اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاجتهاد والإفتاء للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني


الاجتهاد والإفتاء - (للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني)
إن باب الاجتهاد مفتوح، ولكن هناك شروط لابد من توفرها في المجتهد، وهناك أصول وضوابط ينطلق من خلالها المجتهد.وهذه المادة تحتوي على مباحث تتعلق بالاجتهاد والتقليد وضوابط الفتيا، مع حديث هام عن موضوع العمل بالقوانين الوضعية وحكم من يحكم بها أو يعتقدها.
أحوال الاجتهاد والاتباع والتقليد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102] .يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71] .أما بعد:فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.السؤال: هل صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا اجتهد الإمام فأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران)؟ وفي حال صحة الحديث هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟الجواب: هذه المسألة طالما تكلمنا عنها مراراً، ويتكرر السؤال كما تسمعون، والسبب في ذلك أن هناك أناساً -مع الأسف- مغرضين، يثيرون هذه المشكلة بين الناس مع كثير من البهت والافتراء على الأبرياء، فلا بد إذاً من الإجابة على هذا السؤال بشطريه:
 كيف يكون المسلم متبعاً لرسول الله
يجب على كل مسلم ليتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا حقاً، أن يكون على بصيرة من دينه، وهذا لا يتحقق -مع الأسف الشديد- إلا بأن يتحرك من في استطاعتهم أن يدرسوا الكتاب والسنة، وأن يتبينوا الحق مما اختلف فيه الناس ليقدموا هذا الحق إلى الناس ولعل مما يساعد على ذلك أن الجمهور المسلم إذا عرف هذه الحقيقة، وهي: أنه يجب أن يكون على بينة من دينه، وعلى بصيرة من أمره.. لعل مما يساعد على نشر هذا التبين أن يطالب الجمهور من يظنون فيهم العلم، بأن يبينوا ويوضحوا لهم الحقيقة، حتى يعيشوا على بينة وعلى بصيرة من دينهم.هذا جواب السؤال السابق، وهو: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟ فنقول باختصار: كل مسلم ملزم بالاتباع، وأما الاجتهاد فملزم به من يستطيعه، وأما التقليد فحرامٌ كله إلا عند الضرورة، هذه خلاصة الجواب.
العدل والظلم وعلاقتهما ببقاء الأمم
السؤال: قال ابن تيمية : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، نرجو شرح هذا القول، مع بيان الأدلة الشرعية عليه، ورأيكم فيه.الجواب: أنا لا أستحضر قول ابن تيمية هذا، ولكن الآية الكريمة التي تقول: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] ذكر بعض علماء التفسير هذا المعنى الذي ينقله السائل عن ابن تيمية رحمه الله، ذلك بأن الظلم هو سبب خراب البلاد، وهلاك العباد، فإذا كانت الأمة أو الدولة كافرة، ولكنها تحكم بالعدل فيما بينها، هذا العدل الذي يعرفه الناس بفطرهم، فإذا كانوا يحكمون بذلك؛ تقوم دولتهم، وتستمر مدة طويلة، والتاريخ يشهد بهذا، وعلى العكس من ذلك، إذا بغى الحكام وجاروا على العباد؛ كان ذلك سبباً لقيام الثورات، وما يسمى اليوم بالانقلابات العسكرية، ولن تستقر الأوضاع في تلك البلاد حتى يُهلك الشعب الواحد بعضه بعضاً، ويكون ذلك سبباً لفتح الطريق لأمة أخرى لكي تستعبدها، ولا شك أن الإسلام جاء بكل ما فيه خير الدنيا والآخرة، ومن ذلك الأمر بالعدل، والأمر بإقامة الحدود بين الناس، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (حدٌ يقام في الأرض خيرٌ من مطر سبعين صباحاً) وما هذا إلا لتحقيق العدالة في المجتمع الإسلامي، فإذا افترضنا مجتمعاً إسلامياً لا يقيم حكم الله عز وجل في الأرض، وذلك مما لا يمكن إقامته إلا على إقامة العدل بين المسلمين، فلا يمكن أن تقوم قائمة هذه الدولة؛ لأنها حين ذاك تحكم بغير ما أنزل الله ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد عرض أمته ودولته للانهيار، هذا ما يحضرني الآن جواباً عن هذا السؤال الأول.
