إسلام ويب

عقيدة أهل الإيمان [2]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشرك الأكبر صاحبه مخلد في النار ومحرم عليه الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب، وينبغي للإنسان أن يحذر من أنواع الشرك كلها، فإن الإنسان قد يبدأ بالوقوع في الشرك الأصغر ثم يتدرج به الأمر حتى يصل إلى الشرك الأكبر.

    1.   

    البعد عن الشرك بالله تعالى

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

    فقد سبق أن تكلمنا في معاني التوحيد وأقسامه، والأدلة على ذلك من كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معرفة التوحيد بمعرفة الشرك

    وقد تحدثنا أيضاً عن التوحيد وأهميته وجلالة قدره، واتفاق جميع الشرائع عليه بجميع أنواعه وصوره، وقعدنا لمسألة جليلة من مسائل بيان وتوضيح المعاني وهي: أن الشيء يعرف ببيان حقيقته وبيان ضده، وبضدها تتبين الأشياء، فإذا أراد الإنسان أن يعرف معنى التوحيد فيجب عليه أن يعرف معنى الشرك، وإذا أراد أن يعرف معنى الشرك فيجب عليه أن يعرف معنى التوحيد، وإلا اختل لديه ذلك الميزان واضطرب، وأصبح فهم الإنسان لهذا الباب قاصراً؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعرف الشرك بجميع صوره وأنواعه، وكذلك منزلته عند الله سبحانه وتعالى.

    وإنما وقع الخلط عند كثير من الناس بسبب جهلهم أمثال هذه الحقائق، فيعرفون وجهاً للحقيقة ولا يعرفون ضدها، فالله سبحانه وتعالى بين الأمر بالصلاة والإتيان بها، وبين ضدها وهو الترك لها، فلا يعرف الإنسان قيمة الصلاة حتى يعرف عقوبة التارك؛ لهذا كان من أظهر بيان مقام التوحيد ومنزلته عند الله أن نبين معنى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    وكذلك من الفوائد في مسألة البيان والتوضيح: أن نعلم أقسام الشرك، وأن نعلم شيئاً من صوره؛ حتى يحذر الإنسان من ذلك؛ وذلك لكثرة الصور وتنوعها فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، بخلاف العبادة فإن العبادة منضبطة، والتعدي عن ذلك يعتبر من أبواب الابتداع؛ ولهذا فصور العبادات واحدة، وصور الحقائق واحدة، وأما صور الباطل فمتعددة.

    جاء في حديث عبد الله بن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطاً مستقيماً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً، وقال: هذه سبل )، فالحق في ذاته واحد، والباطل متنوع؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257].

    فالظلمات متنوعة فلذلك جمعها، والنور واحد ولذلك أفرده؛ ولهذا نعلم أن صور المخالفة لله سبحانه وتعالى أكثر، وذلك أن الحق في ذاته واحد، وأما الشر فمتنوع بتنوع الأذهان، وكذلك الأفكار التي تطرأ على الناس من وساوس الشيطان، فالمشارب متنوعة، والمقصد في ذلك واحد هو مخالفة الحق.

    أضرار الشرك بالله تعالى

    الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى هو أعظم ذنب يعصى الله جل وعلا به، ويظهر ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخذ على نفسه ألا يغفر للمشرك شركاً إلا أن يتوب، فلا يكفر الله الشرك على الإطلاق بأي نوع من أنواع المكفرات، إلا أن يتوب المشرك من شركه بنفسه؛ لهذا قال الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وهو الظلم العظيم.

    وبهذا وصفه الله سبحانه وتعالى بذلك، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم على لسان لقمان حينما قال لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وحينما أنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ( لما نزلت هذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما تظنون، إن الظلم هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ).

    إن الله سبحانه وتعالى قد جعل الشرك على مراتب حتى يحذر الإنسان من الوقوع في هذه الصور، وأن يتقيها, فربما يسلك طريقاً توجد فيها صورة ولا توجد الأخرى، ويجب حينئذ أيضاً أن يعلم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى عدل، ويجب أن يعدل مع العدل، وأعظم الظلم مع العدل أن يتوجه بالفضل الذي يعطيه الله سبحانه وتعالى إلى غيره بالشكر والعبادة، وهذا المعبود إما أن يكون هوى ونفساً، وهذا زندقة وإلحاد في جنب الله، وإما أن يكون خارج الإنسان من التوجه إلى شيء من المعبودات والمخلوقات من الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله زوراً وبهتاناً.

    ولضرر الشرك وخطورته بين الله سبحانه وتعالى أنه أعظم الذنوب على الإطلاق، وقد جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن مسعود قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي ) .. الحديث.

