إسلام ويب

الاجتهاد والإفتاءللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن باب الاجتهاد مفتوح، ولكن هناك شروط لابد من توفرها في المجتهد، وهناك أصول وضوابط ينطلق من خلالها المجتهد. وهذه المادة تحتوي على مباحث تتعلق بالاجتهاد والتقليد وضوابط الفتيا، مع حديث هام عن موضوع العمل بالقوانين الوضعية وحكم من يحكم بها أو يعتقدها.

    1.   

    أحوال الاجتهاد والاتباع والتقليد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    السؤال: هل صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا اجتهد الإمام فأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران)؟ وفي حال صحة الحديث هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟

    الجواب: هذه المسألة طالما تكلمنا عنها مراراً، ويتكرر السؤال كما تسمعون، والسبب في ذلك أن هناك أناساً -مع الأسف- مغرضين، يثيرون هذه المشكلة بين الناس مع كثير من البهت والافتراء على الأبرياء، فلا بد إذاً من الإجابة على هذا السؤال بشطريه:

    صحة حديث: (إذا اجتهد الإمام فأخطأ...)

    الشطر الأول: الحديث صحيح؛ لأنه مما أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد).

    حكم الاجتهاد والتقليد

    الشطر الثاني من السؤال: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟

    الجواب: ملزم وغير ملزم، بمعنى: أن ذلك يختلف باختلاف المسلم من حيث علمه.. وثقافته.. وقدرته.. واستعداده، وكل ذلك يجب أن يلاحظ حينما يقال: يجب على المسلم أن يجتهد. أنا كنت -كما سمعتم ربما- في المدينة المنورة، وهناك أناس يدعون بدعوتنا إلى الكتاب والسنة؛ ولكن هم مبتدئون في الطريق، وبحاجة إلى علمٍ كثير، فهم يقولون بوجوب الاجتهاد على كل مسلم، دون أي تفصيل، والتفصيل: واجب على كل عالمٍ مسلم أن يقوم به، حتى لا يقع في إفراط أو تفريط، فقد قلت لهؤلاء ولغيرهم سابقاً ههنا: إن التقليد الأصل فيه أنه لا يجوز، والأصل أن المسلم -أي مسلم كان- يجب أن ينطلق في حياته الإسلامية على بينة وعلى بصيرة من دينه، كما قال ربنا عز وجل في كتابه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فلئن كان قول الله تبارك وتعالى حكاية على لسان نبيه: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، إن كان هذا نصاً عاماً يشمل كل متبعٍ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] إذا كان هذا النص: عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] نصاً شاملاً لكل مسلم، فلا شك حين ذاك أنه يجب على كل مسلم أن يكون على بصيرة من دينه، فهذا هو الأصل، لا فرق في هذا بين عالمٍ، ومتعلمٍ، وغير متعلم؛ كما جاء في بعض الآثار الموقوفة: [كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، ولا تكن الرابعة فتهلك] لا فرق في هذا بين طبقات المسلمين من حيث ثقافتهم؛ لأنه يجب على كل منهم أن يكون على بصيرة من دينه، للآية السابقة وغيرها مما يؤدي مؤداها، ولكن قد لا يستطيع كل مسلم أن يكون على بصيرة في كل مسألة، فحينئذ يعمل ما يستطيع، وأنا قلت لأولئك الأشخاص: إن كثيراً من العلماء المجتهدين يقلدون في بعض الأحايين مضطرين، فالعلماء المجتهدون يقلدون أحياناً؛ لكنهم إنما يفعلون ذلك اضطراراً، وقلت أيضاً: ليس التقليد من حيث أنه ينافي التبصر في الدين بأشد تحريماً مما نص الله عز وجل في القرآن على تحريمه، كقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة:3] إلى آخر الآية، ولكن هذا التحريم منوط ومربوط بالاستطاعة، لأن القاعدة القرآنية تقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فإذا كان الإنسان في وضع لا يستطيع إلا أن يواقع شيئاً من هذه المحرمات الثلاث المذكورة في الآية السابقة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة:3] فاضطر إلى شيء من هذه المحرمات، فليس ذلك بحرامٍ عليه؛ لقوله في تمام الآية: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] وبمثل هذه الآية وغيرها جاءت القاعدة الفقهية الإسلامية: (الضرورات تبيح المحظورات).