 كيف يكون المسلم متبعاً لرسول الله
يجب على كل مسلم ليتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا حقاً، أن يكون على بصيرة من دينه، وهذا لا يتحقق -مع الأسف الشديد- إلا بأن يتحرك من في استطاعتهم أن يدرسوا الكتاب والسنة، وأن يتبينوا الحق مما اختلف فيه الناس ليقدموا هذا الحق إلى الناس ولعل مما يساعد على ذلك أن الجمهور المسلم إذا عرف هذه الحقيقة، وهي: أنه يجب أن يكون على بينة من دينه، وعلى بصيرة من أمره.. لعل مما يساعد على نشر هذا التبين أن يطالب الجمهور من يظنون فيهم العلم، بأن يبينوا ويوضحوا لهم الحقيقة، حتى يعيشوا على بينة وعلى بصيرة من دينهم.هذا جواب السؤال السابق، وهو: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟ فنقول باختصار: كل مسلم ملزم بالاتباع، وأما الاجتهاد فملزم به من يستطيعه، وأما التقليد فحرامٌ كله إلا عند الضرورة، هذه خلاصة الجواب.
نسخ الاجتهاد للأحكام الثابتة
السؤال: إذا كان النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه، فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام؟ ومتى يكون ذلك؟الجواب: مما هو مجمع عليه بين علماء المسلمين: أن النسخ لا يمكن أن يقع بعد استقرار الأحكام الشرعية، وذلك لا يظهر يقيناً إلا بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فأي حكمٍ انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وقد استقر ذلك الحكم على وجه، فلا يمكن أن يُنسخ هذا الحكم بعده عليه الصلاة والسلام بوجه من الوجوه، ولعلنا نذكر جميعاً أن معنى النسخ هو: إبطال الحكم وإلغاؤه من أصله، وليس من هذا القبيل ما قد يشير إليه السائل في قوله: فهل يصح في الاجتهاد تغيير ما لم ينسخه الشارع من أحكام؟ ومتى يكون ذلك؟ لا يمكن أن يكون نسخ حكم تقرر أنه حكم ثابت -كما ذكرنا- واستمر ذلك إلى آخر حياته عليه السلام، لا يمكن لمثل هذا الحكم أن ينسخ بأي وجه من الوجوه، لكن الذي يمكن أن يقع في ظروف وملابسات خاصة، هو توقيف حكم من الأحكام الثابتة غير المنسوخة إلى أمد معين؛ بسبب ظروف أحاطت بالناس فأوجبت تأخير ذلك الحكم إلى زمن معين.مثلاً: جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الطلاق الثلاث، الذي كان في عهد الرسول عليه السلام يعتبر طلقة واحدة، وكذلك في عهد أبي بكر الصديق، وكذلك في شطر من خلافة عمر نفسه، جعل عمر رضي الله عنه هذا الطلاق ثلاثاً، فمن طلق ثلاثاً في عدةٍ واحدة اعتبره نافذاً ثلاثاً، على خلاف ما كان الأمر عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد أبي بكر، وفي شطر من خلافة عمر نفسه، كما ذكرنا.