتين الأساسيتين: الإيمان والأخوة، ولذلك أمر الله بالتآخي، وعقد من عنده عز وجل عقد الأخوة بين المؤمنين، فقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] و(إنما) من فوائدها حصر الخبر في المبتدأ، أو المبتدأ في الخبر.. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] أي: ليس المؤمنون إلا إخوة، من عظم الأخوة أن الله جعلها هي الوصف الأكمل للمؤمنين، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:10] المؤمنون عبارة عن أي شيء؟ عن إخوة: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10] فالأخوة تنبثق من التقوى ومن الإسلام.

    الأخوة في الله عبادة

    ما هو أساس الأخوة؟ الاعتصام بحبل الله عز وجل، وبمنهج الله عز وجل، وبطريق الله تعالى.

    والأخوة عبادة، ولابد أن نعرف أن الأخوة عبادة من العبادات التي نتقرب بها إلى الله عز وجل، فهي عبادة نتقرب إلى الله بها مثلما نتقرب إليه بالصلاة أو بالصيام، أو بالحج.. بالدعاء.. بالتوكل. فهي عبادة من العبادات الجليلة التي ركب الله تعالى عليها فضلاً عظيماً منه عز وجل، وهي نعمة عظيمة جداً، نعمة عظيمة لا يحس بها إلا من توافرت فيه شروط الأخوة، وإلا فأقول لكم بصراحة: إن كثيراً من الناس اليوم تجده يقول: فلان من أعز أصدقائي، أو هذا فلان صديق عزيز، أو هذا فلان كنت أنا معه من السنة الفلانية، أو من المرحلة الابتدائية، أو كنا معاً في حارة واحدة، هذا فلان من أعز أصدقائي، هذا الكلام -أيها الإخوة- لا يعني مطلقاً أن هذين الرجلين متآخيان في الله، لا. فقد تكون العلاقة بينهما هي علاقة تجاذب وتقارب وتوافق نفسي فقط، اثنين يرتاحان لبعض، أما الأخوة في الله فهي مسألة أعلى من ذلك بكثير، فهي مراتب وصفات لا يحس بها إلا من عرفها وذاق طعمها.

    الأخوة والمحبة من سبل النجاة

    ومن الأدلة على أن الأخوة في الله عز وجل لها فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم -وهذا يدلك على خطورتها وعلى عظمها ومنزلتها العالية -أن الله عز وجل وصف أهل الجنة بأنهم إخوة في الله، قال عز من قائل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47] إذا دخل أهل الجنة الجنة لا يزال في صدورهم بعض الأشياء العالقة من الدنيا، فإذا دخلوا الجنة نزع الله من صدورهم الغل فصارت عندهم أخوة نقية ما فيها شائبة واحدة.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضمن شروط الإيمان (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله) إذا صارت هذه القضية فإن الله تعالى يظل هؤلاء المتحابين تحت ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظله ((ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه) .

    إذاً -أيها الإخوة- هذا الحديث الأخير الذي ذكرته الآن يوضح معنى الكلام الذي قلته قبل قليل، وهو أن الأخوة في الله مرتبة عالية، ولها شروط كثيرة، فلذلك ليس أي اثنين تحابا يظلهم الله في ظله، لا. بل لابد أن تكون الأخوة كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه) اجتمعا من أجل الله وعلى منهج الله، والطريق التي ارتضاها الله عز وجل، وتفرقا على نفس الشيء، ما تغيرت القضية بالمجلس، لما جلسوا ما تغيروا بل تفرقوا على مثلما جلسوا عليه، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، سواء في المجلس أو في مجالس متفرقة، أو كانت في الدنيا عموماً، اجتمعا عليه وفرق الموت بينهما وهما ما زالا على نفس العهد والميثاق الذي أخذه الله عليهما.

    أيها الإخوة: نحن أحياناً لا ندقق في العبارات ولا ندقق في الآيات والأحاديث، لكنك لو دققت تجد أشياءً توضح لك لماذا القضية عظيمة (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن في صحيح الجامع (ما من مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا لله، فلا يفترقان حتى يغفر لهم) والآن نحن نلتقي كثيراً، وكثيراً ما يسلم بعضنا على بعض، لكن هل توافرت الشروط التي تجعل هذا الالتقاء ينتهي بمغفرة الذنوب لكلا الطرفين: (ما من مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا لله) لماذا نركز على هذا المفهوم؟ لأن الالتقاءات التي تحدث اليوم بين الناس -أيها الإخوة- ليست لله، ولا في الله، وإنما هي من أجل عرضٍ من الدنيا زائل.

    الآن الناس يتلاقون فيسلم الواحد على الثاني، ويأخذ بيده ويصافحه، لكن إذا نظرت في الحقيقة لماذا يصاحبه؟ ولماذا يسلم عليه؟ ولماذا يأخذ بيده؟ تجد الغرض من وراء هذا كله مصلحة دنيوية، الآن الناس يلتقون لكن اللقاءات على الماديات الفانية: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:27] فلذلك لا يحس الواحد من هؤلاء طعماً مطلقاً، لا يجدون حلاوةً للقاء؛ لأن القضية فيها مصلحة، مسألة مصالح؛ ولذلك تجد الواحد يسلم على الثاني ويقابله ويبتسم بوجهه ويرحب به ويكيل له ألفاظ الثناء والمديح فإذا انصرفا وتفرقا، نزل فيه سباً وشتماً وغيبة، لماذا؟!

    من الأسباب: أن أصل اللقاء فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد، فأصل اللقاء فاسد وهو الدنيا، فمن الطبيعي أن يتفرقوا على أشياء كثيرة من البغضاء والشحناء، وهذه الابتسامات والمودة الظاهرة هي من أجل متاع دنيوي، لذلك لا يمكن لهؤلاء الناس أبداً أن يرتاحوا بهذه العلاقة التي تنشأ بينهما.

    أجور عظيمة على المحبة في الله

    والحب في الله والأخوة في الله عميقة جداً جداً إلى أبعد ما يتصور الإنسان المسلم، وهي عبارة عن محبة متزايدة يدفعها إلى التزايد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه) انظروا -أيها الأخوة- محاسن الدين الإسلامي، محاسن الإسلام عظيمة جداً! أحياناً لا نتصور، نتكلم: الإسلام أحسن والإسلام أفضل والإسلام... لكن فسر كلامك: كيف الإسلام أحسن؟ لا تجد تفسيراً، لكن عندما ندقق في الآيات والأحاديث (إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه) معناه المحب في ازدياد، وكلما أحببت أخاك أكثر كلما ازددت فضلاً عند الله، فمعنى ذلك: أن الأفراد في المجتمع المسلم متلاصقون في غاية التلاصق، ويحب بعضهم بعضاً حباً جماً، هكذا يريد الله من المسلمين، ولذلك المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك لا يمكن أن تتخلله الشائعات ولا الأشياء المغرضة ولا وشايات الأعداء ومخططاتهم؛ لأنه إذا كان الأفراد في تلاحم، فمن أين ينفذ الشر؟ وكيف ينفذ؟.

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم موضحاً الأجر العظيم للمحبة في الله والأخوة في الله وبعض بنودها، يقول عليه الصلاة والسلام عن الله عز وجل في حديث قدسي (حقت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيَّ -صلة.. زيارة.. رسالة.. بالهاتف- وحقت محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ -في سبيل الله- وحقت محبتي للمتباذلين فيّ) وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: (المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء) هذا يبين عظم المحبة وفضلها ومنزلة المتحابين في الله عند الله عز وجل، يكونون في منابر مرتفعة من نور يغبطهم على هذا المكان النبيون والصديقون والشهداء، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم .

    الإخوان -أيها الإخوة- سلعة غالية جداً لا يمكن أن تجد لها بديلاً، ولو بذلت أعلى الأسعار.

    إخوانكم لا شيء أغلى منهمُ      لا شيء يعدلهمْ من الأشياءِ

    وفعلاً، لا يمكن أن تجد سعراً في الدنيا ولا عرضاً من الدنيا يوازي أو يساوي أخاً واحداً في الله، تتآخى أنت وهو في صدق على منهج الله عز وجل.

    لنأخذ حالة من الحالات التي تبين لنا أهمية الإخوة في الله.