    أعود لأقول: التقليد ليس أشد تحريماً من هذه المحرمات وأمثالها، فإذا كانت هذه المحرمات تباح للضرورة؛ فالتقليد كذلك يباح للضرورة، ولذلك فكما أنه لا يجوز المغالاة في تحريم التقليد ألبتة في كل الحالات والصور كما ذكرنا آنفاً، فيستثنى من التحريم حالة الاضطرار، كذلك لا يجوز بداهة أن نجعل حالة المسلمين عامة، وفيهم العلماء، والشيوخ، وأهل العلم، والفضل -كما يقولون- أن نجعل حالتهم حالة اضطرار، كما لو قلنا: المسلمون اليوم مضطرون لأكل هذه المحرمات، هذا لا يقوله إنسان؛ لأنهم يعيشون في وضع طبيعي، فهم يستطيعون أن يأكلوا مما أحل الله لهم من غير هذه المحرمات، فكيف يقال: إنهم -والحالة هذه- مضطرون لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير؟! هذا لا يقوله إنسان فيه ذرة من عقل، كذلك لا يصح أبداً أن نقلب الوضع فنقول: المسلمون اليوم كلهم -بما فيهم أهل العلم- مضطرون للتقليد؛ لأنهم لا يستطيعون الاجتهاد، هذا قلب لما يجب أن يكون عليه وضع العالم الإسلامي، فالعالم الإسلامي منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان فيه الناس طبقات، عالم، ومتعلم، ومستمع، فكيف نجعل كل الطبقات اليوم هي الطبقة الدنيا وهو مستمع فقط، يسمع الكلمة ويتلقفها، ثم يعمل بها؟ أما من أين جاءت؟ ما أصلها؟ ما فصلها؟ ما دليلها؟ أهو الكتاب أم السنة؟ أهو القياس؟ وهل هذا القياس قياس جلي أم خفي؟ وهل هو قياس صحيح أو قياس أولوي؟ أو ما أشبه ذلك.. فهذا لا تستطيعه هذه الطبقة الدنيا طبقة المستمعين إنما يستطيع ذلك طبقة أهل العلم.

    إذاً: التقليد في الوقت الذي هو حرام، ويجب على كل مسلم أن ينجو منه بقدر استطاعته؛ إلا أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

    الاتباع وسط بين الاجتهاد والتقليد

    على هذا نحن يجب أن نفهم هذه المسألة حتى لا نقع -كما ذكرنا- في إفراط وتفريط، فليس كل مسلم بملزم أن يجتهد؛ ولكن الذي يلزمه الاجتهاد هو المستطيع؛ ولكن هنا مرتبة وسطى ما بين التقليد والاجتهاد، ذلك لأننا ذكرنا آنفاً أن كل مسلم يجب أن يكون على بصيرة من دينه بنص الآية السابقة العامة، لكن البصيرة بالدين يمكن تحصيلها بطريقة لا هي اجتهاد، ولا هي تقليد محرم في الأصل، لا هي بطريقة الاجتهاد التي لا يستطيعها كل الناس إلا الخواص منهم، ولا هي بطريقة التقليد التي يكون الأصل فيها التحريم، هناك طريقة وسط بين الطريقتين -الاجتهاد والتقليد- ألا وهي طريقة الاتباع، وهذا اصطلاح علمي جرى عليه كثير من المحققين، القدامى والمحدثين، كمثل حافظ الأندلس أبو عمر بن عبد البر، فقد جعل العلم ثلاث طبقات: اجتهاد، واتباع، وتقليد، وعلى ذلك جرى من بعده من أهل التحقيق كـابن تيمية، وابن القيم وغيرهما.

    الفرق بين الاتباع والاجتهاد

    فطريقة الاتباع فيها حل للمشكلة، وقضاء على التقليد الذي عم وطم في بلاد الإسلام، وليست طريقة الاجتهاد كما يظن الظانون والباغون المفترون اليوم.

    يمكن القضاء على التقليد الذي هو في الأصل حرام، ليس فقط بطريقة الاجتهاد، وإنما بطريقة أخرى دون ذلك، وهي طريقة الاتباع، والفرق بين طريقة الاجتهاد والاتباع فرقٌ سهل وواضحٌ جداً، ألا وهو:

    أن الاجتهاد يعني أن يكون المسلم العالم على علمٍ باللغة العربية، وآدابها، وعلوم الشريعة؛ كعلم الحديث، والتفسير، وأصول الفقه، ونحو ذلك، وهذا فعلاً لا يستطيعه حتى الذين درسوا هذه العلوم، لا يستطيعون تحقيقها وتطبيقها عملياً في واقع حياتهم العلمية.

    لكن الاتباع هو: أنك حينما لا تستطيع الاجتهاد تسأل، فعليك أن تسأل أهل الاجتهاد -أهل العلم والفقه في الدين- عن المسألة التي يقدمونها إليك جازمين بحرمتها، أو جازمين بإباحتها، أو جازمين بوجوبها، أو باستحبابها، أو غير ذلك من الأحكام الشرعية، تستطيع أن تسألهم عن الدليل، فإذا قدّموا إليك الدليل اطمأن قلبك إلى هذا الحكم؛ لأنه قدم مقروناً بدليلٍ شرعي، بخلاف ما لو قال لك: هذا حرام، أو هذا حلال؛ فإنما قدم لك رأيه عارياً ومجرداً عن الدليل الشرعي، فالذي يأخذ هذا الرأي، التحريم، أو غيره، غير مقرون بدليل، فهذا هو التقليد، وهو الذي ينبغي أن نتخلص منه بقدر الإمكان، والذي يأخذ المسألة مقرونةً بدليلها الشرعي، من كتابٍ، أو سنة، أو اجتهاد عالم مجتهدٍ ما، فهو المتبع، والذي يقدم الدليل متفقهاً فيه من الكتاب والسنة فهو المجتهد.