يذهب بعض الفقهاء المتأخرين الذين رأوا جمهور علماء المسلمين تبنوا هذا الحكم وكأنه حكم لازم وثابت إلى يوم الدين، يرون بأن تنفيذ عمر للطلاق بلفظ الثلاث (ثلاثاً) لا يمكن أن يكون إلا ولديه ناسخ، يقولون هذا لأنهم لا يجدون في نصوص السنة فضلاً عن نصوص الكتاب ما يمكنهم أن يدعموا به أن ما فعله عمر هو حكم ثابتٌ قاله الرسول عليه السلام، لا يجدون إلا أن يقولوا: إن عمر ما صار إلى هذا إلا ولديه نصٌ ناسخ للحكم السابق، وهو أن الطلاق بلفظ الثلاث يعتبر طلقة، ولعل الحاضرين جميعاً يفقهون ما معنى طلاق بلفظ الثلاث، وأنه يعتبر ثلاثاً في اجتهاد عمر، ولم يكن كذلك في زمن الرسول عليه السلام، و أبي بكر، وشطر من خلافة عمر، كأني أرى من الضروري أن أقف قليلاً هنا لأبين لكم الفرق؛ لأنها مما يبتلى به كثير من الناس اليوم..الأصل في الطلاق الشرعي: أن الذي يريد أن يطلق زوجته طلاقاً شرعياً؛ يشترط في هذا الطلاق أن تتوفر فيه شروط عديدة ولست الآن في صددها، وإنما أذكر هذا الشرط الواحد، وهو ألا يجمع الطلقات الثلاث التي قال الله فيها: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] الطلاق مرتان، في كل مرة إمساك بمعروف، أي: بعد ما طلقت، أو تسريح بإحسان، فإن طلقها في الثالثة فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ هذا من شروط الطلاق الشرعي؛ أن يطلق ثم يفكر هل يمسكها ويرجعها إلى نفسه، أم يخلي سبيلها والله يعوضه خيراً منها ويعوضها خيراً منه؟ جعل الله عز وجل له ساحة تفكير وهي العدة، فالمرأة بعد أن طلقها زوجها فعدتها ثلاثة قروء، أي: ثلاثة أشهر وعشرة أيام تقريباً، فيفكر الرجل في هذه المدة يعيدها أو لا يعيدها، فإذا انتهت العدة أصبحت المرأة حرة وليس له سبيل إلى إرجاعها، وقبل العدة يستطيع أن يعيدها إليه بدون نكاح، ولكن تحسب عليه طلقة.
 كيف يكون المسلم متبعاً لرسول الله
يجب على كل مسلم ليتبع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا حقاً، أن يكون على بصيرة من دينه، وهذا لا يتحقق -مع الأسف الشديد- إلا بأن يتحرك من في استطاعتهم أن يدرسوا الكتاب والسنة، وأن يتبينوا الحق مما اختلف فيه الناس ليقدموا هذا الحق إلى الناس ولعل مما يساعد على ذلك أن الجمهور المسلم إذا عرف هذه الحقيقة، وهي: أنه يجب أن يكون على بينة من دينه، وعلى بصيرة من أمره.. لعل مما يساعد على نشر هذا التبين أن يطالب الجمهور من يظنون فيهم العلم، بأن يبينوا ويوضحوا لهم الحقيقة، حتى يعيشوا على بينة وعلى بصيرة من دينهم.هذا جواب السؤال السابق، وهو: هل المسلم ملزم بالاجتهاد؟ فنقول باختصار: كل مسلم ملزم بالاتباع، وأما الاجتهاد فملزم به من يستطيعه، وأما التقليد فحرامٌ كله إلا عند الضرورة، هذه خلاصة الجواب.
الضوابط الشرعية للفتوى
نرجع إلى الفقرة الثالثة والأخيرة من هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن أفتى فتيا بغير ثبتٍ فإثمه على من أفتاه) في هذه الفقرة حكم خاص يتعلق بأهل العلم الذين يتعرضون لفتيا الناس وإفتائهم، وهذه مسألة ثقيلة في الواقع؛ لقوله تعالى لنبيه عليه السلام: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:5] ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوجب على المستفتى ألا يتسرع في الأفتاء، بل عليه أن يتثبت.