    وجوب سد ذرائع الشرك ووسائله

    وللبعد عن الشرك ووجوب الحياطة منه حرم الله جل وعلا جملة من الوسائل الموصلة إليه، وإن كانت في ذاتها لا تكون كحال الشرك الأكبر، وإنما هي وسائل توصل إليه تحرف الإنسان عن الحق، ويتدرج في الباطل حتى يصل إلى الغاية، وذلك حيطةً وحذراً من الوقوع في الخطأ؛ وذلك أنه عرف بالعقل أنه كلما عظم الجرم، وجب على الإنسان أن يحتاط وأن يضع لذلك الجرم حمى، كحال الإنسان إذا وضع بئراً في مكان من الأماكن العامة, فإنه يحتاط لها؛ خشية أن يقع فيها الناس، وكلما كانت هذه البئر عظيمة وعميقة, كان الاحتياط في ذلك أكبر، فيزداد في سد الذرائع الموصلة إليها، ويجعل لها حمى ربما متراً، أو عشرة أو عشرين أو خمسين، وإذا كانت بئراً يسيرة لا تؤذي من سقط فيها, فإن الحياطه تكون أقل.

    لهذا جعل الله سبحانه وتعالى للشرك حياطة، وجعل له سبحانه وتعالى وسائل، وحذَّر من هذه الوسائل؛ وذلك أن هذه الوسائل توقع في شيء عظيم؛ ولهذا حذر الله سبحانه وتعالى من جميع صور الأقوال والأفعال والنيات الموصلة إلى الشرك الأكبر، وذلك أن الإنسان بطبيعته التدرج، فيتدرج بالوسائل حتى يصل إلى المقاصد، وهذا أمر معلوم بالأمور المادية المحسوسة، يدل عليه العقل والمنطق؛ ولهذا فإن كفار الأمم السابقة لم يقعوا في الكفر الأكبر مباشرة، وإنما تدرجوا على سبيل الاستحسان للوسائل.

    ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير عن محمد بن قيس أنه قال في قول الله جل وعلا: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23]، قال: كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، قال: فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون, دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم.

    وهذا نوع من الافتتان، فالابتداء كان في الصور، ثم تحول ذلك إلى ما هو أبعد منه، فوقعوا في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جعل الله جل وعلا -كما تقدم- حمى لتوحيده، وكذلك حمى للشرك؛ لئلا يقع الإنسان فيه، فإذا وقع الإنسان في الشرك الأصغر واستدامه, فغالباً أنه يقع في الشرك الأكبر، فالشرك ينقسم إلى قسمين: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو الشرك في الربوبية.

    والثاني: شرك في عبادته ومعاملته، حتى وإن كان صاحبه يعتقد أن الله جل وعلا لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهذا هو الشرك في العبادة والألوهية.

    1.   

    خطر الشرك الأكبر

    وينبغي للإنسان أن يكون بصيراً بجميع الصور التي حذر الله جل وعلا منها؛ حتى يكون الإنسان على حيطة من هذه الصور، وأن يعرف الأقسام؛ حتى يعرف قيمة من يوالي من أهل الإيمان، ومن يعادي من المخالفين من أهل الكفر والشرك؛ ولهذا نقول: إن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر.

    المراد بالشرك الأكبر وآثاره

    الشرك الأكبر: هو أن يتخذ الإنسان مع الله عز وجل نداً، ويكون هذا الند يعبد كما يعبد الله، وهذا الشرك ينقل الإنسان من الإيمان إلى الكفر إن كان على الإيمان، وكذلك فإنه يحبط جميع الأعمال فلا يوجد إلا كفة واحدة للإنسان، وهذه الكفة هي كفة السيئات، وصاحبه إن مات على ذلك فهو خالد مخلد في النار، لا يقضى عليه فيموت، ولا يخفف عنه العذاب، وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه لا يغفر لمن مات على ذلك الذنب، قال الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    أنواع الشرك الأكبر

    والشرك الأكبر له أنواع متعددة يذكرها العلماء, منها ما يتعلق بدعاء الإنسان، ومنها ما يتعلق بباطنه وقصده، ومنها ما يتعلق بطاعته، وما يتعلق بمسائل التشريع والانقياد فيما هو من حق الله، ومنها ما يتعلق بالمحبة، وكذلك الخوف, وغير ذلك من الأعمال الباطنة.

    وأول هذه الأنواع: هو شرك الجاهليين بدعائهم لغير الله سبحانه وتعالى، وهذا من أظهر أنواع الشرك؛ وذلك أن الدعاء هو العبادة، ففي حال ورود حق لأحد على الإنسان فإنه يتوجه إليه لا يتوجه إلى غيره، فإذا أنعم أحد على أحد، وكان له فضل عليه وشكر غيره عد ذلك ظلماً وعدواناً, ووضعاً للشيء في غير موضعه؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يتوجه بسؤاله لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الدعاء هو العبادة كما جاء عند الإمام أحمد والترمذي وغيرهما؛ وذلك أن الدعاء يتضمن الإقرار بأحقية ذلك المدعو بسؤاله دون غيره، وكذلك بقدرته على الإجابة، وهذا ما وقع فيه الجاهليون مع أصنامهم.

    فالدعاء في ذاته عبادة، والله سبحانه وتعالى أمر ألا يدعى إلا هو؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

    فصرف ذلك لغير الله شرك، لأي أحد كان، ولو كان معظماً محبوباً عند الله, من نبي, أو ملك, أو ولي، فضلاً عن غيرها من أمور الجمادات من الحجر, والشجر, والكواكب, والأفلاك, والنجوم وغيرها.