    لذلك فليس من الطبيعي أن نظل نوجه مثل هذا السؤال، هل كل مسلم ملزم بالاجتهاد؟نقول: كل مسلم ملزم بأن يكون على بصيرة من دينه، أما الملزم بالاجتهاد فهم أهل العلم، وأهل العلم اليوم إن وجدوا فالمنصفون منهم في هذه المسألة يصرحون بأنهم ليسوا من أهل العلم، وهذا تصريح لا يبوحون به إلا حينما تضطرهم المجادلات العلمية إلى أن يقولوا بصراحة: إننا لسنا بعلماء، فأين هؤلاء العلماء؟ أصبحوا باعترافهم في خبر كان، ولذلك يعترفون بأن باب الاجتهاد أغلق، ومعنى هذا: أن العالم الإسلامي كله، أو على الأقل جله، يعيش في جهل، لا يعيش في حالة اجتهاد، وهذا أمر بدهي؛ لأنه في الزمن الأول ما كان كل أفراد المسلمين مجتهدين.

    التقليد هو الجهل بعينه

    المسلمون اليوم لا يعيشون في حالة اتباع على بصيرة؛ لأنهم يعيشون في حالة تقليد، فهل هكذا أمر الإسلام؟ هل قال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على تقليد أم على بصيرة؟ ويجب أن تتذكروا أن من مواضع الاتفاق أن كلمة التقليد تساوي جهل، التقليد هو الجهل، ما من خلاف بين سلفي وخلفي في القضية إطلاقاً، كل العلماء يقولون: إن التقليد هو الجهل؛ ولذلك نص في بعض كتب الحنفية على أن المقلد لا يولى القضاء، وجاء الشارح وشرح المتن بقوله: لأن المقلد جاهل، والذي ينبغي أن يتولى القضاء يجب أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، أي يجب أن يكون مجتهداً، ولذلك لا يولى المقلد القضاء؛ لأنه جاهل، وكما قلت: التقليد جهل باتفاق العلماء، فإذا قيل: ما بقي هناك اجتهاد، فمعنى ذلك: أن العالم الإسلامي اليوم يعيش في جهل عميق جداً.

    إذاً: ما فائدة وجود الكتاب، ووجود السنة، بين ظهراني الأمة؟! والذين يفترض فيهم أن يكونوا على علم ودراسة لهذا الكتاب ولهذه السنة، يقولون: لا أحد يستطيع أن يفهم الكتاب والسنة، فنحن نعيش مقلدين، بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يفخر بأنه مقلد، ناسياً أن التقليد هو الجهل؛ لأني أظن أن إنساناً فيه ذرة من عقل لا يمكن أن يفخر بجهله، ولكنه افتخر بتقليده؛ وما ذلك إلا لأنه نسي ما معنى التقليد؛ لأن كلمة التقليد ليست صريحة في إعطاء المعنى الذي يفهم من كلمة الجهل، فلا أحد يفخر بالجهل؛ لكنه قد يعتذر ويقول: والله أنا لا أعلم، أما أن أحداً يفخر بالتقليد وهو مساوٍ للجهل كما ذكرنا، فهذا مما وقع فيه بعض الدكاترة في العصر الحاضر؛ لأنه نسي أن التقليد هو الجهل بعينه، لذلك أرجو أن يكون هذا واضحاً بينكم جميعاً، وأن يبلغ الشاهد الغائب.

    من جهة أخرى لا تكثروا السؤال: هل كل مسلم ملزم بالاجتهاد؟ كل مسلم ملزم بالاتباع، أما الاجتهاد فالذين يظن أنهم أهل العلم لا يستطيعونه اليوم باعترافهم، فماذا نقول عن الطلاب الذين يتخرجون تحت أيدي هؤلاء العلماء الذين هم مقلدون، أي: هم جهال، وكما قال قائلهم: هم علماء مجازاً وليس حقيقةً، هذا شأن العلماء في العصر الحاضر، فماذا يكون شأن الطلاب الذين يتخرجون تحت أيدي هؤلاء العلماء مجازاً باعترافهم؟! لذلك احفظوا هذه الآية، وتذكروا دلالتها العامة: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] .

    كيف يكون المسلم متبعاً لرسول الله

    يجب على كل مسلم ليتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا حقاً، أن يكون على بصيرة من دينه، وهذا لا يتحقق -مع الأسف الشديد- إلا بأن يتحرك من في استطاعتهم أن يدرسوا الكتاب والسنة، وأن يتبينوا الحق مما اختلف فيه الناس ليقدموا هذا الحق إلى الناس ولعل مما يساعد على ذلك أن الجمهور المسلم إذا عرف هذه الحقيقة، وهي: أنه يجب أن يكون على بينة من دينه، وعلى بصيرة من أمره.. لعل مما يساعد على نشر هذا التبين أن يطالب الجمهور من يظنون فيهم العلم، بأن يبينوا ويوضحوا لهم الحقيقة، حتى يعيشوا على بينة وعلى بصيرة من دينهم.