    بالأخوة في الله نستطيع مواجهة الحياة

    المرء -أيها الإخوة- قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، الواحد منا لوحده لا يقوى أبداً على مواجهة الحياة وظروفها ومشاكلها، والعقبات التي تكون في طريقه، فالمشاكل كثيرة جداً، والهموم عظيمة، والمهمات صعبة، فأنت الآن -أيها المسلم- مكلف بمهمات وستواجهك عقبات أثناء الطريق، إذا ما كنت في وسط إخوة في الله عز وجل ستذوب شخصيتك في هذه الحياة الدنيا الفانية، وستنهال عليك المصائب من كل جانب، ولا من معين.

    وتظهر أهمية الأخوة في الله بدلائل كبيرة عندما يكون المسلمون في حالة ضعفٍ واضطهاد، وعندما يكون الإسلام متأخراً في نفوس الناس، وعندما ينحسر المد الإسلامي في العالم، ويحس المسلمون بالغربة؛ عند ذلك تنبع أهمية الأخوة في الله.

    أيها الإخوة: إن ما يمر به المسلمون اليوم من ظروفٍ كالليل الحالك، وكالظلمة الشديدة، في خضم هذه الجاهليات العاتية التي تصدم المسلمين من كل جانب، يحتاج الفرد المسلم إلى تقوية نفسه، وإلى إيجاد شيءٍ يرتكز إليه عندما يواجه هذه المصاعب والتحديات، تحديات كثيرة تواجه المسلمين اليوم، لو لم تكن هناك أخوة في الله تثبت هذا المسلم على الدين لتزلزل بفعل العواصف التي تأتي من أعداء الإسلام.

    والمسلمون الآن يعيشون في غربة، إذا ما كان هناك أخوة تسهل عليك هذه المصائب، وتزيل عنك هذه الوحشة التي تجدها في قلبك، فكيف يكون لك الاستمرارية في السير في هذا الطريق؟!

    من هنا كانت الأخوة في الله مهمة جداً، مهمة جداً في طلب العلم، وفي الدعوة إلى الله، مهمة جداً في تربية النفس، مهمة جداً إذا نزلت بك مصائب وواجهتك عقبات.

    إذا فكر الإنسان -أيها الإخوة- في مواجهة العالم وأعداء الإسلام لوحده يحس أنه لا شيء، ماذا يمكن أن يفعل لكي يغير الواقع، ماذا يمكن أن يفعل بمفرده؟

    الجواب: لا شيء، عندما يفكر منطلقاً من إخوانه يحس أن هناك قوة كبيرة جداً تدفعه إلى الأمام، وتقوي هذه النفسية حتى تجعلها على مستوى التحديات، فتقاوم هذه التيارات وتشق طريقها بقوة، هذه النفسية التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبدونها -أي: بدون الأخوة في الله- يشعر الإنسان بالإحباط، ويشعر باليأس ويفقد الأمل في تغيير الواقع.

    وإذا أخذنا نموذجاً من النماذج التي كانت عليها حياة السلف في باب الأخوة في الله، كيف كانت مجتمعاتهم؟ كيف كانت جماعاتهم؟ كيف كانت بيئاتهم؟ كيف كانت مجالسهم العلمية؟

    فاستمع معي لما يقوله الإمام أبو حازم الأعرج رحمه الله تعالى.

    يقول رحمه الله: لقد رأيتنا عند زيد بن أسلم -زيد بن أسلم من العلماء- أربعين فقيهاً أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه -هذا الفقيه- متماريين -متجادلين- ولا متنازعين في حديثٍ لا ينفعنا. هكذا كانت مجالس السلف ، هذا هو العموم الشائع، لا يعني أنه لم تكن هناك مشاكل ولا أمراض، لكن هكذا كانت مجالسهم، أربعون على قلب رجلٍ واحد، لا توجد مشاكل بينهم.

    1.   

    ضرورة تطبيق حقوق الأخوة في الواقع

    الآن -أيها الإخوة- نحن نتكلم عن الأخوة، والأخوة لها واجبات كثيرة، وتعداد الواجبات قد يكون أكثركم على اطلاعٍ بمعظمها، فتعداد الواجبات قد يأخذ منا وقتاً نحتاجه في عرض مشاكل أخرى، لكن عندما نتكلم عن الأخوة حلاوتها وواجباتها يجب -أيها الإخوة- أن نكون كما أمرنا الله عز وجل، إن الله ذم أناساً من المؤمنين بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2] يجب أن نرتفع من مستوى الكلام والنظريات؛ لأن الكلام حول الأخوة قد يكون سهلاً وجميلاً ومستساغاً، وعندما تقرأ تنبسط من الكلام الذي تقرؤه في بعض الكتب، والقصص التي تسمعها عن بعض السلف ، وأحدهم ذهب فوجد أخاه في الله غير موجود، فسأل الجارية: أين ذهب؟ قالت: غير موجود. قال: دلوني على مكان المال، فدلته الجارية، فأخذ ما يحتاج إليه وانصرف، فلما رجع الأخ المسلم وعرف ما فعل أخوه وأنه أخذ المال الذي يحتاجه ولم يشعر بأي حرج، قال للجارية: إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله، ففتش المال فوجده قد أخذ منه فعلاً فعتقت الجارية.

    هذا الكلام جميل جداً، لكن القضية هي الارتفاع من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الواقع العملي والأفعال، هنا النقطة، ليست النقطة في وصف الأخوة والإسهاب في عرض المبادئ النظرية، بل المهم الآن هو التطبيق، لذلك عندما ذكرنا في عنوان المحاضرة: الأخوة في الله بين المفهوم الإسلامي -لأن بعض الناس يعرفون المفهوم الإسلامي- والواقع الحاضر أو التطبيق الحاضر الذي يحدث الآن، المفهوم قد يكون واضحاً لا إشكال فيه، لكن التطبيق كيف؟ كيف نطبق الآن؟ هنا لا بد أن نقف، لكن لا بأس أن نستعرض وإياكم بعض الأحاديث التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تبين بعض سمات وصفات الأخوة.

    1.   

    من واجبات الأخوة

    إعانة الأخ المسلم في قضاء حوائجه

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم -هذا الحديث الحسن الذي رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم- (أحب الناس إلى الله أنفعهم -الذي ينفع أكثر يحبه الله أكثر- وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة -واقع في مشكلة فتزيلها عنه- أو تقضي عنه ديناً) هذا الأخ عليه ديون وعليه نقود تزوج -مثلاً- وعليه ديون، احتاج لحاجة معينة، صار له حادث سيارة، يبني بيتاً، صار عليه دين- (أو تطرد عنه جوعاً -أحياناً قد يجوع المسلم، قد يجد الطعام أو لا يجده، المهم أن يكون في مناسبة أو في وضع جائع- ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً) المسجد النبوي الصلاة فيه بألف صلاة، وفي بعض الروايات: خمسمائة صلاة، فشخص يعتكف شهراً في المسجد النبوي سيصلي (150) صلاة تقريباً، والاعتكاف ليس فيه (150) صلاة فقط، بل فيه تسبيح وتهليل وأجر الاعتكاف نفسه، فكم سيكون الأجر؟ أجر هائل، اعتكاف في المسجد النبوي فيه (150) صلاه، وتسبيح بعد كل صلاة، وذكر لله، والصلوات التي تكون بين الأذان والإقامة، وأجر الاعتكاف نفسه، وقراءة القرآن، أجر هائل جداً وعظيم لا يُتصور! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا) تمشي مع أخيك المسلم في حاجته، فتأخذ أكثر من أجر الاعتكاف في المسجد النبوي شهراً، فهذه المسألة تحتاج إلى تفكير؛ لأن تصورها صعب.

    أمشي مع أخي المسلم لأقضي له حاجته: عنده مشكلة، أو عنده شيء يريد مساعدة فيه -أي مساعدة- فأذهب معه حتى أقضي له حاجته وأزيل عنه هذه الكربة أفضل عند الله من الاعتكاف شهراً في المسجد النبوي (ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام) متى تزل الأقدام؟ على الصراط كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة، مضروب على متن جهنم يعبر عليه الناس فتزل الأقدام) والذي يمشي في حاجة أخيه المسلم حتى يقضيها له يثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام.

    فلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: حتى يقضيها له (ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يقضيها له) لأن بعض الناس -وهذه مشكلة- تأتي تكلمه أن عندك مشكلة، فتقول له: يا أخي! أنا عندي المشكلة الفلانية كذا وكذا، فيقول: أبشر ولا يهمك، أنا مستعد أن أذهب غداً، وهو يعرف أنه لن يفعل شيئاً بالموضوع، ولكن من باب المجاملة وينتهي المشوار على لا شيء، وهو يعلم سلفاً وقد يخبئ في نفسه وسائل أخرى للوصول إلى المقصود، لكن يقول: فلان هذا قد يكون واسطة خير، ولكن أنا أريد أن أبقيه لنفسي؛ يمكن أحتاج للشخص هذا في يوم من الأيام، فما أريد الآن أن أستعمل هذه الورقة وأحرقها من أجل فلان، فأنا أذهب وأتوسط بكلمتين ولا أشد عليه أو ألزم عليه، فيرفض، ولكن من باب رفع الحرج، هذا كل يوم على رأسي، ويعرف أن المشكلة لن تنتهي، فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((حتى يثبتها له) أو على الأقل يتفانى بجهده الكامل حتى لو لم تنتهِ المشكلة لكن بذل جميع ما في قدرته وجميع ما في وسعه.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (اتقِ الله، ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) حديثٌ صحيح رواه ابن حبان عن جابر بن سليم الهجيمي رضي الله عنه ((وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) الآن كثيرٌ من المسلمين يتلاقون فإذا إشارات العبوس، وجبين هذا مقطب، وهذا متجهم الوجه، هذه حال كثير من المقابلات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (ابتسامتك في وجه أخيك المسلم صدقة) ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو هذه الابتسامة؛ لأن الابتسامة هذه تعبر عن أشياء كثيرة.

    التزاور حق من حقوق الأخوة

    ومن حقوق المسلمين على المسلمين ومن حقوق الأخوة في الله: التزاور، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ()إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى -تصور، أي: ذهب من قرية إلى قرية، ليس مثلنا الآن نتكاسل في الذهاب من بيت إلى بيت- فأرصد الله له على مدرجته ملكاً -في الطريق- فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه نعمة تربها؟ -يعني: هل أنت ذاهب إليه تريد منه شيئاً، أي: مصلحة معينة؟- قال: لا. غير أني أحببته في الله فقال الملك: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ()ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ ثم ذكر عدة أصناف من الرجال- ثم قال: والرجل يزور أخاه في ناحية المصر -يعني: في ناحية البلد- في الله) ليس لأنه يحتاج منه شيئاً، لا. في الله فقط، فهذا من أنواع الناس في الجنة.

    - زيارة المريض:

    ومن الزيارات المؤكدة -أيها الإخوة- زيارة المريض (وإذا مرض فعده) الآن الواحد منا يمرض أخوه المسلم، ويجلس في المستشفى أياماً، ويشفى من المرض، ويخرج من المستشفى، وبعدها يسمع -كأنه خبر في نشرة أخبار- خبر أخيه هذا كأنه خبر عادي: صار كذا وكذا، وانتهت الحادثة بكذا وكذا، دخل فلان المستشفى فمكث فيها أربعة أيام وأجريت له عملية والآن هو في البيت يأخذ نقاهة .. مثل الأخبار التي نسمعها للمرضى، هذه حقيقة.

    أشياء كثيرة تعود إلى التقصير، والزيارات الآن بين المسلمين ليست على المستوى المطلوب، فكثيرٌ من الناس يتعذرون بالأشغال، وغالب الأشغال دنيوية، وتجد الاثنين عندما يتقابلان يقول أحدهما للآخر: يا أخي! أنا أعرف أنك مشغول وأنا مشغول؛ لذلك ومن أجل هذا -أنت مشغول وأنا مشغول- لا داعي أني أشغلك زيادة ولا أنت تشغلني زيادة، فلذلك لا زيارات. وهذا ليس صحيحاً، يعني: هل يوجد شخص مشغول أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يذهب لزيارة أم أيمن ، وهي امرأة كبيرة في السن من الأنصار كان يزورها، وأحدنا الآن قد لا يرجو من وراء هذه المرأة نصر الإسلام ولا الجهاد ولا كذا لكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يوجد أحد مشغولاً أكثر منه كان يذهب ويزور أم أيمن ويزور غيرها من الصحابة، وكثير من الأحاديث الفعلية، تجد الراوي يقول: وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب ليزور فلاناً، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم...، فزيارات الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة.

    وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا بلغه عن شخصٍ صلاحٌ أو زهدٌ أو قيامٌ بحقٍ أو اتباعٌ للأمر -للسنة- سأل عنه، وأحب أن تجري بينهما معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، الإمام أحمد كان حريصاً على جمع أهل السنة وتوحيد جهودهم، وكان حريصاً على زيارتهم في الله، فكان إذا سمع عن رجل فيه خير وفيه اتباع للسنة، أحب أن يجري بينه وبين ذلك الرجل معرفة، ويزوره، ويلتقي به، ويتحدث إليه، ويتعرف على أخباره.

    نصيحة الأخ المسلم

    وكذلك من الواجبات الأخوية: مسألة النصيحة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من أفتى بغير علمٍ كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) رواه أبو هريرة وهو حديث حسن.

    شخص جاء -مثلاً- يستشيرني هل يتوظف في المكان الفلاني أو الفلاني؟ هل الزواج من بيت فلان أو بيت فلان؟ هل يقدم على الخطوة الفلانية أم لا؟ وأنا أشرت عليه بأمر غير الذي أعتقد أنا أنه الصحيح فقد خنته، والآن يحدث من بعض المسلمين حسد وكيد، يقول له: أذهب إلى الوظيفة الفلانية أم الفلانية؟ يقول: لا. تلك أحسن، بينما الحقيقة غير هذا، لكن حسد، يقول: هذا في الغد يمشي في الوظيفة، ومعه شهادة، فيترقى ويصبح أعلى مني، لا. دعني أدله خطأ، وأوجهه خطأ.. وشخص يقول للثاني: أريد أن أعمل مشروعاً تجارياً، ما رأيك أفعل كذا أو كذا؟ فيقول: لا. هذا مشروع فاشل، عليك بالأمر الفلاني أحسن، لماذا؟ حسداً من عند نفسه؛ لأنه قد يصير أحسن وأكثر منه مالاً، وهكذا.. أحياناً: شخص يريد أن يعمل تجارة وأنت قد تفهم من الموضوع أن هذا المشروع طيب ومناسب ولكن تقول: انتبه هذه الأيام الدنيا لا تساعد، وقد تفشل، ويمكن كذا، أي: تثبيط، ليس لأن الأمر مثبط، لا. بل حسداً من عند نفسك، تشير عليه في أمرٍ وأنت تعلم أن الرشد في غيره، فهذه خيانة وقطع للعلاقات الأخوية بسكين الخيانة.

    والنصيحة -أيها الإخوة- ((إذا استنصحك فانصحه) قال العلماء: هذه واجبة، البدء بالسلام سنة، لكن إذا استنصحك -أي: طلب منك النصيحة- يجب عليك أن تنصحه، وإذا لم تنصحه تأثم. والنصيحة تأخذ عدة أشكال وعدة جوانب:

    فمن النصائح مثلاً: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم مبيناً أهمية النصيحة وهو حديثٌ من الأحاديث الصحيحة، وهو في السلسلة الصحيحة برقم [926] ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف ضيعته، ويحوطه من ورائه) أنت الآن إذا نظرت إلى المرآة ماذا تشاهد؟! أي عيب فيك تشاهده في المرآة.

    يقول المناوي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: فأنت مرآة لأخيك يبصر حاله فيك. كأنه أنت المرآة، فهو يبصر حاله فيك، وهو مرآة لك تبصر حالك فيه.

    يكف الضيعة، أي: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه، فيلبي له احتياجاته في معيشته، إن كان عنده فضل يعود به عليه، ويحوطه من ورائه، يعني: يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والشفقة والنصيحة، هذه من واجبات الأخوة. مثلاً: كنت في مجلس وشخص تكلم على فلان، أقوم أنا وأثور وأتكلم وأرد عن هذا الغائب: (ويحوطه من ورائه) فإذا حدث كلام من ورائه تجد هذا الأخ يذب ويدافع.

    الشاهد: أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه المؤمن للمؤمن بالمرآة، يقول الشارح: فكما يزيل عنك كل أذىً تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى فيه عن نفسه، مثلما أنك إذا نظرت إلى المرآة تزيل الأذى عن نفسك، كذلك هذا الأخ المسلم مثل المرآة، هو الذي يدلك على عيوب نفسك، فأنت ترى به عيوبك أنت، فتصلح عيوبك بواسطته هو، ولذلك -أيها الإخوة- الله عز وجل أمر بالتواصي فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] لا بد من التواصي أي: التناصح مثل: يا فلان! أوصيك بكذا، أي: أنصحك بكذا، لابد من مد جسور النصيحة بين المسلمين؛ لأنك قد لا ترى عيوبك بنفسك لكن الآخرين يرون عيوبك.

    قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [إلى من يشكو المسلم إذا لم يشكُ إلى أخيه المسلم؟ ومن الذي يُلزمه من أمره مثل الذي يلزمه؟ إن المسلم مرآة أخيه، فيه يبصر عيبه، ويغفر له ذنبه، قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجل الرجل فيقول: يا أخي! ما كل ذنوبي أبصر -أنا لا أنظر كل ذنوبي- ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيراً فمرني به، وإذا رأيت شراً فانهني عنه].

    والآن إذا جئنا على مستوى هؤلاء الإخوة في الله، قد لا تحدث النصيحة -أيها الإخوة- لأسباب، منها:

    قد يتهيب الأخ المسلم من نصح أخيه، قد يكون أكبر منه سناً فلا ينصحه، قد يكون أعلى منه قدراً في العلم أو الجاه فيتهيب من نصحه، فتجده يخاف أو يصير عنده نوع من الوجل، فلان أكبر مني كيف أقدم له نصيحة؟ فيسكت، أحياناً قد يمسك عن النصيحة.. لا يقول لأخيه ماذا يدور في نفسه، شخص -مثلاً- أسلوبه فظ ويعاملني بقسوة، من الخطأ في بعض النفسيات أن تكتم الأساليب الخاطئة التي تعامل بها، نفسية كتومة فتتراكم الأشياء فيها من معاملة خطأ.. كلمة خاطئة.. أسلوب عنيف .. شيء بعد شيء وقطرة بعد قطرة حتى يتدفق السيل الجرار الذي يقطع العلاقات ويهدم الجسور بين هذا الأخ وأخيه، بسبب ماذا؟ بسبب الكتمان، كتمان.. كتمان ثم يأتي الوقت الذي ينفجر فيه، فإذا انفجر معناه انتهت العملية.

    فلذلك لا بد -أيها الإخوة- من المصارحة، لا بد أن نتصارح فيما بيننا، إذا وجدتُ خطأً وما استطعت أن أبتلعه تماماً وبقي في نفسي أثر، ليس صحيحاً أن أبقي هذا الأثر؛ حتى لا تتراكم الآثار وتنفجر القضية وتنقطع علاقتي بهذا الأخ، ولا أريد أن أقابله مرة أخرى، لا. لابد أن نتدارك الأخطاء أولاً بأول، ونتصارح فيما بيننا، وإلا ما قمنا بواجب النصيحة والأخوة في الله.

    ومن أسباب عدم حدوث النصيحة: اللامبالاة، وهي من العوامل المهمة التي تحجب النصيحة، مثلاً: إنسان ما يحس بأهمية النصيحة، ولا بقيمتها، فلا يبالي بإلقائها -النصيحة- فيكون سلبياً يقول: دع غيري ينصحه، لا داعي أن أكلف نفسي بالنصيحة، قد يكون هذا العيب ما رآه أحدٌ إلا أنت، لا بد أن تنصح، وقد يكون كلام واحد غير كافٍ، لكن عندما يجتمع الكلام من عدة مصادر يحدث التأثير، فلا تقل: أنا لا أريد أن أتكلم، لا. انصح وتكلم، قد يكون كلامك في غاية الأهمية: (لا تحقرن من المعروف شيئاً).

    حفظ عرض الأخ المسلم

    وكذلك -أيها الإخوة- حفظ عرض المسلم، والمحافظة على قيمته وصيانته، من الأمور التي تنتهك الآن.. غيبة.. ونميمة.. سب وشتم.. انتقاص.. أشياء كثيرة تقع بسبب عدم استشعار المسلم لحرمة أخيه المسلم، عدم الاستشعار بأن اللحوم مسمومة، قال تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات:12] ولذلك ترى في الوقت الذي نحتاج فيه إلى تطبيق قواعد الأخوة في الله، وصيانة إخواننا المسلمين نجد ألسنة الافتراء والكذب والبهتان تنطلق بلا حدود في تجريح الإخوة المسلمين، وبيان عيوبهم ومثالبهم.

    إذا كان الكلام عن عيب الأخ في غيبته حرام، فكيف إذا كانت القضية غير موجودة في الأخ، وإنما هي افتراءٌ عليه وبهتانٌ له؟!

    كيف يكون هذا عند الله عز وجل؟

    افتراءات تبرر بتبريرات عجيبة، والإسلام بريءٌ منها، بقصد يتوهم صاحبه أنه حسن، أو يتوهم أن هذه مصلحة، فيبدأ يجرح ويتكلم، ولكن المسألة عند الله عز وجل بخلاف ذلك، كلمة قد تهوي بالإنسان في النار سبعين خريفاً، كلمة واحدة فكيف بشخص منطلق بلا حساب، يكيل التهم والسباب والشتائم والتنقص من إخوانه المسلمين.

    وبعض الناس من منظار التعصب -أحياناً- لا يعامل بمبادئ الأخوة في الله إلا من هو على شاكلته، وأما إذا اختلف مع شخصٍ آخر في رأيٍ من الآراء، أو منهجٍ من المناهج، أو طريقة من الطرق، فإنه يعامله بالفظاظة والغلظة والقسوة التي لا تليق بالمسلم أبداً.

    الرسول صلى الله عليه وسلم قال ()المسلم أخو المسلم) ما دام أنه مسلم لابد أن تؤاخيه وهذه الحواجز التي توضع أحياناً بسبب الخلافات في الآراء يجب أن تزول وألا تكون مانعة من مد جسور الأخوة في الله عز وجل إلى جميع الأخوة المسلمين في جميع أقطار المعمورة فمتى وصلت إليه فهو أخوك المسلم، الأخ المسلم ليس من الجيران فقط، ولا من القرابة فقط، ولا من البلد فقط، ولا ممن هو على شاكلته، يبقى أخي المسلم هو أخي المسلم ما دام أنه من أهل السنة والجماعة ، ما دام أنه على العقيدة الصحيحة، مادام أنه يتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ما دام أنه ليس مبتدعاً ولا ظالماً ولا فاسقاً فهو يبقى أخي في الله عز وجل، بل إنه حتى لو كان فاسقاً فإن ابن تيمية رحمه الله يبين فيقول: وقد يجتمع في المسلم إيمانٌ وفسوق؛ لأن الله عز وجل يقول في القرآن بإيضاح أنه قد يحصل في المؤمن إيمانٌ وشركٌ أصغر، أو إيمانٌ وفسق، لكن لا يجتمع الإيمان مع الشرك الأكبر ولا مع الكفر، فيقول ابن تيمية رحمه الله: وكل إنسانٍ نواليه بحسب ما معه من الإيمان، ونبغضه بحسب ما هو عليه من الفسق. فنواليه ونعاديه في نفس الوقت، حتى لو كان فاسقاً فإن له حقاً من الموالاة، ولا بد من الموالاة في الله.

    فنعود ونقول: إن قصر حقوق الأخوة في الله على طائفة من المسلمين دون الباقي لهو انحراف وقصور في فهم الأخوة التي أمر الله بها، وينبغي -أيها الإخوة- أن تكون هذه قضية واضحة، ينبغي أن تكون هذه المسألة مطبقة في واقعنا وإلا فنحن مقصرون.

    فإذاً: أيها الإخوة! هذا الافتراء وهذا البهتان الذي ينطلق أحياناً من بعض ألسنة المسلمين ضد إخوانهم الآخرين، هو من الأشياء التي لا تُرضي الله عز وجل، وصار شعار بعض المسلمين بدلاً من: تعال بنا نؤمن ساعة، صار شعارهم: تعال بنا نغتب ساعة، فتجد المجالس كلها مؤسسة على الغيبة وعلى القدح والانتقاص.

    فإذاً: أيها الإخوة! الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، كوني أختلف أنا وأنت في مسألة فقهية، كوني أختلف أنا وأنت في رأي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -البشر من طبيعتهم الاختلاف- يحصل بيني وبينك اختلاف في الرأي، هذا لا يعني مطلقاً أن أعاديك وأبغضك، أبداً، فإن الصحابة كانت تقع بينهم خلافات.