    وقد بين الله سبحانه وتعالى حال كفار قريش، وحال المشركين قاطبة في دعائهم لغير الله، وأنهم إذا كانوا في حال كرب شديد عرفوا ألا منجي لهم إلا الله، فتطهرت قلوبهم من الشرك لوجود الخوف؛ لهذا قال الله جل وعلا: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

    أخبر الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء المشركين بأنهم يشركون بالله في رخائهم ويخلصون في حال الكرب والشدة، وأعظم ذلك خطراً أن يشرك الإنسان في الحالين, في حال الكرب والشدة، وفي حال الرخاء، وهذا من أعظم الذنوب وأخطرها، وكذلك أعظم جرماً حتى من حال الجاهليين من كفار قريش وغيرهم؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا يتوجه لمنعم إلا لله سبحانه وتعالى، وإذا توجه لغير الله بسؤاله فيما لا يقدر عليه إلا الله, فقد أشرك مع الله غيره.

    1.   

    شرك النيات والمقاصد

    ومن أنواع الشرك -وهو النوع الثاني-: ما يتعلق بالأمور الباطنة، وهو النية، ويسميها العلماء بأعمال القلوب من الرياء والسمعة وإرادة الناس، وهذا يقع في الأعمال الظاهرة العظيمة, وفي الأعمال الدقيقة التي يحب الإنسان أن يحمد عليها، وهذا الحب إذا حمل الإنسان على أن يعمل أن يقدم ويحجم، وأن يزيد وينقص في العبادة فهذا هو النفاق، وإذا كانت تلك المحبة محبة لا تجعل الإنسان يزيد ولا ينقص، وإنما هي محبة فطرية, يحب الإنسان أن يكون مع أهل الإيمان، وأن يراه الناس في مجامع الخير ونحو ذلك, فهذا من الأمور الحسنة، وإذا منعه ذلك عن الإقدام فإن هذا من أعظم ما يمر الإنسان في دينه ظاهراً وباطناً.

    وذلك أن الإنسان إذا أحب مدح الناس بفعل الحق, فإنه سيفعل الباطل في حال ذمهم للحق، فيكون الإنسان ضعيف الإيمان؛ لهذا وجب عليه ألا يراقب إلا الله.

    وقد بين الله جل وعلا حال أولئك بإرادتهم بعملهم غير الله, قال سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، وقال جل وعلا مبيناً عاقبتهم عنده: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16]، وهذا الأمر نوع دقيق جداً, ويقع من المنافقين الخلص، ومن المشركين؛ فإن المشركين ما خرجوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رياءً, فجعلوا عمل الباطل لغير الله، فكان باطلاً وكان لغير الله، فكيف إذا كان حقاً وكان لغير الله؟ فإن ذلك مما لا يقبل.

    1.   

    شرك الطاعة

    ومن أنواع الشرك: شرك الطاعة، في الأمور التي لا يطاع فيها إلا الله مما بينه الله سبحانه وتعالى.

    والله جل وعلا حد حدوداً وشرع شرائع, وأنزل أحكاماً وفرض فرائض, وسن سنناً، أمر بالإتيان بها وليس لأحد أن يتدخل فيها, فذلك حكم الله جل وعلا، وهذا ما يسمى بالتشريع، وحكم الله سبحانه وتعالى.

    فمن جعل لأحد من دون الله الحق في أن يعبد غير الله في هذا الباب من التشريع, فقد كفر بالله سبحانه وتعالى.

    والخروج عن الطاعة والتمرد على أمر الآمر, موجب لإنزال العقوبة، وهو من الظلم؛ ولهذا نرى في أنظمة الدول, وكذلك المجتمعات مهما تنوعت, أن من خرج عن سياسة دولة أو عن طاعة والٍ، أن ذلك يعد من الخوارج عليه ومن المخالفين لنظامه، فيستوجب في ذلك التأديب والردع على بحسب ما يقتضيه الحال، ويعده الناس من الخوارج المارقين المتمردين, فكيف إذا كان خروج الإنسان على حكم الله، وعلى أمر الله سبحانه وتعالى وتشريعه؟

    وقد وقع بنو إسرائيل مع أحبارهم ورهبانهم فجعلوهم مشرعين من دون الله، فانصرفوا عن الله إلى غيره، كحال الذي يبايع خليفة ثم يتوجه إلى مبايعة آخر، والمبايعة الأولى صحيحة؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى مبيناً حال بني إسرائيل: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31].

    وبين الله سبحانه وتعالى أن بني إسرائيل وقعوا في الشرك، ووقوعهم في الشرك هذا بسبب اتخاذهم للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله؛ وذلك أن طاعة العلماء، وطاعة الكبراء والساسة ينبغي أن تكون على طاعة الله، وأنه ليس لأحد أن يشرع شيئاً قد شرعه الله عز وجل على نحو مخالف؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية وسمعها عدي بن حاتم الطائي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدي كان نصرانياً، والآية نزلت في بني إسرائيل، فقال الله جل وعلا: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة:31]، قال عدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! لسنا نعبدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: أليسوا يحرمون ما أحل الله، فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟! قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم )، وهذا الخبر قد رواه الترمذي وغيره.