    هذا جواب السؤال السابق، وهو: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟ فنقول باختصار: كل مسلم ملزم بالاتباع، وأما الاجتهاد فملزم به من يستطيعه، وأما التقليد فحرامٌ كله إلا عند الضرورة، هذه خلاصة الجواب.

    1.   

    العدل والظلم وعلاقتهما ببقاء الأمم

    السؤال: قال ابن تيمية : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، نرجو شرح هذا القول، مع بيان الأدلة الشرعية عليه، ورأيكم فيه.

    الجواب: أنا لا أستحضر قول ابن تيمية هذا، ولكن الآية الكريمة التي تقول: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] ذكر بعض علماء التفسير هذا المعنى الذي ينقله السائل عن ابن تيمية رحمه الله، ذلك بأن الظلم هو سبب خراب البلاد، وهلاك العباد، فإذا كانت الأمة أو الدولة كافرة، ولكنها تحكم بالعدل فيما بينها، هذا العدل الذي يعرفه الناس بفطرهم، فإذا كانوا يحكمون بذلك؛ تقوم دولتهم، وتستمر مدة طويلة، والتاريخ يشهد بهذا، وعلى العكس من ذلك، إذا بغى الحكام وجاروا على العباد؛ كان ذلك سبباً لقيام الثورات، وما يسمى اليوم بالانقلابات العسكرية، ولن تستقر الأوضاع في تلك البلاد حتى يُهلك الشعب الواحد بعضه بعضاً، ويكون ذلك سبباً لفتح الطريق لأمة أخرى لكي تستعبدها، ولا شك أن الإسلام جاء بكل ما فيه خير الدنيا والآخرة، ومن ذلك الأمر بالعدل، والأمر بإقامة الحدود بين الناس، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (حدٌ يقام في الأرض خيرٌ من مطر سبعين صباحاً) وما هذا إلا لتحقيق العدالة في المجتمع الإسلامي، فإذا افترضنا مجتمعاً إسلامياً لا يقيم حكم الله عز وجل في الأرض، وذلك مما لا يمكن إقامته إلا على إقامة العدل بين المسلمين، فلا يمكن أن تقوم قائمة هذه الدولة؛ لأنها حين ذاك تحكم بغير ما أنزل الله ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد عرض أمته ودولته للانهيار، هذا ما يحضرني الآن جواباً عن هذا السؤال الأول.

    1.   

    نسخ الاجتهاد للأحكام الثابتة

    السؤال: إذا كان النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه، فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام؟ ومتى يكون ذلك؟

    الجواب: مما هو مجمع عليه بين علماء المسلمين: أن النسخ لا يمكن أن يقع بعد استقرار الأحكام الشرعية، وذلك لا يظهر يقيناً إلا بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فأي حكمٍ انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وقد استقر ذلك الحكم على وجه، فلا يمكن أن يُنسخ هذا الحكم بعده عليه الصلاة والسلام بوجه من الوجوه، ولعلنا نذكر جميعاً أن معنى النسخ هو: إبطال الحكم وإلغاؤه من أصله، وليس من هذا القبيل ما قد يشير إليه السائل في قوله: فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من أحكام؟ ومتى يكون ذلك؟ لا يمكن أن يكون نسخ حكم تقرر أنه حكم ثابت -كما ذكرنا- واستمر ذلك إلى آخر حياته عليه السلام، لا يمكن لمثل هذا الحكم أن ينسخ بأي وجه من الوجوه، لكن الذي يمكن أن يقع في ظروف وملابسات خاصة، هو توقيف حكم من الأحكام الثابتة غير المنسوخة إلى أمد معين؛ بسبب ظروف أحاطت بالناس فأوجبت تأخير ذلك الحكم إلى زمن معين.

    مثلاً: جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الطلاق الثلاث، الذي كان في عهد الرسول عليه السلام يعتبر طلقة واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر الصديق، وكذلك في شطر من خلافة عمر نفسه، جعل عمر رضي الله عنه هذا الطلاق ثلاثاً، فمن طلق ثلاثاً في عدةٍ واحدة اعتبره نافذاً ثلاثاً، على خلاف ما كان الأمر عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد أبي بكر، وفي شطر من خلافة عمر نفسه، كما ذكرنا.

    يذهب بعض الفقهاء المتأخرين الذين رأوا جمهور علماء المسلمين تبنوا هذا الحكم وكأنه حكم لازم وثابت إلى يوم الدين، يرون بأن تنفيذ عمر للطلاق بلفظ الثلاث (ثلاثاً) لا يمكن أن يكون إلا ولديه ناسخ، يقولون هذا لأنهم لا يجدون في نصوص السنة فضلاً عن نصوص الكتاب ما يمكنهم أن يدعموا به أن ما فعله عمر هو حكم ثابتٌ قاله الرسول عليه السلام، لا يجدون إلا أن يقولوا: إن عمر ما صار إلى هذا إلا ولديه نصٌ ناسخ للحكم السابق، وهو أن الطلاق بلفظ الثلاث يعتبر طلقة، ولعل الحاضرين جميعاً يفقهون ما معنى طلاق بلفظ الثلاث، وأنه يعتبر ثلاثاً في اجتهاد عمر، ولم يكن كذلك في زمن الرسول عليه السلام، و أبي بكر، وشطر من خلافة عمر، كأني أرى من الضروري أن أقف قليلاً هنا لأبين لكم الفرق؛ لأنها مما يبتلى به كثير من الناس اليوم..