 حكم الالتزام بمذهب معين في الفتوى
من هنا ننتهي إلى مسألة خطيرة جداً وهي: ما وقع فيه كثير من البلاد الإسلامية اليوم، أعني بالبلاد الإسلامية التي وقعت في هذه القضية المشكلة: البلاد السورية -مثلاً- والمصرية، حيث أنهم ألزموا القضاة والحكام بأن يقضوا ويفتوا بناءً على مذهبٍ معين، إما على المجلة سابقاً، وإما على القوانين التي وضعت حديثاً بشيء من التعديل لأحكام المجلة سابقاً، هذا بالنسبة للقضاة، وبالنسبة للمفتي فعليه أن يفتي ملتزماً المذهب الحنفي، هذا إلزام بما لا يلزم أولاً، بل هذا أمرٌ بنقيض ما أفاده هذا الحديث، فإن المفتي إذا استفتي فعليه أن يرجع إلى الكتاب والسنة، لا أن يرجع إلى مذهبه الذي قال فيه إمامه، ولا يحل له أن يفتي حتى يعرف دليله، فهذا المفتي المتقيد بالإفتاء بمذهبه لا يرجع إلى الأدلة الشرعية، فهو يفتي بما جاء في المذهب.وأنا أضرب على هذا مثلاً: صدرت فتوى اطلعت عليها بنفسي من بعض المفتين السابقين في هذه البلاد: أنه يجوز للمسلم أن يحفظ لحم الخنزير في البرادات الكبيرة للنصارى؛ لأن أحد المسلمين الطيبين عنده براد ضخم يحفظ فيه الفواكه، واللحوم، ونحو ذلك، فجاءه رجل أرمني وعرض عليه أجراً باهظاً مقابل أن يحفظ له لحوم الخنزير في هذا البراد، فالمسلم شك قلبه في هذا العمل، وهل يجوز للإنسان المسلم أن يحفظ لحم الخنزير المحرم؟ فذهب وسأل المفتي، فقال له المفتي: تعال بعد أيام، فجاء فأعطاه الفتوى، والفتوى في الحقيقة مضحكة مبكية في آن واحد؛ لأنها أولاً: جاءت فتوى على غير ثبت، أي: على غير حجة. وثانياً: جاءت فتوى على أسلوب السياسيين في الكلام المطاط، الذي من الممكن أن نأتي به هكذا، أو نأتي به هكذا، حيث أفتى المفتي بأنه جاء في الكتاب الفلاني من المذهب الحنفي الذي هو يفتي به، لو أن مسلماً استأجره ذميٌ على أن ينقل الخمر جاز له ذلك وطاب له الأجر، وقال فلان في المذهب: جاز لكن مع الكراهة، ثم نقل نقلاً آخر، قال: لو أن مسلماً بناءً استأجره نصراني على أن يبني له كنيسة، جاز وطاب له الأجر.وبعدما انتهى من نقل مثل هذه النقول المتعارضة لم يقل للمستفتي: يجوز لك اتخاذ لحوم الخنزير أو لا يجوز.. حل لك الأجر أو ما حل لك الأجر، وإنما قال: ومما سبق تعرف جواب سؤالك.فالجواب فيه خطيئتان:الخطيئة الأولى: ما قال له: قال الله وقال رسول الله أبداً، مع أن المسألة من أوضح المسائل بالنسبة لمن كان على علمٍ وفقهٍ في الكتاب والسنة.والخطيئة الثانية: أنه حيره، وأتى له بقولين: قول أول طاب لك الأجر، وقول ثانٍ يكره؛ والكراهة في المذهب الحنفي إذا أطلقت فإنما هي للتحريم.فلو رجع هذا المفتي كما أوجب عليه هذا الحديث، أي: أن يفتي المستفتي على ثبتٍ وبينة ورشد، لو رجع للكتاب والسنة لوجد مثلاً في القرآن الكريم: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فهذا تعاون على عدوان، وعلى معصية الرحمن تبارك وتعالى، ولوجد في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) فلعن كل من يساعد على أكل الربا، وكذلك في الحديث الصحيح: (لعن الله في الخمر عشرة...) عشرة أجناس ابتداءً من الشارب وانتهاءً إلى حامل الخمر؛ ذلك لأنهم كلهم يتعاونون على شرب الخمر الذي هو المعصية في الأصل، لكن شرب الخمر لا يمكن أن يحصل بدون بيع الخمر، وبيع الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شرائه، وشراء الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شراء العنب، وشراء العنب لا يمكن أن يصبح خمراً إلا بعصره، وهذا العصير لا يمكن أن يصبح خمراً -لأنه يمكن أن يصير خلاً- إلا بتعاطيه بطريقة فنية حتى يصير خمراً، فإذا صار خمراً لا يمكن شربه من الدكاكين والحوانيت إلا بأن ينقل من العصارة -أي المخمرة- إلى بائع الخمر.. وهكذا؛ فلأن هؤلاء كلهم يساعد شارب الخمر على شرب الخمر لعنوا جميعاً، فكيف يخفى هذا على من كان على علم بالكتاب والسنة، فيفتي لذلك المستفتي بأنه يجوز ادخار لحم الخنزير.