    علي بن أبي طالب وقع بينه وبين بعض الصحابة حروب باجتهادات، ماذا كان يقول علي رضي الله عنه عندما يشتم بعض الذين قاتلوه في المجلس؟ كان ينهى نهياً شديداً عن ذلك، وكان يقول عندما يطلب رأيه فيمن قاتله: [إخواننا بغوا علينا] هو بويع على أنه خليفة، فحصلت اجتهادات من بعض الناس الآخرين، منهم المأجور مرة ومنهم المأجور مرتين، منهم مجتهد مخطئ ومنهم مجتهد مصيب، رضي الله عنهم أجمعين، كان يقول: إخواننا بغوا علينا، ما أخرجهم عن كونهم إخوة أبداً، إخواننا لكن أخطئوا علينا -بغوا علينا- لكن لا زالوا إخواننا، والله عز وجل قال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9] كيف سماهم مؤمنين وهو يقول اقتتلوا؟ ما أخرجهم عن صفة الإيمان، فلذلك هذا الصنف من الناس الذي يشبهه بعض المفكرين المسلمين بالذبابة التي لا تقف إلا على الخبث، وتنقل هذا الخبث من مكان إلى آخر، هؤلاء الذبابيون - إن صحت تسميتهم بذلك- يقفون على الخبث ويتتبعون سقطات الناس وعيوبهم وأخطاءهم وعوراتهم، ثم يجلسون في المجالس ويعيدون ويكررون ما خرجوا به، هؤلاء الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الخبائث وينقل هذه الخبائث من مكان إلى آخر:

    أنسى عداء المجرمين سياسة      وأغيظ أهلي من بذيء سبابي

    للظالمين تحيتي ومودتي     ولأهل ديني طعنتي وحرابي

    هذا جحيمٌ لا يطاق ومنطقٌ      يأباه وحشٌ قابعٌ في الغاب

    مهما كان أيها الإخوة، المسلمون في العالم إخوة لنا في الله ما داموا على طريقة أهل السنة ، والإحساس بأحاسيس الإخوة والشعور بمشاعرهم عبادة عظيمة.

    وذكر عن الشيخ محمد رضا رحمه الله تعالى؛ الداعية المعروف، أنه من فرط اهتمامه بأمور المسلمين ومشاكلهم يكون في حالة يذهل فيها عن نفسه، يعني: يسرح أحياناً وهو في هم عظيم، وهو يفكر في واقع المسلمين، وقد حصل له مرة أن أمه اقتحمت عليه خلوته وهو جالس يفكر في وضع المسلمين، فرأته واجباً فقالت له تمازحه باللهجة العامية، وهو في مصر: (هو في مسلم مات اليوم في الصين ) أي: مادام أنك مهموم فأكيد اليوم مسلم مات في الصين.

    فإذاً: كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا في هذا، كان يشارك المسلمين آلامهم وآمالهم، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وكان يشاركهم.

    أيها الإخوة: من المؤسف أن تجد أخاً وقع في مشكلة أو مصيبة وهو مغموم والآخر أمامه ينكت ويضحك، وهذا أمامه الآن مغموم وذاك لا يعطي له أي اعتبار ولا يشاركه في أي شعور من مشاعره، فهذا مما يفصم عرى الأخوة في الله.

    التماس الأعذار

    وكذلك من واجبات الأخوة: أن تلتمس الأعذار لأخيك، والمؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ومن روائع كلام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: من صدق في أخوة أخيه قبل علله -كل واحد فيه عيوب وأخطاء، لا يوجد إنسان كامل- وسد خلله، وعفا عن زللِه. هذا سيخطئ عليك ويزل عليك، فأنت ما هو موقفك؟ أن تعفو عن زلته.

    1.   

    بعض سلبيات الاجتماعات والمجالس بين الأخوة

    والآن -أيها الإخوة- سنتكلم عن بعض القضايا الواقعية التي تحدث في أوساط الإخوة في الله، وهذه الأشياء من المشاكل التي تواجهنا، ولا بد من إيجاد الحلول لها.

    الاجتماع والجلوس لغير فائدة

    الآن نتيجة التقارب الذي يحدث بين المسلمين المتآخين في الله عز وجل، فإنهم يكثرون من الجلوس مع بعضهم، وتتعدد مجالسهم، ويجلسون مع بعضعهم كثيراً، وهذا طبيعي؛ لأن الخير لا بد أن ينجذب إليه الأخيار، فسيجلسون مع بعضهم، وهذا الجلوس ليس محموداً في بعض الحالات، بل إنه ينتج عنه مشاكل، ونحن الآن نريد أن نناقش بعض هذه المشاكل.

    يقول ابن القيم رحمه الله: اجتماع الإخوان على قسمين: اجتماعٌ على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ وهذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت، والثاني: اجتماعٌ على التعاون على أسباب النجاة؛ وهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها.

    والآن ليس كل الناس الطيبين إذا اجتمعوا مع بعضهم يخرجون بنتائج طيبة، لا. أحياناً الناس يجتمعون مع بعضهم، لماذا يجتمعون مع بعضهم؟ أحياناً يكون الاجتماع بسبب أن فلاناً فيه توافق وتجانس بين شخصيتي وشخصيته، في مطابقة بين شخصيتي وشخصيته، تآلف هناك أي: أرتاح له ويرتاح لي، المسألة مسألة ارتياح، فنتيجة لذلك نجلس مع بعضنا كثيراً، هذا الجلوس إذا تعدى حداً معيناً فإنه يكون مذموماً، لماذا؟ لأن هذا الجلوس هو عبارة عن استئناس بالجالس، وتفكه ومفاكهة بالحديث معه، وإمضاء للوقت، وهذا الإنسان معاشرته طيبة وحديثه جميل، ونحن نتبادل مع بعض أحاسيس وأخبار، يعني: ارتياح، لا تتعدى المسألة الارتياح، لذلك تجد هذا المجلس ما فيه تواصٍ بالحق والصبر، وليس فيه علم شرعي يطرح، ولا مسائل مفيدة تناقش، وإنما تكون قضايا دنيوية أو أحاسيس وأشياء تقال في هذه المجالس لمجرد الارتياح فقط، هذه الأشياء يقول عنها ابن القيم رحمه الله: هذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت.

    أما النوع الثاني: فهو الاجتماع على التعاون وعلى أسباب النجاح، التعاون لطلب العلم، التعاون للمشاورة والمناقشة في أوضاع المسلمين، وماذا يصلح لهم، التعاون والجلوس لحل مشكلة معينة واقع فيها إنسان مسلم أو بعض المسلمين، مجالس الوعظ والتذكير وزيادة الإيمان، هذه المجالس التي تزيد الإنسان صلة بالرحمن.

    أما إذا كان المجلس بسبب الارتياح لا بسبب الذكر ولا طلب العلم، بل لمجرد الارتياح والتوافق النفسي، فإن هذا المجلس سيكون فيه سلبيات، فمن هذه السلبيات بالإضافة إلى ضياع الوقت وفساد القلب تزين بعضهم لبعض.

    فتجد الناس إذا جلسوا مع بعض كل واحد يداري عيوبه؛ وقد تصبح فيها مجاملات، وكل إنسان يريد أن يظهر أحسن ما عنده من الأخلاق، فلا يظهر لأخيه على حقيقته، فلذلك إذا غادر المجلس تغيرت طباعه، فيسبب تزين بعضهم لبعض، وهذه من آفات المجالس، أن الناس يتزينون لبعضهم، ولا يبدون أمام بعضهم البعض بكل صراحة ووضوح، وإنما يداري العيوب وتنكشف في أماكن أخرى، أحياناً: يجلس الإنسان مع أخيه -مثلاً- في مجلس فيظهر له في غاية البشاشة واللطف، وبغاية الحسن في الأسلوب والأدب، فإذا انقلب إلى بيته وجدت علاقته بزوجته علاقة سيئة جداً، لا فيها لطف، ولا حسن معاملة، ولا أدب، ولا شيء، لماذا؟ بسبب التزين الذي يحدث في المجالس، يتزين بعضهم لبعض. هذه من المشاكل.

    وتزداد الخلطة بهؤلاء الناس عن مقدارها الذي تحتاج إليه، فتتحول إلى شهوة تلهي عن المقصود، وتعطل الإنسان عن القيام بالواجبات، وهذه حاصلة، تجد بعض الناس يجتمعون مع بعض، ويجلسون مع بعض، وقد يكون فيهم خير وليسوا سيئين، ولا فيهم منكرات ولا فسوق؛ لكن تطول بهم مجالس الاستئناس والارتياح فتلهيهم عن طلب العلم، وعن صلاة النافلة، وعن قراءة القرآن، وعن محاسبة النفس، وتلهيهم عن الدعوة إلى الله.