    وفي هذا إشارة إلى أن حكم الله سبحانه وتعالى عبادة وتشريعه عبادة؛ لهذا قال جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، فما قضى الله عز وجل به أمراً وجعله تشريعاً وجب على الإنسان ألا يخالف إلى غيره، وإن خالفه إلى غيره ضل وزاغ؛ ولهذا الذين يشرعون تشريعات تخالف أمر الله، ويحلون الزنا برضا الطرفين، ويضعون تشريعات يحلون فيها ما حرم الله، فهذا من منازعة الله عز وجل في حقه.

    وإذا قال الإنسان: إن لهؤلاء الحق في وضع ما يرون لصالح الناس، فهذا هو الكفر الذي قصده الله سبحانه وتعالى في بني إسرائيل في قوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].

    وكثير من الناس يظن أن الربوبية أن يعبد الإنسان غير الله عبادة بالسجود والركوع، ويغفل أن الطاعة أيضاً كما أنها تكون لسيد ولوالد، والخروج عن ذلك مخالفة في الإتيان بالحق، كذلك في حق الله سبحانه وتعالى وتشريعه، فالله جل وعلا ما أنزل الشرائع إلا لتبين، وأن يعمل بها الناس، وأما من نظر إلى فعل حاكم فيما يخالف أمر الله وقال له: أن يشرع ما شاء فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأما ما يخالف الله جل وعلا فلا يطاع في ذلك، فيطاع فيما يؤمر به من حق الله، ويخالف فيما هو من غيره حق الله، فهؤلاء لا يقعون في هذا النوع من الشرك.

    وينبغي للإنسان أن يحذر من الوقوع في هذا خاصة في الدول غير الإسلامية، التي تضع أنظمة وقوانين تخالف أمر الله، وتحاد الله جل وعلا في حكمه وتشريعه؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعلم حدود الله جل وعلا ووجوه المخالفة، حتى يكون على حيطة وحذر، والله جل وعلا بين أن كثيراً من الناس يزعمون أنهم على الحق، ولكن عند مسألة الطاعة في الحلال والحرام يجعلون ذلك لغير الله، قال جل وعلا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:60]، فسمى الله جل وعلا من يحكم بغير ما أنزل الله على نبيه طاغوتاً، وهذا الطغيان الذي سماه الله سبحانه وتعالى يتجسد في المطاع إذا رضي بتلك الطاعة، ويتجسد أيضاً في الطائع، أيضاً باعتبار أنه طغا وتجاوز الحد الذي أذن الله عز وجل به.

    1.   

    شرك المحبة

    ومن أنواع الشرك: شرك الإنسان في المحبة، وهي من أمور القلب، ولها لوازم ظاهرة في الأقوال والأعمال، والمحبة هي محبة عبودية الله الذي يلزم معها الإجلال والتعظيم والذل والخضوع والانكسار، وهذا لا ينبغي أن يكون إلا لله سبحانه وتعالى، وإذا صرفت هذه المحبة لغير الله فقد أشرك الإنسان بالله عز وجل شركاً أكبر.

    وكثيرٌ من الناس يستشكلون أمثال هذه المعاني ويقولون: كيف لا نحب غير الله؟

    نقول: إن الله عز وجل لم ينف ولم يأمر بألا يحب غيره سبحانه وتعالى، وإنما أراد الله جل وعلا ألا يُحَب الإنسان أو المخلوق كمحبة الله؛ لهذا قال جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، أي: أنه ينبغي أن تكون المحبة قاصرة عن محبة الله، فيحب الإنسان أخاه وجاره، وزوجه وولده، ووالده ووالدته، وصاحبه وسيده، أو ملكه ورئيسه، ولكن لا يقدم ذلك على محبة الله.

    وعلامة ذلك وأمارته: في مسألة الانقياد عند تزاحم الحق، فإذا تنازع حق الله جل وعلا مع حق غيره من المحبوبات، فقدم الإنسان حق غير الله عليه، فهذا فيه أمارة على تقديم تلك المحبة على محبة الله في هذا الباب، وهذا الإنسان ربما يقع في شيء من الشرك الأصغر، وربما يقع في الشرك الأكبر، كما كان يفعل كفار قريش حينما أحبوا الأصنام والأوثان؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165].

    والمحبة تظهر قوتها وضعفها في أفعال الإنسان وأقواله، فإذا انصرف الإنسان إلى محبة غير الله فينظر إلى أفعاله، فإن صرف شيئاً من العبادة لغير الله فهذا أمارة على أنه ما أقام لتعظيم الله عز وجل وزناً في قلبه وهو كاذب في دعواه أنه يحب الله أكثر من غيره، وإذا توجه إلى الله عز وجل ولم يصرف شيئاً من الأفعال لغير الله فهذا دليل على صدق دعواه.

    ولهذا مسألة المحبة الفطرية، وكذلك الكراهة الفطرية مما يعذر فيه الإنسان، شريطة ألا يعمل وألا يقول بها الإنسان؛ لهذا ربما الإنسان يعجب من مشرك ويحب فيه أخلاقه، ويحب فيه قيامه، وإتقانه لعمله ونحو ذلك.