    الأصل في الطلاق الشرعي: أن الذي يريد أن يطلق زوجته طلاقاً شرعياً؛ يشترط في هذا الطلاق أن تتوفر فيه شروط عديدة ولست الآن في صددها، وإنما أذكر هذا الشرط الواحد، وهو ألا يجمع الطلقات الثلاث التي قال الله فيها: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] الطلاق مرتان، في كل مرة إمساك بمعروف، أي: بعد ما طلقت، أو تسريح بإحسان، فإن طلقها في الثالثة فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ هذا من شروط الطلاق الشرعي؛ أن يطلق ثم يفكر هل يمسكها ويرجعها إلى نفسه، أم يخلي سبيلها والله يعوضه خيراً منها ويعوضها خيراً منه؟ جعل الله عز وجل له ساحة تفكير وهي العدة، فالمرأة بعد أن طلقها زوجها فعدتها ثلاثة قروء، أي: ثلاثة أشهر وعشرة أيام تقريباً، فيفكر الرجل في هذه المدة يعيدها أو لا يعيدها، فإذا انتهت العدة أصبحت المرأة حرة وليس له سبيل إلى إرجاعها، وقبل العدة يستطيع أن يعيدها إليه بدون نكاح، ولكن تحسب عليه طلقة.

    1.   

    الضوابط الشرعية للفتوى

    نرجع إلى الفقرة الثالثة والأخيرة من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن أفتى فتيا بغير ثبتٍ فإثمه على من أفتاه) في هذه الفقرة حكم خاص يتعلق بأهل العلم الذين يتعرضون لفتيا الناس وإفتائهم، وهذه مسألة ثقيلة في الواقع؛ لقوله تعالى لنبيه عليه السلام: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:5] ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوجب على المستفتى ألا يتسرع في الأفتاء، بل عليه أن يتثبت.

    أخذ الحكم من الكتاب والسنة

    التثبت في الفتيا هو أن يعرف الحكم من كتاب الله، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن أفتاه دون أن يتثبت هذا التثبت، وهو بأن يرجع إلى كتاب الله، وحديث رسول الله، فتبنى المستفتي رأي المفتي وفتواه، وكان قد أفتاه بإثمٍ، فإنما إثمه على مفتيه، ومن ههنا نتوصل إلى مسألة خطيرة جداً، وهي أن العالم حينما يستفتى في مسألة، فيفتي بغير استنادٍ، إلى الكتاب وإلى السنة فهو يفتي بغير ثبتٍ؛ لأن الحديث يقول: (ومن أفتى فتيا بغير ثبتٍ) أي: بغير سندٍ وبغير بينة وحجة، ومعلوم لدى كل مسلم أن الحجة في الإسلام ليس هو إلا الكتاب والسنة، وإلا ما استنبط من إجماعٍ وقياسٍ صحيح، فمن أفتى بغير ثبتٍ، أي: بغير حجة من كتاب الله، أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التفصيل الثابت السابق؛ فقد أفتى بغير رشدٍ وبغير حجة، فإثم المستفتي حين ذاك على مفتيه، فماذا يجب على المفتي؟ يجب عليه التثبت قبل كل شيء، ولا يتسرع بالفتوى، ومعنى هذا: أنه يجب أن يراجع المسألة إن لم يكن راجعها، فكيف يراجعها؟ ومن أين يستقي الجواب الصحيح على ما استفتي؟ يكون ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة؛ لأن الحديث يقول: (بغير ثبتٍ) أي: بغير حجة، وما هي الحجة في الإسلام؟ الحجة هي القرآن والسنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض).

    حكم الفتيا بقول أحد العلماء في المسائل الخلافية

    يا ترى من استفتيَ في مسألة أو في قضية فأفتى برأي عالمٍ -أي عالمٍ كان- وهو يعلم أن المسألة فيها قولان فأكثر، فهل أفتى بثبتٍ أي: بحجةٍ وبينة؟

    الجواب: لا. لأنه حينما تكون المسألة من المسائل الخلافية، وقد صدر للعلماء فيها قولان فأكثر، فهو أفتى بقولٍ من القولين دون أن يدعم فتواه -ولو في نفسه على الأقل- بآية من كتاب الله، أو بحديثٍ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يكون قد أفتى عن ثبتٍ، وعن حجةٍ، وعن بينة؛ فيكون فتواه بهذا الخطأ لا يتعلق الإثم على المستفتي، وإنما على المفتي، فإثمه عليه.