    أيها الإخوة: لا بد أن نفكر جدياً أن هناك من يحتاج إلى أوقاتنا من الضائعين من المسلمين الذين يحتاجوننا بشدة أكثر مما يحتاجه فلان وفلان، عندما نجلس مع بعض لمجرد الاستئناس والارتياح، هذه الاستئناسات والارتياحات تفوِّت عليك أشياء عظيمة جداً وواجبات كبيرة، بدل ما تجلس يا أخي تتكلم في كلام ما نقول كلام محرم بل كلام مباح، قم من هذا المجلس واذهب إلى فلان هذا الحائر الضائع، وانصحه وكلمه لعل الله أن يهديه على يديك، بدلاً من أن تجلس أنت وتضيع الوقت في الكلام مع هؤلاء الناس، وأحياناً لأن طابع المجلس طابع إسلامي، فإن هذا الشيء يُغبش على بعض الأنظار فلا ترى هذا الخطأ، فيقول في عين نفسه: أنا أجلس مع إخواني في الله، الحمد لله أنا جالس مع أناسٍ طيبين، ولذلك لا يفكر في تغيير واقعه، وقد يكون فيه خطأ كبير، أقل ما فيه اشتغال بالمفضول عن الفاضل، وهذا مدخل من مداخل الشيطان.

    الانطلاق في المجتمع أفضل من أن تجلس جلسات الارتياح والمؤانسة، انطلق -يا أخي- فهناك في المجتمع منكرات كثيرة تحتاج إلى تغيير بشتى أنواع التغيير، هناك أناس يحتاجونك بشدة، هناك أقارب لك يعيشون وهم بحاجة إلى شخص ينصحهم، وأحياناً عندما تأتي وتكلم الناس تجد هناك إقبالاً وتعطشاً عند كثير من الناس، لكن هذه الاستئناسات تشغلك عن هذه القضية.

    كان ابن الجوزي رحمه الله يحتال على زائريه، أناس يأتون لتضييع الأوقات، يقولون: هذا ابن الجوزي حسن الكلام والمفاكهة، فيأتونه ويزورونه، وابن الجوزي رحمه الله من الناس الذين عندهم عصامية في القراءة وطلب العلم، فإذا كل شخص جاء يريد أن يكلمه، وكل شخص يريد أن يزوره؛ فمتى يقرأ لنفسه؟ ومتى يبحث؟ ومتى يحاسب نفسه؟ ومتى يربي نفسه؟ ومتى يذكر الله؟ ومتى يصلي الصلوات النافلة؟ فكان ابن الجوزي رحمه الله يحتال لهؤلاء، فيقول: فكنت أترك لزيارتهم الأشغال التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير، يعني: كنت أترك الأشياء التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير هذه أؤخرها إلى أن يجيئني شخص. مثل ماذا؟ مثل بري الأقلام، وتقطيع الأوراق، فهذه كان يخليها عندما يأتي الناس، قال: لأني أقع في مشكلة إذا رددت الناس قالوا: لماذا هذا يردنا؟ هذا متكبر وهذا وهذا... وإذا أدخلتهم وجلسوا ضاع الوقت وراحت القضية في كلام لا فائدة فيه، فصار يرجئ قضية بري الأقلام وتقطيع الأوراق إلى أن يأتي الناس، فإذا جاءوا جلس يقطع ويبري ويتكلم معهم حتى ينصرفوا، أي: لا بد من الحكمة في تصريف الأمور، وليس يأتي إنسان فتقول: اليوم لن أجلس معك؛ لأن هذه المجالس كلها كلام لا فائدة فيه.

    فلا بد من الحكمة والتروي واتخاذ الأسلوب المناسب.

    كيفية التعامل مع الأخ المذنب

    ومن القضايا كذلك التي تحدث في أوساط الإخوة: قد يستزل الشيطان مسلماً من المسلمين فيوقعه في فاحشة من الفواحش، أو في منكر من المنكرات، أو في خطأ شرعي، قد تضعف نفس هذا الأخ المسلم في وقتٍ من الأوقات فيقع في فاحشة أو منكر أو يرتكب معصية، فيكون وقع هذه المعصية على نفوس إخوانه كبيراً جداً، لأنه من المفترض أنه يبتعد عن هذه الأشياء، لكن الضعف البشري صفة ملازمة للبشر؛ لأن النقص في البشر وفي بني الإنسان مسألة موجودة، فإذا وقع شخص من إخوانك المسلمين في هذا الخطأ أو في هذه المعصية ماذا يحدث؟

    في الحقيقة -أيها الإخوة- أن ردود الفعل تتفاوت، فمن ردود الفعل الخاطئة والخطيرة جداً -بل إن عواقبها وخيمة للغاية- أن هؤلاء الناس المحيطين بهذا الرجل إذا عرفوا أنه قد وقع بهذه الخطيئة، أو في هذه المعصية، يتبرءون منه حالاً، وينفضون عنه، لا يجالسونه، ولا يكلمونه ويقاطعونه، ولا يسلمون عليه، ولا يسألون عنه، لأنه في نظرهم قد صار فاسقاً، وهذا التصرف تصرف خطير جداً، بل إنه من أعز أمنيات الشيطان، وأعز أمنياته أن يتصرف المسلمون مع أخيهم المسلم الذي وقع في المعصية هذا التصرف، وود الشيطان أن يصل إلى هذه النتيجة، لماذا؟ لأن ذلك المسلم المخطئ الذي ارتكب هذا المنكر عندما يرى انفضاض إخوانه من حوله ماذا سيحدث؟ سيبتعد عنهم، ومن الذي يجتذبه؟ يجتذبه أعوان الشر وإخوان الشياطين، ويذهب إلى غير ما رجعة، بينما لو كانت الأمور عولجت بأسلوب آخر لكان قد تلافينا الوضع ورجعت المياه إلى مجاريها بغير هذه النتائج الخطيرة.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في قصة الصحابي الذي أخطأ وعصى الله وشرب الخمر، وقد أتي به ليجلد، فبينما هم يجلدونه أخذوا يسبونه: لعنة الله عليه.. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) من المستفيد؟ فأنت الآن عندما تشتمه علناً وتسبه وتلعنه ثم تقاطعه من المستفيد؟ الشيطان هو المستفيد وحزب الشيطان هم المستفيدون الوحيدون من هذه المعاملة، لذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [إذا رأيتم أخاكم اقترف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، كأن تقولوا: اللهم أخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية] لأنك يمكن أن تقع بالخطأ الذي وقع فيه، وأنت لست معصوماً، وربما تزل قدمك في يوم من الأيام وتضعف نفسك لا سمح الله وترتكب هذا الخطأ الذي وقع هو فيه وللآن أنت جالس تنتقص منه وتخاصم وتعاديه وتقطع علاقاتك معه من أجل هذا الخطأ، أنت يبتليك الله بما وقع فيه في يوم من الأيام.

    فإذاً في هذه الحالة ماذا يكون التصرف الصحيح؟

    من قواعد الشريعة -أيها الإخوة- كما قال علماؤنا -وهذا كلام مهم جداً- أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه مالا يعفى عن غيره -كلام ابن القيم رحمه الله كلام جميل- فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. انظر الاستدلال الجميل جداً، فالماء إذا بلغ قلتين ووقع فيه شيءٌ من النجاسة، هل تظهر فيه النجاسة؟ لا. لأنه ماء كثير، وهذا رجل من إخوانك في الله له محاسن كثيرة، وله فضائل كثيرة، وله جهود مشكورة، فعندما يقع في خطأ، هذا الخطأ السيئ الذي وقع فيه بجانب الحسنات الكثيرة التي عنده: ماذا تكون؟ نقطة في شيءٍ كثير من الماء، فلذلك يقول ابن القيم رحمه الله: ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر ((وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!) قالها في أي مناسبة؟ في قصة حاطب بن أبي بلتعة ؛ وحاطب بن أبي بلتعة صحابي جليل جداً شهد معركة بدر ، وقاتل مع المسلمين، وأهل بدر غفر لهم الله عز وجل، وحاطب بن أبي بلتعة فعل خطأً عظيماً، فلقد أرسل رسالة إلى كفار قريش يخبرهم فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عازمٌ على المسير إليهم في فتح مكة ، أليس هذا الخطأ خيانة كبيرة للمسلمين؟ إرسال خبر إلى الكفار لكي يستعدوا ويتأهبوا وتضيع الفرصة على المسلمين خيانة عظيمة، وخطأ كبير جداً، لكن حاطب رضي الله عنه له حسنات هائلة، فهو صحابي جليل، وقد ناصر الرسول صلى الله عليه وسلم وناصر الإسلام، وخرج في معركة بدر وقاتل وفي غيرها من المعارك، ونصر الله ورسوله في مواقف كثيرة جداً، ويطلب العلم مع المسلمين ويدعو معهم إلى الله عز وجل، ومرة وقع في هذا الخطأ بسبب ضعفٍ نفسي، فكيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم الأمور؟

    عمر رضي الله عنه كان غضوباً، قال: أقتل الرجل، فهذا قد نافق وهو جاسوس، أأضرب عنقه؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لـعمر مهدئاً: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!) هذا الكلام لـعمر.