    ولكن ينبغي ألا يحمله ذلك على تقديمه على غيره من أهل الإيمان والإحسان؛ لهذا قال جل وعلا: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة:221]، فأثبت الله عز وجل وجود الإعجاب، وما أمر بنزعه، ولكن بين أن هذه الأمور الظاهرة ينبغي ألا تطغى على الشيء الباطن؛ لأنه إن عدل في ظاهر أمره فقد وقع في أعظم الظلم وهو الجور مع الله، فعبد صنماً وعبد حجراً، وعبد وثناً، وعبد بقرة، وعبد نجوماً، أو ألحد وتزندق، ولم يضع جبهته لله، فلا ننظر إلى أفعال جزئية ونقدمها على أمور عظيمة هي من حق الله سبحانه وتعالى.

    وكثير من الناس الذين يتعلقون بالماديات وبالأمور الظاهرة تطغى هذه النظرة لديهم على عظم حق الله، وينبغي أن يعلم أن مثل هذا الأمر فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بغيره إذا كان ممن ظلم نفسه بالإشراك مع الله عز وجل غيره، وكان من أهل الذمة أن عدم الإحسان إليه بابٌ منفك عن هذه المسألة، فالإحسان إليه شيء، وتقديمه على غيره من أهل الإيمان ومحبة دينه شيء آخر، فيحسن إليه تأليفاً لقلبه ويكرم، وإذا دعا أن يجاب تأليفاً لقلبه على الله عز وجل أن يهدي قلبه من ذلك الضلال وذلك الظلم الذي وقع فيه؛ ولهذا نقول: إن وجود الشيء الفطري بميل الإنسان إذا لم يحمله على شيء من الأقوال والأعمال فيقول: إن المؤمن أو إن الكافر أفضل من المؤمن، أو يقدمه ويجعله بطانة له فهذا من أمارات النفاق.

    وأما الميل القلبي الذي لا يحمل الإنسان على قول وفعل فهذا مما لا حرج فيه، وهذا أيضاً كما أنه في المحبة كذلك في الكره والبغض، فالإنسان ربما يكره شيئاً، الإنسان يكره أن تقتل نفسه وأن يفقد ماله في القتال في سبيل الله، ولكن ينبغي ألا يحمله ذلك على أن يقول بكراهة الجهاد، أو كراهة المقاتلة في سبيل الله؛ لهذا قال الله جل وعلا: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216]، يعني: الإنسان يكره أن يفقد شيئاً، ولكنه مكتوب فإذا سئل عنه يقول: شريعة ربانية، وإن قصر عنه من جهة الهمة، أو وجد شيئاً في قلبه من حب الدنيا وعدم الركون إلى العمل بتلك الطاعة، فنقول: إن هذا إذا كان لا يحمله على رد ذلك الحكم ونقضه، فإن هذا لا يدخل في هذا الباب، وهذا أمر فطري، ربما لا يستطيع الإنسان نزعه.

    وهذا كذلك فيما يتعلق بمسألة الإنسان مع زوجه، فالمسلم يجوز له أن يتزوج كتابية، وربما يتساءل بعض الناس كيف يتزوج الإنسان كتابية في الإسلام وهو مأمور بأن يوالي أولياء الله جل وعلا، وهم أهل الإيمان، وأن يعادي أعداء الله عز وجل وهم أهل الكفر؟

    نقول: إن علاقة الرجل بزوجته علاقة فطرية وميل قلبي لا ميل تعبدي شرعي، وهذا يظهر أيضاً في الوالدين، ربما يكون عند أحد من الناس والدان وهما على الشرك، فالله سبحانه وتعالى أمر بطاعتهما في طاعة الله، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي عليهما بل يحسن إليهما ويكرمهما، ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة، لا من الطاعة فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قد يكون الإنسان يهديه الله عز وجل للإسلام وأبوه يهودي أو نصراني فيحسن إليه، ويطيعه، ويحبه لجانب الأبوة.

    وكذلك من جهة الزوجة يحسن إليها بكفايتها ومئونتها ومعاشرتها، ويكره ما هي عليه من مخالفة أمر الله.

    وكذلك أن يفرق بين الطاعة فيما يغضب الله وما لا يغضبه، فإذا طلبت الزوجة النصرانية الإتيان بصليب أو الإتيان بصنم أو نحو ذلك، أو الإتيان بخمر فهذا لا يجوز أن تطاع فيه، لماذا؟ لأنه فيما يخالف أمر الله، وأما الإتيان بالطعام والكساء وقضاء الحاجة ونحو ذلك فهذا مما أباحه الله سبحانه وتعالى لعباده.

    وبهذا يظهر التفريق بين النوعين: المحبة الفطرية، والمحبة الشرعية، ولوازم ذلك من الأقوال والأعمال، ومما ينبغي أن يعلم كما تقدمت الإشارة إليه أن الشرك الذي بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو على نوعين: شركُ أكبر، وتقدم الإشارة إليه بأنواعه بمجموعها.

    1.   

    الشرك الأصغر وخطورته

    وشركٌ أصغر: والشرك الأصغر هو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر من الأعمال الظاهرة والباطنة.