    إذاً: على كل متفتٍ أن يتثبت في فتواه، أي: أن يستند في فتواه إلى كتاب الله وإلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

    ومعنى هذا الكلام العلمي بعبارة واضحة بينة: أن المستفتى -أي العالم- إذا استفتيَ في مسألة ما، ولنضرب على ذلك مثلاً: رجل سأله: خروج الدم أينقض الوضوء؟ فقال: نعم، وهو يعني أن المذهب الحنفي هكذا يفتي، فإذا نحن رجعنا إلى هذا الحديث نفهم أن هذا الجواب إثمه عليه وليس على المستفتي، لماذا؟ لأن هناك قولين آخرين في هذه المسألة، فالمذهب الحنفي يحكم ببطلان الوضوء بمجرد خروج الدم عن مكانه، أما المذهب الشافعي فيقول: لا ينقض الدم الوضوء مطلقاً مهما كان الدم كثيراً، بينما مذهب الإمام مالك وأحمد يفصل فيقول: إن كان الدم كثيراً نقض وإلا فلا، فالذي أفتى وقال: ينقض، أين الحجة في حكمه والمسألة فيها اختلاف؟ والله عز وجل يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59] ولذلك فلا يجوز للمسلم المتمذهب بمذهب واحد إذا استفتي في مسألة أن يفتي على مذهبه؛ لأن هناك مذاهب أخرى، فهذا يجب أن يمسك عن الفتوى، فإن أفتى فهو آثم بدليل هذا الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن أفتى بفتيا بغير ثبتٍ -أي: بغير سندٍ وحجةٍ- فإثمه على من أفتاه) فالذي يقول: خروج الدم ناقض للوضوء، أو غير ناقض، أو ينقض إن كان كثيراً، ولا ينقض إن كان قليلاً، أي جوابٍ كان؛ إذا كان لم يستند صاحبه على سند من الكتاب أو من السنة؛ فإثمه عليه وليس على المستفتي، لماذا؟ لأن المستفتي أدى واجبه الذي أمره به ربه: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] جاء هذا الذي لا يعلم إلى من يظن أنه من أهل الذكر، فسأله فأفتاه، فإثمه على هذا المفتي، فهذا المفتي.

    عليه أن يراقب الله عز وجل حينما يسأل، وألا يفتي إلا عن ثبتٍ وحجة وسند، فإن لم يفعل فهو آثم، وقد نبه لهذه الحقيقة الإمام أبو حنيفة رحمه الله حين قال: لا يحل لرجلٍ أن يفتي بقولي ما لم يعلم من أين أخذت دليلي.

    هذا نص عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، أول الأئمة الأربعة يفسر لنا هذا الحديث، الذي يقول: (من أفتى فتيا بغير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه وليس على المستفتي) فيقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله: لا يحل لرجل أن يفتي بكلامي ما لم يعلم من أين أخذت دليلي.

    فهذا الحنفي الذي سئل: الدم إذا خرج أينقض الوضوء؟ فأجاب: نعم. لا يجوز له هذا بحكم هذا الحديث، وبحكم قول الإمام السابق؛ لأنه لم يعرف دليله، ومعنى هذا أو حصيلة هذا الحديث هو: وجوب دراسة الكتاب والسنة؛ لكي يتمكن المفتي من أن يفتي بالدليل من الكتاب والسنة، فلا يلحقه إثمٌ، حتى ينجو في حال لو أخطأ في الفتوى؛ لأنه ليس معنى من أفتى معتمداً على الكتاب والسنة أنه معصوم من الخطأ، لا. ولكن إذا اجتهد فأفتى بما فهم من الكتاب والسنة فله حالتان: إما أن يكون أصاب فله أجران، وإما أن يكون أخطأ فله أجرٌ واحد، لكن هذا إنما هو -أي الأجران إذا أصاب، والأجر الواحد إذا أخطأ- إنما هو للذي يفتي اعتماداً على الكتاب والسنة، أما الذي يقلد -والتقليد جهلٌ باتفاق العلماء- ولا يتبصر في الفتوى، فهذا ليس له أجر، ولا حتى أجر واحد، بل عليه وزر؛ لأنه أفتى بغير ثبتٍ، وبغير بينة وحجة، فحصيلة هذا الحديث هو: وجوب رجوع العالم في كل ما يفتي به إلى الكتاب والسنة.

    حكم الالتزام بمذهب معين في الفتوى

    من هنا ننتهي إلى مسألة خطيرة جداً وهي: ما وقع فيه كثير من البلاد الإسلامية اليوم، أعني بالبلاد الإسلامية التي وقعت في هذه القضية المشكلة: البلاد السورية -مثلاً- والمصرية، حيث أنهم ألزموا القضاة والحكام بأن يقضوا ويفتوا بناءً على مذهبٍ معين، إما على المجلة سابقاً، وإما على القوانين التي وضعت حديثاً بشيء من التعديل لأحكام المجلة سابقاً، هذا بالنسبة للقضاة، وبالنسبة للمفتي فعليه أن يفتي ملتزماً المذهب الحنفي، هذا إلزام بما لا يلزم أولاً، بل هذا أمرٌ بنقيض ما أفاده هذا الحديث، فإن المفتي إذا استفتي فعليه أن يرجع إلى الكتاب والسنة، لا أن يرجع إلى مذهبه الذي قال فيه إمامه، ولا يحل له أن يفتي حتى يعرف دليله، فهذا المفتي المتقيد بالإفتاء بمذهبه لا يرجع إلى الأدلة الشرعية، فهو يفتي بما جاء في المذهب.