فإذاً: المصيبة اليوم هي أن الفتوى مفروضة على القاضي بأن يفتي من مصدر ليس هو الكتاب والسنة، والقضاة يجب عليهم أن يفتوا من القوانين وليس هناك قوانين شرعية محضة، كما كان الأمر في زمن (المجلة )، حيث استنبطت كلها أو جلها من المذهب الحنفي، فأصبح فيها اليوم قوانين وضعية لم تنزل من السماء، وإنما نبعت من الأرض، ففرضت هذه الأحكام على القضاة المسلمين ليقضوا بها بين المسلمين.هذه مصيبة حلت بالبلاد السورية، والبلاد المصرية، وربما في بلاد أخرى لا نعرف حقيقة الأمر فيها، والآن هناك دعاة يدعون إلى تقنين الأحكام، أي: إلى الاقتداء بالدولة السورية، والدولة المصرية، وفرض آراء وأفكار معينة على القضاة الذين يحكمون هناك بالكتاب والسنة، فهذه مصيبة جديدة، ونرجو الله عز وجل ألا تتحقق في تلك البلاد، ولكن يجب على كل مسلم أن يعرف هذه الحقيقة، وهي أنه لا يجوز الإفتاء إلا من كتاب الله، وحديث رسول الله، كما لا يجوز القضاء إلا استنباطاً من كتاب الله، أو حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
حكم من حكم بغير ما أنزل الله
في هذا الحديث تنبيه لأمور تتعلق بنا نحن، وتتعلق بالأمة التي تنصب مفتين وقضاة يحكمون بغير ما أنزل الله، ويتناسى هؤلاء جميعاً الوعيد الشديد المذكور في ثلاث آيات من القرآن الكريم: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] هذه آيات صريحة بذم، بل بالحكم بالكفر على من لم يحكم بما أنزل الله، ولكن ههنا كلمة قصيرة: أن الحكم بغير ما أنزل الله منه حكمٌ يرادف الردة، ومنه حكمٌ لا يلزم منه الردة، التفصيل الذي ذكرناه في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أيضاً لا بد من استحضاره في تفسير هذه الآيات الثلاث وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال ابن عباس في تفسير (الكافرون) في هذه الآية: [كفر دون كفر] أي إن الكفر نوعان:كفر اعتقادي قلبي، كفر عملي، وهذا ما يجهله كثيرٌ من المسلمين اليوم وخاصة منهم الشباب الناشئ، فإنهم يتوهمون أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو مرتد عن دينه، وليس كذلك، بل يجب أن يُنظر إلى الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، فإن كان يحكم بغير ما أنزل الله مستحلاً له بقلبه، مؤثراً له على حكم الله وحكم نبيه، فهذا هو الذي يرتد به عن دينه، أما إن كان في قرارة قلبه يعتقد بأن الحكم بما أنزل الله هو الصواب وهو الواجب، لكن يقول: أعاننا الله على هؤلاء البشر كيف لنا أن نحكم إلا بهذا، فهو يجد لنفسه عذراً، ولو أنه عذر غير مقبول، إنما اعتذاره بهذا العذر يدل على أنه يؤمن بحكم الله وحكم رسوله، أنه هو الصواب، ولكن انحرف عن هذا الحكم، كما ينحرف كثيرٌ من الناس الذين نظن بهم خيراً.الحاكم المسلم الذي يحكم بكتاب الله، وبحديث رسول الله ليس معصوماً، فقد يضل في حكمٍ ما، أي: يُرشى -مثلاً- فيحكم بغير ما أنزل الله، فهذا ينطبق عليه قوله تعالى: فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] ولكن بأي معنى (أولئك هم الكافرون) كفر ردة أم كفر معصية؟ ننظر إذا كان حينما ارتشى وحكم للراشي بما ليس له، إن كان يعتقد أنه آثم في نفسه، كما يعتقد الغاش، والسارق، والزاني.. إلخ، فهو آثم وليس بكافر، وهذا معنى (كفر دون كفر)، وإن كان يقول كما يقول كثير من الشباب الذي تثقف الثقافة الأجنبية ولما يدخل الإيمان في قلبه، يقول: بلا إسلام.. بلا إيمان.. بلا رجعية.. بلا كذا.. إلخ، فهذا وضع الغطاء على رأسه بالكفر، فهو إلى جهنم وبئس المصير.فإذاً: يجب أن نعرف أن الواجب على المسلم أن يحكم بما أنزل الله، وبما فسره وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ سواءً كان مفتياً عادياً كرجل يمشي في الطريق فيأتي إنسان ويسأله، فيجب عليه أن يتثبت ولا يقول له: حرام.. حلال؛ لأنه درس في كتاب الله أنه حرام أو حلال، كذلك المفتي الرسمي (الموظف) أولى وأولى ألا يفتي الناس بدون رشد، وبدون بينة وحجة، والقضاء أولى وأولى ألا يحكم القضاة في قضائهم إلا بما جاء في كتاب الله، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.ولخطورة القضاء على الكتاب والسنة قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (القضاة ثلاثة: فقاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ عرف الحق فلم يقض به فهو في النار، وقاضٍ لم يعرف الحق فحكم أو فقضى فهو في النار)؛ لأنه قضى بجهل، إذاً يجب القضاء بالكتاب والسنة، فإذا قضى بالكتاب والسنة فهو الناجي، وإذا قضى بخلاف ما عرف من الكتاب والسنة فهو آثم، وإذا قضى بجهلٍ بالكتاب والسنة، وليس المعنى أنه ما عرف المذهب الحنفي، أو المذهب الشافعي؛ لأن هذا ليس هو العلم- فهو أيضاً آثم، لذلك قال ابن القيم رحمه الله، وبكلامه أختم درسنا هذا:العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التعطيل والتشبيه والحمد لله رب العالمين.
 حكم الالتزام بمذهب معين في الفتوى
من هنا ننتهي إلى مسألة خطيرة جداً وهي: ما وقع فيه كثير من البلاد الإسلامية اليوم، أعني بالبلاد الإسلامية التي وقعت في هذه القضية المشكلة: البلاد السورية -مثلاً- والمصرية، حيث أنهم ألزموا القضاة والحكام بأن يقضوا ويفتوا بناءً على مذهبٍ معين، إما على المجلة سابقاً، وإما على القوانين التي وضعت حديثاً بشيء من التعديل لأحكام المجلة سابقاً، هذا بالنسبة للقضاة، وبالنسبة للمفتي فعليه أن يفتي ملتزماً المذهب الحنفي، هذا إلزام بما لا يلزم أولاً، بل هذا أمرٌ بنقيض ما أفاده هذا الحديث، فإن المفتي إذا استفتي فعليه أن يرجع إلى الكتاب والسنة، لا أن يرجع إلى مذهبه الذي قال فيه إمامه، ولا يحل له أن يفتي حتى يعرف دليله، فهذا المفتي المتقيد بالإفتاء بمذهبه لا يرجع إلى الأدلة الشرعية، فهو يفتي بما جاء في المذهب.وأنا أضرب على هذا مثلاً: صدرت فتوى اطلعت عليها بنفسي من بعض المفتين السابقين في هذه البلاد: أنه يجوز للمسلم أن يحفظ لحم الخنزير في البرادات الكبيرة للنصارى؛ لأن أحد المسلمين الطيبين عنده براد ضخم يحفظ فيه الفواكه، واللحوم، ونحو ذلك، فجاءه رجل أرمني وعرض عليه أجراً باهظاً مقابل أن يحفظ له لحوم الخنزير في هذا البراد، فالمسلم شك قلبه في هذا العمل، وهل يجوز للإنسان المسلم أن يحفظ لحم الخنزير المحرم؟ فذهب وسأل المفتي، فقال له المفتي: تعال بعد أيام، فجاء فأعطاه الفتوى، والفتوى في الحقيقة مضحكة مبكية في آن واحد؛ لأنها أولاً: جاءت فتوى على غير ثبت، أي: على غير حجة. وثانياً: جاءت فتوى على أسلوب السياسيين في الكلام المطاط، الذي من الممكن أن نأتي به هكذا، أو نأتي به هكذا، حيث أفتى المفتي بأنه جاء في الكتاب الفلاني من المذهب الحنفي الذي هو يفتي به، لو أن مسلماً استأجره ذميٌ على أن ينقل الخمر جاز له ذلك وطاب له الأجر، وقال فلان في المذهب: جاز لكن مع الكراهة، ثم نقل نقلاً آخر، قال: لو أن مسلماً بناءً استأجره نصراني على أن يبني له كنيسة، جاز وطاب له الأجر.وبعدما انتهى من نقل مثل هذه النقول المتعارضة لم يقل للمستفتي: يجوز لك اتخاذ لحوم الخنزير أو لا يجوز.. حل لك الأجر أو ما حل لك الأجر، وإنما قال: ومما سبق تعرف جواب سؤالك.فالجواب فيه خطيئتان:الخطيئة الأولى: ما قال له: قال الله وقال رسول الله أبداً، مع أن المسألة من أوضح المسائل بالنسبة لمن كان على علمٍ وفقهٍ في الكتاب والسنة.والخطيئة الثانية: أنه حيره، وأتى له بقولين: قول أول طاب لك الأجر، وقول ثانٍ يكره؛ والكراهة في المذهب الحنفي إذا أطلقت فإنما هي للتحريم.فلو رجع هذا المفتي كما أوجب عليه هذا الحديث، أي: أن يفتي المستفتي على ثبتٍ وبينة ورشد، لو رجع للكتاب والسنة لوجد مثلاً في القرآن الكريم: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] فهذا تعاون على عدوان، وعلى معصية الرحمن تبارك وتعالى، ولوجد في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) فلعن كل من يساعد على أكل الربا، وكذلك في الحديث الصحيح: (لعن الله في الخمر عشرة...) عشرة أجناس ابتداءً من الشارب وانتهاءً إلى حامل الخمر؛ ذلك لأنهم كلهم يتعاونون على شرب الخمر الذي هو المعصية في الأصل، لكن شرب الخمر لا يمكن أن يحصل بدون بيع الخمر، وبيع الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شرائه، وشراء الخمر لا يمكن أن يحصل بدون شراء العنب، وشراء العنب لا يمكن أن يصبح خمراً إلا بعصره، وهذا العصير لا يمكن أن يصبح خمراً -لأنه يمكن أن يصير خلاً- إلا بتعاطيه بطريقة فنية حتى يصير خمراً، فإذا صار خمراً لا يمكن شربه من الدكاكين والحوانيت إلا بأن ينقل من العصارة -أي المخمرة- إلى بائع الخمر.. وهكذا؛ فلأن هؤلاء كلهم يساعد شارب الخمر على شرب الخمر لعنوا جميعاً، فكيف يخفى هذا على من كان على علم بالكتاب والسنة، فيفتي لذلك المستفتي بأنه يجوز ادخار لحم الخنزير.فإذاً: المصيبة اليوم هي أن الفتوى مفروضة على القاضي بأن يفتي من مصدر ليس هو الكتاب والسنة، والقضاة يجب عليهم أن يفتوا من القوانين وليس هناك قوانين شرعية محضة، كما كان الأمر في زمن (المجلة )، حيث استنبطت كلها أو جلها من المذهب الحنفي، فأصبح فيها اليوم قوانين وضعية لم تنزل من السماء، وإنما نبعت من الأرض، ففرضت هذه الأحكام على القضاة المسلمين ليقضوا بها بين المسلمين.هذه مصيبة حلت بالبلاد السورية، والبلاد المصرية، وربما في بلاد أخرى لا نعرف حقيقة الأمر فيها، والآن هناك دعاة يدعون إلى تقنين الأحكام، أي: إلى الاقتداء بالدولة السورية، والدولة المصرية، وفرض آراء وأفكار معينة على القضاة الذين يحكمون هناك بالكتاب والسنة، فهذه مصيبة جديدة، ونرجو الله عز وجل ألا تتحقق في تلك البلاد، ولكن يجب على كل مسلم أن يعرف هذه الحقيقة، وهي أنه لا يجوز الإفتاء إلا من كتاب الله، وحديث رسول الله، كما لا يجوز القضاء إلا استنباطاً من كتاب الله، أو حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الاجتهاد والإفتاء للشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

http://audio.islamweb.net