    غفران الشرك الأصغر

    والله سبحانه وتعالى حينما قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، قال غير واحد من العلماء: إن هذه الآية يدخل فيها الشرك الأصغر أيضاً، وأن الله لا يغفر لصاحبه إلا أن يتوب، ولكن يختلف الشرك الأصغر عن الأكبر، أن الشرك الأصغر لا يكفر صاحبه، فلميزانه كفتان: كفة الحسنات والسيئات، فيكون الشرك الأصغر مع السيئات، يوازنه ويقابله مسألة الحسنات، فإن ثقلت حسناته كان من أهل الجنة، وإن ثقلت سيئاته ولم يتب الله جل وعلا عليه كان من أهل النار.

    وقد اختلف العلماء في دخول هذا الشرك في عدم الغفران، المذكور في الآية على قولين، وهما قولان لـابن تيمية رحمه الله.

    ومنهم من قال: إن الله سبحانه وتعالى حينما ذكر الشرك في هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، جعله عاماً، ويدخل فيه جميع الصور، ولكن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5]، وقال جل وعلا: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة:72]، يلزم من هذا أن نقول: إن تحريم الله عز وجل الجنة على عبده الذي يشرك معه شيئاً وإحباط جميع العلم ينبغي أن يكون أيضاً من الشرك الأصغر؛ لأنه جاء بإطلاق في هذه الآية، وكما نقول: بتقييدها هنا، نقول: بتقييدها هناك، وكلا الأمرين محتمل.

    خفاء بعض صور الشرك الأصغر على كثير من الناس

    وينبغي أن نعلم أن الشرك الأصغر -لكونه من الوسائل، وفيه أمور ظاهرة وباطنة- فإنه مما يخفى على كثير من الناس؛ ولهذا أظهر أنواع وأصناف الشرك الأصغر هو الرياء والسمعة؛ ولهذا الأنداد في قول الله جل وعلا: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، هم الذين ينصبهم الإنسان ويجعلهم من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الشرك الأصغر كما فسره غير واحد من العلماء، فالله جل وعلا حينما قال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، فسره جماعة من المفسرين: بأنه الشرك الأصغر.

    ولهذا قال غير واحد من العلماء: الأنداد: الشرك، أخفى من دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان! وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولو البط في الدار لأتى اللصوص، ولولا فلان وفلان وما شاء الله شئت، ولولا الله فلان ونحو ذلك، هذه ألفاظ توحي باقتران وتسوية ينبغي للإنسان أن يحذر منها، وهي من الشرك الأصغر الذي يفضي بالإنسان إلى تعظيم ذلك المذكور؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يقول: لولا الله ثم فلان، أو ما شاء الله ثم شئت، والأولى من ذلك أيضا أن يقول: ما شاء الله وحده، وإذا ذكر فضل إنسان يذكره على سبيل الانفراد لا على سبيل الجمع والاقتران مع الله.

    والشرك الأصغر له صور كثيرة متعددة، ومن ذلك ما يتعلق بالأفعال من تعليق التمائم، والتولة، مثل: أن يضع الإنسان على جسده شيئاً يستدفع به البلاء أو على بيته أو نحو ذلك، فيضع حجراً أو خيطاً أو قرناً أو يعلق على ساعده خيطاً أو يضع في يده معدناً يريد أن يدفع بذلك البلاء، أو ما يعلق على السيارات ونحو ذلك، فهذا من الأسباب التي لم يجعلها الله عز وجل أسباباً في ذاتها، فوجب أن يرجع فيها إلى الدليل.

    وكذلك ما يتعلق بالأمور القلبية من أن يتصور الإنسان أن معالم الكون تأمره وتنهاه، وهذا ما يسميه العلماء بالطيرة، وقد جاء في السنن عند أبي داود والترمذي من حديث زر عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل )، يعني: أن الإنسان يقع في نفسه شيء من النظر إلى معالم الكون ويرى لها تأثيراً بالهاجس والخاطر، لكن ينبغي للإنسان أن يذهبه بالتوكل على الله والاعتماد عليه.

    1.   

    أنواع الشرك الأصغر

    وينبغي أن نعلم أيضاً: أن الشرك الأصغر على نوعين:

    الشرك الأصغر الظاهر

    شركٌ ظاهر، وهو ما يقع في الأقوال والأفعال، وشركٌ باطن، ومن الشرك الظاهر في الأقوال، قول الإنسان: ما شاء الله وشئت، وقد جاء عند النسائي والإمام أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عباس: ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فقال الرجل: ما شاء الله، وشئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك، أجعلتني لله عدلاً؟! قل: ما شاء الله وحده )؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يقول: ما شاء الله وحده؛ وليس للإنسان مشيئة إلا بعد مشيئة الله؛ لهذا قال جل وعلا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وهذا الأصل في الشرك أنه الشرك الأصغر، ولكنه مع ذلك قد يفضي إلى الشرك الأكبر، بحسب نية قائله وقصده، وكذلك بحسب ما يتعلق بقلبه من ذلك المعظم.