    وأنا أضرب على هذا مثلاً: صدرت فتوى اطلعت عليها بنفسي من بعض المفتين السابقين في هذه البلاد: أنه يجوز للمسلم أن يحفظ لحم الخنزير في البرادات الكبيرة للنصارى؛ لأن أحد المسلمين الطيبين عنده براد ضخم يحفظ فيه الفواكه، واللحوم، ونحو ذلك، فجاءه رجل أرمني وعرض عليه أجراً باهظاً مقابل أن يحفظ له لحوم الخنزير في هذا البراد، فالمسلم شك قلبه في هذا العمل، وهل يجوز للإنسان المسلم أن يحفظ لحم الخنزير المحرم؟ فذهب وسأل المفتي، فقال له المفتي: تعال بعد أيام، فجاء فأعطاه الفتوى، والفتوى في الحقيقة مضحكة مبكية في آن واحد؛ لأنها أولاً: جاءت فتوى على غير ثبت، أي: على غير حجة. وثانياً: جاءت فتوى على أسلوب السياسيين في الكلام المطاط، الذي من الممكن أن نأتي به هكذا، أو نأتي به هكذا، حيث أفتى المفتي بأنه جاء في الكتاب الفلاني من المذهب الحنفي الذي هو يفتي به، لو أن مسلماً استأجره ذميٌ على أن ينقل الخمر جاز له ذلك وطاب له الأجر، وقال فلان في المذهب: جاز لكن مع الكراهة، ثم نقل نقلاً آخر، قال: لو أن مسلماً بناءً استأجره نصراني على أن يبني له كنيسة، جاز وطاب له الأجر.

    وبعدما انتهى من نقل مثل هذه النقول المتعارضة لم يقل للمستفتي: يجوز لك اتخاذ لحوم الخنزير أو لا يجوز.. حل لك الأجر أو ما حل لك الأجر، وإنما قال: ومما سبق تعرف جواب سؤالك.

    فالجواب فيه خطيئتان:

    الخطيئة الأولى: ما قال له: قال الله وقال رسول الله أبداً، مع أن المسألة من أوضح المسائل بالنسبة لمن كان على علمٍ وفقهٍ في الكتاب والسنة.

    والخطيئة الثانية: أنه حيره، وأتى له بقولين: قول أول طاب لك الأجر، وقول ثانٍ يكره؛ والكراهة في المذهب الحنفي إذا أطلقت فإنما هي للتحريم.

    فلو رجع هذا المفتي كما أوجب عليه هذا الحديث، أي: أن يفتي المستفتي على ثبتٍ وبينة ورشد، لو رجع للكتاب والسنة لوجد مثلاً في القرآن الكريم: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فهذا تعاون على عدوان، وعلى معصية الرحمن تبارك وتعالى، ولوجد في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) فلعن كل من يساعد على أكل الربا، وكذلك في الحديث الصحيح: (لعن الله في الخمر عشرة...) عشرة أجناس ابتداءً من الشارب وانتهاءً إلى حامل الخمر؛ ذلك لأنهم كلهم يتعاونون على شرب الخمر الذي هو المعصية في الأصل، لكن شرب الخمر لا يمكن أن يحصل بدون بيع الخمر، وبيع الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شرائه، وشراء الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شراء العنب، وشراء العنب لا يمكن أن يصبح خمراً إلا بعصره، وهذا العصير لا يمكن أن يصبح خمراً -لأنه يمكن أن يصير خلاً- إلا بتعاطيه بطريقة فنية حتى يصير خمراً، فإذا صار خمراً لا يمكن شربه من الدكاكين والحوانيت إلا بأن ينقل من العصارة -أي المخمرة- إلى بائع الخمر.. وهكذا؛ فلأن هؤلاء كلهم يساعد شارب الخمر على شرب الخمر لعنوا جميعاً، فكيف يخفى هذا على من كان على علم بالكتاب والسنة، فيفتي لذلك المستفتي بأنه يجوز ادخار لحم الخنزير.

    فإذاً: المصيبة اليوم هي أن الفتوى مفروضة على القاضي بأن يفتي من مصدر ليس هو الكتاب والسنة، والقضاة يجب عليهم أن يفتوا من القوانين وليس هناك قوانين شرعية محضة، كما كان الأمر في زمن (المجلة )، حيث استنبطت كلها أو جلها من المذهب الحنفي، فأصبح فيها اليوم قوانين وضعية لم تنزل من السماء، وإنما نبعت من الأرض، ففرضت هذه الأحكام على القضاة المسلمين ليقضوا بها بين المسلمين.