    أما ما قال لـحاطب : فالرسول صلى الله عليه وسلم أتى به بهدوء وقال له (ما حملك على هذا) أولاً: معرفة الأسباب، فهذا من أوائل الأمور، كيف نواجه الأمر؟ أولاً: إذا وقع شخص من إخواننا المسلمين في خطأ أو معصية -أيها الإخوة! هذا منهج مهم جداً نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لاتباعه- أولاً: لا نواجه هذا المخطئ أو هذا العاصي الذي وقع في المعصية بالسب والشتم واللعن ونصفه بالفسق والفجور، وثانياً: لا نغير علاقتنا معه ونقطعها، كما ذكرنا قبل قليل.

    ثالثاً: لا بد أن نعرف عذره، وكيف وقع في هذا الخطأ، وكيف ارتكبه.

    أحياناً قد يكون الرجل عنده عذر قوي، حاطب رضي الله عنه وأرضاه كان عنده بعض العذر والرسول صلى الله عليه وسلم استفهم من حاطب ، أجلس حاطباً وقال (ما حملك على هذا) ما حملك على ما صنعت؟ لأنك أحياناً إذا تبين لك عذر الشخص يمكن أن يتلاشى كل ما في نفسك عليه، فقد تعذره في هذا الشيء الذي وقع فيه، فقد يكون وقع فيه بغير إرادته، وقد يكون الشيء الذي أنت تصورته عن وضعه غير صحيح.

    فلا بد إذاً -أيها الإخوة- من معرفة العذر، ثم بعد ذلك تقدر الأمور وينظر إلى عذر هذا الرجل: ما هي قوته؟ هل يعاتب؟ هل يوبخ؟ والتوبيخ من وسائل التعزير، إذا كانت مقاطعته مفيدة -مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع كعب بن مالك- تُفعل. فـكعب بن مالك متى قاطعه النبي صلى الله عليه وسلم؟ لما كان مجتمع المدينة كله مسلماً تقريباً، قاطع الرسول صلى الله عليه وسلم كعباً ، وأفادت القطيعة، لكن إذا قاطعت الآن أحد المسلمين الذين يخطئون، ماذا تكون النتيجة؟ آلاف من أهل الشر ينتظرونه ليتلقفوه.

    فإذاً مقاطعته في هذه الحالة تكون من عدم الحكمة، فلذلك لا بد من الإحسان إليه، ونعظه في الله موعظة، ونذكره بعقوبة هذا الجرم الذي وقع فيه عند الله، وإذا تاب واستغفر وحسنت حاله فقد يرجع التائب إلى درجة أعلى من الدرجة التي كان فيها قبل الذنب، كما ذكره ابن القيم رحمه الله، يقول: من التائبين من يعود إلى درجة أعلى مما كان عليه قبل أن يقع في الذنب، ومنهم إلى نفس الدرجة، ومنهم من يرجع إلى أقل منها، بحسب حاله وتوبته وإنابته.

    لا بد من إحسان الظن بالإخوة، لا بد أن نحسن الظن بإخواننا ونلتمس العذر لهم، وأن نحمل الأمر على أحسن أوجهه، حتى نحصل على أفضل النتائج، ونسد أي ثغرة من الثغرات التي يفتحها الشيطان، يقول أحد السلف : إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى. وقال أحدهم لرجل من السلف وقد انقلب صاحبه عن الاستقامة -أي: رجل من السلف له صاحب، وهذا الصاحب انقلب عن الاستقامة، فقيل لهذا الرجل-: ألا تقطعه وتهجره؟ -يعني: هذا الرجل الآن أصبح عاصياً لماذا لا تقطعه وتهجره؟ -فقال: إنه الآن أحوج ما يكون إليَّ. بمعنى: أنه عندما وقع في عثرته فأنا آخذ بيده، عندما يكون الشخص مستقيماً قد لا يحتاج لأحد، لكن عندما يقع في الخطيئة ويقع في المعصية تكون حاجته لإخوانه في الله أكثر من حاجته قبل المعصية بكثير.

    إذاً لا بد من تقدير هذه النقطة، وإذا ما قدرت ضاع هذا المسكين، حاجة المخطئ لإخوانه بعد الخطيئة أعظم من حاجته إليهم قبل أن يخطئ، فإنه فعلاً يحتاج الآن إلى انتشال، ويحتاج إلى إصلاح، وتغيير حاله وإعادته مرة أخرى.

    كذلك بعض الناس إذا كانت المناسبة -مثلاً- مناسبة لعب أو حفلة، فإنهم يحضرون كلهم في المجلس، أما إذا كانت مناسبة علم شرعي، فإنك ترى بعضهم يتخلفون، فهؤلاء ليسوا بإخوة في الله حقيقة، ولو كانوا كذلك لحرصوا على ما يرضي الله، ولاجتمعوا عليه وتفرقوا.

    1.   

    سلبيات وأخطاء في عالم الأخوة في الله

    التعلق بين المتآخين

    وقد تتحول -وهذه من الممارسات الخاطئة في قضية الأخوة- الأخوة في الله إلى شكلٍ آخر من الأشكال التي لا ترضي الله عز وجل، فقد يحصل الغلو في باب الأخوة لدرجة أنها تخرج عن مفهومها الإسلامي الصحيح، وتتحول من أخوةٍ في الله إلى لونٍ من ألوان التعلق القلبي بالمخلوقين وصورهم، فتجد بدلاً من العلاقة الأخوية القائمة على التناصح والاستفادة تنقلب هذه العلاقة إلى علاقة تعلق وتجاذب بين المتجالسين أو المتآخيين، تخرج بها عن حدها الشرعي وتوقع الإنسان في مهاوٍ كثيرة، فتفسد عليه قلبه، فأحياناً يتعلق شخصٍ بشخص آخر تعلقاً مذموماً، لدرجة أنه قد يفكر فيه في الصلاة، فهو في الصلاة لا يدري متى تنتهي الصلاة حتى يذهب يقابل هذا الرجل؛ لأنه تعلق به تعلقاً قلبياً، تعلق بشخصيته وما تعلق بعمله الصالح ولا بمنهجه وطريقته وعلمه، ولا تعلق به كقدوة، ولكن تعلق به كصورة وشكل، أو كظرافة وخفة دم مثلاً، فهنا تنقلب القضية من أخوة في الله إلى أشياء أخرى خطيرة، فتأخذ الأمور مجرىً آخر، ويصبح قلب الإنسان متعلقاً بشخصية هذا الرجل، فدائماً يطرأ على باله فيتذكره ويتعلق قلبه به، ويشتغل قلبه عن حب الله عز وجل بحب هذا الرجل محبة غير شرعية لا ترضي الله عز وجل، وينشغل قلبه عن الصلاة -مثلاً- وعن ذكر الله تعالى، ويكون همه هو الجلوس إلى هذا الرجل والاستئناس إليه، وقد يحدث هذا الأمر في نطاق النساء كثيراً؛ لأن النساء فيهم عاطفة بطبعهم، ولذلك تجد أشكالاً كثيرة من الانجذاب.

    بعض الناس أحياناً يصل بهم الأمر لدرجة التعلق ولدرجة أنه لا يستطيع فراق الشخص الآخر مطلقاً، فإذا غاب لا يدري متى يرجع إليه، وإذا فقد صوته تجده أحياناً يتصل بالهاتف ليسمع صوته فقط ويكلمه أي كلام، ثم يقفل السماعة، وبعد قليل لأنه لا يقدر على مفارقة صوته يتصل مرة أخرى وما عنده كلام فيقفل التلفون، ثم مرة ثالثة وهكذا تأخذ القضية أشكالاً عجيبة وصوراً لا ترضي الله عز وجل.

    فهذه القضايا من التعلق من أحسن من كتب في علاجها ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ، فإن السؤال الموجه إليه في هذا الكتاب، هو قضية التعلق، فأجاب عنه رحمه الله إجابة شافية وافية، وذكر أشياء كثيرة في النصف الثاني من الكتاب، فليراجعها من شاء، المهم أن نفرق بين الأخوة وبين التعلقات الشخصية، وألا يلبس التعلق الشخصي لبوس الأخوة في الله، ولا يلبس على المسلمين هذا الأمر، فتخرج القضية عن حدودها الشرعية.