    وأما شرك الأفعال: فهو ما تقدمت الإشارة إلى شيء منه، كلبس الخيط والحلقة لرفع البلاء ودفعه، أو جلب الخير، وتعليق التمائم خوفاً من العين؛ ولهذا قد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من تعلق تميمة فقد أشرك )؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من الشرك بجميع صوره وأنواعه، ومن اعتقد أن هذه الأسباب -التي لم يجعلها الله عز وجل أسباباً- هي أسباب لرفع البلاء ودفعه فهو شركٌ أصغر، كالذي يضع الخيط ويقول: هذا سبب، أو يعلق شيئاً على السيارة ويقول: هذا سبب، يدفع الله عز وجل به الشر، فهذا شرك أصغر، وإذا جعلها في ذاتها تنفع وتضر فهذا شركٌ أكبر، وهو ما كان عليه الجاهليون.

    الشرك الأصغر الخفي

    وأما النوع الثاني: وهو الشرك الخفي، والأول كما تقدم هو الشرك الظاهر من الشرك الأصغر، الثاني: هو الشرك الخفي، وهو الشرك في النيات والمقاصد والإرادات، وهذا يتداخل مع النوع الأول، باعتبار الرجوع إلى الباطل، وذلك كمن يعمل عملاً حسناً يتقرب به إلى الله جل وعلا فيقوم بتحسين ذلك العمل، يحب أن يمدح وأن يثنى عليه، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام أحمد في المسند من حديث محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء )، وهذا النوع من الشرك لا يكاد يسلم منه أحد.

    ولهذا يقول غير واحد من العلماء: إن هذا النوع من الشرك بحر لا ساحل له، قل من ينجو منه.

    وجوه السلامة من الشرك الخفي

    ومن أعظم وجوه السلامة في هذا النوع من الشرك: أن يكثر الإنسان من العبادة الباطنة التي لا يراها إلا الله سبحانه وتعالى، العبادة الباطنة السرية التي يفعلها الإنسان تزيد من إخلاص الأعمال الظاهر، وهذه موازنة معلومة؛ ولهذا كثيرٌ من أهل الرياء والسمعة ليس لهم من العمل الباطن شيء.

    ولهذا جاء رجل إلى حذيفة كما روى ابن عساكر وغيره وهو عمران فقال له: هل أنا من المنافقين؟ قال: هل تصلي إذا خلوت؟ قال: نعم، قال: اذهب فما جعلك الله منافقاً.

    لهذا ينبغي للإنسان أن يطهر الأعمال الظاهرة بالعمل الباطن؛ لأن العمل الباطن لا يمكن أن يكون إلا لله، فإذا صلى الإنسان في حجرة لا يراه فيها أحد، أو في خلوة، وذكر الله عز وجل وسبحه وهلل، فهذا لا يرجو فيه إلا الله، فينبغي في ذلك أن يتوجه لله سبحانه وتعالى سراً؛ لأن ذلك يعين على العمل الظاهر، وأما الذي يقلل من عبادة السر فهذا تكثر عليه مداخل الشيطان في العمل الظاهر؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يظهرها بالعمل القليل في الخفاء.

    ولهذا نستطيع أن نقول: إن وجود الرياء في الإنسان لا يخلو من أحوال:

    الحال الأولى: أن يقوم الإنسان بتأسيس عمل لغير الله، كالذي يذهب إلى الصلوات ولم يؤد الصلاة على الإطلاق إلا هذه المرة، أو إذا رأى الناس فقط، فهذا رياء لا يكون إلا من المنافقين الخلص، الذين ذكرهم الله عز وجل في سورة النساء، في قوله جل وعلا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]؛ لهذا لا يتصور ذلك أن يكون هذا من مؤمن وعمله في ذلك مردود إليه ولا خلاف في هذا.

    الحال الثانية: أن يكون العمل لله عز وجل ولكن يشاركه الرياء من أصله، فهذا أيضاً مردود، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله جل وعلا: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه )، والمراد من هذا: بيان أن الله سبحانه وتعالى غني عن عمل الإنسان، وقوله: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك )، الناس إذا تشاركوا في مال، تغالبوا كل يريد الزيادة، ولكن الله عز وجل إذا أشرك معه غيره سبحانه وتعالى ترك العمل كله للطرف الآخر، انظر هل ينفعك بذلك أم لا؟

    ولهذا قال الله عز وجل عن نفسه: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه )؛ لهذا العمل إذا خالطه شيء من الرياء لا يقبله الله سبحانه وتعالى، وهذا مما لا خلاف فيه.

    الحال الثالثة: أن يكون أصل العمل لله، ولكن طرأ عليه الرياء بالتحسين المتضمن لذات العبادة، والصورة العامة هي لله عز وجل يؤديها الإنسان، ولكنه ربما حسن وزيد فيها.

    فنقول: إن مثل هذا يرد من العمل بقدر ذلك التحسين ويقبل منه ما أخلص به لله جل وعلا، وينبغي أن نعلم أنه يجب على أهل الإيمان أن يحذروا ترك الأعمال؛ خشية الرياء والسمعة، وأن هذا من أعظم مداخل الشيطان على الإنسان، وربما يدخل على بعض الصالحين وبعض المتعبدين لله سبحانه وتعالى من هذا الباب، فيدع العبادة التي يعملها خشية أن يراءي.