    هذه مصيبة حلت بالبلاد السورية، والبلاد المصرية، وربما في بلاد أخرى لا نعرف حقيقة الأمر فيها، والآن هناك دعاة يدعون إلى تقنين الأحكام، أي: إلى الاقتداء بالدولة السورية، والدولة المصرية، وفرض آراء وأفكار معينة على القضاة الذين يحكمون هناك بالكتاب والسنة، فهذه مصيبة جديدة، ونرجو الله عز وجل ألا تتحقق في تلك البلاد، ولكن يجب على كل مسلم أن يعرف هذه الحقيقة، وهي أنه لا يجوز الإفتاء إلا من كتاب الله، وحديث رسول الله، كما لا يجوز القضاء إلا استنباطاً من كتاب الله، أو حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    حكم من حكم بغير ما أنزل الله

    في هذا الحديث تنبيه لأمور تتعلق بنا نحن، وتتعلق بالأمة التي تنصب مفتين وقضاة يحكمون بغير ما أنزل الله، ويتناسى هؤلاء جميعاً الوعيد الشديد المذكور في ثلاث آيات من القرآن الكريم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] هذه آيات صريحة بذم، بل بالحكم بالكفر على من لم يحكم بما أنزل الله، ولكن ههنا كلمة قصيرة: أن الحكم بغير ما أنزل الله منه حكمٌ يرادف الردة، ومنه حكمٌ لا يلزم منه الردة، التفصيل الذي ذكرناه في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أيضاً لا بد من استحضاره في تفسير هذه الآيات الثلاث وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال ابن عباس في تفسير (الكافرون) في هذه الآية: [كفر دون كفر] أي إن الكفر نوعان:

    كفر اعتقادي قلبي، كفر عملي، وهذا ما يجهله كثيرٌ من المسلمين اليوم وخاصة منهم الشباب الناشئ، فإنهم يتوهمون أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو مرتد عن دينه، وليس كذلك، بل يجب أن يُنظر إلى الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، فإن كان يحكم بغير ما أنزل الله مستحلاً له بقلبه، مؤثراً له على حكم الله وحكم نبيه، فهذا هو الذي يرتد به عن دينه، أما إن كان في قرارة قلبه يعتقد بأن الحكم بما أنزل الله هو الصواب وهو الواجب، لكن يقول: أعاننا الله على هؤلاء البشر كيف لنا أن نحكم إلا بهذا، فهو يجد لنفسه عذراً، ولو أنه عذر غير مقبول، إنما اعتذاره بهذا العذر يدل على أنه يؤمن بحكم الله وحكم رسوله، أنه هو الصواب، ولكن انحرف عن هذا الحكم، كما ينحرف كثيرٌ من الناس الذين نظن بهم خيراً.

    الحاكم المسلم الذي يحكم بكتاب الله، وبحديث رسول الله ليس معصوماً، فقد يضل في حكمٍ ما، أي: يُرشى -مثلاً- فيحكم بغير ما أنزل الله، فهذا ينطبق عليه قوله تعالى: فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ولكن بأي معنى (أولئك هم الكافرون) كفر ردة أم كفر معصية؟ ننظر إذا كان حينما ارتشى وحكم للراشي بما ليس له، إن كان يعتقد أنه آثم في نفسه، كما يعتقد الغاش، والسارق، والزاني.. إلخ، فهو آثم وليس بكافر، وهذا معنى (كفر دون كفر)، وإن كان يقول كما يقول كثير من الشباب الذي تثقف الثقافة الأجنبية ولما يدخل الإيمان في قلبه، يقول: بلا إسلام.. بلا إيمان.. بلا رجعية.. بلا كذا.. إلخ، فهذا وضع الغطاء على رأسه بالكفر، فهو إلى جهنم وبئس المصير.

    فإذاً: يجب أن نعرف أن الواجب على المسلم أن يحكم بما أنزل الله، وبما فسره وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ سواءً كان مفتياً عادياً كرجل يمشي في الطريق فيأتي إنسان ويسأله، فيجب عليه أن يتثبت ولا يقول له: حرام.. حلال؛ لأنه درس في كتاب الله أنه حرام أو حلال، كذلك المفتي الرسمي (الموظف) أولى وأولى ألا يفتي الناس بدون رشد، وبدون بينة وحجة، والقضاء أولى وأولى ألا يحكم القضاة في قضائهم إلا بما جاء في كتاب الله، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    ولخطورة القضاء على الكتاب والسنة قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (القضاة ثلاثة: فقاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فلم يقض به فهو في النار، وقاضٍ لم يعرف الحق فحكم أو فقضى فهو في النار)؛ لأنه قضى بجهل، إذاً يجب القضاء بالكتاب والسنة، فإذا قضى بالكتاب والسنة فهو الناجي، وإذا قضى بخلاف ما عرف من الكتاب والسنة فهو آثم، وإذا قضى بجهلٍ بالكتاب والسنة، وليس المعنى أنه ما عرف المذهب الحنفي، أو المذهب الشافعي؛ لأن هذا ليس هو العلم- فهو أيضاً آثم، لذلك قال ابن القيم رحمه الله، وبكلامه أختم درسنا هذا:

    العلم قال الله قال رسوله     قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة     بين الرسول وبين رأي فقيه

    كلا ولا جحد الصفات ونفيها     حذراً من التعطيل والتشبيه

    والحمد لله رب العالمين.