    التساهل في احتشام الأهل من الأخ في الله

    كذلك -أيها الإخوة- من الأشياء الخاطئة التي في أوساط الأخوة في الله: التساهل في العلاقات بأهل الأخ في الدخول عليه وعلى بيته، فأحياناً الإنسان يدخل بيت أخيه وقد لا يكون الأخ موجوداً، قد يكون في البيت نساء ويتساهل الإنسان في الدخول، قد تظهر أمامه أشياء لا يجوز له أن يراها، قد يطلع على عورات لا يجوز له الاطلاع عليها، أحياناً من كثرة الدخول والخروج يكون هناك نوع من الألفة بين الرجل وبين النساء في بيت أخيه، وأحياناً قد يفتحون له الباب فيرى شكل المرأة أو منظرها مثلاً، وهذه قضية لا ترضي الله عز وجل، فلا بد من المحافظة على الحدود الشرعية، صحيح أن هذا بيت أخي ولي الحق أن أدخل فيه وأجلس وأستريح، ولكن هذا لا يعني أن أطلع على حرماته ويحصل هذا التساهل وهذه الألفة التي تؤدي إلى انكشاف العورات وأن أرى ما لا يرضي الله تعالى، وأحياناً تحدث قصص ومآسٍ تكون بدايتها هذه القضية.

    كذلك يحصل التساهل أحياناً بين بعض الإخوة في القعود مع بعضهم ومع أهلهم، مثلاً أناس يذهبون في رحلة إلى البحر، وكل واحد منهم يأخذ زوجته معه، هؤلاء أناس نفكر أنهم إخوان في الله، فماذا يحصل في النهاية؟ اجتماعٌ عام، وتصير القضية خلطة، وتصير المسألة مجلس منكر من المنكرات، ويتداخل الرجال مع النساء، بفعل تطور الأمور، التي قد تكون بدايتها طيبة لكن تكون النهاية مأساوية، فيجب التزام حدود الشرع في فصل النساء عن الرجال فصلاً كاملاً، وعدم نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية.

    كذلك -أيها الإخوة- الأخوة في الله لا تعني عدم التزام الآداب الإسلامية مع الأخ المسلم، يعني: إهمال قضية السلام، أو إهمال قضية الاستئذان، فمن الآداب الإسلامية أنك تستأذن قبل أن تدخل، أحياناً يصبح الواحد معتاداً على أخيه المسلم فيدخل عليه من غير أن يستأذن، وقد يكون الأخ في حالة غير مستعد فيها لاستقبال الناس، وهذا داخل على غرفته أو داخل على بيته وخارج.. هذا ليس صحيحاً، نعم هو أخوك في الله وبينكما عشرة عمر، ولكن في نفس الوقت لا بد أن تحافظ على آداب الاستئذان، ولا بد أن تستأذن، ولا تدخل حتى يسمح لك بالدخول، وألا تؤدي العشرة وكثرة الخلطة إلى هذه القضية.

    التصرف بمال الأخ من دون إذنه

    كذلك -مثلاً- التصرف في ممتلكات الأخ بغير إذنه أو استشارته، أحياناً شخص يقول: هذا أخي في الله، آخذ سيارته وهو لا يعلم، ويأتي هذا الأخ يحتاج السيارة في وقتٍ عصيب وضيق فلا يجد السيارة، من الذي أخذها؟ فلان من الناس، كيف؟ والله أنا وأنت مالي مالك، وسيارتك وسيارتي. يا أخي! مهما كان لا بد أن تستأذن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه) واحد يحتاج كتاباً دراسياً أو علمياً أو غيره، يأتي أخ له فيدخل على بيت هذا فيأخذ الكتاب من غير استئذان، وبعد ذلك يأتي هذا المسكين يبحث عن الكتاب فلا يجده، قد يكون عنده امتحان، قد يكون عنده واجب، قد يكون عند شيء، فلا يدري هذا الشيء، هذا غير صحيح، فالأخوة في الله لا تعني أن تأخذ ممتلكات هذا الشخص بغير إذنه.

    إسقاط الاحترام بين الإخوة

    كذلك مناداته بأحب الأسماء إليه، فبعض الناس يعتاد على أخيه اعتياداً مذموماً، فيسقط الاحترام والهيبة، وهذه مسألة مهمة، أحياناً الناس الذين يعيشون في أجواء الأخوة تسقط فيما بينهم قضية احترام المسلم لأخيه المسلم، فيتعدى عليه بألفاظ، قد يناديه باسمٍ قبيح، قد يغلط عليه في الأسلوب، ثم يقول: لا مشكلة، يعني: أخوة، حسناً: الأخوة لا يعني أن تسقط هيبة أخيك المسلم من نفسك، بل لا بد أن يكون له احترام وتقدير، وأحياناً الشخص حتى أمام الناس -مثلاً- يتكلم مع أخيه المسلم بكلام غير لائق وبكلام غير مناسب، لماذا؟ لأنه أخذ عليه كثيراً، ما أصبح هناك احترام، وهذه من الأشياء الواقعة التي ينبغي الانتباه إليها.

    المزاح الثقيل والتساهل في المواعيد

    كذلك -أيها الإخوة- المزاح الثقيل، واحد يمزح مع أخيه ويقول: هذا أخي في الله، ويمزح معه مزاحاً قد يؤلمه ويجرح شعوره، بينما لو ذهب ليمزح مع إنسان آخر ستجده لبقاً ويستخدم ألفاظاً مناسبة في مكانها، لكن إذا جلس مع أخيه المسلم الذي تعود عليه أخرج كلاماً غير مناسب.

    كذلك من الأمور التي تحدث: التساهل في المواعيد، يقول: ما دام أن هذا أخي في الله فإنه مقدر لظروفي، إذاً دعني أتأخر ساعة أو نصف ساعة، ليس مهماً، فيتساهل الإنسان في مواعيده، ولكن إذا واعد رجلاً آخر ما بينه وبينه معرفة كبيرة تجده يأتي بالضبط والدقة والموعد، ويريد أن يعطي الشخص الآخر فكرة مهمة عن احترام المسلم للمواعيد، وأن من إذا وعد أخلف تعتبر فيه صفة من صفات المنافق، لكن إذا جاء مع أخيه يقول: لا يهم، هذا أخي في الله. اتركنا نتأخر.. ما في مشكلة وهو سوف يسامحنا أصلاً.

    التساهل في تقديم الخدمات

    كذلك من القضايا التي تحدث: التساهل في تقديم الخدمات لإخوانك المسلمين، بحجة أن هذا أخ مسلم ولا يحتاج أن أبذل معه جهداً وأقدم له، معونة قد أدعو واحداً إلى عشاء وأتكلف له لأنه غريبٌ عني، لكن أخي المسلم القريب مني من الممكن أطعمه أي شيء، أو أن لا أتكلف بأن أدعوه إلى الوليمة، يعني هذا قريب ويحتاج، الرسول صلى الله عليه وسلم ماذا قال في الحديث (أو تطرد عنه جوعا) أوليس الأخ المسلم القريب منك والملتزم بالإسلام أكثر من واجبك أن تكرمه؟ ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) ؟! ما معنى أن يأتي الغريب فتكرمه وتضيفه وعندما يأتي أخوك المسلم تقدم له أي شيء؟

    الحسد

    كذلك -أيها الإخوة- من المشاكل التي تقع أحياناً بين الإخوة في الله: قضية الحسد، وتنتج هذه المسألة -وسبق أن تكلمنا فيها- نتيجة بروز موهبة عند هذا الأخ، مثلاً: في حسن صوته، أو جمال خطه، أو فصاحته، أو جودة أسلوبه، أو جاذبيته، أو نجاحه في الدعوة إلى الله عز وجل، هنا يأتي الشيطان فيثير هذه الأشياء، فيقول: لماذا فلان أحسن مني؟ ولماذا كذا.. فتنطلق الأحقاد ويحس المسلم بشعور الحسد نحو أخيه، وهذا خطأٌ عظيم!

    الحسد من الأمراض القاتلة التي تحرق الحسنات، والمفروض أن الإنسان يفرح إذا ظهرت موهبة من أخيه المسلم حتى يستفيد الإسلام منها، والمفروض أن تفرح بهذا الشيء، وأن تفرح لهذه الموهبة التي وهبها الله أخيك.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، والحمد لله أولاً وآخراً.