    ولهذا قال الفضيل كما روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث محمد بن عبدويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، والمراد من هذا أنه ينبغي للإنسان إذا وجد في قلبه ميلاً لحب فلان أن يؤدي ما كان يؤديه، مع المجاهدة للقلب، وألا يدع ما هو عليه من الخير بل يجاهد ويفعل؛ لأن ترك العمل لأجل الناس من وجوه الرياء، ومعنى من وجوه الرياء: أن العبادة كانت قائمة لله سبحانه وتعالى على سبيل الدوام في مثل هذا الوقت، فتركها في مثل هذا الوقت إما أن يكون عبادة، وإما أن يكون عادة، وما يتعلق بالعبادة من الأفعال والتروك لا يكون إلا عبادة، فإذا فعل ذلك فترك العبادة عبادة يتدين بها الإنسان خشية الرياء، وهذا فعل ذلك لغير الله.

    وينبغي للإنسان أن يحذر من ترك العبادة لغير الله جل وعلا، بل يفعل ما كان معتاداً عليه، وأن يخلص لله سبحانه وتعالى.

    وينبغي أن يحذر الإنسان من هذا الباب وهو الرياء والسمعة، فمداخله عظيمة وصوره متنوعة، يكون حتى في الأمور الدقيقة في حب الإنسان لمدحه حتى من أقرب قريب إليه، الأب عند ابنه والعكس، والجار عند جاره، والأخ عند أخيه، وغير ذلك من الصور؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من هذه الصور وأن يتوقى بالاستعاذة من شرها، وطلب الكفاية من الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر

    وكذلك ينبغي أن نعلم أن ثمة فروقاً بين الشرك الأكبر والأصغر:

    فالشرك الأصغر هو من الوسائل الموصلة إلى الشرك الأكبر، والشرك الأكبر لا يغفره الله عز وجل لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فهذا من مواضع الخلاف كما تقدمت الإشارة إليه.

    كذلك فإن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه، وورده كما تقدم في قول الله جل وعلا: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ).

    كذلك الشرك الأكبر يخرج الإنسان من الملة، والشرك الأصغر لا يخرجه من الملة بالاتفاق.

    وكذلك فإن الشرك الأكبر صاحبه مخلد بالنار ومحرم عليها الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.

    لهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من هذه الأنواع كلها، وأن يحذر من الاسترسال في الرياء والسمعة، فإن الإنسان كلما استرسل في الرياء والسمعة أوصله ذلك إلى إنشاء عبادات لم يكن أنشأها لغير الله، فبدلاً من أن يكون قد وقع في الشرك الأصغر تدرج حتى وصل إلى الشرك الأكبر، وهو شرك المنافقين الخلص الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    من صور الشرك الحديثة

    والكلام على أنواع الشرك وصوره مما يطول جداً وأمثلته عريضة، والناس يتنوعون في كل زمن بالحديث عنه، وصور المستحدثات موجودة ما وجد الشيطان، ويوجد من صور الشرك الأصغر: ما يعلق في السيارات من صور ونحو ذلك، يظنون أنها تدفع البلاء عن الإنسان.

    وكذلك ما يعرف بالأبراج والأفلاك، فمن ولد في برج كذا وكذا فإن حياته ستكون كذا وكذا، وهذا لا شك أنه من الأمور التي لم تعرف شرعاً، ولم تكن معلومة أيضاً من جهة الحس، فنحن نجد طبائع الناس ولدوا في موضع واحد، بل نجد من الناس من هم توأم من أب وأم واحدة، ولدوا في ساعة واحدة، وتجد هذا شقياً وهذا سعيداً وهذا صالحاً وهذا طالحاً، وهذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا متزوجاً وهذا أعزب، وهذا مريضاً وهذا صحيحاً، وأخلاقهم الفطرية وأجناسهم وألوانهم متباينة، وهذا من أظهر الفساد المادي المشاهد بفساد مسألة الأبراج، وقد فتن كثير من الناس في وسائل الإعلام بأمثال هذا، وهذا من الشرك الأصغر؛ لجعل الإنسان هذه الأسباب أسباباً، وهي ليست مشروعة وليست معلومة أيضاً من جهة الحس.

    كذلك إن اعتقد الإنسان أن هذه الأبراج تتصرف بذاتها وليست هي الأسباب، فهذا هو الكفر المخرج من الملة، وقد جعل شيئاً من حق الله لغير الله، أعاذنا الله عز وجل من ذلك.

    وهذه الأنواع لها صور وأجناس وتستعمل على طرق متنوعة في الفضائيات ووسائل الإعلام المقروءة، وكذلك المسموعة، وإن انساق إليها كثير من الناس غفلة، أو عن جهل أو تجاهل بأحكام الله سبحانه وتعالى.

    أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يعيذنا من الشرك بجميع صوره وأنواعه، وأن يجعلنا من أهل التوحيد والسنة، وأن يجمع كلمتنا عليه، وأن يعيذنا من الشرك والبدعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734309177

    عدد مرات الحفظ

    684426790